سورة هود الآية ١٠٧
سورة هود الآية ١٠٧
خَـٰلِدِینَ فِیهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَاۤءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالࣱ لِّمَا یُرِیدُ ﴿١٠٧﴾
تفسير السعدي
" خَالِدِينَ فِيهَا " أي: في النار, التي هذا عذابها " مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ " أي: خالدين فيها أبدا, إلا المدة التي شاء الله, أن لا يكونوا فيها, كما قاله جمهور المفسرين. فالاستثناء على هذا, راجع إلى ما قبل دخولها, فهم خالدون فيها جميع الأزمان, سوى الزمن الذي قبل الدخول فيها. " إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ " فكل ما أراد فعله واقتضته حكمته, فعله, تبارك وتعالى, لا يرده أحد عن مراده.
التفسير الميسر
فأما الذين شَقُوا في الدنيا لفساد عقيدتهم وسوء أعمالهم، فالنار مستقرهم، لهم فيها من شدة ما هم فيه من العذاب زفير وشهيق، وهما أشنع الأصوات وأقبحها، ماكثين في النار أبدًا ما دامت السموات والأرض، فلا ينقطع عذابهم ولا ينتهي، بل هو دائم مؤكَّد، إلا ما شاء ربك من إخراج عصاة الموحدين بعد مدَّة من مكثهم في النار. إن ربك -أيها الرسول- فعَّال لما يريد.
تفسير الجلالين
"خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض" أَيْ مُدَّة دَوَامهمَا فِي الدُّنْيَا "إلَّا" غَيْر "مَا شَاءَ رَبّك" مِنْ الزِّيَادَة عَلَى مُدَّتهمَا مِمَّا لَا مُنْتَهَى لَهُ وَالْمَعْنَى خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
تفسير ابن كثير
" خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض " قَالَ الْإِمَام أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير : مِنْ عَادَة الْعَرَب إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَصِف الشَّيْء بِالدَّوَامِ أَبَدًا قَالَتْ هَذَا دَائِم دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ هُوَ بَاقٍ مَا اِخْتَلَفَ اللَّيْل وَالنَّهَار وَمَا سَمَرَ أَبْنَاء سَمِير وَمَا لَأْلَأَتْ الْعِير بِأَذْنَابِهَا. يَعْنُونَ بِذَلِكَ كُلّه أَبَدًا فَخَاطَبَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِمَا يَتَعَارَفُونَهُ بَيْنهمْ فَقَالَ " خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض " قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِ " مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض " الْجِنْس لِأَنَّهُ لَا بُدّ فِي عَالَم الْآخِرَة مِنْ سَمَاوَات وَأَرْض كَمَا قَالَ تَعَالَى " يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض غَيْر الْأَرْض وَالسَّمَاوَات " وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله " مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض" قَالَ : يَقُول سَمَاء غَيْر هَذِهِ السَّمَاء وَأَرْض غَيْر هَذِهِ فَمَا دَامَتْ تِلْكَ السَّمَاء وَتِلْكَ الْأَرْض . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : ذُكِرَ عَنْ سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ الْحَكَم عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله " مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض " قَالَ : لِكُلِّ جَنَّة سَمَاء وَأَرْض وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ : مَا دَامَتْ الْأَرْض أَرْضًا وَالسَّمَاء سَمَاء. وَقَوْله " إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك إِنَّ رَبّك فَعَّال لَمَا يُرِيد" كَقَوْلِهِ " النَّار مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه إِنَّ رَبّك حَكِيم عَلِيم " وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَاد مِنْ هَذَا الِاسْتِثْنَاء عَلَى أَقْوَال كَثِيرَة حَكَاهَا الشَّيْخ أَبُو الْفَرَج ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابِهِ زَاد الْمَسِير وَغَيْره مِنْ عُلَمَاء التَّفْسِير وَنَقَلَ كَثِيرًا مِنْهَا الْإِمَام أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير رَحِمَهُ اللَّه فِي كِتَابه وَاخْتَارَ هُوَ مَا نَقَلَهُ عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَابْن سِنَان وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن أَيْضًا أَنَّ الِاسْتِثْنَاء