صفحات الموقع

سورة هود الآية ١١٩

سورة هود الآية ١١٩

إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَ ٰ⁠لِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِینَ ﴿١١٩﴾

التفسير

تفسير السعدي

" إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ " فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به, والاتفاق عليه. فهؤلاء سبقت لهم, سابقة السعادة, وتداركتهم العناية الربانية, والتوفيق الإلهي. وأما من عداهم, فهم مخذولون موكولون إلى أنفسهم. وقوله: " وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ " أي: اقتضت حكمته, أنه خلقهم, ليكون منهم السعداء والأشقياء, والمتفقون والمختلفون, والفريق الذي هدى الله, والفريق الذي حقت عليهم الضلالة. ليتبين للعباد, عدله, وحكمته, وليظهر, ما كمن في الطباع البشرية, من الخير والشر, ولتقوم سوق الجهاد والعبادات, التي لا تتم ولا تستقيم, إلا بالامتحان والابتلاء. ولأنه " وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ " فلا بد أن ييسر للنار أهلا, يعملون بأعمالها الموصلة إليها.

التفسير الميسر

إلا مَن رحم ربك فآمنوا به واتبعوا رسله، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله وما جاءت به الرسل من عند الله، وقد اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أنه خَلَقهم مختلفين: فريق شقيٌّ وفريق سعيد، وكل ميسر لما خُلِق له. وبهذا يتحقق وعد ربك في قضائه وقدره: أنه سبحانه سيملأ جهنم من الجن والإنس الذين اتبعوا إبليس وجنده ولم يهتدوا للإيمان.

تفسير الجلالين

"إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك" أَرَادَ لَهُمْ الْخَيْر فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ "وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ" أَيْ أَهْل الِاخْتِلَاف لَهُ وَأَهْل الرَّحْمَة لَهَا "وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك" وَهِيَ

تفسير ابن كثير

وَقَوْله " إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك " أَيْ إِلَّا الْمَرْحُومِينَ مِنْ أَتْبَاع الرُّسُل الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الَّذِينَ أَخْبَرَتْهُمْ بِهِ رُسُل اللَّه إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُمْ حَتَّى كَانَ النَّبِيّ وَخَاتَم الرُّسُل وَالْأَنْبِيَاء فَاتَّبَعُوهُ وَصَدَّقُوهُ وَوَازَرُوهُ فَفَازُوا بِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لِأَنَّهُمْ الْفِرْقَة النَّاجِيَة كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْمَرْوِيّ فِي الْمَسَانِيد وَالسُّنَن مِنْ طُرُق يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا " إِنَّ الْيَهُودَ اِفْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَة وَأَنَّ النَّصَارَى اِفْتَرَقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَة وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّة عَلَى ثَلَاث وَسَبْعِينَ فِرْقَة كُلّهَا فِي النَّار إِلَّا فِرْقَة وَاحِدَة " قَالُوا : وَمَنْ هُمْ يَا رَسُول اللَّهِ ؟ قَالَ " مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي " رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه بِهَذِهِ الزِّيَادَة وَقَالَ عَطَاء " وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ " يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس" إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك " يَعْنِي الْحَنِيفِيَّة وَقَالَ قَتَادَة : أَهْل رَحْمَة اللَّه أَهْل الْجَمَاعَة وَإِنْ تَفَرَّقَتْ دِيَارهمْ وَأَبْدَانهمْ وَأَهْل مَعْصِيَته أَهْل فُرْقَة وَإِنْ اِجْتَمَعَتْ دِيَارهمْ وَأَبْدَانهمْ وَقَوْله " وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ " قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِي رِوَايَة عَنْهُ وَلِلِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ وَقَالَ مَكِّيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : خَلَقَهُمْ فَرِيقَيْنِ كَقَوْلِهِ " فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيد وَقِيلَ لِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ قَالَ اِبْن وَهْب : أَخْبَرَنِي مُسْلِم بْن خَالِد عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ طَاوُس أَنَّ رَجُلَيْنِ اِخْتَصَمَا إِلَيْهِ فَأَكْثَرَا فَقَالَ طَاوُس اِخْتَلَفْتُمَا وَأَكْثَرْتُمَا فَقَالَ أَحَد الرَّجُلَيْنِ لِذَلِكَ خَلَقَنَا فَقَالَ طَاوُس كَذَبْت فَقَالَ أَلَيْسَ اللَّه يَقُول " وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ " قَالَ لَمْ يَخْلُقهُمْ لِيَخْتَلِفُوا وَلَكِنْ خَلَقَهُمْ لِلْجَمَاعَةِ وَالرَّحْمَة كَمَا قَالَ الْحَكَم بْن أَبَان عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ لِلْعَذَابِ , وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَيَرْجِع مَعْنَى هَذَا الْقَوْل إِلَى قَوْله تَعَالَى " وَمَا خَلَقْت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " وَقِيلَ بَلْ الْمُرَاد وَلِلرَّحْمَةِ وَالِاخْتِلَاف خَلَقَهُمْ كَمَا قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِي رِوَايَة عَنْهُ فِي قَوْله " وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ " قَالَ النَّاس مُخْتَلِفُونَ عَلَى أَدْيَان شَتَّى " إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك " فَمَنْ رَحِمَ رَبّك غَيْر مُخْتَلِف فَقِيلَ لَهُ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ قَالَ خَلَقَ هَؤُلَاءِ لِجَنَّتِهِ وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِنَارِهِ وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِعَذَابِهِ , وَكَذَا قَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالْأَعْمَش وَقَالَ اِبْن وَهْب سَأَلْت مَالِكًا عَنْ قَوْله تَعَالَى " وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ " قَالَ فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير , وَقَدْ اِخْتَارَ هَذَا الْقَوْل اِبْن جَرِير وَأَبُو عُبَيْد الْفَرَّاء وَعَنْ مَالِك فِيمَا رُوِّينَا عَنْهُ مِنْ التَّفْسِير " وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ " قَالَ لِلرّحْمَةِ وَقَالَ قَوْم لِلِاخْتِلَافِ وَقَوْله " وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم مِنْ الْجِنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ " يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ فِي قَضَائِهِ وَقَدَره لِعِلْمِهِ التَّامّ وَحِكْمَته النَّافِذَة أَنَّ مِمَّنْ خَلَقَهُ مَنْ يَسْتَحِقّ الْجَنَّة وَمِنْهُمْ مِنْ يَسْتَحِقّ النَّار وَأَنَّهُ لَا بُدّ أَنْ يَمْلَأ جَهَنَّم مِنْ هَذَيْنَ الثَّقَلَيْنِ الْجِنّ وَالْإِنْس وَلَهُ الْحُجَّة الْبَالِغَة وَالْحِكْمَة التَّامَّة. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اِخْتَصَمَتْ الْجَنَّة وَالنَّار فَقَالَتْ الْجَنَّة مَا لِي لَا يَدْخُلنِي إِلَّا ضُعَفَاء النَّاس وَسَقَطهمْ وَقَالَتْ النَّار أُوثِرْت بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِلْجَنَّةِ : أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَم بِك مَنْ أَشَاء وَقَالَ لِلنَّارِ أَنْتِ عَذَابِي أَنْتَقِم بِك مِمَّنْ أَشَاء وَلِكُلِّ وَاحِدَة مِنْكُمَا مِلْؤُهَا فَأَمَّا الْجَنَّة فَلَا يَزَال فِيهَا فَضْل حَتَّى يُنْشِئ اللَّه لَهَا خَلْقًا يَسْكُن فَضْل الْجَنَّة وَأَمَّا النَّار فَلَا تَزَال تَقُول هَلْ مِنْ مَزِيد حَتَّى يَضَع عَلَيْهَا رَبّ الْعِزَّة قَدَمَهُ فَتَقُول قَطْ قَطْ وَعِزَّتك " .

تفسير الطبري

{ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } قَالَ : أَهْل الْحَقّ - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } قَالَ : أَهْل الْبَاطِل . { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } قَالَ : أَهْل الْحَقّ * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . 14396 - قَالَ : ثَنَا مُعَلَّى بْن أَسَد , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , عَنْ مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : سُئِلَ الْحَسَن عَنْ هَذِهِ الْآيَة { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } قَالَ : النَّاس كُلّهمْ مُخْتَلِفُونَ عَلَى أَدْيَان شَتَّى . { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } فَمَنْ رَحِمَ غَيْر مُخْتَلَف . فَقُلْت لَهُ : وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ؟ فَقَالَ : خَلَقَ هَؤُلَاءِ لِجَنَّتِهِ وَهَؤُلَاءِ لِنَارِهِ , وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِرَحْمَتِهِ وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِعَذَابِهِ . - قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد , قَالَ : ثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } قَالَ : أَهْل الْبَاطِل . { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } قَالَ : أَهْل الْحَقّ - قَالَ : ثَنَا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثَنَا شَرِيك , عَنْ خَصِيف , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } قَالَ : أَهْل الْحَقّ وَأَهْل الْبَاطِل . { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } قَالَ : أَهْل الْحَقّ * - قَالَ : ثَنَا شَرِيك , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 14397 - قَالَ : ثَنَا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك : { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } قَالَ : أَهْل الْحَقّ لَيْسَ فِيهِمْ اِخْتِلَاف 14398 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } قَالَ : الْيَهُود وَالنَّصَارَى . { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } قَالَ : أَهْل الْقِبْلَة 14399 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَكَم بْن أَبَان عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } قَالَ : أَهْل الْبَاطِل . { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } قَالَ : أَهْل الْحَقّ 14400 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } قَالَ : لَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ فِي الْهَوَى 14401 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } فَأَهْل رَحْمَة اللَّه أَهْل جَمَاعَة وَإِنْ تَفَرَّقَتْ دُورهمْ وَأَبْدَانهمْ , وَأَهْل مَعْصِيَته أَهْل فِرْقَة وَإِنْ اِجْتَمَعَتْ دُورهمْ وَأَبْدَانهمْ 14402 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } قَالَ : مَنْ جَعَلَهُ عَلَى الْإِسْلَام 14403 - قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن بْن وَاصِل , عَنْ الْحَسَن : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } قَالَ : أَهْل الْبَاطِل { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } - قَالَ : ثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } قَالَ : أَهْل الْبَاطِل { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } قَالَ : أَهْل الْحَقّ * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثَنَا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ فِي الرِّزْق , فَهَذَا فَقِير وَهَذَا غَنِيّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14404 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُعْتَمِر , عَنْ أَبِيهِ , أَنَّ الْحَسَن قَالَ : مُخْتَلِفِينَ فِي الرِّزْق , سُخِّرَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ وَقَالَ بَعْضهمْ : مُخْتَلِفِينَ فِي الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة , أَوْ كَمَا قَالَ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي تَأْوِيل ذَلِكَ . بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يَزَال النَّاس مُخْتَلِفِينَ فِي أَدْيَانهمْ وَأَهْوَائِهِمْ عَلَى أَدْيَان وَمِلَل وَأَهْوَاء