سورة هود الآية ٨٨
سورة هود الآية ٨٨
قَالَ یَـٰقَوۡمِ أَرَءَیۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّی وَرَزَقَنِی مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنࣰاۚ وَمَاۤ أُرِیدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَاۤ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِیدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَـٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِیقِیۤ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَیۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَیۡهِ أُنِیبُ ﴿٨٨﴾
تفسير السعدي
" قَالَ " لهم شعيب: " يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي " أي: يقين وطمأنينة, في صحة ما جئت به. " وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا " أي. أعطاني الله من أصناف المال, ما أعطاني. " وَمَا " أنا " أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ " فلست أريد أن أنهاكم عن البخس, في المكيال, والميزان, وأفعل أنا, حتى تتطرق إلي التهمة في ذلك. بل ما أنهاكم عن أمر, إلا وأنا, أول مبتدر لتركه. " إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ " أي: ليس لي من المقاصد, إلا أن تصلح أحوالكم, وتستقيم منافعكم, وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي, شيء بحسب استطاعتي. ولما كان هذا, فيه نوع تزكية للنفس, دفع هذا بقوله: " وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ " أي: ما يحصل لي من التوفيق لفعل الخير, والانفكاك عن الشر إلا بالله تعالى, لا بحولي, ولا بقوتي. " عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ " أي: اعتمدت في أموري, ووثقت في كفايته. " وَإِلَيْهِ أُنِيبُ " في أداء ما أمرني به, من أنواع العبادات. وفي هذا التقرب إليه بسائر أفعال الخيرات. وبهذين الأمرين, تستقيم أحوال العبد, وهم الاستعانة بربه, والإنابة إليه, كما قال تعالى " فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ " وقال: " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " .
التفسير الميسر
قال شعيب: يا قوم أرأيتم إن كنت على طريق واضح من ربي فيما أدعوكم إليه من إخلاص العبادة له، وفيما أنهاكم عنه من إفساد المال، ورزقني منه رزقًا واسعًا حلالا طيبًا؟ وما أريد أن أخالفكم فأرتكب أمرًا نهيتكم عنه، وما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه إلا إصلاحكم قَدْر طاقتي واستطاعتي، وما توفيقي -في إصابة الحق ومحاولة إصلاحكم- إلا بالله، على الله وحده توكلت وإليه أرجع بالتوبة والإنابة.
تفسير الجلالين
"قَالَ يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ إنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي رِزْقًا حَسَنًا" حَلَالًا أَفَأُشَوِّبهُ بِالْحَرَامِ مِنْ الْبَخْس وَالتَّطْفِيف "وَمَا أُرِيد أَنْ أُخَالِفكُمْ" وَأَذْهَب "إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ" فَأَرْتَكِبهُ "إنْ" مَا "أُرِيد إلَّا الْإِصْلَاح" لَكُمْ بِالْعَدْلِ "مَا اسْتَطَعْت وَمَا تَوْفِيقِي" قُدْرَتِي عَلَى ذَلِكَ وَغَيْره مِنْ الطَّاعَات "إلَّا بِاَللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت وَإِلَيْهِ أُنِيب" أَرْجِع
تفسير ابن كثير
يَقُول لَهُمْ أَرَأَيْتُمْ يَا قَوْم إِنْ كُنْت " عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي " أَيْ عَلَى بَصِيرَة فِيمَا أَدْعُو إِلَيْهِ" وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا " قِيلَ : أَرَادَ النُّبُوَّة , وَقِيلَ : أَرَادَ الرِّزْق الْحَلَال وَيَحْتَمِل الْأَمْرَيْنِ وَقَالَ الثَّوْرِيّ " وَمَا أُرِيد أَنْ أُخَالِفكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ " أَيْ لَا أَنْهَاكُمْ عَنْ الشَّيْء وَأُخَالِف أَنَا فِي السِّرّ فَأَفْعَله خُفْيَة عَنْكُمْ كَمَا قَالَ قَتَادَة فِي قَوْله " وَمَا أُرِيد أَنْ أُخَالِفكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ " يَقُول لَمْ أَكُنْ أَنْهَاكُمْ عَنْ أَمْر وَأَرْتَكِبُهُ " إِنْ أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح مَا اِسْتَطَعْت " أَيْ فِيمَا آمُركُمْ وَأَنْهَاكُمْ إِنَّمَا أُرِيد إِصْلَاحكُمْ جَهْدِي وَطَاقَتِي " وَمَا تَوْفِيقِي " أَيْ فِي إِصَابَة الْحَقّ فِيمَا أُرِيدهُ " إِلَّا بِاَللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت" فِي جَمِيع أُمُورِي " وَإِلَيْهِ أُنِيب " أَيْ أَرْجِع قَالَهُ مُجَاهِد قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة حَدَّثَنَا أَبُو قَزَعَة سُوَيْد بْن حُجَيْر الْبَاهِلِيّ عَنْ حَكِيم بْن مُعَاوِيَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَخَاهُ مَالِكًا قَالَ : يَا مُعَاوِيَة إِنَّ مُحَمَّدًا أَخَذَ جِيرَانِي فَانْطَلِقْ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ كَلَّمَك وَعَرَفَك فَانْطَلَقْت مَعَهُ فَقَالَ : دَعْ لِي جِيرَانِي فَقَدْ كَانُوا أَسْلَمُوا فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَقَامَ مُغْضَبًا فَقَالَ : أَمَا وَاَللَّه لَئِنْ فَعَلْت إِنَّ النَّاس يَزْعُمُونَ أَنَّك لَتَأْمُرنَا بِالْأَمْرِ وَتُخَالِف إِلَى غَيْره وَجَعَلْت أَجُرّهُ وَهُوَ يَتَكَلَّم فَقَالَ رَسُول اللَّه " مَا تَقُول ؟ " فَقَالَ إِنَّك وَاَللَّه لَئِنْ فَعَلْت ذَلِكَ إِنَّ النَّاس لَيَزْعُمُونَ أَنَّك لَتَأْمُر بِالْأَمْرِ وَتُخَالِف إِلَى غَيْره قَالَ فَقَالَ" أَوَ قَدْ قَالُوهَا : - أَيْ قَائِلهمْ - وَلَئِنْ فَعَلْت مَا ذَاكَ إِلَّا عَلَيَّ وَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْء أَرْسِلُوا لَهُ جِيرَانه " وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق حَدَّثَنَا مَعْمَر عَنْ بَهْز بْن حَكِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ : أَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسًا مِنْ قَوْمِي فِي تُهْمَة فَحَبَسَهُمْ فَجَاءَ رَجُل مِنْ قَوْمِي إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُب فَقَالَ يَا مُحَمَّد عَلَامَ تَحْبِس جِيرَانِي ؟ فَصَمَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ نَاسًا لَيَقُولُونَ إِنَّك تَنْهَى عَنْ الشَّيْء وَتَسْتَخْلِي بِهِ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا تَقُول " قَالَ : فَجَعَلْت أَعْرِض بَيْنهمَا كَلَامًا مَخَافَة أَنْ يَسْمَعهَا فَيَدْعُو عَلَى قَوْمِي دَعْوَة لَا يُفْلِحُونَ بَعْدهَا أَبَدًا فَلَمْ يَزَلْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى فَهِمَهَا فَقَالَ " قَدْ قَالُوهَا أَوْ قَائِلهَا مِنْهُمْ وَاَللَّه لَوْ فَعَلْت لَكَانَ عَلَيَّ وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ خَلُّوا عَنْ جِيرَانِهِ " مِنْ هَذَا الْقَبِيل الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ رَبِيعَة بْن أَبِي عَبْد الرَّحْمَن عَنْ الْمَلِك بْن سَعِيد بْن سُوَيْد الْأَنْصَارِيّ قَالَ : سَمِعْت أَبَا حُمَيْد وَأَبَا أُسَيْد يَقُولَانِ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ قَالَ " إِذَا سَمِعْتُمْ الْحَدِيث عَنِّي تَعْرِفهُ قُلُوبكُمْ وَتَلِين لَهُ أَشْعَاركُمْ وَأَبْشَاركُمْ وَتَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْكُمْ قَرِيب فَأَنَا أَوْلَاكُمْ بِهِ وَإِذَا سَمِعْتُمْ الْحَدِيث عَنِّي تُنْكِرهُ قُلُوبكُمْ وَتَنْفِر مِنْهُ أَشْعَارُكُمْ وَأَبْشَاركُمْ وَتَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْكُمْ بَعِيد فَأَنَا أَبْعَدكُمْ مِنْهُ " إِسْنَاده صَحِيح وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم بِهَذَا السَّنَد حَدِيث " إِذَا دَخَلَ أَحَدكُمْ الْمَسْجِد فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَاب رَحْمَتك وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ" وَمَعْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَم مَهْمَا بَلَغَكُمْ عَنِّي مِنْ خَيْر فَأَنَا أَوْلَاكُمْ بِهِ وَمَهْمَا يَكُنْ مِنْ مَكْرُوه فَأَنَا أَبْعَدكُمْ مِنْهُ " وَمَا أُرِيد أَنْ أُخَالِفكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ" وَقَالَ قَتَادَة عَنْ عُرْوَة عَنْ الْحَسَن الْعُرَنِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن الْبَزَّار عَنْ مَسْرُوق قَالَ : جَاءَتْ امْرَأَة إِلَى اِبْن مَسْعُود فَقَالَتْ تَنْهَى عَنْ الْوَاصِلَة ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَتْ : فَعَلَهُ بَعْض نِسَائِك فَقَالَ : مَا حَفِظْت وَصِيَّة الْعَبْد الصَّالِح إِذًا " وَمَا أُرِيد أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ " وَقَالَ عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ أَبِي سُلَيْمَان الضَّبِّيّ قَالَ : كَانَتْ تَجِيئنَا كُتُب عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فِيهَا الْأَمْر وَالنَّهْي فَيَكْتُب فِي آخِرهَا وَمَا كُنْت مِنْ ذَلِكَ إِلَّا كَمَا قَالَ الْعَبْد الصَّالِح " وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاَللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت وَإِلَيْهِ أُنِيبُ " .
تفسير القرطبي
أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنْ الضَّلَال ؟ ! وَهَذَا كُلّه يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَلَى وَجْه الْحَقِيقَة , وَأَنَّهُ اِعْتِقَادهمْ فِيهِ . وَيُشْبِه هَذَا الْمَعْنَى قَوْل الْيَهُود مِنْ بَنِي قُرَيْظَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين قَالَ لَهُمْ : ( يَا إِخْوَة الْقِرَدَة ) فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد مَا عَلِمْنَاك جَهُولًا ! . مَسْأَلَة : قَالَ أَهْل التَّفْسِير : كَانَ مِمَّا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ , وَعُذِّبُوا لِأَجْلِهِ قَطْع الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم ; كَانُوا يَقْرِضُونَ مِنْ أَطْرَاف الصِّحَاح لِتَفْضُل لَهُمْ الْقُرَاضَة , وَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ عَلَى الصِّحَاح عَدًّا , وَعَلَى الْمَقْرُوضَة وَزْنًا , وَكَانُوا يَبْخَسُونَ فِي الْوَزْن . وَقَالَ اِبْن وَهْب قَالَ مَالِك : كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم , وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ كَسَعِيدِ بْن الْمُسَيَّب , وَزَيْد بْن أَسْلَمَ وَغَيْرهمَا ; وَكَسْرهمَا ذَنْب عَظِيم . وَفِي كِتَاب أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلْقَمَة بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِيهِ قَالَ : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُكْسَر سِكَّة الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَة بَيْنهمْ إِلَّا مِنْ بَأْس ; فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ صِحَاحًا قَامَ مَعْنَاهَا ; وَظَهَرَتْ فَائِدَتهَا , وَإِذَا كُسِرَتْ صَارَتْ سِلْعَة , وَبَطَلَتْ مِنْهَا الْفَائِدَة ; فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالنَّاسِ ; وَلِذَلِكَ حَرُمَ . وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : " وَكَانَ فِي الْمَدِينَة تِسْعَة رَهْط يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَلَا يُصْلِحُونَ " [ النَّمْل : 48 ] أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِم ; قَالَهُ زَيْد بْن أَسْلَمَ . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ : زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَعْلَم بِتَأْوِيلِ الْقُرْآن مِنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ بَعْد مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ . مَسْأَلَة : قَالَ أَصْبَغ قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم بْن خَالِد بْن جُنَادَة مَوْلَى زَيْد بْن الْحَارِث الْعُتَقِيّ : مَنْ كَسَرَهَا لَمْ تُقْبَل شَهَادَته , وَإِنْ اِعْتَذَرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُعْذَر , وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ عُذْر ; قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : أَمَّا قَوْله : لَمْ تُقْبَل شَهَادَته فَلِأَنَّهُ أَتَى كَبِيرَة , وَالْكَبَائِر تُسْقِط الْعَدَالَة دُون الصَّغَائِر ; وَأَمَّا قَوْله : لَا يُقْبَل عُذْره بِالْجَهَالَةِ فِي هَذَا فَلِأَنَّهُ أَمْر بَيِّن لَا يَخْفَى عَلَى أَحَد , وَإِنَّمَا يُقْبَل الْعُذْر إِذَا ظَهَرَ الصِّدْق فِيهِ , أَوْ خَفِيَ وَجْه الصِّدْق فِيهِ , وَكَانَ اللَّه أَعْلَم بِهِ مِنْ الْعَبْد كَمَا قَالَ مَالِك . مَسْأَلَة : إِذَا كَانَ هَذَا مَعْصِيَة وَفَسَادًا تُرَدّ بِهِ الشَّهَادَة فَإِنَّهُ يُعَاقَب مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ , وَمَرَّ اِبْن الْمُسَيَّب بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ رَجُل : يَقْطَع الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم ; قَالَ اِبْن الْمُسَيَّب : هَذَا مِنْ الْفَسَاد فِي الْأَرْض ; وَلَمْ يُنْكِر جَلْده ; وَنَحْوه عَنْ سُفْيَان . وَقَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن النَّجِيبِيّ : كُنْت قَاعِدًا عِنْد عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِير الْمَدِينَة فَأُتِيَ بِرَجُلٍ يَقْطَع الدَّرَاهِم وَقَدْ شُهِدَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ , وَأُمِرَ فَطِيفَ بِهِ , وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُول : هَذَا جَزَاء مَنْ يَقْطَع الدَّرَاهِم ; ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يُرَدّ إِلَيْهِ ; فَقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعنِي أَنْ أَقْطَع يَدك إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْت فِي ذَلِكَ قَبْل الْيَوْم , وَقَدْ تَقَدَّمْت فِي ذَلِكَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : أَمَّا أَدَبه بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَام فِيهِ , وَأَمَّا حَلْقه فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَر ; وَقَدْ كُنْت أَيَّام الْحُكْم بَيْن النَّاس أَضْرِب وَأَحْلِق , وَإِنَّمَا كُنْت أَفْعَل ذَلِكَ بِمَنْ يَرَى شَعْره عَوْنًا لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَة , وَطَرِيقًا إِلَى التَّجَمُّل بِهِ فِي الْفَسَاد , وَهَذَا هُوَ الْوَاجِب فِي كُلّ طَرِيق لِلْمَعْصِيَةِ أَنْ يُقْطَع إِذَا كَانَ غَيْر مُؤَثِّر فِي الْبَدَن , وَأَمَّا قَطْع يَده فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَر مِنْ فَصْل السَّرِقَة ; وَذَلِكَ أَنَّ قَرْض الدَّرَاهِم غَيْر كَسْرهَا , فَإِنَّ الْكَسْر إِفْسَاد الْوَصْف , وَالْقَرْض تَنْقِيص لِلْقَدْرِ , فَهُوَ أَخْذ مَال عَلَى جِهَة الِاخْتِفَاء ; فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ الْحِرْز أَصْلًا فِي الْقَطْع ؟ قُلْنَا : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عُمَر يَرَى أَنَّ تَهْيِئَتهَا لِلْفَصْلِ بَيْن الْخَلْق دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا حِرْز لَهَا , وَحِرْز كُلّ شَيْء عَلَى قَدْر حَاله ; وَقَدْ أَنْفَذَ ذَلِكَ اِبْن الزُّبَيْر , وَقَطَعَ يَد رَجُل فِي قَطْع الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم . وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّة : إِنَّ الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم خَوَاتِيم اللَّه عَلَيْهَا اِسْمه ; وَلَوْ قُطِعَ عَلَى قَوْل أَهْل التَّأْوِيل مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا لِلَّهِ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ , أَوْ مَنْ كَسَرَ خَاتَم سُلْطَان عَلَيْهِ اِسْمه أُدِّبَ , وَخَاتَم اللَّه تُقْضَى بِهِ الْحَوَائِج فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْعُقُوبَة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَأَرَى أَنْ يُقْطَع فِي قَرْضهَا دُون كَسْرهَا , وَقَدْ كُنْت أَفْعَل ذَلِكَ أَيَّام تَوْلِيَتِي الْحُكْم , إِلَّا أَنِّي كُنْت مَحْفُوفًا بِالْجُهَّالِ , فَلَمْ أَجْبُن بِسَبَبِ الْمَقَال لِلْحَسَدَةِ الضُّلَّال فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنْ أَهْل الْحَقّ فَلْيَفْعَلْهُ اِحْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى . أَيْ وَاسِعًا حَلَالًا , وَكَانَ شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام كَثِير الْمَال , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ . الْهُدَى وَالتَّوْفِيق , وَالْعِلْم وَالْمَعْرِفَة , وَفِي الْكَلَام حَذْف , وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ ; أَيْ أَفَلَا أَنْهَاكُمْ عَنْ الضَّلَال ! وَقِيلَ : الْمَعْنَى " أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي " أَتَّبِع الضُّلَّال ؟ وَقِيلَ : الْمَعْنَى " أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي " أَتَأْمُرُونَنِي بِالْعِصْيَانِ فِي الْبَخْس وَالتَّطْفِيف , وَقَدْ أَغْنَانِي اللَّه عَنْهُ . فِي مَوْضِع نَصْب ب " أُرِيد " . أَيْ لَيْسَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شَيْء وَأَرْتَكِبهُ , كَمَا لَا أَتْرُك مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ . أَيْ مَا أُرِيد إِلَّا فِعْل الصَّلَاح ; أَيْ أَنْ تُصْلِحُوا دُنْيَاكُمْ بِالْعَدْلِ , وَآخِرَتكُمْ بِالْعِبَادَةِ , وَقَالَ : " مَا اِسْتَطَعْت " لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَة مِنْ شُرُوط الْفِعْل دُون الْإِرَادَة . و " مَا " مَصْدَرِيَّة ; أَيْ إِنْ أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح جَهْدِي وَاسْتِطَاعَتِي . أَيْ رُشْدِي , وَالتَّوْفِيق الرُّشْد . أَيْ اِعْتَمَدْت . أَيْ أَرْجِع فِيمَا يَنْزِل بِي مِنْ جَمِيع النَّوَائِب . وَقِيلَ : إِلَيْهِ أَرْجِع فِي الْآخِرَة . وَقِيلَ : إِنَّ الْإِنَابَة الدُّعَاء , وَمَعْنَاهُ وَلَهُ أَدْعُو .
| أَرَءَیۡتُمۡ | أخْبِرُوني. |
|---|---|
| بَیِّنَةࣲ | حُجَّةٍ وبرهانٍ، تَشْهَدُ بالنبوَّةِ. |
| أَرَءَیۡتُمۡ | أخْبِروني. |
| بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّی | حُجَّةٍ وبُرْهانٍ منه. |
| بَیِّنَةࣲ | حُجَّةٍ واضحةٍ. |
| حَسَنࣰاۚ | واسعاً حلالاً. |
| وَمَا تَوۡفِیقِیۤ | وما هدايتي إلى إصابةِ الحقِّ والإصلاحِ. |
| تَوَكَّلۡتُ | اعتمَدْتُ وفوَّضْتُ أمري. |
| وَإِلَیۡهِ أُنِیبُ | أرْجِعُ في كلِّ أموري. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian