صفحات الموقع

سورة يونس الآية ٩٨

سورة يونس الآية ٩٨

فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡیَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَاۤ إِیمَـٰنُهَاۤ إِلَّا قَوۡمَ یُونُسَ لَمَّاۤ ءَامَنُوا۟ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡیِ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَمَتَّعۡنَـٰهُمۡ إِلَىٰ حِینࣲ ﴿٩٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

يقول تعالى: " فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ " من القرى المكذبين " آمَنَتْ " حين رأيت العذاب " فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا " أي: لم يكن منهم أحد انتفع بإيمانه, حين رأى العذاب, كما قال تعالى عن فرعون ما تقدم قريبا, لما قال: " آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ " فقيل له " آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ " . وكما قال تعالى " فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ " . وقال تعالى " حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا " . والحكمة في هذا ظاهرة, فإن الإيمان الاضطراري, ليس بإيمان حقيقة, ولو صرف عنه العذاب, والأمر الذي اضطره إلى الإيمان, لرجع إلى الكفران. وقوله " إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ " فهم مستثنون من العموم السابق. ولا بد لذلك من حكمة لعالم الغيب والشهادة, لم تصل إلينا, ولم تدركها أفهامنا. قال الله تعالى " وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ " إلى قوله " وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ " . ولعل الحكمة في ذلك, أن غيرهم من المهلكين, لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. وأما قوم يونس, فإن الله أعلم أن إيمانهم سيستمر, بل قد استمر فعلا وثبتوا عليه, والله أعلم.

التفسير الميسر

لم ينفع الإيمان أهل قرية آمنوا عند معاينة العذاب إلا أهل قرية يونس بن مَتَّى، فإنهم لـمَّا أيقنوا أن العذاب نازل بهم تابوا إلى الله تعالى توبة نصوحا، فلمَّا تبيَّن منهم الصدق في توبتهم كشف الله عنهم عذاب الخزي بعد أن اقترب منهم، وتركهم في الدنيا يستمتعون إلى وقت إنهاء آجالهم.

تفسير الجلالين

"فَلَوْلَا" فَهَلَّا "كَانَتْ قَرْيَة" أُرِيدَ أَهْلهَا "آمَنَتْ" قَبْل نُزُول الْعَذَاب بِهَا "فَنَفَعَهَا إيمَانهَا إلَّا" لَكِنْ "قَوْم يُونُس لَمَّا آمَنُوا" عِنْد رُؤْيَة أَمَارَة الْعَذَاب وَلَمْ يُؤَخَّرُوا إلَى حُلُوله "كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَاب الْخِزْي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِين" انْقِضَاء آجَالهمْ

تفسير ابن كثير

يَقُول تَعَالَى فَهَلَّا كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ بِكَمَالِهَا مِنْ الْأُمَم السَّالِفَة الَّذِينَ بَعَثْنَا إِلَيْهِمْ الرُّسُل بَلْ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك يَا مُحَمَّد مِنْ رَسُول إِلَّا كَذَّبَهُ قَوْمه أَوْ أَكْثَرهمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " يَا حَسْرَة عَلَى الْعِبَاد مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُول إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ " " كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ مِنْ رَسُول إِلَّا قَالُوا سَاحِر أَوْ مَجْنُون " " وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارهمْ مُقْتَدُونَ " وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح " عُرِضَ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاء فَجَعَلَ النَّبِيّ يَمُرّ وَمَعَهُ الْفِئَام مِنْ النَّاس وَالنَّبِيّ يَمُرّ مَعَهُ الرَّجُل وَالنَّبِيّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ وَالنَّبِيّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَد " ثُمَّ ذَكَرَ كَثْرَة أَتْبَاع مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ثُمَّ ذَكَرَ كَثْرَة أُمَّته صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ كَثْرَة سَدَّتْ الْخَافِقَيْنِ الشَّرْقِيّ وَالْغَرْبِيّ وَالْغَرَض أَنَّهُ لَمْ تُوجَد قَرْيَة آمَنَتْ بِكَمَالِهَا بِنَبِيِّهِمْ مِمَّنْ سَلَفَ مِنْ الْقُرَى إِلَّا قَوْم يُونُس وَهُمْ أَهْل نِينَوَى وَمَا كَانَ إِيمَانهمْ إِلَّا خَوْفًا مِنْ وُصُول الْعَذَاب الَّذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ رَسُولهمْ بَعْدَ مَا عَايَنُوا أَسْبَابه وَخَرَجَ رَسُولهمْ مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ فَعِنْدهَا جَأَرُوا إِلَى اللَّه وَاسْتَغَاثُوا بِهِ وَتَضَرَّعُوا لَهُ وَاسْتَكَانُوا وَأَحْضَرُوا أَطْفَالهمْ وَدَوَابّهمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَسَأَلُوا اللَّه تَعَالَى أَنْ يَرْفَع عَنْهُمْ الْعَذَاب الَّذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ نَبِيّهمْ فَعِنْدهَا رَحِمَهُمْ اللَّه وَكَشَفَ عَنْهُمْ الْعَذَاب وَأُخِّرُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى " إِلَّا قَوْم يُونُس لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَاب الْخِزْي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين " وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ هَلْ كُشِفَ عَنْهُمْ الْعَذَاب الْأُخْرَوِيّ مَعَ الدُّنْيَوِيّ أَوْ إِنَّمَا كُشِفَ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا فَقَطْ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ : " أَحَدهمَا " إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَا هُوَ مُقَيَّد فِي هَذِهِ الْآيَة. " وَالثَّانِي " فِيهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى " وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَة أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين " فَأَطْلَقَ عَلَيْهِمْ الْإِيمَان وَالْإِيمَان مُنْقِذ مِنْ الْعَذَاب الْأُخْرَوِيّ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ قَتَادَة فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة لَمْ يَنْفَع قَرْيَة كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ حِين حَضَرَهَا الْعَذَاب فَتُرِكَتْ إِلَّا قَوْم يُونُس لَمَّا فَقَدُوا نَبِيّهمْ وَظَنُّوا أَنَّ الْعَذَاب قَدْ دَنَا مِنْهُمْ قَذَفَ اللَّه فِي قُلُوبهمْ التَّوْبَة وَلَبِسُوا الْمُسُوح وَفَرَّقُوا بَيْن كُلّ بَهِيمَة وَوَلَدهَا ثُمَّ عَجُّوا إِلَى اللَّه أَرْبَعِينَ لَيْلَة فَلَمَّا عَرَفَ اللَّه مِنْهُ الصِّدْق مِنْ قُلُوبهمْ وَالتَّوْبَة وَالنَّدَامَة عَلَى مَا مَضَى مِنْهُمْ كَشَفَ عَنْهُمْ الْعَذَاب بَعْد أَنْ تَدَلَّى عَلَيْهِمْ قَالَ قَتَادَة وَذُكِرَ أَنَّ قَوْم يُونُس بِنِينَوَى الْمَوْصِل وَكَذَا رُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَغَيْر وَاحِد مِنْ السَّلَف وَكَانَ اِبْن مَسْعُود يَقْرَؤُهَا " فَهَلَّا كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ " وَقَالَ أَبُو عِمْرَان عَنْ أَبِي الْجَلْد قَالَ لَمَّا نَزَلَ بِهِمْ الْعَذَاب جَعَلَ يَدُور عَلَى رُءُوسهمْ كَقِطَعِ اللَّيْل الْمُظْلِم فَمَشَوْا إِلَى رَجُل مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالُوا عَلِّمْنَا دُعَاء نَدْعُوا بِهِ لَعَلَّ اللَّه أَنْ يَكْشِف عَنَّا الْعَذَاب فَقَالَ قُولُوا يَا حَيّ حِين لَا حَيّ يَا حَيّ يَا مُحْيِي الْمَوْتَى يَا حَيّ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ قَالَ فَكُشِفَ عَنْهُمْ الْعَذَاب وَتَمَام الْقِصَّة سَيَأْتِي مُفَصَّلًا فِي سُورَة الصَّافَّات إِنْ شَاءَ اللَّه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانهَا إِلَّا قَوْم يُونُس } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَهَلَّا كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ ! وَهِيَ كَذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ . وَمَعْنَى الْكَلَام : فَمَا كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ عِنْد مُعَايَنَتهَا الْعَذَاب وَنُزُول سَخَط اللَّه بِهَا بِعِصْيَانِهَا رَبّهَا وَاسْتِحْقَاقهَا عِقَابه , فَنَفَعَهَا إِيمَانهَا ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت , كَمَا لَمْ يَنْفَع فِرْعَوْن إِيمَانه حِين أَدْرَكَهُ الْغَرَق بَعْد تَمَادِيهِ فِي غَيِّهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ سَخَطَ اللَّهِ بِمَعْصِيَتِهِ . { إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ } فَإِنَّهُمْ نَفَعَهُمْ إِيمَانهمْ بَعْد نُزُول الْعُقُوبَة وَحُلُول السَّخَط بِهِمْ . فَاسْتَثْنَى اللَّه قَوْم يُونُس مِنْ أَهْل الْقُرَى الَّذِينَ لَمْ يَنْفَعهُمْ إِيمَانهمْ بَعْد نُزُول الْعَذَاب بِسَاحَتِهِمْ , وَأَخْرَجَهُمْ مِنْهُمْ , وَأَخْبَرَ خَلْقه أَنَّهُ نَفَعَهُمْ إِيْمَانهمْ خَاصَّة مِنْ بَيْن سَائِر الْأُمَم غَيْرهمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ : { فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانهَا } بِمَعْنَى فَمَا كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ بِمَعْنَى الْجُحُود , فَكَيْف نُصِبَ " قَوْم " وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَا قَبْل الِاسْتِثْنَاء إِذَا كَانَ جَحْدًا كَانَ مَا بَعْدَهُ مَرْفُوعًا , وَأَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ كَلَام الْعَرَب : مَا قَامَ أَحَد إِلَّا أَخُوك , وَمَا خَرَجَ أَحَد إِلَّا أَبُوك ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُون كَذَلِكَ إِذَا كَانَ مَا بَعْد الِاسْتِثْنَاء مِنْ جِنْس مَا قَبْله ; وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخَ مِنْ جِنْس أَحَد , وَكَذَلِكَ الْأَب . وَلَكِنْ لَوْ اِخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ حَتَّى يَكُون مَا بَعْد الِاسْتِثْنَاء مِنْ غَيْر جِنْس مَا قَبْله كَانَ الْفَصِيح مِنْ كَلَامهمْ النَّصْب , وَذَلِكَ لَوْ قُلْت : مَا بَقِيَ فِي الدَّار أَحَد إِلَّا الْوَتَد , وَمَا عِنْدَنَا أَحَد إِلَّا كَلْبًا أَوْ حِمَارًا ; لِأَنَّ الْكَلْبَ وَالْوَتَدَ وَالْحِمَارَ مِنْ غَيْر جِنْس أَحَد , وَمِنْهُ قَوْل النَّابِغَة الذِّبْيَانِيّ : أَعْيَتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَد ثُمَّ قَالَ : إِلَّا أَوَارِيَّ لَأْيًا مَا أُبَيِّنهَا وَالنُّؤْي كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَد فَنَصَبَ " الْأَوَارِيَّ " إِذْ كَانَ مُسْتَثْنًى مِنْ غَيْر جِنْسه , فَكَذَلِكَ نَصَبَ قَوْمَ يُونُسَ لِأَنَّهُمْ أُمَّة غَيْر الْأُمَم الَّذِينَ اِسْتُثْنُوا مِنْهُمْ مِنْ غَيْر جِنْسهمْ وَشَكْلهمْ وَإِنْ كَانُوا مِنْ بَنِي آدَم , وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُ أَهْل الْعَرَبِيَّة الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطِع . وَلَوْ كَانَ قَوْم يُونُس بَعْض الْأُمَّة الَّذِينَ اُسْتُثْنُوا مِنْهُمْ كَانَ الْكَلَام رَفْعًا , وَلَكِنَّهُمْ كَمَا وَصَفْت . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13844 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانهَا } يَقُول : لَمْ تَكُنْ قَرْيَة آمَنَتْ فَنَفَعَهَا الْإِيمَان إِذَا نَزَلَ بِهَا بَأْس اللَّه , إِلَّا قَرْيَة يُونُس . قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ مُجَاهِد : فَلَمْ تَكُنْ قَرْيَة آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانهَا كَمَا نَفَعَ قَوْم يُونُس إِيمَانهمْ إِلَّا قَوْم يُونُس . 13845 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانهَا إِلَّا قَوْم يُونُس لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَاب الْخِزْي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين } يَقُول : لَمْ يَكُنْ هَذَا فِي الْأُمَم قَبْلَهُمْ لَمْ يَنْفَع قَرْيَة كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ حِين حَضَرَهَا الْعَذَاب فَتُرِكَتْ , إِلَّا قَوْم يُونُس لَمَّا فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ وُطِّنُوا أَنَّ الْعَذَاب قَدْ دَنَا مِنْهُمْ , قَذَفَ اللَّه فِي قُلُوبهمْ التَّوْبَةَ وَلَبِسُوا الْمُسُوح وَأَلِهُوا بَيْن كُلّ بَهِيمَة وَوَلَدهَا , ثُمَّ عَجُّوا إِلَى اللَّه أَرْبَعِينَ لَيْلَة . فَلَمَّا عَرَفَ اللَّه الصِّدْق مِنْ قُلُوبهمْ وَالتَّوْبَة وَالنَّدَّامَة عَلَى مَا مَضَى مِنْهُمْ , كَشَفَ اللَّه عَنْهُمْ الْعَذَاب بَعْدَ أَنْ تَدَلَّى عَلَيْهِمْ . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ قَوْمَ يُونُس كَانُوا بِنِينَوَى أَرْض الْمَوْصِل . 13846 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { إِلَّا قَوْمَ يُونُس } قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَنَزَلُوا عَلَى تَلّ وَفَرَّقُوا بَيْن كُلّ بَهِيمَة وَوَلَدهَا يَدْعُونَ اللَّه أَرْبَعِينَ لَيْلَة حَتَّى تَابَ عَلَيْهِمْ . 13847 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْحَمِيد الْحِمَّانِيّ , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الْمَلِك , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : غَشِيَ قَوْم يُونُس الْعَذَاب كَمَا يَغْشَى الثَّوْب الْقَبْر . 13848 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ صَالِح الْمُرِّيّ , عَنْ قَتَادَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ الْعَذَابَ كَانَ هَبَطَ عَلَى قَوْم يُونُس , حَتَّى لَمْ يَكُنْ بَيْنهمْ وَبَيْنه إِلَّا قَدْر ثُلُثَيْ مِيل , فَلَمَّا دَعَوْا كَشَفَ اللَّه عَنْهُمْ . 13849 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد وَإِسْحَاق ; قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانهَا إِلَّا قَوْم يُونُس لَمَّا آمَنُوا } قَالَ : كَمَا نَفَعَ قَوْم يُونُس . زَادَ أَبُو حُذَيْفَة فِي حَدِيثه قَالَ : لَمْ تَكُنْ قَرْيَة آمَنَتْ حِين رَأَتْ الْعَذَابَ فَنَفَعَهَا إِيمَانهَا , إِلَّا قَوْم يُونُس مَتَّعْنَاهُمْ . 13850 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , ثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : ثَنَا رَجُل قَدْ قَرَأَ الْقُرْآن فِي صَدْره فِي إِمَارَة عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَحَدَّثَ عَنْ قَوْم يُونُس حِين أَنْذَرَ قَوْمه فَكَذَّبُوهُ , فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْعَذَابَ يُصِيبهُمْ فَفَارَقَهُمْ , فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ وَغَشِيَهُمْ الْعَذَاب لِكِنِّهِمْ , خَرَجُوا مِنْ مَسَاكِنهمْ وَصَعِدُوا فِي مَكَان رَفِيع , وَأَنَّهُمْ جَأَرُوا إِلَى رَبّهمْ وَدَعَوْهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ الْعَذَاب , وَأَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ رَسُولهمْ . قَالَ : فَفِي ذَلِكَ أُنْزِلَ : { فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَة آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُس لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين } فَلَمْ تَكُنْ قَرْيَة غَشِيَهَا الْعَذَاب ثُمَّ أُمْسِكَ عَنْهَا إِلَّا قَوْم يُونُس خَاصَّة ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ يُونُس , لَكِنَّهُ ذَهَبَ عَاتِبًا عَلَى رَبّه وَانْطَلَقَ مُغَاضِبًا وَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِر عَلَيْهِ , حَتَّى رَكِبَ فِي سَفِينَة فَأَصَابَ أَهْلهَا عَاصِف الرِّيح . فَذَكَرَ قِصَّة يُونُس وَخَبَره . 13851 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , قَالَ : لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ يَنْزِل فَرَّقُوا بَيْن كُلّ أُنْثَى وَوَلَدهَا مِنْ النَّاس وَالْأَنْعَام , ثُمَّ قَامُوا جَمِيعًا فَدَعَوْا اللَّه وَأَخْلَصُوا إِيمَانهمْ , فَرَأَوْا الْعَذَاب يُكْشَف عَنْهُمْ . قَالَ يُونُس حِين كُشِفَ عَنْهُمْ الْعَذَاب : أَرْجِع إِلَيْهِمْ وَقَدْ كَذَبْتهمْ ؟ وَكَانَ يُونُس قَدْ وَعَدَهُمْ الْعَذَاب بِصُبْحِ ثَالِثَة , فَعِنْد ذَلِكَ خَرَجَ مُغْضَبًا وَسَاءَ ظَنّه . 13852 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الْمَلِك , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا أَرْسَلَ يُونُس إِلَى قَوْمه يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام وَتَرْك مَا هُمْ عَلَيْهِ , قَالَ : فَدَعَاهُمْ فَأَبَوْا , فَقِيلَ لَهُ : أَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْعَذَاب مُصَبِّحُهُمْ ! فَقَالُوا : إِنَّا لَمْ نُجَرِّب عَلَيْهِ كَذِبًا فَانْظُرُوا , فَإِنْ بَاتَ فِيكُمْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ , وَإِنْ لَمْ يَبِتْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَذَاب مُصَبِّحُكُمْ . فَلَمَّا كَانَ فِي جَوْف اللَّيْل أَخَذَ مِخْلَاته فَتَزَوَّدَ فِيهَا شَيْئًا , ثُمَّ خَرَجَ . فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَغَشَّاهُمْ الْعَذَاب كَمَا يَتَغَشَّى الْإِنْسَان الثَّوْب فِي الْقَبْر , فَفَرَّقُوا بَيْن الْإِنْسَان وَوَلَده وَبَيْن الْبَهِيمَة وَوَلَدهَا , ثُمَّ عَجُّوا إِلَى اللَّه , فَقَالُوا : آمَنَّا بِمَا جَاءَ بِهِ يُونُس وَصَدَّقْنَا ! فَكَشَفَ اللَّه عَنْهُمْ الْعَذَاب , فَخَرَجَ يُونُس يَنْظُر الْعَذَاب فَلَمْ يَرَ شَيْئًا , قَالَ : جَرَّبُوا عَلَيَّ كَذِبًا . فَذَهَبَ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ حَتَّى أَتَى الْبَحْر . 