عَائِد عَلَى الْعُصَاة مِنْ أَهْل التَّوْحِيد مِمَّنْ يُخْرِجُهُمْ اللَّه مِنْ النَّار بِشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ مِنْ الْمَلَائِكَة وَالنَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَشْفَعُونَ فِي أَصْحَاب الْكَبَائِر ثُمَّ تَأْتِي رَحْمَة أَرْحَم الرَّاحِمِينَ فَتُخْرِج مِنْ النَّار مَنْ لَمْ يَعْمَل خَيْرًا قَطُّ وَقَالَ يَوْمًا مِنْ الدَّهْر لَا إِلَه إِلَّا اللَّه كَمَا وَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَخْبَار الصَّحِيحَة الْمُسْتَفِيضَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَضْمُونِ ذَلِكَ مِنْ حَدِيث أَنَس وَجَابِر وَأَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة وَغَيْرهمْ مِنْ الصَّحَابَة وَلَا يَبْقَى بَعْد ذَلِكَ فِي النَّار إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُود فِيهَا وَلَا مَحِيد لَهُ عَنْهَا , وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة . وَقَدْ رُوِيَ فِي تَفْسِيرهَا عَنْ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَجَابِر وَأَبِي سَعِيد مِنْ الصَّحَابَة وَعَنْ أَبِي مِجْلَز وَالشَّعْبِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ التَّابِعِينَ وَعَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَغَيْرهمَا مِنْ الْأَئِمَّة فِي أَقْوَال غَرِيبَة وَوَرَدَ حَدِيث غَرِيب فِي مُعْجَم الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير عَنْ أَبِي أُمَامَة صُدَيّ بْن عَجْلَان الْبَاهِلِيّ وَلَكِنَّ سَنَده ضَعِيف وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ قَتَادَة : اللَّه أَعْلَم بِثُنْيَاهُ ; وَقَالَ السُّدِّيّ هِيَ مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ" خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا " .
تفسير القرطبي
" مَا دَامَتْ " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الظَّرْف ; أَيْ دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَالتَّقْدِير : وَقْت ذَلِكَ . وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل هَذَا ; فَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ الضَّحَّاك : الْمَعْنَى مَا دَامَتْ سَمَوَات الْجَنَّة وَالنَّار وَأَرْضهمَا وَالسَّمَاء كُلّ مَا عَلَاك فَأَظَلَّك , وَالْأَرْض مَا اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَدَمك ; وَفِي التَّنْزِيل : " وَأَوْرَثَنَا الْأَرْض نَتَبَوَّأ مِنْ الْجَنَّة حَيْثُ نَشَاء " [ الزُّمَر : 74 ] . وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ السَّمَاء وَالْأَرْض الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي الْإِخْبَار عَنْ دَوَام الشَّيْء وَتَأْبِيده ; كَقَوْلِهِمْ : لَا آتِيك مَا جَنَّ لَيْل , أَوْ سَالَ سَيْل , وَمَا اِخْتَلَفَ اللَّيْل وَالنَّهَار , وَمَا نَاحَ الْحَمَام , وَمَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَنَحْو هَذَا مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِنْ غَيْر نِهَايَة ; فَأَفْهَمَهُمْ اللَّه تَخْلِيد الْكَفَرَة بِذَلِكَ . وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْبَرَ بِزَوَالِ السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ جَمِيع الْأَشْيَاء الْمَخْلُوقَة أَصْلهَا مِنْ نُور الْعَرْش , وَأَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي الْآخِرَة تُرَدَّانِ إِلَى النُّور الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ ; فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُور الْعَرْش . فِي مَوْضِع نَصْب ; لِأَنَّهُ اِسْتِثْنَاء لَيْسَ مِنْ الْأَوَّل ; وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَال عَشَرَة : الْأُولَى : أَنَّهُ اِسْتِثْنَاء مِنْ قَوْله : " فَفِي النَّار " كَأَنَّهُ قَالَ : إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك مِنْ تَأْخِير قَوْم عَنْ ذَلِكَ ; وَهَذَا قَوْل رَوَاهُ أَبُو نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ وَجَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مَنْ شَاءَ ; لِأَنَّ الْمُرَاد الْعَدَد لَا الْأَشْخَاص ; كَقَوْلِهِ : " مَا طَابَ لَكُمْ " [ النِّسَاء : 3 ] . وَعَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِلَّا مَنْ شَاءَ أَلَّا يُدْخِلهُمْ وَإِنْ شَقُوا بِالْمَعْصِيَةِ ) . الثَّانِي : أَنَّ الِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا هُوَ لِلْعُصَاةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْرَاجهمْ بَعْد مُدَّة مِنْ النَّار ; وَعَلَى هَذَا يَكُون قَوْله : " فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا " عَامًّا فِي الْكَفَرَة وَالْعُصَاة , وَيَكُون الِاسْتِثْنَاء مِنْ " خَالِدِينَ " ; قَالَهُ قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَأَبُو سِنَان وَغَيْرهمْ . وَفِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيث أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَدْخُل نَاس جَهَنَّم حَتَّى إِذَا صَارُوا كَالْحُمَمَةِ أُخْرِجُوا مِنْهَا وَدَخَلُوا الْجَنَّة فَيُقَال هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " النِّسَاء " وَغَيْرهَا . الثَّالِث : أَنَّ الِاسْتِثْنَاء مِنْ الزَّفِير وَالشَّهِيق ; أَيْ لَهُمْ فِيهَا زَفِير وَشَهِيق إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك مِنْ أَنْوَاع الْعَذَاب الَّذِي لَمْ يَذْكُرهُ , وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَنَّة مِنْ النَّعِيم مَا ذُكِرَ , وَمَا لَمْ يُذْكَر . حَكَاهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ . الرَّابِع : قَالَ اِبْن مَسْعُود : " خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض " لَا يَمُوتُونَ فِيهَا , وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا " إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " وَهُوَ أَنْ يَأْمُر النَّار فَتَأْكُلهُمْ وَتُفْنِيَهُمْ , ثُمَّ يُجَدِّد خَلْقهمْ . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل خَاصّ بِالْكَافِرِ وَالِاسْتِثْنَاء لَهُ فِي الْأَكْل , وَتَجْدِيد الْخَلْق . الْخَامِس : أَنَّ " إِلَّا " بِمَعْنَى " سِوَى " كَمَا تَقُول فِي الْكَلَام : مَا مَعِي رَجُل إِلَّا زَيْد , وَلِي عَلَيْك أَلْفَا دِرْهَم إِلَّا الْأَلْف الَّتِي لِي عَلَيْك . قِيلَ : فَالْمَعْنَى مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض سِوَى مَا شَاءَ رَبّك مِنْ الْخُلُود . السَّادِس : أَنَّهُ اِسْتِثْنَاء مِنْ الْإِخْرَاج , وَهُوَ لَا يُرِيد أَنْ يُخْرِجهُمْ مِنْهَا . كَمَا تَقُول فِي الْكَلَام : أَرَدْت أَنْ أَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَشَاء غَيْره , وَأَنْتَ مُقِيم عَلَى ذَلِكَ الْفِعْل ; فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجهُمْ لَأَخْرَجَهُمْ ; وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا , ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الزَّجَّاج عَنْ أَهْل اللُّغَة , قَالَ : وَلِأَهْلِ الْمَعَانِي قَوْلَانِ آخَرَانِ , فَأَحَد الْقَوْلَيْنِ : " خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " مِنْ مِقْدَار مَوْقِفهمْ عَلَى رَأْس قُبُورهمْ , وَلِلْمُحَاسَبَةِ , وَقَدْر مُكْثهمْ فِي الدُّنْيَا , وَالْبَرْزَخ , وَالْوُقُوف لِلْحِسَابِ . وَالْقَوْل الْآخَر : وُقُوع الِاسْتِثْنَاء فِي الزِّيَادَة عَلَى النَّعِيم وَالْعَذَاب , وَتَقْدِيره : " خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " مِنْ زِيَادَة النَّعِيم لِأَهْلِ النَّعِيم , وَزِيَادَة الْعَذَاب لِأَهْلِ الْجَحِيم . قُلْت : فَالِاسْتِثْنَاء فِي الزِّيَادَة مِنْ الْخُلُود عَلَى مُدَّة كَوْن السَّمَاء وَالْأَرْض الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عَلِيّ , أَيْ خَالِدِينَ فِيهَا مِقْدَار دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَذَلِكَ مُدَّة الْعَالَم , وَلِلسَّمَاءِ وَالْأَرْض وَقْت يَتَغَيَّرَانِ فِيهِ , وَهُوَ قَوْله سُبْحَانه : " يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض غَيْر الْأَرْض " [ إِبْرَاهِيم : 48 ] فَخَلَقَ اللَّه سُبْحَانه الْآدَمِيِّينَ وَعَامَلَهُمْ , وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ بِالْجَنَّةِ , وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُمْ يَوْم الْمِيثَاق , فَمَنْ وَفَّى بِذَلِكَ الْعَهْد فَلَهُ الْجَنَّة , وَمَنْ ذَهَبَ بِرَقَبَتِهِ يَخْلُد فِي النَّار بِمِقْدَارِ دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض ; فَإِنَّمَا دَامَتَا لِلْمُعَامَلَةِ ; وَكَذَلِكَ أَهْل الْجَنَّة خُلُود فِي الْجَنَّة بِمِقْدَارِ ذَلِكَ ; فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَة وَقَعَ الْجَمِيع فِي مَشِيئَة اللَّه ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا لَاعِبِينَ . مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ " [ الدُّخَان : 39 ] فَيَخْلُد أَهْل الدَّارَيْنِ بِمِقْدَارِ دَوَامهمَا , وَهُوَ حَقّ الرُّبُوبِيَّة بِذَلِكَ الْمِقْدَار مِنْ الْعَظَمَة ; ثُمَّ أَوْجَبَ لَهُمْ الْأَبَد فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ لِحَقِّ الْأَحَدِيَّةِ ; فَمَنْ لَقِيَهُ مُوَحِّدًا لِأَحَدِيَّتِهِ بَقِيَ فِي دَاره أَبَدًا , وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا بِأَحَدِيَّتِهِ إِلَهًا بَقِيَ فِي السِّجْن أَبَدًا ; فَأَعْلَمَ اللَّه الْعِبَاد مِقْدَار الْخُلُود , ثُمَّ قَالَ : " إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " مِنْ زِيَادَة الْمُدَّة الَّتِي تَعْجِز الْقُلُوب عَنْ إِدْرَاكهَا لِأَنَّهُ لَا غَايَة لَهَا ; فَبِالِاعْتِقَادِ دَامَ خُلُودهمْ فِي الدَّارَيْنِ أَبَدًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ " إِلَّا " بِمَعْنَى الْوَاو , قَالَهُ الْفَرَّاء وَبَعْض أَهْل النَّظَر وَهُوَ الثَّامِن : وَالْمَعْنَى : وَمَا شَاءَ رَبّك مِنْ الزِّيَادَة فِي الْخُلُود عَلَى مُدَّة دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي الدُّنْيَا . وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : " إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا " [ الْبَقَرَة : 150 ] أَيْ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا . وَقَالَ الشَّاعِر : وَكُلّ أَخ مُفَارِقه أَخُوهُ لَعَمْر أَبِيك إِلَّا الْفَرْقَدَانِ أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد مَكِّيّ : وَهَذَا قَوْل بَعِيد عِنْد الْبَصْرِيِّينَ أَنْ تَكُون " إِلَّا " بِمَعْنَى الْوَاو , وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " بَيَانه . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ كَمَا شَاءَ رَبّك ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاء إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ " [ النِّسَاء : 22 ] أَيْ كَمَا قَدْ سَلَفَ , وَهُوَ : التَّاسِع , الْعَاشِر : وَهُوَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيق الِاسْتِثْنَاء الَّذِي نَدَبَ الشَّرْع إِلَى اِسْتِعْمَاله فِي كُلّ كَلَام ; فَهُوَ عَلَى حَدّ قَوْله تَعَالَى : " لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِد الْحَرَام إِنْ شَاءَ اللَّه آمِنِينَ " [ الْفَتْح : 27 ] فَهُوَ اِسْتِثْنَاء فِي وَاجِب , وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء فِي حُكْم الشَّرْط كَذَلِكَ ; كَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ شَاءَ رَبّك ; فَلَيْسَ يُوصَف بِمُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِع ; وَيُؤَيِّدهُ وَيُقَوِّيه قَوْله تَعَالَى : " عَطَاء غَيْر مَجْذُوذ " وَنَحْوه عَنْ أَبِي عُبَيْد قَالَ : تَقَدَّمَتْ عَزِيمَة الْمَشِيئَة مِنْ اللَّه تَعَالَى فِي خُلُود الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ ; فَوَقَعَ لَفْظ الِاسْتِثْنَاء , وَالْعَزِيمَة قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْخُلُود , قَالَ : وَهَذَا مِثْل قَوْله تَعَالَى : " لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِد الْحَرَام إِنْ شَاءَ اللَّه آمِنِينَ " [ الْفَتْح : 27 ] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهُ حَتْمًا , فَلَمْ يُوجِب الِاسْتِثْنَاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ خِيَارًا ; إِذْ الْمَشِيئَة قَدْ تَقَدَّمَتْ , بِالْعَزِيمَةِ فِي الْخُلُود فِي الدَّارَيْنِ وَالدُّخُول فِي الْمَسْجِد الْحَرَام ; وَنَحْوه عَنْ الْفَرَّاء . وَقَوْل : حَادِي عَشَرَ : وَهُوَ أَنَّ الْأَشْقِيَاء هُمْ السُّعَدَاء , وَالسُّعَدَاء هُمْ الْأَشْقِيَاء لَا غَيْرهمْ , وَالِاسْتِثْنَاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ رَاجِع إِلَيْهِمْ ; وَبَيَانه أَنَّ " مَا " بِمَعْنَى " مَنْ " اِسْتَثْنَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الدَّاخِلِينَ فِي النَّار الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا مَعَهُمْ مِنْ الْإِيمَان , وَاسْتَثْنَى مِنْ الدَّاخِلِينَ فِي الْجَنَّة الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّار بِذُنُوبِهِمْ قَبْل دُخُول الْجَنَّة ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّة . وَهُمْ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمْ الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي ; كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى : " فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار لَهُمْ فِيهَا زَفِير وَشَهِيق خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " أَلَّا يُخَلِّدهُ فِيهَا , وَهُمْ الْخَارِجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِيمَانِهِمْ وَبِشَفَاعَةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَهُمْ بِدُخُولِهِمْ النَّار يُسَمَّوْنَ الْأَشْقِيَاء , وَبِدُخُولِهِمْ الْجَنَّة يُسَمَّوْنَ السُّعَدَاء ; كَمَا رَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس إِذْ قَالَ : الَّذِينَ سَعِدُوا شَقُوا بِدُخُولِ النَّار ثُمَّ سَعِدُوا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَدُخُولهمْ الْجَنَّة . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَحَفْص وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا " بِضَمِّ السِّين . وَقَالَ أَبُو عَمْرو : وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ سَعِدُوا أَنَّ الْأَوَّل شَقُوا وَلَمْ يَقُلْ أُشْقُوا . قَالَ النَّحَّاس : وَرَأَيْت عَلِيّ بْن سُلَيْمَان يَتَعَجَّب مِنْ قِرَاءَة الْكِسَائِيّ " سُعِدُوا " مَعَ عِلْمه بِالْعَرَبِيَّةِ ! إِذْ كَانَ هَذَا لَحْنًا لَا يَجُوز ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَال : سَعِدَ فُلَان وَأَسْعَدَهُ اللَّه , وَأَسْعَدَ مِثْل أَمْرَضَ ; وَإِنَّمَا اِحْتَجَّ الْكِسَائِيّ بِقَوْلِهِمْ : مَسْعُود وَلَا حُجَّة لَهُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يُقَال : مَكَان مَسْعُود فِيهِ , ثُمَّ يُحْذَف فِيهِ وَيُسَمَّى بِهِ . وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَمَنْ ضَمَّ السِّين مِنْ " سُعِدُوا " فَهُوَ مَحْمُول عَلَى قَوْلهمْ : مَسْعُود وَهُوَ شَاذّ قَلِيل ; لِأَنَّهُ لَا يُقَال : سَعِدَهُ اللَّه ; إِنَّمَا يُقَال : أَسْعَدَهُ اللَّه . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ : " سُعِدُوا " بِضَمِّ السِّين أَيْ رُزِقُوا السَّعَادَة ; يُقَال : سَعِدَ وَأَسْعَدَ بِمَعْنًى وَاحِد وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " سَعِدُوا " بِفَتْحِ السِّين قِيَاسًا عَلَى " شَقُوا " وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَالسَّعَادَة خِلَاف الشَّقَاوَة ; تَقُول : مِنْهُ سَعِدَ الرَّجُل بِالْكَسْرِ فَهُوَ سَعِيد , مِثْل سَلِمَ فَهُوَ سَلِيم , وَسَعِدَ فَهُوَ مَسْعُود ; وَلَا يُقَال فِيهِ : مُسْعَد , كَأَنَّهُمْ اِسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِمَسْعُودٍ . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر عَبْد الرَّحِيم : وَقَدْ وَرَدَ سَعِدَهُ اللَّه فَهُوَ مَسْعُود , وَأَسْعَدَهُ اللَّه فَهُوَ مُسْعَد ; فَهَذَا يُقَوِّي قَوْل الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ : لَا يُقَال سَعِدَ فُلَان كَمَا لَا يُقَال شَقِيَ فُلَان ; لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَدَّى .
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian