وَلَاۤ أَنتُمۡ عَـٰبِدُونَ مَاۤ أَعۡبُدُ ﴿٥﴾
التفسير
تفسير السعدي
ولا أنتم عابدون مستقبلا ما أعبد.
التفسير الميسر
ولا أنتم عابدون مستقبلا ما أعبد. وهذه الآية نزلت في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم الله أنهم لا يؤمنون أبدًا.
تفسير الجلالين
" وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ " فِي الِاسْتِقْبَال " مَا أَعْبُد " عَلِمَ اللَّه مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ , وَإِطْلَاق مَا عَلَى اللَّه عَلَى وَجْه الْمُقَابَلَة .
تفسير ابن كثير
أَيْ لَا تَقْتَدُونَ بِأَوَامِر اللَّه وَشَرْعه فِي عِبَادَته بَلْ قَدْ اِخْتَرَعْتُمْ شَيْئًا مِنْ تِلْقَاء أَنْفُسكُمْ كَمَا قَالَ " إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُس وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبّهمْ الْهُدَى" فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ فِي جَمِيع مَا هُمْ فِيهِ فَإِنَّ الْعَابِد لَا بُدّ لَهُ مِنْ مَعْبُود يَعْبُدهُ وَعِبَادَة يَسْلُكهَا إِلَيْهِ فَالرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتْبَاعه يَعْبُدُونَ اللَّه بِمَا شَرَعَهُ وَلِهَذَا كَانَ كَلِمَة الْإِسْلَام لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مُحَمَّد رَسُول اللَّه أَيْ لَا مَعْبُود إِلَّا اللَّه وَلَا طَرِيق إِلَيْهِ إِلَّا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ غَيْر اللَّه عِبَادَة لَمْ يَأْذَن بِهَا اللَّه .
تفسير الطبري
{ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ } فِيمَا تَسْتَقْبِلُونَ أَبَدًا
{ مَا أَعْبُد } أَنَا الْآن , وَفِيمَا أَسْتَقْبِل . وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِأَنَّ الْخِطَاب مِنْ اللَّه كَانَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَشْخَاص بِأَعْيَانِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , قَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أَبَدًا , وَسَبَقَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي السَّابِق مِنْ عِلْمه , فَأَمَرَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤَيِّسهُمْ مِنْ الَّذِي طَمِعُوا فِيهِ , وَحَدَّثُوا بِهِ أَنْفُسهمْ , وَأَنَّ ذَلِكَ غَيْر كَائِن مِنْهُ وَلَا مِنْهُمْ , فِي وَقْت مِنْ الْأَوْقَات , وَآيَسَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الطَّمَع فِي إِيمَانهمْ , وَمِنْ أَنْ يُفْلِحُوا أَبَدًا , فَكَانُوا كَذَلِكَ لَمْ يُفْلِحُوا وَلَمْ يَنْجَحُوا , إِلَى أَنْ قَتَلَ بَعْضهمْ يَوْم بَدْر بِالسَّيْفِ , وَهَلَكَ بَعْض قَبْل ذَلِكَ كَافِرًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , وَجَاءَتْ بِهِ الْآثَار. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 29563 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مُوسَى الْحَرَشِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو خَلَف , قَالَ : ثَنَا دَاوُد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ قُرَيْشًا وَعَدُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْطُوهُ مَالًا , فَيَكُون أَغْنَى رَجُل بِمَكَّة , وَيُزَوِّجُوهُ مَا أَرَادَ مِنْ النِّسَاء , وَيَطَئُوا عَقِبه , فَقَالُوا لَهُ : هَذَا لَك عِنْدنَا يَا مُحَمَّد , وَكُفَّ عَنْ شَتْم آلِهَتنَا , فَلَا تَذْكُرهَا بِسُوءٍ , فَإِنْ لَمْ تَفْعَل , فَإِنَّا نَعْرِض عَلَيْك خَصْلَة وَاحِدَة , فَهِيَ لَك وَلَنَا فِيهَا صَلَاح . قَالَ : " مَا هِيَ ؟ " قَالُوا : تَعْبُد آلِهَتنَا سَنَة : اللَّاتِ وَالْعُزَّى , وَنَعْبُد إِلَهك سَنَة , قَالَ : " حَتَّى أَنْظُر مَا يَأْتِي مِنْ عِنْد رَبِّي " , فَجَاءَ الْوَحْي مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ : { قُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ } السُّورَة , وَأَنْزَلَ اللَّه : { قُلْ أَفَغَيْر اللَّه تَأْمُرُونِّي أَعْبُد أَيّهَا الْجَاهِلُونَ } إِلَى قَوْله : { فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ } 39 64 : 66 . 29564- حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثَنِي سَعِيد بْن مِينَا مَوْلَى البَّخْتَرِيّ , قَالَ : لَقِيَ الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة وَالْعَاص بْن وَائِل , وَالْأَسْوَد بْن الْمُطَّلِب , وَأُمَيَّة بْن خَلَف , رَسُول اللَّه , فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد , هَلُمَّ فَلْنَعْبُدْ مَا تَعْبُد , وَتَعْبُد مَا نَعْبُد , وَنُشْرِكك فِي أَمْرنَا كُلّه , فَإِنْ كَانَ الَّذِي جِئْت بِهِ خَيْرًا مِمَّا بِأَيْدِينَا كُنَّا قَدْ شَرِكْنَاك فِيهِ , وَأَخَذْنَا بِحَظِّنَا مِنْهُ ; وَإِنْ كَانَ الَّذِي بِأَيْدِينَا خَيْرًا مِمَّا فِي يَدَيْك , كُنْت قَدْ شَرِكْتنَا فِي أَمْرنَا , وَأَخَذْت مِنْهُ بِحَظِّك , فَأَنْزَلَ اللَّه : { قُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ } حَتَّى اِنْقَضَتْ السُّورَة .
تفسير القرطبي
عَلَى التَّكْرِير فِي اللَّفْظ دُون الْمَعْنَى , مِنْ قِبَل أَنَّ التَّقَابُل يُوجِب أَنْ يَكُون : وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا عَبَدْت , فَعَدَلَ عَنْ لَفْظ عَبَدْت إِلَى أَعْبُد , إِشْعَارًا بِأَنَّ مَا عُبِدَ فِي الْمَاضِي هُوَ الَّذِي يُعْبَد فِي الْمُسْتَقْبَل , مَعَ أَنَّ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَل قَدْ يَقَع أَحَدهمَا مَوْقِع الْآخَر . وَأَكْثَر مَا يَأْتِي ذَلِكَ فِي أَخْبَار اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَالَ : " مَا أَعْبُد " , وَلَمْ يَقُلْ : مَنْ أَعْبُد ; لِيُقَابِل بِهِ " وَلَا أَنَا عَابِد مَا عَبَدْتُمْ " وَهِيَ أَصْنَام وَأَوْثَان , وَلَا يَصْلُح فِيهَا إِلَّا " مَا " دُون " مَنْ " فَحَمَلَ الْأَوَّل عَلَى الثَّانِي , لِيَتَقَابَل الْكَلَام وَلَا يَتَنَافَى . وَقَدْ جَاءَتْ " مَا " لِمَنْ يَعْقِل . وَمِنْهُ قَوْلهمْ : سُبْحَان مَا سَخَّرَكُنَّ لَنَا . وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى الْآيَات وَتَقْدِيرهَا : قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُد الْأَصْنَام الَّتِي تَعْبُدُونَهَا , وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي أَعْبُدهُ ; لِإِشْرَاكِكُمْ بِهِ , وَاِتِّخَاذكُمْ الْأَصْنَام , فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَعْبُدُونَهُ , فَأَنْتُمْ كَاذِبُونَ ; لِأَنَّكُمْ تَعْبُدُونَهُ مُشْرِكِينَ . فَأَنَا لَا أَعْبُد مَا عَبَدْتُمْ , أَيْ مِثْل عِبَادَتكُمْ ; " فَمَا " مَصْدَرِيَّة . وَكَذَلِكَ " وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد " مَصْدَرِيَّة أَيْضًا ; مَعْنَاهُ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مِثْل عِبَادَتِي , الَّتِي هِيَ تَوْحِيد .
غريب الآية
وَلَاۤ أَنتُمۡ عَـٰبِدُونَ مَاۤ أَعۡبُدُ ﴿٥﴾
| وَلَاۤ أَنتُمۡ عَـٰبِدُونَ مَاۤ أَعۡبُدُ | وما أنتُم عابِدُونَ في المسْتَقْبَلِ ما أَعْبُدُ مِنْ إلهٍٍ واحدٍ، هُوَ اللهُ رَبُّ العالمَينَ المُسْتَحِقُّ وَحْدَهُ لِلعِبادةِ.
|
|---|
| وَلَاۤ أَنتُمۡ عَـٰبِدُونَ مَاۤ أَعۡبُدُ | وَلَا أنتُم عابِدُونَ مُسْتَقْبلاً ما أَعْبُدُ.
|
|---|
الإعراب
(وَلَا) "الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَنْتُمْ) ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(عَابِدُونَ) خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.
(مَا) اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(أَعْبُدُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنَا"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.