13853 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون , قَالَ : ثَنَا اِبْن مَسْعُود فِي بَيْت الْمَال , قَالَ : إِنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ قَدْ وَعَدَ قَوْمَهُ الْعَذَابَ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَأْتِيهِمْ إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام , فَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلّ وَالِدَة وَوَلَدِهَا , ثُمَّ خَرَجُوا فَجَأَرُوا إِلَى اللَّه وَاسْتَغْفَرُوهُ فَكَفَّ عَنْهُمْ الْعَذَاب , وَغَدَا يُونُس يَنْظُر الْعَذَاب فَلَمْ يَرَ شَيْئًا , وَكَانَ مَنْ كَذَبَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَة قُتِلَ . فَانْطَلَقَ مُغَاضِبًا . 13854 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثَنَا صَالِح الْمُرِّيّ , عَنْ أَبِي عِمْرَان الْجَوْنِيّ , عَنْ أَبِي الْجَلَد جِيلَان قَالَ : لَمَّا غَشِيَ قَوْم يُونُس الْعَذَاب مَشَوْا إِلَى شَيْخ مِنْ بَقِيَّة عُلَمَائِهِمْ , فَقَالُوا لَهُ : إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِنَا الْعَذَاب فَمَا تَرَى ؟ فَقَالَ : قُولُوا يَا حَيّ حِين لَا حَيّ , وَيَا حَيّ مُحْيِي الْمَوْتَى , وَيَا حَيّ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ ! فَكَشَفَ عَنْهُمْ الْعَذَاب وَمُتِّعُوا إِلَى حِين . 13855 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : بَلَغَنِي فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود : " فَلَوْلَا يَقُول فَهَلَّا " . وَقَوْله : { لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَاب الْخِزْي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَقُول : لَمَّا صَدَّقُوا رَسُولَهُمْ وَأَقَرُّوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ بَعْدَمَا أَظَلَّهُمْ الْعَذَاب وَغَشِيَهُمْ أَمْر اللَّه وَنَزَلَ بِهِمْ الْبَلَاء , كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَاب الْهَوَان وَالذُّلّ فِي حَيَاتهمْ الدُّنْيَا . { وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين } يَقُول : وَأَخَّرْنَا فِي آجَالهمْ وَلَمْ نُعَاجِلهُمْ بِالْعُقُوبَةِ , وَتَرَكْنَاهُمْ فِي الدُّنْيَا يَسْتَمْتِعُونَ فِيهَا بِآجَالِهِمْ إِلَى حِين مَمَاتهمْ وَوَقْت فَنَاء أَعْمَارهمْ الَّتِي قَضَيْت فَنَاءَهَا .

تفسير القرطبي

قَالَ الْأَخْفَش وَالْكِسَائِيّ : أَيْ فَهَلَّا . وَفِي مُصْحَف أُبَيّ وَابْن مَسْعُود " فَهَلَّا " وَأَصْل لَوْلَا فِي الْكَلَام التَّحْضِيض أَوْ الدَّلَالَة عَلَى مَنْع أَمْر لِوُجُودِ غَيْره . وَمَفْهُوم مِنْ مَعْنَى الْآيَة نَفْي إِيمَان أَهْل الْقُرَى ثُمَّ اِسْتَثْنَى قَوْم يُونُس ; فَهُوَ بِحَسَبِ اللَّفْظ اِسْتِئْنَاء مُنْقَطِع , وَهُوَ بِحَسَبِ الْمَعْنَى مُتَّصِل ; لِأَنَّ تَقْدِيره مَا آمَنَ أَهْل قَرْيَة إِلَّا قَوْم يُونُس . وَالنَّصْب فِي " قَوْم " هُوَ الْوَجْه , وَكَذَلِكَ أَدْخَلَهُ سِيبَوَيْهِ فِي ( بَاب مَا لَا يَكُون إِلَّا مَنْصُوبًا ) . قَالَ النَّحَّاس : " إِلَّا قَوْم يُونُس " نُصِبَ لِأَنَّهُ اِسْتِئْنَاء لَيْسَ مِنْ الْأَوَّل , أَيْ لَكِنَّ قَوْم يُونُس ; هَذَا قَوْل الْكِسَائِيّ وَالْأَخْفَش وَالْفَرَّاء . وَيَجُوز . " إِلَّا قَوْم يُونُس " بِالرَّفْعِ , وَمِنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِي الرَّفْع مَا قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج قَالَ : يَكُون الْمَعْنَى غَيْر قَوْم يُونُس , فَلَمَّا جَاءَ بِإِلَّا أُعْرِبَ الِاسْم الَّذِي بَعْدهَا بِإِعْرَابِ غَيْر ; كَمَا قَالَ : وَكُلّ أَخ مُفَارِقه أَخُوهُ لَعَمْر أَبِيك إِلَّا الْفَرْقَدَانِ وَرُوِيَ فِي قِصَّة قَوْم يُونُس عَنْ جَمَاعَة مِنْ الْمُفَسِّرِينَ : أَنَّ قَوْم يُونُس كَانُوا بِنِينَوَى مِنْ أَرْض الْمَوْصِل وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَام , فَأَرْسَلَ اللَّه إِلَيْهِمْ يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام وَتَرْك مَا هُمْ عَلَيْهِ فَأَبَوْا ; فَقِيلَ : إِنَّهُ أَقَامَ يَدْعُوهُمْ تِسْع سِنِينَ فَيَئِسَ مِنْ إِيمَانهمْ ; فَقِيلَ لَهُ : أَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْعَذَاب مُصَبِّحهمْ إِلَى ثَلَاث فَفَعَلَ , وَقَالُوا : هُوَ رَجُل لَا يَكْذِب فَارْقُبُوهُ فَإِنْ أَقَامَ مَعَكُمْ وَبَيْن أَظْهُركُمْ فَلَا عَلَيْكُمْ , وَإِنْ اِرْتَحَلَ عَنْكُمْ فَهُوَ نُزُول الْعَذَاب لَا شَكّ ; فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل تَزَوَّدَ يُونُس وَخَرَجَ عَنْهُمْ فَأَصْبَحُوا فَلَمْ يَجِدُوهُ فَتَابُوا وَدَعَوْا اللَّه وَلَبِسُوا الْمُسُوح وَفَرَّقُوا بَيْن الْأُمَّهَات وَالْأَوْلَاد مِنْ النَّاس وَالْبَهَائِم , وَرَدُّوا الْمَظَالِم فِي تِلْكَ الْحَالَة . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : وَكَانَ الرَّجُل يَأْتِي الْحَجَر قَدْ وَضَعَ عَلَيْهِ أَسَاس بُنْيَانه فَيَقْتَلِعهُ فَيَرُدّهُ ; وَالْعَذَاب مِنْهُمْ فِيمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَلَى ثُلُثَيْ مِيل . وَرُوِيَ عَلَى مِيل . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُمْ غَشِيَتْهُمْ ظُلَّة وَفِيهَا حُمْرَة فَلَمْ تَزَلْ تَدْنُو حَتَّى وَجَدُوا حَرّهَا بَيْن أَكْتَافهمْ . وَقَالَ اِبْن جُبَيْر : غَشِيَهُمْ الْعَذَاب كَمَا يَغْشَى الثَّوْب الْقَبْر , فَلَمَّا صَحَّتْ تَوْبَتهمْ رَفَعَ اللَّه عَنْهُمْ الْعَذَاب . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : خُصَّ قَوْم يُونُس مِنْ بَيْن سَائِر الْأُمَم بِأَنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ بَعْد مُعَايَنَة الْعَذَاب ; وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الْمُفَسِّرِينَ . وَقَالَ الزَّجَّاج : إِنَّهُمْ لَمْ يَقَع بِهِمْ الْعَذَاب , وَإِنَّمَا رَأَوْا الْعَلَامَة الَّتِي تَدُلّ عَلَى الْعَذَاب , وَلَوْ رَأَوْا عَيْن الْعَذَاب لَمَا نَفَعَهُمْ الْإِيمَان . قُلْت : قَوْل الزَّجَّاج حَسَن ; فَإِنَّ الْمُعَايَنَة الَّتِي لَا تَنْفَع التَّوْبَة مَعَهَا هِيَ التَّلَبُّس بِالْعَذَابِ كَقِصَّةِ فِرْعَوْن , وَلِهَذَا جَاءَ بِقِصَّةِ قَوْم يُونُس عَلَى أَثَر قِصَّة فِرْعَوْن لِأَنَّهُ آمَنَ حِين رَأَى الْعَذَاب فَلَمْ يَنْفَعهُ ذَلِكَ , وَقَوْم يُونُس تَابُوا قَبْل ذَلِكَ . وَيُعَضِّد هَذَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد مَا لَمْ يُغَرْغِر ) . وَالْغَرْغَرَة الْحَشْرَجَة , وَذَلِكَ هُوَ حَال التَّلَبُّس بِالْمَوْتِ , وَأَمَّا قَبْل ذَلِكَ فَلَا . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَى مَا قُلْنَاهُ عَنْ اِبْن مَسْعُود , أَنَّ يُونُس لَمَّا وَعَدَهُمْ الْعَذَاب إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام خَرَجَ عَنْهُمْ فَأَصْبَحُوا فَلَمْ يَجِدُوهُ فَتَابُوا وَفَرَّقُوا بَيْن الْأُمَّهَات وَالْأَوْلَاد ; وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ تَوْبَتهمْ قَبْل رُؤْيَة عَلَامَة الْعَذَاب . وَسِيَاتِي مُسْنَدًا مُبَيَّنًا فِي سُورَة " وَالصَّافَّات " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَيَكُون مَعْنَى أَيْ الْعَذَاب الَّذِي وَعَدَهُمْ بِهِ يُونُس أَنَّهُ يَنْزِل بِهِمْ , لَا أَنَّهُمْ رَأَوْهُ عِيَانًا وَلَا مُخَايَلَة ; وَعَلَى هَذَا لَا إِشْكَال وَلَا تَعَارُض وَلَا خُصُوص , وَاَللَّه أَعْلَم . وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ أَهْل نِينَوَى فِي سَابِق الْعِلْم مِنْ السُّعَدَاء . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْحَذَر لَا يَرُدّ الْقَدَر , وَإِنَّ الدُّعَاء لَيَرُدّ الْقَدَر . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : " إِلَّا قَوْم يُونُس لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَاب الْخِزْي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا " . قَالَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : وَذَلِكَ يَوْم عَاشُورَاء . قِيلَ إِلَى أَجَلهمْ , قَالَ السُّدِّيّ وَقِيلَ : إِلَى أَنْ يَصِيرُوا إِلَى الْجَنَّة أَوْ إِلَى النَّار ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس .

غريب الآية
فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡیَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَاۤ إِیمَـٰنُهَاۤ إِلَّا قَوۡمَ یُونُسَ لَمَّاۤ ءَامَنُوا۟ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡیِ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَمَتَّعۡنَـٰهُمۡ إِلَىٰ حِینࣲ ﴿٩٨﴾
فَلَوۡلَافهَلَّا.
ٱلۡخِزۡیِالذُّلِّ والهَوانِ.
إِلَىٰ حِینࣲإلى وقتِ انقضاءِ آجالِهم.
الإعراب
(فَلَوْلَا)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَوْلَا) : حَرْفُ تَحْضِيضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كَانَتْ)
فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(قَرْيَةٌ)
اسْمُ كَانَ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(آمَنَتْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هِيَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ.
(فَنَفَعَهَا)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نَفَعَ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(إِيمَانُهَا)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(إِلَّا)
حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(قَوْمَ)
مُسْتَثْنًى مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(يُونُسَ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ.
(لَمَّا)
ظَرْفُ زَمَانٍ شَرْطِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(آمَنُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ فِعْلُ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(كَشَفْنَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(عَنْهُمْ)
(عَنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(عَذَابَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْخِزْيِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْحَيَاةِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الدُّنْيَا)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(وَمَتَّعْنَاهُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَتَّعْنَا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(إِلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(حِينٍ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.