صفحات الموقع

سورة يوسف الآية ٣٠

سورة يوسف الآية ٣٠

۞ وَقَالَ نِسۡوَةࣱ فِی ٱلۡمَدِینَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِیزِ تُرَ ٰ⁠وِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ ﴿٣٠﴾

التفسير

تفسير السعدي

يعني: أن الخبر اشتهر وشاع في البلد, وتحدث به النسوة, فجعلن يلمنها, ويقلن: " امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا " أي: هذا أمر مستقبح, هي امرأة كبيرة القدر, وزوجها كبير القدر, ومع هذا, لم تزل تراود فتاها, الذي تحت يدها, وفي خدمتها - عن نفسه. ومع هذا فإن حبه, قد بلغ من قلبها, مبلغا عظيما. " قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا " , أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها, وهو: باطنه وسويداؤه. وهذا أعظم ما يكون من الحب. " إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ " حيث وجدت منها هذه الحالة, التي لا ينبغي منها, وهي حالة تحط قدرها, وتضعه عند الناس. وكان هذا القول منهن مكرا, ليس المقصود به, مجرد اللوم لها, والقدح فيها. وإنما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام, إلى رؤية يوسف, الذي فتنت به امرأة العزيز, لتحنق امرأة العزيز, وتريهن إياه, ليعذرنها ولهذا سماه: مكرا, فقال:

التفسير الميسر

ووصل الخبر إلى نسوة في المدينة فتحدثن به، وقلن منكرات على امرأة العزيز: امرأة العزيز تحاول غلامها عن نفسه، وتدعوه إلى نفسها، وقد بلغ حبها له شَغَاف قلبها (وهو غلافه)، إنا لَنراها في هذا الفعل لفي ضلال واضح.

تفسير الجلالين

"وَقَالَ نِسْوَة فِي الْمَدِينَة" مَدِينَة مِصْر "امْرَأَة الْعَزِيز تُرَاوِد فَتَاهَا" عَبْدهَا . "عَنْ نَفْسه قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا" تَمْيِيز أَيْ دَخَلَ حُبّه شِغَاف قَلْبهَا أَيْ غِلَافه "إنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَال" أَيْ فِي خَطَأ "مُبِين" بَيِّن بِحُبِّهَا إيَّاهُ

تفسير ابن كثير

يُخْبِر تَعَالَى أَنَّ خَبَر يُوسُف وَامْرَأَة الْعَزِيز شَاعَ فِي الْمَدِينَة وَهِيَ مِصْر حَتَّى تَحَدَّثَ بِهِ النَّاس " وَقَالَ نِسْوَة فِي الْمَدِينَة " مِثْل نِسَاء الْكُبَرَاء وَالْأُمَرَاء يُنْكِرْنَ عَلَى اِمْرَأَة الْعَزِيز وَهُوَ الْوَزِير وَيَعِبْنَ ذَلِكَ عَلَيْهَا" اِمْرَأَة الْعَزِيز تُرَاوِد فَتَاهَا عَنْ نَفْسه " أَيْ تُحَاوِل غُلَامهَا عَنْ نَفْسه وَتَدْعُوهُ إِلَى نَفْسهَا " قَدْ شَغَفهَا حُبًّا" أَيْ قَدْ وَصَلَ حُبّه إِلَى شَغَاف قَلْبهَا وَهُوَ غِلَافه قَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس : الشَّغَف الْحُبّ الْقَاتِل وَالشَّغَف دُون ذَلِكَ وَالشَّغَاف حِجَاب الْقَلْب " إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَال مُبِين " أَيْ فِي صَنِيعهَا هَذَا مِنْ حُبّهَا فَتَاهَا وَمُرَاوَدَتهَا إِيَّاهُ عَنْ نَفْسه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ نِسْوَة فِي الْمَدِينَة امْرَأَة الْعَزِيز تُرَاوِد فَتَاهَا عَنْ نَفْسه } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَتَحَدَّثَ النِّسَاء بِأَمْرِ يُوسُف وَأَمْر امْرَأَة الْعَزِيز فِي مَدِينَة مِصْر , وَشَاعَ مِنْ أَمْرهمَا فِيهَا مَا كَانَ , فَلَمْ يَنْكَتِم , وَقُلْنَ : امْرَأَة الْعَزِيز تُرَاوِد فَتَاهَا , عَبْدهَا , عَنْ نَفْسه : كَمَا : 14650 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : وَشَاعَ الْحَدِيث فِي الْقَرْيَة , وَتَحَدَّثَ النِّسَاء بِأَمْرِهِ وَأَمْرهَا , وَقُلْنَ : { امْرَأَة الْعَزِيز تُرَاوِد فَتَاهَا عَنْ نَفْسه } أَيْ عَبْدهَا وَأَمَّا الْعَزِيز فَإِنَّهُ الْمَلِك فِي كَلَام الْعَرَب ; وَمِنْهُ قَوْل أَبِي دُؤَاد : دُرَّة غَاصّ عَلَيْهَا تَاجِر جَلِيَتْ عِنْد عَزِيز يَوْم طَلْ يَعْنِي بِالْعَزِيزِ : الْمَلِك , وَهُوَ مِنَ الْعِزَّة . وَقَوْله : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } يَقُول قَدْ وَصَلَ حُبّ يُوسُف إِلَى شَغَاف قَلْبهَا , فَدَخَلَ تَحْته حَتَّى غَلَبَ عَلَى قَلْبهَا . وَشَغَاف الْقَلْب : حِجَابه وَغِلَافه الَّذِي هُوَ فِيهِ , وَإِيَّاهُ عَنَى النَّابِغَة الذُّبْيَانِيّ بِقَوْلِهِ : وَقَدْ حَالَ هَمّ دُون ذَلِكَ دَاخِل دُخُول شَغَاف تَبْتَغِيه الْأَصَابِعُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14651 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا حَجَّاج بْن مُحَمَّد , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن دِينَار , أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَة يَقُول فِي قَوْله : { شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : دَخَلَ حُبُّهُ تَحْت الشَّغَاف 14652 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا شَبَّابَة , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : دَخَلَ حُبّه فِي شَغَافهَا - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : دَخَلَ حُبّه فِي شَغَافهَا - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : كَانَ حُبّه فِي شِغَافهَا - قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْل حَدِيث الْحَسَن بْن مُحَمَّد , عَنْ شَبَّابَة . 14653 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { قَدْ شَغَفهَا حُبًّا } يَقُول : عَلَّقَهَا حُبًّا - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : غَلَبَهَا 14654 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع ; وَحَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَيُّوب بْن عَائِذ الطَّائِيّ عَنْ الشَّعْبِيّ : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : الْمَشْغُوف : الْمُحِبّ , وَالْمَشْعُوف : الْمَجْنُون 14655 - وَبِهِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِي الْأَشْهَب , عَنْ أَبِي رَجَاء وَالْحَسَن : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ أَحَدهمَا : قَدْ بَطَنَهَا حُبًّا , وَقَالَ الْآخَر : قَدْ صَدَقَهَا حُبًّا - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : قَدْ بَطَنَهَا حُبًّا . قَالَ يَعْقُوب : قَالَ أَبُو بِشْر : أَهْل الْمَدِينَة يَقُولُونَ : قَدْ بَطَنَهَا حُبًّا - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنِ الْحَسَن , قَالَ : سَمِعْته يَقُول فِي قَوْله : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : بَطَنَهَا حُبًّا . وَأَهْل الْمَدِينَة يَقُولُونَ ذَلِكَ - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , عَنْ قُرَّة , عَنْ الْحَسَن : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : قَدْ بَطَنَ بِهَا حُبًّا - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثنا أَبُو قَطَن , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَشْهَب , عَنِ الْحَسَن : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : بَطَنَهَا حُبّه - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة . عَنِ الْحَسَن : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : بَطَنَ بِهَا 14656 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : اسْتَبْطَنَا حُبَّهَا إِيَّاهُ 14657 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } أَيْ قَدْ عَلِقَهَا 14658 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى , عَنْ مُجَاهِد : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : قَدْ عَلِقَهَا حُبًّا 14659 - حَدَّثَنَا بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنِ الضَّحَّاك , قَالَ : هُوَ الْحُبّ اللَّازِق بِالْقَلْبِ 14660 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك , فِي قَوْله : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } يَقُول : هَلَكَتْ عَلَيْهِ حُبًّا , وَالشَّغَاف : شَغَاف الْقَلْب 14661 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : وَالشَّغَاف : جِلْدَة عَلَى الْقَلْب يُقَال لَهَا : لِسَان الْقَلْب , يَقُول : دَخَلَ الْحُبّ الْجِلْد حَتَّى أَصَابَ الْقَلْب وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار بِالْغَيْنِ : { قَدْ شَغَفَهَا } عَلَى مَعْنَى مَا وَصَفْت مِنَ التَّأْوِيل . وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو رَجَاء : " قَدْ شَعَفَهَا " بِالْعَيْنِ 14662 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَبُو قَطَن , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَشْهَب , عَنْ أَبِي رَجَاء : " قَدْ شَعَفَهَا " - قَالَ : ثنا خَلَف , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ أَبِي الْأَشْهَب , أَوْ عَوْف عَنْ أَبِي رَجَاء : " قَدْ شَعَفَهَا حُبًّا " بِالْعَيْنِ 14663 - قَالَ : ثنا خَلَف , قَالَ : ثنا مَحْبُوب , قَالَ : قَرَأَهُ عَوْف : " قَدْ شَعَفَهَا " 14664 - قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , عَنْ هَارُون , عَنْ أُسَيْد , عَنِ الْأَعْرَج : " قَدْ شَعَفَهَا حُبًّا " وَقَالَ : شَعَفَهَا إِذَا كَانَ هُوَ يُحِبّهَا وَوَجَّهَ هَؤُلَاءِ مَعْنَى الْكَلَام إِلَى أَنَّ الْحُبّ قَدْ عَمَّهَا . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَقُول : هُوَ مِنْ قَوْل الْقَائِل : قَدْ شُعِفَ بِهَا , كَأَنَّهُ ذَهَبَ بِهَا كُلّ مَذْهَب مِنْ شَغَف الْجِبَال , وَهِيَ رُءُوسهَا . وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ أَنَّهُ قَالَ : الشَّغَف : شَغَف الْحُبّ . وَالشَّعَف : شَعَف الدَّابَّة حِين تُذْعَر . 14665 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحَارِث , عَنْ الْقَاسِم , أَنَّهُ قَالَ : يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي عَوَانَة , عَنْ مُغِيرَة عَنْهُ . قَالَ الْحَارِث : قَالَ الْقَاسِم , يَذْهَب إِبْرَاهِيم إِلَى أَنَّ أَصْلَ الشَّغَف : هُوَ الذُّعْر . قَالَ : وَكَذَلِكَ هُوَ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم فِي الْأَصْل , إِلَّا أَنَّ الْعَرَب رُبَّمَا اسْتَعَارَتِ الْكَلِمَة فَوَضَعَتْهَا فِي غَيْر مَوْضِعهَا ; قَالَ امْرُؤُ الْقَيْس : أَتَقْتُلُنِي وَقَدْ شَعَفْت فُؤَادَهَا كَمَا شَعَفَ الْمَهْنُوءَةَ الرَّجُلُ الطَّالِي قَالَ : وَشَعَفَ الْمَرْأَة مِنَ الْحُبّ , وَشَعَفَ الْمَهْنُوءَة مِنَ الذُّعْر , فَشَبَّهَ لَوْعَة الْحُبّ وَجَوَاهُ بِذَلِكَ . وَقَالَ ابْن زَيْد فِي ذَلِكَ مَا : 14666 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } قَالَ : إِنَّ الشَّغَف وَالشَّعَف مُخْتَلِفَانِ , وَالشَّعَف فِي الْبُغْض , وَالشَّغَف فِي الْحُبّ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْن زَيْد لَا مَعْنَى لَهُ ; لِأَنَّ الشَّعَف فِي كَلَام الْعَرَب بِمَعْنَى عُمُوم الْحُبّ أَشْهَر مِنْ أَنْ يَجْهَلهُ ذُو عِلْم بِكَلَامِهِمْ وَالصَّوَاب فِي ذَلِكَ عِنْدنَا مِنَ الْقِرَاءَة : { قَدْ شَغَفَهَا } بِالْغَيْنِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء عَلَيْهِ . وَقَوْله : { إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَال مُبِين } قُلْنَ : إِنَّا لَنَرَى امْرَأَة الْعَزِيز فِي مُرَاوَدَتهَا فَتَاهَا عَنْ نَفْسه وَغَلَبَة حُبّه عَلَيْهَا لَفِي خَطَأ مِنَ الْفِعْل وَجَوْر عَنْ قَصْد السَّبِيل مُبِين لِمَنْ تَأَمَّلَهُ وَعَلِمَهُ أَنَّهُ ضَلَال وَخَطَأ غَيْر صَوَاب وَلَا سَدَاد وَإِنَّمَا كَانَ قَيْلُهُنَّ مَا قُلْنَ مِنْ ذَلِكَ وَتَحَدُّثهنَّ بِمَا تَحَدَّثْنَ بِهِ مِنْ شَأْنهَا وَشَأْن يُوسُف مَكْرًا مِنْهُنَّ فِيمَا ذُكِرَ لِتُرِيهِنَّ يُوسُف .

تفسير القرطبي

وَيُقَال : " نِسْوَة " بِضَمِّ النُّون , وَهِيَ قِرَاءَة الْأَعْمَش وَالْمُفَضَّل وَالسُّلَمِيّ , وَالْجَمْع الْكَثِير نِسَاء . وَيَجُوز : وَقَالَتْ نِسْوَة , وَقَالَ نِسْوَة , مِثْل قَالَتْ الْأَعْرَاب وَقَالَ الْأَعْرَاب ; وَذَلِكَ أَنَّ الْقِصَّة اِنْتَشَرَتْ فِي أَهْل مِصْر فَتَحَدَّثَ النِّسَاء . قِيلَ : اِمْرَأَة سَاقِي الْعَزِيز , وَامْرَأَة خَبَّازه , وَامْرَأَة صَاحِب دَوَابّه , وَامْرَأَة صَاحِب سِجْنه . وَقِيلَ : اِمْرَأَة الْحَاجِب ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . الْفَتَى فِي كَلَام الْعَرَب الشَّابّ , وَالْمَرْأَة فَتَاة . وَقَالَ قَتَادَة : " فَتَاهَا " وَهُوَ فَتَى زَوْجهَا , لِأَنَّ يُوسُف كَانَ عِنْدهمْ فِي حُكْم الْمَمَالِيك , وَكَانَ يَنْفُذ أَمْرهَا فِيهِ . وَقَالَ مُقَاتِل عَنْ أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ قَالَ : إِنَّ اِمْرَأَة الْعَزِيز اِسْتَوْهَبَتْ زَوْجهَا يُوسُف فَوَهَبَهُ لَهَا , وَقَالَ : مَا تَصْنَعِينَ بِهِ ؟ قَالَتْ : أَتَّخِذهُ وَلَدًا ; قَالَ : هُوَ لَك ; فَرَبَّته حَتَّى أَيْفَع وَفِي نَفْسهَا مِنْهُ مَا فِي نَفْسهَا , فَكَانَتْ تَنْكَشِف لَهُ وَتَتَزَيَّن وَتَدْعُوهُ مِنْ وَجْه اللُّطْف فَعَصَمَهُ اللَّه . قِيلَ : شَغَفَهَا غَلَبَهَا . وَقِيلَ : دَخَلَ حُبّه فِي شِغَافهَا ; عَنْ مُجَاهِد . وَغَيْره . وَرَوَى عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : دَخَلَ تَحْت شِغَافهَا . وَقَالَ الْحَسَن : الشَّغَف بَاطِن الْقَلْب . السُّدِّيّ وَأَبُو عُبَيْد : شِغَاف الْقَلْب غِلَافه , وَهُوَ جِلْدَة عَلَيْهِ . وَقِيلَ : هُوَ وَسَط الْقَلْب ; وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْأَقْوَال مُتَقَارِب , وَالْمَعْنَى : وَصَلَ حُبّه إِلَى شِغَافهَا فَغَلَبَ عَلَيْهِ ; قَالَ النَّابِغَة : وَقَدْ حَال هَمّ دُون ذَلِكَ دَاخِل دُخُول الشِّغَاف تَبْتَغِيه الْأَصَابِع وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الشِّغَاف دَاء ; وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيّ لِلرَّاجِزِ : يَتْبَعهَا وَهِيَ لَهُ شَغَاف وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر بْن مُحَمَّد وَابْن مُحَيْصِن وَالْحَسَن " شَعَفَهَا " بِالْعَيْنِ غَيْر مُعْجَمَة ; قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : مَعْنَاهُ أَحْرَقَ حُبّه قَلْبهَا ; قَالَ : وَعَلَى الْأَوَّل الْعَمَل . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَشَعَفَهُ الْحُبّ أَحْرَقَ قَلْبه . وَقَالَ أَبُو زَيْد : أَمْرَضَهُ . وَقَدْ شُعِفَ بِكَذَا فَهُوَ مَشْعُوف . وَقَرَأَ الْحَسَن " قَدْ شَعَفَهَا " قَالَ : بَطَنَهَا حُبًّا . قَالَ النَّحَّاس : مَعْنَاهُ عِنْد أَكْثَر أَهْل اللُّغَة قَدْ ذَهَبَ بِهَا كُلّ مَذْهَب ; لِأَنَّ شِعَاف الْجِبَال . أَعَالِيهَا ; وَقَدْ شُغِفَ بِذَلِكَ شَغْفًا بِإِسْكَانِ الْغَيْن إِذَا أُولِع بِهِ ; إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَة أَنْشَدَ بَيْت امْرِئِ الْقَيْس : لِتَقْتُلنِي وَقَدْ شَعَفْت فُؤَادهَا كَمَا شَعَف الْمَهْنُوءَة الرَّجُل الطَّالِي قَالَ : فَشُبِّهَتْ لَوْعَة الْحُبّ وَجَوَاهُ بِذَلِكَ . وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّهُ قَالَ : الشَّغَف بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة حُبّ , وَالشَّعَف بِالْعَيْنِ غَيْر الْمُعْجَمَة جُنُون . قَالَ النَّحَّاس : وَحُكِيَ " قَدْ شَغِفَهَا " بِكَسْرِ الْغَيْن , وَلَا يُعْرَف فِي كَلَام الْعَرَب إِلَّا " شَغَفَهَا " بِفَتْحِ الْغَيْن , وَكَذَا " شَعَفَهَا " أَيْ تَرَكَهَا مَشْعُوفَة . وَقَالَ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ الْحَسَن : الشَّغَاف حِجَاب الْقَلْب , وَالشَّعَاف سُوَيْدَاء الْقَلْب , فَلَوْ وَصَلَ الْحُبّ إِلَى الشَّعَاف لَمَاتَتْ ; وَقَالَ الْحَسَن : وَيُقَال إِنَّ الشَّغَاف الْجَلْدَة اللَّاصِقَة بِالْقَلْبِ الَّتِي لَا تُرَى , وَهِيَ الْجِلْدَة الْبَيْضَاء , فَلَصِقَ حُبّه بِقَلْبِهَا كَلُصُوقِ الْجِلْدَة بِالْقَلْبِ . أَيْ فِي هَذَا الْفِعْل .

غريب الآية
۞ وَقَالَ نِسۡوَةࣱ فِی ٱلۡمَدِینَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِیزِ تُرَ ٰ⁠وِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ ﴿٣٠﴾
شَغَفَهَا حُبًّاۖدَخَلَ حُبُّه إلى غِلاف قلبِها، حتى تَمَكَّنَ.
الإعراب
(وَقَالَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(قَالَ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(نِسْوَةٌ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْمَدِينَةِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَعْتٌ لِـ(نِسْوَةٌ) :.
(امْرَأَتُ)
مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْعَزِيزِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(تُرَاوِدُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هِيَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (امْرَأَةُ) :.
(فَتَاهَا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(عَنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(نَفْسِهِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(قَدْ)
حَرْفُ تَحْقِيقٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(شَغَفَهَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(حُبًّا)
تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِنَّا)
(إِنَّ) : حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (إِنَّ) :.
(لَنَرَاهَا)
"اللَّامُ" الْمُزَحْلَقَةُ حَرْفُ تَوْكِيدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نَرَا) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "نَحْنُ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(ضَلَالٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مُبِينٍ)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.