شَتَّى , { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } فَآمَنَ بِاَللَّهِ وَصَدَّقَ رُسُله , فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي تَوْحِيد اللَّه وَتَصْدِيق رُسُله وَمَا جَاءَهُمْ مِنْ عِنْد اللَّه . وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْله : { وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم مِنْ الْجِنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ } فَفِي ذَلِكَ دَلِيل وَاضِح أَنَّ الَّذِي قَبْله مِنْ ذِكْر خَبَره عَنْ اِخْتِلَاف النَّاس , إِنَّمَا هُوَ خَبَر عَنْ اِخْتِلَاف مَذْمُوم يُوجِب لَهُمْ النَّار , وَلَوْ كَانَ خَبَرًا عَنْ اِخْتِلَافهمْ فِي الرِّزْق لَمْ يُعَقَّب ذَلِكَ بِالْخَبَرِ عَنْ عِقَابهمْ وَعَذَابهمْ . وَأَمَّا قَوْله : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَلِلِاخْتِلَافِ خَلْقهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14405 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ مُبَارَك بْن فَضَالَة , عَنْ الْحَسَن : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } قَالَ : لِلِاخْتِلَافِ 14406 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : ثَنَا مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : قُلْت لِلْحَسَنِ , وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ؟ فَقَالَ : خَلَقَ هَؤُلَاءِ لِجَنَّتِهِ وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِنَارِهِ , وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِرَحْمَتِهِ وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِعَذَابِهِ * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ الْحَسَن , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْمُعَلَّى بْن أَسَد , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , عَنْ مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْحَسَن . بِنَحْوِهِ . - قَالَ : ثَنَا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد , عَنْ خَالِد الْحَذَّاء , أَنَّ الْحَسَن قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } قَالَ : خَلَقَ هَؤُلَاءِ لِهَذِهِ , وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ لِهَذِهِ 14407 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا هَوْذَة بْن خَلِيفَة , قَالَ : ثَنَا عَوْف , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } قَالَ : أَمَّا أَهْل رَحْمَة اللَّه فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ اِخْتِلَافًا يَضُرّهُمْ 14408 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } قَالَ : خَلَقَهُمْ فَرِيقَيْنِ : فَرِيقًا يُرْحَم فَلَا يَخْتَلِف , وَفَرِيقًا لَا يُرْحَم يَخْتَلِف , وَذَلِكَ قَوْله : { فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيد } 14409 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ طَلْحَة بْن عَمْرو , عَنْ عَطَاء , فِي قَوْله : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } قَالَ : يَهُود وَنَصَارَى وَمَجُوس . { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } قَالَ : مَنْ جَعَلَهُ عَلَى الْإِسْلَام . { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } قَالَ : مُؤْمِن وَكَافِر 14410 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَشْهَب , قَالَ : سُئِلَ مَالِك عَنْ قَوْل اللَّه : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } قَالَ : خَلَقَهُمْ لِيَكُونُوا فَرِيقَيْنِ : فَرِيق فِي الْجَنَّة , وَفَرِيق فِي السَّعِير وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14411 - حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ حَسَن بْن صَالِح , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } قَالَ : لِلرَّحْمَةِ - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثَنَا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } قَالَ لِلرَّحْمَةِ * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثَنَا شَرِيك , عَنْ خَصِيف , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ شَرِيك , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . - قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْص , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : لِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ 14412 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } قَالَ : لِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ 14413 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ ثَابِت , عَنْ الضَّحَّاك : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } قَالَ : لِلرَّحْمَةِ 14414 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَكَم بْن أَبَان , عَنْ عِكْرِمَة : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } قَالَ : أَهْل الْحَقّ وَمَنْ اِتَّبَعَهُ لِرَحْمَتِهِ 14415 - حَدَّثَنِي سَعْد بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنَا حَفْص بْن عُمَر , قَالَ : ثَنَا الْحَكَم بْن أَبَان , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك وَلِذَلِكَ } قَالَ : لِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ وَلَمْ يَخْلُقهُمْ لِلْعَذَابِ وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : وَلِلِاخْتِلَافِ بِالشَّقَاءِ وَالسَّعَادَة خَلَقَهُمْ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ذِكْره ذَكَرَ صِنْفَيْنِ مِنْ خَلْقه : أَحَدهمَا أَهْل اِخْتِلَاف وَبَاطِل , وَالْآخَر أَهْل حَقّ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } فَعَمَّ بِقَوْلِهِ : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } صِفَة الصِّنْفَيْنِ , فَأَخْبَرَ عَنْ كُلّ فَرِيق مِنْهُمَا أَنَّهُ مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ لَهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنْ كَانَ تَأْوِيل ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْت , فَقَدْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون الْمُخْتَلِفُونَ غَيْر مَلُومِينَ عَلَى اِخْتِلَافهمْ , إِذْ كَانَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ رَبّهمْ , وَأَنْ يَكُون الْمُتَمَتِّعُونَ هُمْ الْمَلُومِينَ ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إِلَيْهِ ذَهَبْت وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَلَا يَزَال النَّاس مُخْتَلِفِينَ بِالْبَاطِلِ مِنْ أَدْيَانهمْ وَمِلَلهمْ { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك } فَهَدَاهُ لِلْحَقِّ وَلِعِلْمِهِ , وَعَلَى عِلْمه النَّافِذ فِيهِمْ قَبْل أَنْ يَخْلُقهُمْ أَنَّهُ يَكُون فِيهِمْ الْمُؤْمِن وَالْكَافِر , وَالشَّقِيّ وَالسَّعِيد خَلَقَهُمْ , فَمَعْنَى اللَّام فِي قَوْله : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } بِمَعْنَى " عَلَى " كَقَوْلِك لِلرَّجُلِ : أَكْرَمْتُك عَلَى بِرّك بِي , وَأَكْرَمْتُك لِبِرِّك بِي . وَأَمَّا قَوْله : { وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم مِنْ الْجِنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ } لِعِلْمِهِ السَّابِق فِيهِمْ أَنَّهُمْ يَسْتَوْجِبُونَ صِلِيّهَا بِكُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ , وَخِلَافهمْ أَمْره . وَقَوْله : { وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك } قَسَم كَقَوْلِ الْقَائِل : حَلِفِي لَأَزُورَنَّك , وَبَدَا لِي لَآتِيَنَّك , وَلِذَلِكَ تُلُقِّيَتْ بِلَامِ الْيَمِين . وَقَوْله : { مِنْ الْجِنَّة } وَهِيَ مَا اِجْتَنَّ عَنْ أَبْصَار بَنِي آدَم وَالنَّاس , يَعْنِي : وَبَنِي آدَم . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ سُمُّوا جِنَّة , لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْجِنَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14416 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك : وَإِنَّمَا سَمُّوا الْجِنَّة أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْجِنَان , وَالْمَلَائِكَة كُلّهمْ جِنَّة 14417 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك , قَالَ : الْجِنَّة : الْمَلَائِكَة وَأَمَّا مَعْنَى قَوْل أَبَى مَالِك هَذَا : إِنَّ إِبْلِيس كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَة , وَالْجِنّ ذُرِّيَّته , وَأَنَّ الْمَلَائِكَة تُسَمَّى عِنْده الْجِنّ , لِمَا قَدْ بَيَّنْت فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا .

تفسير القرطبي

اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع ; أَيْ لَكِنْ مَنْ رَحِمَ رَبّك بِالْإِيمَانِ وَالْهُدَى فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِف . وَقِيلَ : مُخْتَلِفِينَ فِي الرِّزْق , فَهَذَا غَنِيّ وَهَذَا فَقِير . " إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك " بِالْقَنَاعَةِ ; قَالَهُ الْحَسَن . قَالَ الْحَسَن وَمُقَاتِل , وَعَطَاء وَيَمَان : الْإِشَارَة لِلِاخْتِلَافِ , أَيْ وَلِلِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك : وَلِرَحْمَتِهِ خَلَقَهُمْ ; وَإِنَّمَا قَالَ : " وَلِذَلِكَ " وَلَمْ يَقُلْ وَلِتِلْكَ , وَالرَّحْمَة مُؤَنَّثَة لِأَنَّهُ مَصْدَر ; وَأَيْضًا فَإِنَّ تَأْنِيث الرَّحْمَة غَيْر حَقِيقِيّ , فَحُمِلَتْ عَلَى مَعْنَى الْفَضْل . وَقِيلَ . الْإِشَارَة بِذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ وَالرَّحْمَة , وَقَدْ يُشَارِك ب " ذَلِكَ " إِلَى شَيْئَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَا فَارِض وَلَا بِكْر عَوَان بَيْن ذَلِكَ " [ الْبَقَرَة : 68 ] وَلَمْ يَقُلْ بَيْن ذَيْنك وَلَا تَيْنِك , وَقَالَ : " وَاَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا " [ الْفُرْقَان : 67 ] وَقَالَ : " وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِت بِهَا وَابْتَغِ بَيْن ذَلِكَ سَبِيلًا " [ الْإِسْرَاء : 110 ] وَكَذَلِكَ قَوْله : " قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا " [ يُونُس : 58 ] وَهَذَا أَحْسَن الْأَقْوَال إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ; لِأَنَّهُ يَعُمّ , أَيْ وَلَمَّا ذَكَرَ خَلْقهمْ ; وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَشْهَب ; قَالَ أَشْهَب : سَأَلْت مَالِكًا عَنْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ : خَلَقَهُمْ لِيَكُونَ فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير ; أَيْ خَلَقَ أَهْل الِاخْتِلَاف لِلِاخْتِلَافِ , وَأَهْل الرَّحْمَة لِلرَّحْمَةِ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا قَالَ : خَلَقَهُمْ فَرِيقَيْنِ , فَرِيقًا يَرْحَمهُ وَفَرِيقًا لَا يَرْحَمهُ . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَفِي الْكَلَام عَلَى هَذَا التَّقْدِير تَقْدِيم وَتَأْخِير ; الْمَعْنَى : وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك , وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم مِنْ الْجِنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ ; وَلِذَلِكَ , خَلَقَهُمْ . وَقِيلَ : هُوَ مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ " ذَلِكَ يَوْم مَجْمُوع لَهُ النَّاس وَذَلِكَ يَوْم مَشْهُود " [ هُود : 103 ] وَالْمَعْنَى : وَلِشُهُودِ ذَلِكَ الْيَوْم خَلَقَهُمْ . وَقِيلَ : هُوَ مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ : " فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيد " [ هُود : 105 ] أَيْ لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَة خَلَقَهُمْ . مَعْنَى " تَمَّتْ " ثَبَتَ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ وَقَدَّرَ فِي أَزَله ; وَتَمَام الْكَلِمَة اِمْتِنَاعهَا عَنْ قَبُول التَّغْيِير وَالتَّبْدِيل . " مِنْ " لِبَيَانِ الْجِنْس ; أَيْ مِنْ جِنْس الْجَنَّة وَجِنْس النَّاس . " أَجْمَعِينَ " تَأْكِيد ; وَكَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَمْلَأ نَاره كَذَلِكَ أَخْبَرَ عَلَى لِسَان نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَمْلَأ جَنَّته بِقَوْلِهِ : ( وَلِكُلِّ وَاحِدَة مِنْكُمَا مِلْؤُهَا ) . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَقَدْ تَقَدَّمَ .

غريب الآية
إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَ ٰ⁠لِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِینَ ﴿١١٩﴾
وَتَمَّتۡوَجَبَتْ.
كَلِمَةُ رَبِّكَحُكْمُه وقضاؤُه.
ٱلۡجِنَّةِالجِنِّ.
الإعراب
(إِلَّا)
حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَنْ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مُسْتَثْنًى.
(رَحِمَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(رَبُّكَ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَلِذَلِكَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(ذَلِكَ) : اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(خَلَقَهُمْ) :.
(خَلَقَهُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(وَتَمَّتْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(تَمَّتْ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كَلِمَةُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(رَبِّكَ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(لَأَمْلَأَنَّ)
"اللَّامُ" حَرْفُ قَسَمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَمْلَأَنَّ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ لِاتِّصَالِهِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ، وَ"النُّونُ" حَرْفُ تَوكِيدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنَا".
(جَهَنَّمَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الْجِنَّةِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالنَّاسِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(النَّاسِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَجْمَعِينَ)
تَوْكِيدٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ.