سورة يوسف الآية ١٥
سورة يوسف الآية ١٥
فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوۤا۟ أَن یَجۡعَلُوهُ فِی غَیَـٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَـٰذَا وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ ﴿١٥﴾
تفسير السعدي
أي: لما ذهب إخوة يوسف, بعد ما أذن له أبوة, وعزموا أن يجعلوه في غيابة الجب, كما قال قائلهم, السابق ذكره, وكانوا قادرين على ما أجمعوا عليه, فنفذوا فيه قدرتهم, وألقوه في الجب. ثم إن الله, لطف به, بان أوحى إليه وهو بتلك الحال الحرجة. " لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ " أي: سيكون منك معاتبة لهم, وإخبار عن أمرهم هذا, وهم لا يشعرون بذلك الأمر. ففيه بشارة له, بأنه سينجو مما وقع فيه, وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته, على وجه العز والتمكين له, في الأرض.
التفسير الميسر
فأرْسَلَهُ معهم. فلما ذهبوا به وأجمعوا على إلقائه في جوف البئر، وأوحينا إلى يوسف لتخبرنَّ إخوتك مستقبلا بفعلهم هذا الذي فعلوه بك، وهم لا يُحِسُّون بذلك الأمر ولا يشعرون به.
تفسير الجلالين
"فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا" عَزَمُوا "أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبّ" وَجَوَاب لَمَّا مَحْذُوف أَيْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَنْ نَزَعُوا قَمِيصه بَعْد ضَرْبه وَإِهَانَته وَإِرَادَة قَتْله وَأَدْلَوْهُ فَلَمَّا وَصَلَ إلَى نِصْف الْبِئْر أَلْقَوْهُ لِيَمُوتَ فَسَقَطَ فِي الْمَاء ثُمَّ أَوَى إلَى صَخْرَة فَنَادَوْهُ فَأَجَابَهُمْ يَظُنّ رَحْمَتهمْ فَأَرَادُوا رَضْخه بِصَخْرَةٍ فَمَنَعَهُمْ يَهُوذَا "وَأَوْحَيْنَا إلَيْهِ" فِي الْجُبّ وَحْي حَقِيقَة وَلَهُ سَبْع عَشْرَة سَنَة أَوْ دُونهَا تَطْمِينًا لِقَلْبِهِ "لَتُنَبَّئَنَّهُمْ" بَعْد الْيَوْم "بِأَمْرِهِمْ" بِصَنِيعِهِمْ "هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" بِك حَال الْإِنْبَاء
تفسير ابن كثير
يَقُول تَعَالَى فَلَمَّا ذَهَبَ بِهِ إِخْوَته مِنْ عِنْد أَبِيهِ بَعْد مُرَاجَعَتهمْ لَهُ فِي ذَلِكَ " وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَة الْجُبّ " هَذَا فِيهِ تَعْظِيم لِمَا فَعَلُوهُ أَنَّهُمْ اِتَّفَقُوا كُلّهمْ عَلَى إِلْقَائِهِ فِي أَسْفَل ذَلِكَ الْجُبّ وَقَدْ أَخَذُوهُ مِنْ عِنْد أَبِيهِ فِيمَا يُظْهِرُونَهُ لَهُ إِكْرَامًا لَهُ وَبَسْطًا وَشَرْحًا لِصَدْرِهِ وَإِدْخَالًا لِلسُّرُورِ عَلَيْهِ فَيُقَال إِنَّ يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا بَعَثَهُ مَعَهُمْ ضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَبَّلَهُ وَدَعَا لَهُ . وَذَكَرَ السُّدِّيّ وَغَيْره أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْن إِكْرَامهمْ لَهُ وَبَيْن إِظْهَار الْأَذَى لَهُ إِلَّا أَنْ غَابُوا عَنْ عَيْن أَبِيهِ وَتَوَارَوْا عَنْهُ ثُمَّ شَرَعُوا يُؤْذُونَهُ بِالْقَوْلِ مِنْ شَتْم وَنَحْوه وَالْفِعْل مِنْ ضَرْب وَنَحْوه ثُمَّ جَاءُوا بِهِ إِلَى ذَلِكَ الْجُبّ الَّذِي اِتَّفَقُوا عَلَى رَمْيه فِيهِ فَرَبَطُوهُ بِحَبْلٍ وَدَلَّوْهُ فِيهِ فَكَانَ إِذَا لَجَأَ إِلَى وَاحِد مِنْهُمْ لَطَمَهُ وَشَتَمَهُ وَإِذَا تَشَبَّثَ بِحَافَّاتِ الْبِئْر ضَرَبُوا عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ قَطَعُوا بِهِ الْحَبْل مِنْ نِصْف الْمَسَافَة فَسَقَطَ فِي الْمَاء فَغَمْره فَصَعِدَ إِلَى صَخْرَة تَكُون فِي وَسَطه يُقَال لَهَا الرَّاغُوفَةُ فَقَامَ فَوْقهَا وَقَوْله " وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ " يَقُول تَعَالَى ذَاكِرًا لُطْفه وَرَحْمَته وَعَائِدَته ثُمَّ إِنْزَاله الْيُسْر فِي حَال الْعُسْر أَنَّهُ أَوْحَى إِلَى يُوسُف فِي ذَلِكَ الْحَال الضَّيِّق تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ وَتَثْبِيتًا لَهُ إِنَّك لَا تَحْزَن مِمَّا أَنْتَ فِيهِ فَإِنَّ لَك مِنْ ذَلِكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا حَسَنًا وَسَيَنْصُرُك اللَّه عَلَيْهِمْ وَيُعْلِيك وَيَرْفَع دَرَجَتك وَسَتُخْبِرُهُمْ بِمَا فَعَلُوا مَعَك مِنْ هَذَا الصَّنِيع . وَقَوْله " وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة " وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ " بِإِيحَاءِ اللَّه إِلَيْهِ وَقَالَ اِبْن عَبَّاس سَتُنَبِّئُهُمْ بِصَنِيعِهِمْ هَذَا فِي حَقّك وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَك وَلَا يَسْتَشْعِرُونَ بِك كَمَا قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنِي الْحَارِث ثَنَا عَبْد الْعَزِيز ثَنَا صَدَقَة بْن عُبَادَة الْأَسَدِيّ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْت اِبْن عَبَّاس يَقُول : لَمَّا دَخَلَ إِخْوَة يُوسُف عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ قَالَ جِيءَ بِالصُّوَاعِ فَوَضَعَهُ عَلَى يَده ثُمَّ نَقَرَهُ فَطَنَّ فَقَالَ : إِنَّهُ لَيُخْبِرنِي هَذَا الْجَام أَنَّهُ كَانَ لَكُمْ أَخ مِنْ أَبِيكُمْ يُقَال لَهُ يُوسُف يُدْنِيه دُونكُمْ وَأَنَّكُمْ اِنْطَلَقْتُمْ بِهِ وَأَلْقَيْتُمُوهُ فِي غَيَابَة الْجُبّ قَالَ ثُمَّ نَقَرَهُ فَطَنَّ قَالَ فَأَتَيْتُمْ أَبَاكُمْ فَقُلْتُمْ إِنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهُ وَجِئْتُمْ عَلَى قَمِيصه بِدَمٍ كَذِب قَالَ فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ إِنَّ هَذَا الْجَام لَيُخْبِرهُ بِخَبَرِكُمْ قَالَ اِبْن عَبَّاس فَلَا نَرَى هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ إِلَّا فِيهِمْ " لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ " .
تفسير القرطبي
" أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب ; أَيْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَة الْجُبّ . قِيلَ فِي الْقِصَّة : إِنَّ يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا أَرْسَلَهُ مَعَهُمْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا لَيَحْفَظُنَّهُ , وَسَلَّمَهُ إِلَى روبيل وَقَالَ : يَا روبيل إِنَّهُ صَغِير , وَتَعْلَم يَا بُنَيّ شَفَقَتِي عَلَيْهِ ; فَإِنْ جَاعَ فَأَطْعِمْهُ , وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ , وَإِنْ أَعْيَا فَاحْمِلْهُ ثُمَّ عَجِّلْ بِرَدِّهِ إِلَيَّ . قَالَ : فَأَخَذُوا يَحْمِلُونَهُ عَلَى أَكْتَافهمْ , لَا يَضَعهُ وَاحِد إِلَّا رَفَعَهُ آخَر , وَيَعْقُوب يُشَيِّعهُمْ مِيلًا ثُمَّ رَجَعَ ; فَلَمَّا اِنْقَطَعَ بَصَر أَبِيهِمْ عَنْهُمْ رَمَاهُ الَّذِي كَانَ يَحْمِلهُ إِلَى الْأَرْض حَتَّى كَادَ يَنْكَسِر , فَالْتَجَأَ إِلَى آخَر فَوَجَدَ عِنْد كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ أَشَدّ مِمَّا عِنْد الْآخَر مِنْ الْغَيْظ وَالْعَسْف ; فَاسْتَغَاثَ بروبيل وَقَالَ : ( أَنْتَ أَكْبَر إِخْوَتِي , وَالْخَلِيفَة مِنْ بَعْد وَالِدِي عَلَيَّ , وَأَقْرَب الْإِخْوَة إِلَيَّ , فَارْحَمْنِي وَارْحَمْ ضَعْفِي ) فَلَطَمَهُ لَطْمَة شَدِيدَة وَقَالَ : لَا قَرَابَة بَيْنِي وَبَيْنك , فَادْعُ الْأَحَد عَشَر كَوْكَبًا فَلْتُنْجِك مِنَّا ; فَعَلِمَ أَنَّ حِقْدهمْ مِنْ أَجْل رُؤْيَاهُ , فَتَعَلَّقَ بِأَخِيهِ يَهُوذَا وَقَالَ : يَا أَخِي اِرْحَمْ ضَعْفِي وَعَجْزِي وَحَدَاثَة سِنِي , وَارْحَمْ قَلْب أَبِيك يَعْقُوب ; فَمَا أَسْرَعَ مَا تَنَاسَيْتُمْ وَصِيَّته وَنَقَضْتُمْ عَهْده ; فَرَقَّ قَلْب يَهُوذَا فَقَالَ : وَاَللَّه لَا يَصِلُونَ إِلَيْك أَبَدًا مَا دُمْت حَيًّا , ثُمَّ قَالَ : يَا إِخْوَتاه إِنَّ قَتْل النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه مِنْ أَعْظَم الْخَطَايَا , فَرُدُّوا هَذَا الصَّبِيّ إِلَى أَبِيهِ , وَنُعَاهِدهُ أَلَّا يُحَدِّث وَالِده بِشَيْءٍ مِمَّا جَرَى أَبَدًا ; فَقَالَ لَهُ إِخْوَته : وَاَللَّه مَا تُرِيد إِلَّا أَنْ تَكُون لَك الْمَكَانَة عِنْد يَعْقُوب , وَاَللَّه لَئِنْ لَمْ تَدَعهُ لَنَقْتُلَنَّكَ مَعَهُ , قَالَ : فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا ذَلِكَ فَهَاهُنَا هَذَا الْجُبّ الْمُوحِش الْقَفْر , الَّذِي هُوَ مَأْوَى الْحَيَّات وَالْهَوَامّ فَأَلْقُوهُ فِيهِ , فَإِنْ أُصِيبَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ الْمُرَاد , وَقَدْ اِسْتَرَحْتُمْ مِنْ دَمه , وَإِنْ اِنْفَلَتَ عَلَى أَيْدِي سَيَّارَة يَذْهَبُونَ بِهِ إِلَى أَرْض فَهُوَ الْمُرَاد ; فَأَجْمَعَ رَأْيهمْ عَلَى ذَلِكَ ; فَهُوَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : " فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَة الْجُبّ " وَجَوَاب " لَمَّا " مَحْذُوف ; أَيْ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا عَلَى طَرْحه فِي الْجُبّ عَظُمَتْ فِتْنَتهمْ . وَقِيلَ : جَوَاب " لَمَّا " قَوْلهمْ : " قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِق " [ يُوسُف : 17 ] . وَقِيلَ : التَّقْدِير فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ مِنْ عِنْد أَبِيهِمْ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَة الْجُبّ جَعَلُوهُ فِيهَا , هَذَا عَلَى مَذْهَب الْبَصْرِيِّينَ ; وَأَمَّا عَلَى قَوْل الْكُوفِيِّينَ فَالْجَوَاب . " أَوْحَيْنَا " وَالْوَاو مُقْحَمَة , وَالْوَاو عِنْدهمْ تُزَاد مَعَ لَمَّا وَحَتَّى ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابهَا " [ الزُّمَر : 73 ] أَيْ فُتِحَتْ وَقَوْله : " حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرنَا وَفَارَ التَّنُّور " [ هُود : 40 ] أَيْ فَارَ . قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَة الْحَيّ وَانْتَحَى أَيْ اِنْتَحَى ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ " [ الصَّافَّات : 103 - 104 ] أَيْ نَادَيْنَاهُ . وَمِمَّا ذُكِرَ مِنْ قِصَّته إِذْ أُلْقِيَ فِي الْجُبّ مَا ذَكَرَهُ السُّدِّيّ وَغَيْره أَنَّ إِخْوَته لَمَّا جَعَلُوا يُدَلُّونَهُ فِي الْبِئْر , تَعَلَّقَ بِشَفِيرِ الْبِئْر , فَرَبَطُوا يَدَيْهِ وَنَزَعُوا قَمِيصه ; فَقَالَ : يَا إِخْوَتاه رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي أَتَوَارَى بِهِ فِي هَذَا الْجُبّ , فَإِنْ مُتّ كَانَ كَفَنِي , وَإِنْ عِشْت أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي ; فَقَالُوا : اُدْعُ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْأَحَد عَشَر كَوْكَبًا فَلْتُؤْنِسْك وَتَكْسُك ; فَقَالَ : إِنِّي لَمْ أَرَ شَيْئًا , فَدَلَّوْهُ فِي الْبِئْر حَتَّى إِذَا بَلَغَ نِصْفهَا أَلْقَوْهُ إِرَادَة أَنْ يَسْقُط فَيَمُوت ; فَكَانَ فِي الْبِئْر مَاء فَسَقَطَ فِيهِ , ثُمَّ آوَى إِلَى صَخْرَة فَقَامَ عَلَيْهَا . وَقِيلَ : إِنَّ شَمْعُون هُوَ الَّذِي قَطَعَ الْحَبْل إِرَادَة أَنْ يَتَفَتَّت عَلَى الصَّخْرَة , وَكَانَ جِبْرِيل تَحْت سَاقَ الْعَرْش , فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ أَدْرِكْ عَبْدِي ; قَالَ جِبْرِيل : فَأَسْرَعْت وَهَبَطْت حَتَّى عَارَضْته بَيْن الرَّمْي وَالْوُقُوع فَأَقْعَدْته عَلَى الصَّخْرَة سَالِمًا . وَكَانَ ذَلِكَ الْجُبّ مَأْوَى الْهَوَامّ ; فَقَامَ عَلَى الصَّخْرَة وَجَعَلَ يَبْكِي , فَنَادَوْهُ , فَظَنَّ أَنَّهَا رَحْمَة عَلَيْهِ أَدْرَكَتْهُمْ , فَأَجَابَهُمْ ; فَأَرَادُوا أَنْ يَرْضَخُوهُ بِالصَّخْرَةِ فَمَنَعَهُمْ يَهُوذَا , وَكَانَ يَهُوذَا يَأْتِيه بِالطَّعَامِ ; فَلَمَّا وَقَعَ عُرْيَانًا نَزَلَ جِبْرِيل إِلَيْهِ ; وَكَانَ إِبْرَاهِيم حِين أُلْقِيَ فِي النَّار عُرْيَانًا أَتَاهُ جِبْرِيل بِقَمِيصٍ مِنْ حَرِير الْجَنَّة فَأَلْبَسهُ إِيَّاهُ , فَكَانَ ذَلِكَ عِنْد إِبْرَاهِيم , ثُمَّ وَرِثَهُ إِسْحَاق , ثُمَّ وَرِثَهُ يَعْقُوب , فَلَمَّا شَبَّ يُوسُف جَعَلَ يَعْقُوب ذَلِكَ الْقَمِيص فِي تَعْوِيذَة وَجَعَلَهُ فِي عُنُقه , فَكَانَ لَا يُفَارِقهُ ; فَلَمَّا أُلْقِيَ فِي الْجُبّ عُرْيَانًا أَخْرَجَ جِبْرِيل ذَلِكَ الْقَمِيص فَأَلْبَسهُ إِيَّاهُ . قَالَ وَهْب : فَلَمَّا قَامَ عَلَى الصَّخْرَة قَالَ : يَا إِخْوَتاه إِنَّ لِكُلِّ مَيِّت وَصِيَّة , فَاسْمَعُوا وَصِيَّتِي , قَالُوا : وَمَا هِيَ ؟ قَالَ : إِذَا اِجْتَمَعْتُمْ كُلّكُمْ فَأَنِسَ بَعْضكُمْ بَعْضًا فَاذْكُرُوا وَحْشَتِي , وَإِذَا أَكَلْتُمْ فَاذْكُرُوا جُوعِي , وَإِذَا شَرِبْتُمْ فَاذْكُرُوا عَطَشِي , وَإِذَا رَأَيْتُمْ غَرِيبًا فَاذْكُرُوا غُرْبَتِي , وَإِذَا رَأَيْتُمْ شَابًّا فَاذْكُرُوا شَبَابِي ; فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل : يَا يُوسُف كُفَّ عَنْ هَذَا وَاشْتَغِلْ بِالدُّعَاءِ , فَإِنَّ الدُّعَاء عِنْد اللَّه بِمَكَانٍ ; ثُمَّ عَلَّمَهُ فَقَالَ : قُلْ اللَّهُمَّ يَا مُؤْنِس كُلّ غَرِيب , وَيَا صَاحِب كُلّ وَحِيد , وَيَا مَلْجَأ كُلّ خَائِف , وَيَا كَاشِف كُلّ كُرْبَة , وَيَا عَالِم كُلّ نَجْوَى , وَيَا مُنْتَهَى كُلّ شَكْوَى , وَيَا حَاضِر كُلّ مَلَإٍ , يَا حَيّ يَا قَيُّوم أَسْأَلك أَنْ تَقْذِف رَجَاءَك فِي قَلْبِي , حَتَّى لَا يَكُون لِي هَمّ وَلَا شُغْل غَيْرك , وَأَنْ تَجْعَل لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجًا وَمَخْرَجًا , إِنَّك عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير ; فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة : إِلَهنَا نَسْمَع صَوْتًا وَدُعَاء , الصَّوْت صَوْت صَبِيّ , وَالدُّعَاء دُعَاء نَبِيّ . وَقَالَ الضَّحَّاك : نَزَلَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى يُوسُف وَهُوَ فِي الْجُبّ فَقَالَ لَهُ : أَلَا أُعَلِّمك كَلِمَات إِذَا أَنْتَ قُلْتهنَّ عَجَّلَ اللَّه لَك خُرُوجك مِنْ هَذَا الْجُبّ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ فَقَالَ لَهُ : قُلْ يَا صَانِع كُلّ مَصْنُوع , وَيَا جَابِر كُلّ كَسِير , وَيَا شَاهِد كُلّ نَجْوَى , وَيَا حَاضِر كُلّ مَلَإٍ , وَيَا مُفَرِّج كُلّ كُرْبَة , وَيَا صَاحِب كُلّ غَرِيب , وَيَا مُؤْنِس كُلّ وَحِيد , اِيتِنِي بِالْفَرَجِ وَالرَّجَاء , وَاقْذِفْ رَجَاءَك فِي قَلْبِي حَتَّى لَا أَرْجُو أَحَدًا سِوَاك ; فَرَدَّدَهَا يُوسُف فِي لَيْلَته مِرَارًا ; فَأَخْرَجَهُ اللَّه فِي صَبِيحَة يَوْمه ذَلِكَ مِنْ الْجُبّ . دَلِيل عَلَى نُبُوَّته فِي ذَلِكَ الْوَقْت . قَالَ الْحَسَن وَمُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة : أَعْطَاهُ اللَّه النُّبُوَّة وَهُوَ فِي الْجُبّ عَلَى حَجَر مُرْتَفِع عَنْ الْمَاء . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : أُلْقِيَ فِي الْجُبّ , وَهُوَ اِبْن ثَمَانِي عَشْرَة سَنَة , فَمَا كَانَ صَغِيرًا ; وَمَنْ قَالَ كَانَ صَغِيرًا فَلَا يَبْعُد فِي الْعَقْل أَنْ يَتَنَبَّأ الصَّغِير وَيُوحَى إِلَيْهِ . وَقِيلَ : كَانَ وَحْي إِلْهَام كَقَوْلِهِ : " وَأَوْحَى رَبّك إِلَى النَّحْل " [ النَّحْل : 68 ] . وَقِيلَ : كَانَ مَنَامًا , وَالْأَوَّل أَظْهَر - وَاَللَّه أَعْلَم - وَأَنَّ جِبْرِيل جَاءَهُ بِالْوَحْيِ . " لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا " فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ سَيَلْقَاهُمْ وَيُوَبِّخهُمْ عَلَى مَا صَنَعُوا ; فَعَلَى هَذَا يَكُون الْوَحْي بَعْد إِلْقَائِهِ فِي الْجُبّ تَقْوِيَة لِقَلْبِهِ , وَتَبْشِيرًا لَهُ بِالسَّلَامَةِ . الثَّانِي : أَنَّهُ أَوْحَى إِلَيْهِ بِاَلَّذِي يَصْنَعُونَ بِهِ ; فَعَلَى هَذَا يَكُون الْوَحْي قَبْل إِلْقَائِهِ فِي الْجُبّ إِنْذَارًا لَهُ أَنَّك يُوسُف ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَهُ لَمَّا أَفْضَى إِلَيْهِ الْأَمْر بِمِصْرَ أَلَّا يُخْبِر أَبَاهُ وَإِخْوَته بِمَكَانِهِ . وَقِيلَ : بِوَحْيِ اللَّه تَعَالَى بِالنُّبُوَّةِ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد . وَقِيلَ : " الْهَاء " لِيَعْقُوب ; أَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ مَا فَعَلُوهُ بِيُوسُف , وَأَنَّهُ سَيُعَرِّفُهُمْ بِأَمْرِهِ , وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِمَا أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ , وَاَللَّه أَعْلَم .
| غَیَـٰبَتِ ٱلۡجُبِّ | جوفِ البئرِ وأسفلِه حيثُ يَغيبُ خبرُه. |
|---|---|
| وَأَجۡمَعُوۤا۟ | عَزَمُوا. |
| وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡهِ | أعلمَ اللهُ يوسُفَ؛ تَطْميناً لقَلْبِه. |
| لَتُنَبِّئَنَّهُم | لتُخْبِرَنَّ إخوتَك. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian