صفحات الموقع

سورة الرعد الآية ١١

سورة الرعد الآية ١١

لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتࣱ مِّنۢ بَیۡنِ یَدَیۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ یَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَاۤ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمࣲ سُوۤءࣰا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ﴿١١﴾

التفسير

تفسير السعدي

" لَهُ " أي للإنسان " مُعَقِّبَاتٌ " من الملائكة, يتعاقبون في الليل والنهار. " مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ " أي: يحفظون بدنه وروحه, من كل من يريده بسوء, ويحفظون عليه أعماله, وهم ملازمون له دائما. فكما أن علم الله محيط به, فالله قد أرسل هؤلاء الحفظة على العباد, بحيث لا تخفى أحوالهم ولا أعمالهم, ولا ينسى منها شيئا. " إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ " من النعمة والإحسان, ورغد العيش " حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ " بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر, ومن الطاعة إلى المعصية. أو من شكر نعم الله إلى البطر بها, فيسلبهم الله إياها عند ذلك. وكذلك إذا غير العباد, ما بأنفسهم من المعصية, فانتقلوا إلى طاعة الله, غير الله عليهم, ما كانوا فيه من الشقاء, إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة. " وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا " أي: عذابا وشدة, وأمرا يكرهونه, فإن إرادته, لا بد أن تنفذ فيهم. فـإنه " فَلَا مَرَدَّ لَهُ " ولا أحد يمنعهم منه. " وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ " يتولى أمورهم, فيجلب لهم المحبوب, ويدفع عنهم المكروه. فليحذروا من الإقامة على ما يكره الله, خشية أن يحل بهم من العقاب ما لا يرد عن القوم المجرمين.

التفسير الميسر

لله تعالى ملائكة يتعاقبون على الإنسان من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه بأمر الله ويحصون ما يصدر عنه من خير أو شر. إن الله سبحانه وتعالى لا يغيِّر نعمة أنعمها على قوم إلا إذا غيَّروا ما أمرهم به فعصوه. وإذا أراد الله بجماعةٍ بلاءً فلا مفرَّ منه، وليس لهم مِن دون الله مِن وال يتولى أمورهم، فيجلب لهم المحبوب، ويدفع عنهم المكروه.

تفسير الجلالين

"لَهُ" لِلْإِنْسَانِ "مُعَقِّبَات" مَلَائِكَة تَتَعَقَّبهُ "مِنْ بَيْن يَدَيْهِ" قُدَّامه "وَمِنْ خَلْفه" وَرَائِهِ "يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه" أَيْ بِأَمْرِهِ مِنْ الْجِنّ وَغَيْرهمْ "إنَّ اللَّه لَا يُغَيِّر مَا بِقَوْمٍ" لَا يَسْلُبهُمْ نِعْمَته "حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" مِنْ الْحَالَة الْجَمِيلَة بِالْمَعْصِيَةِ "وَإِذَا أَرَادَ اللَّه بِقَوْمٍ سُوءًا" عَذَابًا "فَلَا مَرَدَّ لَهُ" مِنْ الْمُعَقِّبَات وَلَا غَيْرهَا "وَمَا لَهُمْ" لِمَنْ أَرَادَ اللَّه بِهِمْ سُوءًا "مِنْ دُونه" أَيْ غَيْر اللَّه "مِنْ" زَائِدَة "وَالٍ" يَمْنَعهُ عَنْهُمْ

تفسير ابن كثير

أَيْ لِلْعَبْدِ مَلَائِكَة يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهِ حَرَس بِاللَّيْلِ وَحَرَس بِالنَّهَارِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ الْأَسْوَاء وَالْحَادِثَات كَمَا يَتَعَاقَب مَلَائِكَة آخَرُونَ لِحِفْظِ الْأَعْمَال مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَة بِالنَّهَارِ فَاثْنَانِ عَنْ الْيَمِين وَالشِّمَال يَكْتُبَانِ الْأَعْمَال صَاحِب الْيَمِين يَكْتُب الْحَسَنَات وَصَاحِب الشِّمَال يَكْتُب السَّيِّئَات وَمَلَكَانِ آخَرَانِ يَحْفَظَانِهِ وَيَحْرُسَانِهِ وَاحِد مِنْ وَرَائِهِ وَآخَر مِنْ قُدَّامه فَهُوَ بَيْن أَرْبَعَة أَمْلَاك بِالنَّهَارِ وَأَرْبَعَة آخَرِينَ بِاللَّيْلِ بَدَلًا حَافِظَانِ وَكَاتِبَانِ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيح " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَة بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاة الصُّبْح وَصَلَاة الْعَصْر فَيَصْعَد إِلَيْهِ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلهُمْ وَهُوَ أَعْلَم بِكُمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي ؟ فَيَقُولُونَ أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ " وَفِي الْحَدِيث الْآخَر " إِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقكُمْ إِلَّا عِنْد الْخَلَاء وَعِنْد الْجِمَاع فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ " وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه" وَالْمُعَقِّبَات مِنْ اللَّه هِيَ الْمَلَائِكَة وَقَالَ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه " قَالَ مَلَائِكَة يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه فَإِذَا جَاءَ قَدَر اللَّه خَلَوْا عَنْهُ وَقَالَ مُجَاهِد مَا مِنْ عَبْد إِلَّا لَهُ مَلَك مُوَكَّل يَحْفَظهُ فِي نَوْمه وَيَقَظَته مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس وَالْهَوَامّ فَمَا مِنْهَا شَيْء يَأْتِيه يُرِيدهُ إِلَّا قَالَ لَهُ الْمَلَك : وَرَاءَك إِلَّا شَيْء أَذِنَ اللَّه فِيهِ فَيُصِيبهُ وَقَالَ الثَّوْرِيّ عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه " قَالَ ذَلِكَ مَلِك مِنْ مُلُوك الدُّنْيَا لَهُ حَرَس مِنْ دُونه حَرَس وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس " لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه " يَعْنِي وَلِيّ السُّلْطَان يَكُون عَلَيْهِ الْحَرَس وَقَالَ عِكْرِمَة فِي تَفْسِيرهَا هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاء الْمَوَاكِب مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه ; وَقَالَ الضَّحَّاك فِي الْآيَة هُوَ السُّلْطَان الْمَحْرُوس مِنْ أَمْر اللَّه وَهُمْ أَهْل الشِّرْك وَالظَّاهِر وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ مُرَاد اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَالضَّحَّاك بِهَذَا أَنَّ حَرَس الْمَلَائِكَة لِلْعَبْدِ يُشْبِه حَرَس هَؤُلَاءِ لِمُلُوكِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ وَقَدْ رَوَى الْإِمَام أَبُو جَعْفَر اِبْن جَرِير هَاهُنَا حَدِيث غَرِيبًا جِدًّا فَقَالَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَبْد السَّلَام بْن صَالِح وَهُشَيْم حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن جَرِير عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ كِنَانَة النَّهْدِيّ النَّسَائِيّ : دَخَلَ عُثْمَان بْن مَاجَهْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أَخْبِرْنِي عَنْ الْعَبْد كَمْ مَعَهُ مِنْ مَلَك ؟ فَقَالَ " مَلَك عَنْ يَمِينك عَلَى حَسَنَاتك وَهُوَ أَمِير عَلَى الَّذِي عَلَى الشِّمَال فَإِذَا عَمِلْت حَسَنَة كُتِبَتْ عَشْرًا وَإِذَا عَمِلْت سَيِّئَة قَالَ الَّذِي عَلَى الشِّمَال لِلَّذِي عَلَى الْيَمِين اُكْتُبْهَا ؟ قَالَ لَا لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِر وَيَتُوب فَيَسْتَأْذِنهُ ثَلَاث مَرَّات فَإِذَا قَالَ ثَلَاثًا قَالَ اُكْتُبْهَا أَرَاحَنَا اللَّه مِنْهُ فَبِئْسَ الْقَرِين مَا أَقَلّ مُرَاقَبَته لِلَّهِ وَأَقَلّ اِسْتِحْيَاءَهُ مِنَّا يَقُول اللَّه " مَا يَلْفِظ مِنْ قَوْل إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيب عَتِيد " وَمَلَكَانِ مِنْ بَيْن يَدَيْك وَمِنْ خَلْفك يَقُول اللَّه تَعَالَى " لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه " الْآيَة ; وَمَلَك قَابِض عَلَى نَاصِيَتك فَإِذَا تَوَاضَعْت لِلَّهِ رَفَعَك وَإِذَا تَجَبَّرْت عَلَى اللَّه قَصَمَكَ ; وَمَلَكَانِ عَلَى شَفَتَيْك لَيْسَ يَحْفَظَانِ عَلَيْك إِلَّا الصَّلَاة عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَلَك قَائِم عَلَى فِيك لَا يَدَع أَنْ تَدْخُل الْحَيَّة فِي فِيك وَمَلَكَانِ عَلَى عَيْنَيْك فَهَؤُلَاءِ عَشَرَة أَمْلَاك عَلَى كُلّ آدَمِيّ يَنْزِلُونَ مَلَائِكَة اللَّيْل عَلَى مَلَائِكَة النَّهَار لِأَنَّ مَلَائِكَة اللَّيْل سِوَى مَلَائِكَة النَّهَار فَهَؤُلَاءِ عِشْرُونَ مَلَكًا عَلَى كُلّ آدَمِيّ وَإِبْلِيس بِالنَّهَارِ وَوَلَده بِاللَّيْلِ " وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّه حَدَّثَنَا أَسْوَد بْن عَامِر حَدَّثَنَا سُفْيَان حَدَّثَنِي مَنْصُور عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينه مِنْ الْجِنّ وَقَرِينه مِنْ الْمَلَائِكَة " قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ " وَإِيَّايَ وَلَكِنَّ اللَّه أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَيْرٍ " اِنْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِم وَقَوْله " يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه " قِيلَ الْمُرَاد حِفْظهمْ لَهُ مِنْ أَمْر اللَّه رَوَاهُ سُنَيْد بْن أَبِي طَلْحَة وَغَيْره عَنْ اِبْن عَبَّاس وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَإِبْرَاهِيم دَاوُدَ وَغَيْرهمْ وَقَالَ رُوِيَ" يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه " قَالَ وَفِي بَعْض الْقِرَاءَات يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّه وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار : لَوْ تَجَلَّى لِابْنِ آدَم كُلّ سَهْل وَكُلّ حَزْن لَرَأَى كُلّ شَيْء مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا يَقِينًا لَوْلَا أَنَّ اللَّه وَكَّلَ بِكُمْ مَلَائِكَة يَذُبُّونَ عَنْكُمْ فِي مَطْعَمكُمْ وَمَشْرَبكُمْ وَعَوْرَاتكُمْ إِذًا لَتُخُطِّفْتُمْ وَقَالَ أَبُو أُمَامَة : مَا مِنْ آدَمِيّ إِلَّا وَمَعَهُ مَلَك يَذُود عَنْهُ حَتَّى يُسَلِّمهُ لِلَّذِي قُدِّرَ لَهُ وَقَالَ أَبُو مِجْلَز : جَاءَ رَجُل مِنْ مُرَاد إِلَى عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ اِحْتَرِسْ فَإِنَّ نَاسًا مِنْ مُرَاد يُرِيدُونَ قَتْلك فَقَالَ إِنَّ مَعَ كُلّ رَجُل مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدَّر فَإِذَا جَاءَ الْقَدَر خَلَّيَا بَيْنه وَبَيْنه إِنَّ الْأَجَل جُنَّة حَصِينَة وَقَالَ بَعْضهمْ " يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه " بِأَمْرِ اللَّه كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت رُقْيَا نَسْتَرْقِي بِهَا هَلْ تَرُدّ مِنْ قَدَر اللَّه شَيْئًا ؟ فَقَالَ " هِيَ مِنْ قَدَر اللَّه " وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ حَدَّثَنَا حَفْص بْن غِيَاث عَنْ أَشْعَث عَنْ جَهْم عَنْ إِبْرَاهِيم قَالَ أَوْحَى اللَّه إِلَى نَبِيّ مِنْ أَنْبِيَاء بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ قُلْ لِقَوْمِك إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل قَرْيَة وَلَا أَهْل بَيْت يَكُونُونَ عَلَى طَاعَة اللَّه فَيَتَحَوَّلُونَ مِنْهَا إِلَى مَعْصِيَة اللَّه إِلَّا حَوَّلَ اللَّه عَنْهُمْ مَا يُحِبُّونَ إِلَى مَا يَكْرَهُونَ ثُمَّ قَالَ إِنَّ تَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه " إِنَّ اللَّه لَا يُغَيِّر مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ " وَقَدْ وَرَدَ هَذَا فِي حَدِيث مَرْفُوع فَقَالَ الْحَافِظ مُحَمَّد بْن عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة فِي كِتَابه صِفَة الْعَرْش حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَلِيّ حَدَّثَنَا الْهَيْثَم بْن الْأَشْعَث السُّلَمِيّ حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَة الْيَمَانِيّ الْأَنْصَارِيّ عَنْ عُمَيْر بْن عَبْد الْمَلِك قَالَ : خَطَبَنَا عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب عَلَى مِنْبَر الْكُوفَة قَالَ : كُنْت إِذَا أَمْسَكْت عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِبْتَدَأَنِي وَإِذَا سَأَلْته عَنْ الْخَبَر أَنْبَأَنِي وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي عَنْ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ " قَالَ الرَّبّ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَارْتِفَاعِي فَوْق عَرْشِي مَا مِنْ قَرْيَة وَلَا أَهْل بَيْت كَانُوا عَلَى مَا كَرِهْت مِنْ مَعْصِيَتِي ثُمَّ تَحَوَّلُوا عَنْهَا إِلَى مَا أَحْبَبْت مِنْ طَاعَتِي إِلَّا تَحَوَّلْت لَهُمْ عَمَّا يَكْرَهُونَ مِنْ عَذَابِي إِلَى مَا يُحِبُّونَ مِنْ رَحْمَتِي " وَهَذَا غَرِيب , وَفِي إِسْنَاده مَنْ لَا أَعْرِفهُ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَهُ مُعَقِّبَات } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : لِلَّهِ تَعَالَى ذِكْره ـ مُعَقِّبَات , قَالُوا : الْهَاء فِي قَوْله " لَهُ " مِنْ ذِكْر اِسْم اللَّه , وَالْمُعَقِّبَات الَّتِي تَتَعَقَّب عَلَى الْعَبْد ; وَذَلِكَ أَنَّ مَلَائِكَة اللَّيْل إِذَا صَعِدَتْ بِالنَّهَارِ أَعْقَبَتْهَا مَلَائِكَة النَّهَار , فَإِذَا اِنْقَضَى النَّهَار صَعِدَتْ مَلَائِكَة النَّهَار ثُمَّ أَعْقَبَتْهَا مَلَائِكَة اللَّيْل , وَقَالُوا : قِيلَ مُعَقِّبَات , وَالْمَلَائِكَة : جَمْع مَلَك مُذَكَّر غَيْر مُؤَنَّث , وَوَاحِد الْمَلَائِكَة مُعَقِّب , وَجَمَاعَتهَا مُعَقِّبَة , ثُمَّ جُمِعَ جَمْعه , أَعْنِي جُمِعَ مُعَقِّب بَعْد مَا جُمِعَ مُعَقِّبَة . وَقِيلَ : مُعَقِّبَات , كَمَا قِيلَ : أَبْنَاوَات سَعْد , وَرِجَالَات بَنِي فُلَان جَمْع رِجَال . وَقَوْله : { مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مِنْ بَيْن يَدَيْهِ } مِنْ قُدَّام هَذَا الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ وَالسَّارِب بِالنَّهَارِ , { وَمَنْ خَلْفه } : مِنْ وَرَاء ظَهْره . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15341 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ مَنْصُور , يَعْنِي اِبْن زَاذَان , عَنْ الْحَسَن فِي هَذِهِ الْآيَة : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه } قَالَ : الْمَلَائِكَة . 15342 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَبْد السَّلَام بْن صَالِح الْقُشَيْرِيّ , قَالَ : ثَنَا عَلِيّ بْن جَرِير , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر , عَنْ كِنَانَة الْعَدَوِيّ , قَالَ : دَخَلَ عُثْمَان بْن عَفَّان عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , أَخْبِرْنِي عَنْ الْعَبْد كَمْ مَعَهُ مِنْ مَلَك ؟ عَلَى يَمِينك عَلَى حَسَنَاتك , وَهُوَ أَمِير عَلَى الَّذِي عَلَى الشِّمَال , فَإِذَا عَمِلْت حَسَنَة كُتِبَتْ عَشْرًا , وَإِذَا عَمِلْت سَيِّئَة قَالَ الَّذِي عَلَى الشِّمَال لِلَّذِي عَلَى الْيَمِين : اُكْتُبْ ! قَالَ : لَا لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِر اللَّه وَيَتُوب , فَإِذَا قَالَ ثَلَاثًا , قَالَ : نَعَمْ اُكْتُبْ أَرَاحَنَا اللَّه مِنْهُ , فَبِئْسَ الْقَرِين , مَا أَقَلّ مُرَاقَبَته لِلَّهِ , وَأَقَلّ اِسْتِحْيَاءَهُ مِنَّا ! يَقُول اللَّه : { مَا يَلْفِظ مِنْ قَوْل إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيب عَتِيد } . وَمَلَكَانِ مِنْ بَيْن يَدَيْك وَمِنْ خَلْفك , يَقُول اللَّه : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } وَمَلَك قَابِض عَلَى نَاصِيَتك , فَإِذَا تَوَاضَعْت لِلَّهِ رَفَعَك , وَإِذَا تَجَبَّرْت عَلَى اللَّه قَصَمك . وَمَلَكَانِ عَلَى شَفَتَيْك لَيْسَ يَحْفَظَانِ عَلَيْك إِلَّا الصَّلَاة عَلَى مُحَمَّد ; وَمَلَك قَائِم عَلَى فِيك لَا يَدَع الْحَيَّة تَدْخُل فِي فِيك ; وَمَلَكَانِ عَلَى عَيْنَيْك . فَهَؤُلَاءِ عَشَرَة أَمْلَاك عَلَى كُلّ آدَمِيّ , يَنْزِلُونَ مَلَائِكَة اللَّيْل عَلَى مَلَائِكَة النَّهَار , لِأَنَّ مَلَائِكَة اللَّيْل سِوَى مَلَائِكَة النَّهَار فَهَؤُلَاءِ عِشْرُونَ مَلَكًا عَلَى كُلّ آدَمِيّ , وَإِبْلِيس بِالنَّهَارِ وَوَلَده بِاللَّيْلِ " . 15343 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا شَبَّابَة , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه } الْمَلَائِكَة { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . - قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ عَبْد الْمَلِك , عَنْ قَيْس , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ } قَالَ : مَعَ كُلّ إِنْسَان حَفَظَة يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه . 15344 - قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } فَالْمُعَقِّبَات هُنَّ مِنْ أَمْر اللَّه , وَهِيَ الْمَلَائِكَة . 15345 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } قَالَ : مَلَائِكَة يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه , فَإِذَا جَاءَ قَدَره خَلَوْا عَنْهُ . - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } فَإِذَا جَاءَ الْقَدَر خَلَوْا عَنْهُ . 15346 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم فِي هَذِهِ الْآيَة , قَالَ : الْحَفَظَة . 15347 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } قَالَ : مَلَائِكَة . 15348 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حَازِم , قَالَ : ثَنَا يَعْلَى , قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي صَالِح , فِي قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات } قَالَ : مَلَائِكَة اللَّيْل يُعَقِّبُونَ مَلَائِكَة النَّهَار . 15349 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه } هَذِهِ مَلَائِكَة اللَّيْل يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار , وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ عِنْد صَلَاة الْعَصْر وَصَلَاة الصُّبْح . وَفِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب : " لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَرَقِيب مِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه " . 15350 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ } قَالَ : مَلَائِكَة يَتَعَاقَبُونَهُ . 15351 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه } قَالَ : الْمَلَائِكَة . قَالَ اِبْن جُرَيْج : مُعَقِّبَات : قَالَ : الْمَلَائِكَة تَعَاقَب اللَّيْل وَالنَّهَار . وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَجْتَمِعُونَ فِيكُمْ عِنْد صَلَاة الْعَصْر وَصَلَاة الصُّبْح " وَقَوْله : { مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ } قَالَ اِبْن جُرَيْج : مِثْل قَوْله : { عَنْ الْيَمِين وَعَنْ الشِّمَال قَعِيد } قَالَ : الْحَسَنَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَالسَّيِّئَات مِنْ خَلْفه , الَّذِي عَنْ يَمِينه يَكْتُب الْحَسَنَات وَاَلَّذِي عَنْ شِمَاله يَكْتُب السَّيِّئَات . 15352 - حَدَّثَنَا سِوَار بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت لَيْثًا يُحَدِّث عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ قَالَ : مَا مِنْ عَبْد إِلَّا لَهُ مَلَك مُوَكَّل يَحْفَظهُ فِي نَوْمه وَيَقَظَته مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس وَالْهَوَامّ , فَمَا مِنْهَا شَيْء يَأْتِيه يُرِيدهُ إِلَّا قَالَ : وَرَاءَك , إِلَّا شَيْئًا يَأْذَن اللَّه فِيهِ فَيُصِيبهُ . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي : قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه } قَالَ : يَعْنِي الْمَلَائِكَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِالْمُعَقِّبَاتِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْحَرَس , الَّذِي يَتَعَاقَب عَلَى الْأَمِير . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15353 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثَنَا اِبْن يَمَان , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه } قَالَ : ذَلِكَ مَلَك مِنْ مُلُوك الدُّنْيَا لَهُ حَرَس مِنْ دُونه حَرَس . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعِيد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه } يَعْنِي : وَلِيّ السُّلْطَان يَكُون عَلَيْهِ الْحَرَس . 15354 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ شَرْقِيّ ; أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَة يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ } قَالَ : هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاء . 15355 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن نَافِع , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه } قَالَ : الْمَوَاكِب مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه . 15356 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } قَالَ : هُوَ السُّلْطَان الْمَحْرُوس مِنْ أَمْر اللَّه , وَهُمْ أَهْل الشِّرْك . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : الْهَاء فِي قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات } مِنْ ذِكْر " مَنْ " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ } وَأَنَّ الْمُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه , هِيَ حَرَسه وَجَلَاوِزَته كَمَا قَالَ ذَلِكَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْله . وَإِنَّمَا قُلْنَا : ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات } أَقْرَب إِلَى قَوْله : { وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ } مِنْهُ إِلَى عَالِم الْغَيْب , فَهِيَ لِقُرْبِهَا مِنْهُ أَوْلَى بِأَنْ تَكُون مِنْ ذِكْره , وَأَنْ يَكُون الْمَعْنَى بِذَلِكَ هَذَا , مَعَ دَلَالَة قَوْل اللَّه : { وَإِذَا أَرَادَ اللَّه بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدّ لَهُ } عَلَى أَنَّهُمْ الْمَعْنِيُّونَ بِذَلِكَ . وَذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَكَرَ قَوْمًا أَهْل مَعْصِيَة لَهُ وَأَهْل رِيبَة , يَسْتَخْفُونَ بِاللَّيْلِ وَيَظْهَرُونَ بِالنَّهَارِ , وَيَمْتَنِعُونَ عِنْد أَنْفُسهمْ بِحَرَسٍ يَحْرُسهُمْ , وَمَنَعَة تَمْنَعهُمْ مِنْ أَهْل طَاعَته أَنْ يَحُولُوا بَيْنهمْ وَبَيْن مَا يَأْتُونَ مِنْ مَعْصِيَة اللَّه , ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّه ـ تَعَالَى ذِكْره ـ إِذَا أَرَادَ بِهِمْ سُوءًا لَمْ يَنْفَعهُمْ حَرَسهمْ , وَلَا يَدْفَع عَنْهُمْ حِفْظهمْ . وَقَوْله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل هَذَا الْحَرْف عَلَى نَحْو اِخْتِلَافهمْ فِي تَأْوِيل قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات } فَمَنْ قَالَ : الْمُعَقِّبَات هِيَ الْمَلَائِكَة , قَالَ : الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه هُمْ أَيْضًا الْمَلَائِكَة ; وَمَنْ قَالَ : الْمُعَقِّبَات هِيَ الْحَرَس وَالْجَلَاوِزَة مِنْ بَنِي آدَم , قَالَ : الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه هُمْ أُولَئِكَ الْحَرَس . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مَعْنَى قَوْله : { مِنْ أَمْر اللَّه } فَقَالَ بَعْضهمْ : حِفْظهمْ إِيَّاهُ مِنْ أَمْره . وَقَالَ بَعْضهمْ : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه بِأَمْرِ اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ : الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ هُمْ الْمَلَائِكَة , وَوَجْه قَوْله : { بِأَمْرِ اللَّه } إِلَى مَعْنَى أَنَّ حِفْظهَا إِيَّاهُ مِنْ أَمْر اللَّه : 15357 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } يَقُول : بِإِذْنِ اللَّه , فَالْمُعَقِّبَات : هِيَ مِنْ أَمْر اللَّه , وَهِيَ الْمَلَائِكَة 15358 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } قَالَ : الْمَلَائِكَة : الْحَفَظَة , وَحِفْظهمْ إِيَّاهُ مِنْ أَمْر اللَّه . 15359 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : ثَنِي عَبْد الْمَلِك , عَنْ اِبْن عُبَيْد اللَّه , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } قَالَ : الْحَفَظَة هُمْ مِنْ أَمْر اللَّه . 15360 - قَالَ : ثَنَا عَلِيّ , يَعْنِي اِبْن عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ عَمْرو , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ } رُقَبَاء { وَمِنْ خَلْفه } مِنْ أَمْر اللَّه { يَحْفَظُونَهُ } . * قَالَ : ثَنَا عَبْد الْوَهَّاب , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْجَارُود , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ } رَقِيب { وَمِنْ خَلْفه } . 15361 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } قَالَ : الْمَلَائِكَة مِنْ أَمْر اللَّه . 15362 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } قَالَ : الْمَلَائِكَة مِنْ أَمْر اللَّه . 15363 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } قَالَ : الْحَفَظَة . ذِكْر مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِذَلِكَ يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّه . 15364 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } : أَيْ بِأَمْرِ اللَّه . - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } , وَفِي بَعْض الْقِرَاءَات . " بِأَمْرِ اللَّه " . 15365 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ عَبْد الْمَلِك , عَنْ قَيْس , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه } قَالَ : مَعَ كُلّ إِنْسَان حَفَظَة يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ : تَحْفَظهُ الْحَرَس مِنْ بَنِي آدَم مِنْ أَمْر اللَّه : 15366 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنَا أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } يَعْنِي : وَلِيّ السُّلْطَان يَكُون عَلَيْهِ الْحَرَس , يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه , يَقُول ـ واللَّه عَزَّ وَجَلَّ ـ : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِي , فَإِنِّي إِذَا أَرَدْت بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونه مِنْ وَالٍ . 15367 - حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة الضُّبَعِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو قُتَيْبَة , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ شَرْقِيّ , عَنْ عِكْرِمَة : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } قَالَ : الْجَلَاوِزَة . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه , وَأَمْر اللَّه الْجِنّ , وَمَنْ يَبْغِي أَذَاهُ وَمَكْرُوهه قَبْل مَجِيء قَضَاء اللَّه , فَإِذَا جَاءَ قَضَاؤُهُ خَلَّوْا بَيْنه وَبَيْنه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15368 - حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَة الضُّبَعِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو دَاوُد , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , عَنْ مَنْصُور , عَنْ طَلْحَة , عَنْ إِبْرَاهِيم : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } قَالَ : مِنْ الْجِنّ . 15369 - حَدَّثَنَا سِوَار بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت لَيْثًا يُحَدِّث عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ قَالَ : مَا مِنْ عَبْد إِلَّا لَهُ مَلَك مُوَكَّل يَحْفَظهُ فِي نَوْمه وَيَقِظَته مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس وَالْهَوَامّ , فَمَا مِنْهُمْ شَيْء يَأْتِيه يُرِيدهُ إِلَّا قَالَ : وَرَاءَك , إِلَّا شَيْئًا يَأْذَن اللَّه فَيُصِيبهُ . 15370 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش , عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد الْأَلْهَانِيّ , عَنْ يَزِيد بْن شُرَيْح عَنْ كَعْب الْأَحْبَار , قَالَ : لَوْ تَجَلَّى لِابْنِ آدَم كُلّ سَهْل وَحَزْن , لَرَأَى عَلَى كُلّ شَيْء مِنْ ذَلِكَ شَيَاطِين , لَوْلَا أَنَّ اللَّه وَكَّلَ بِكُمْ مَلَائِكَة يَذُبُّونَ عَنْكُمْ فِي مَطْعَمكُمْ وَمَشْرَبكُمْ وَعَوْرَاتكُمْ إِذَنْ لَتُخُطِّفْتُمْ . 15375 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : ثَنَا عُمَارَة بْن أَبِي حَفْصَة , عَنْ أَبِي مِجْلَز , قَالَ : جَاءَ رَجُل مِنْ مُرَاد إِلَى عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَهُوَ يُصَلِّي , فَقَالَ : اِحْتَرِسْ , فَإِنَّ نَاسًا مِنْ مُرَاد يُرِيدُونَ قَتْلك ! فَقَالَ : إِنَّ مَعَ كُلّ رَجُل مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدَّر , فَإِذَا جَاءَ الْقَدَر خَلَّيَا بَيْنه وَبَيْنه , وَإِنَّ الْأَجَل جُنَّة حَصِينَة . 15372 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْوَهَّاب , عَنْ الْحَسَن بْن ذَكْوَان , عَنْ أَبِي غَالِب , عَنْ أَبِي أُمَامَة قَالَ : مَا مِنْ آدَمِيّ إِلَّا وَمَعَهُ مَلَك مُوَكَّل يَذُود عَنْهُ حَتَّى يُسْلِمهُ لِلَّذِي قُدِّرَ لَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15373 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } قَالَ : يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّه . قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي اِبْن جُرَيْج بِقَوْلِهِ : يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة الْمُوَكَّلَة بِابْنِ آدَم , بِحِفْظِ حَسَنَاته وَسَيِّئَاته , وَهِيَ الْمُعَقِّبَات عِنْدنَا , تَحْفَظ عَلَى اِبْن آدَم حَسَنَاته وَسَيِّئَاته مِنْ أَمْر اللَّه . وَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَجِب أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله : { مِنْ أَمْر اللَّه } أَنَّ الْحَفَظَة مِنْ أَمْر اللَّه , أَوْ تُحْفَظ بِأَمْرِ اللَّه , وَيَجِب أَنْ تَكُون الْهَاء الَّتِي فِي قَوْله : { يَحْفَظُونَهُ } وَحَّدَتْ وَذَكَّرَتْ , وَهِيَ مُرَاد بِهَا الْحَسَنَات وَالسَّيِّئَات , لِأَنَّهَا كِنَايَة عَنْ ذِكْر مِنْ الَّذِي هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِب بِالنَّهَارِ , وَأَنْ يَكُون الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ , أُقِيمَ ذِكْره مَقَام الْخَبَر عَنْ سَيِّئَاته وَحَسَنَاته , كَمَا قِيلَ : { وَاسْأَلْ الْقَرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِير الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا } . وَكَانَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد يَقُول فِي ذَلِكَ خِلَاف هَذِهِ الْأَقْوَال كُلّهَا : 15374 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِب بِالنَّهَارِ } قَالَ : أَتَى عَامِر بْن الطُّفَيْل , وَأَرْبَد بْن رَبِيعَة إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ عَامِر : مَا تَجْعَل لِي إِنْ أَنَا اِتَّبَعْتُك ؟ قَالَ : " أَنْتَ فَارِس أُعْطِيك أَعِنَّة الْخَيْل " قَالَ : لَا . قَالَ : " فَمَا تَبْغِي ؟ " قَالَ : لِي الشَّرْق وَلَك الْغَرْب . قَالَ : " لَا " . قَالَ : فَلِي الْوَبَر وَلَك الْمَدَر . قَالَ : " لَا " قَالَ : لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْك إِذًا خَيْلًا وَرِجَالًا , قَالَ : " يَمْنَعك اللَّه ذَاكَ وَأَبْنَاء قَيْلَة " يُرِيد الْأَوْس وَالْخَزْرَج . قَالَ : فَخَرَجَا , فَقَالَ عَامِر لِأَرْبَد : إِنْ كَانَ الرَّجُل لَنَا لَمُمْكِنًا لَوْ قَتَلْنَاهُ مَا اِنْتَطَحَتْ فِيهِ عَنْزَانِ وَلَرَضُوا بِأَنْ نَعْقِلهُ لَهُمْ وَأَحَبُّوا السِّلْم وَكَرِهُوا الْحَرْب إِذَا رَأَوْا أَمْرًا قَدْ وَقَعَ . فَقَالَ الْآخَر : إِنْ شِئْت فَتَشَاوَرَا , وَقَالَ : اِرْجِعْ وَأَنَا أَشْغَلهُ عَنْك بِالْمُجَادَلَةِ , وَكُنْ وَرَاءَهُ فَاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ ضَرْبَة وَاحِدَة ! فَكَانَا كَذَلِكَ , وَاحِد وَرَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْآخَر قَالَ : اُقْصُصْ عَلَيْنَا قَصَصك , قَالَ : مَا يَقُول قُرْآنك ؟ فَجَعَلَ يُجَادِلهُ وَيَسْتَبْطِئهُ حَتَّى قَالَ : مَا لَك أَحْشَمْت ؟ قَالَ : وَضَعْت يَدِي عَلَى قَائِم سَيْفِي فَيَبِسَتْ , فَمَا قَدَرْت عَلَى أَنْ أُحْلِي وَلَا أُمِرّ وَلَا أُحَرِّكهَا . قَالَ : فَخَرَجَا ; فَلَمَّا كَانَا بِالْحَرَّةِ سَمِعَ بِذَلِكَ سَعْد بْن مُعَاذ وَأُسَيْد بْن حُضَيْر , فَخَرَجَا إِلَيْهِمَا , عَلَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لَأْمَته وَرُمْحه بِيَدِهِ وَهُوَ مُتَقَلِّد سَيْفه , فَقَالَا لِعَامِرِ بْن الطُّفَيْل : يَا أَعْوَر يَا خَبِيث يَا أَمْلَخ , أَنْتَ الَّذِي تَشْتَرِط عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ لَوْلَا أَنَّك فِي أَمَان مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رُمْت الْمَنْزِل حَتَّى ضَرَبْت عُنُقك , وَلَكِنْ لَا تُسْتَبْقَيَنَّ ! وَكَانَ أَشَدّ الرَّجُلَيْنِ عَلَيْهِ أُسَيْد بْن الْحُضَيْر , ( فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا : أُسَيْد بْن حُضَيْر ) , فَقَالَ : لَوْ كَانَ أَبُوهُ حَيًّا لَمْ يَفْعَل بِي هَذَا . ثُمَّ قَالَ لِأَرْبَد : اُخْرُجْ أَنْتَ يَا أَرْبَد إِلَى نَاحِيَة عَذْبَة , وَأَخْرُج أَنَا إِلَى نَجْد , فَنَجْمَع الرِّجَال فَنَلْتَقِي عَلَيْهِ . فَخَرَجَ أَرْبَد حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّقْمِ بَعَثَ اللَّه سَحَابَة مِنْ الصَّيْف فِيهَا صَاعِقَة فَأَحْرَقَتْهُ . قَالَ : وَخَرَجَ عَامِر , حَتَّى إِذَا كَانَ بِوَادٍ يُقَال لَهُ الْجَرِير , أَرْسَلَ اللَّه عَلَيْهِ الطَّاعُون , فَجَعَلَ يَصِيح : يَا آل عَامِر , أَغُدَّة كَغُدَّةِ الْبَكْر تَقْتُلنِي , يَا آل عَامِر أَغُدَّة كَغُدَّةِ الْبَكْر تَقْتُلنِي , وَمَوْت أَيْضًا فِي بَيْت سَلُولِيَّة ! وَهِيَ اِمْرَأَة مِنْ قَيْس , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه : { سَوَاء مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْل وَمَنْ جَهَرَ بِهِ } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { يَحْفَظُونَهُ } تِلْكَ الْمُعَقِّبَات مِنْ أَمْر اللَّه , هَذَا مُقَدَّم وَمُؤَخَّر لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَقِّبَات يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه تِلْكَ الْمُعَقِّبَات مِنْ أَمْر اللَّه . وَقَالَ لِهَذَيْنِ : { إِنَّ اللَّه لَا يُغَيِّر مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { يُرْسِل الصَّوَاعِق فَيُصِيب بِهَا مَنْ يَشَاء } الْآيَة , فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَال } / 30 قَالَ وَقَالَ لَبِيد فِي أَخِيهِ أَرْبَد , وَهُوَ يَبْكِيه : أَخْشَى عَلَى أَرْبَد الْحُتُوف وَلَا أَرْهَب نَوْء السِّمَاك وَالْأَسَد فَجَعَنِي الرَّعْد وَالصَّوَاعِق بِالْ فَارِس يَوْم الْكَرِيهَة النَّجُد قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ اِبْن زَيْد فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة قَوْل بَعِيد مِنْ تَأْوِيل الْآيَة مَعَ خِلَافه أَقْوَال مَنْ ذَكَرْنَا قَوْله مِنْ أَهْل التَّأْوِيل , وَذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ الْهَاء فِي قَوْله : { لَهُ مُعَقِّبَات } مِنْ ذِكْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يَجْرِ لَهُ فِي الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا وَلَا فِي الَّتِي قَبْل الْأُخْرَى ذِكْر , إِلَّا أَنْ يَكُون أَرَادَ أَنْ يَرُدّهَا عَلَى قَوْله : { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِر وَلِكُلِّ قَوْم هَادٍ لَهُ مُعَقِّبَات } فَإِنْ كَانَ أَرَادَ ذَلِكَ , فَذَلِكَ بَعِيد لِمَا بَيْنهمَا مِنْ الْآيَات بِغَيْرِ ذِكْر الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ , فَكَوْنهَا عَائِدَة عَلَى " مَنْ " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ } أَقْرَب , لِأَنَّهُ قَبْلهَا وَالْخَبَر بَعْدهَا عَنْهُ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَأْوِيل الْكَلَام : سَوَاء مِنْكُمْ أَيّهَا النَّاس مَنْ أَسَرَّ الْقَوْل وَمَنْ جَهَرَ بِهِ عِنْد رَبّكُمْ , وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِفِسْقِهِ وَرِيبَته فِي ظُلْمَة اللَّيْل , وَسَارِب : يَذْهَب وَيَجِيء فِي ضَوْء النَّهَار مُمْتَنِعًا بِجُنْدِهِ وَحَرَسه . الَّذِينَ يَتَعَقَّبُونَهُ مِنْ أَهْل طَاعَة اللَّه أَنْ يَحُولُوا بَيْنه وَبَيْنَ مَا يَأْتِي مِنْ ذَلِكَ , وَأَنْ يُقِيمُوا حَدّ اللَّه عَلَيْهِ , وَذَلِكَ قَوْله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } . وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه لَا يُغَيِّر مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : إِنَّ اللَّه لَا يُغَيِّر مَا بِقَوْمٍ مِنْ عَافِيَة وَنِعْمَة فَيُزِيل ذَلِكَ عَنْهُمْ وَيُهْلِكهُمْ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ ذَلِكَ بِظُلْمِ بَعْضهمْ بَعْضًا وَاعْتِدَاء بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , فَتَحِلّ بِهِمْ حِينَئِذٍ عُقُوبَته وَتَغْيِيره . وَقَوْله : { وَإِذَا أَرَادَ اللَّه بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدّ لَهُ } يَقُول : وَإِذَا أَرَادَ اللَّه بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَخْفُونَ بِاللَّيْلِ وَيَسْرَبُونَ بِالنَّهَارِ , لَهُمْ جُنْد وَمَنَعَة مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ , يَحْفَظُونَهُمْ مِنْ أَمْر اللَّه هَلَاكًا وَخِزْيًا فِي عَاجِل الدُّنْيَا { فَلَا مَرَدّ لَهُ } يَقُول : فَلَا يَقْدِر عَلَى رَدّ ذَلِكَ عَنْهُمْ أَحَد غَيْر اللَّه . يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : { وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونه مِنْ وَالٍ } يَقُول : وَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْم , وَالْهَاء وَالْمِيم فِي " لَهُمْ " مِنْ ذِكْر الْقَوْم الَّذِينَ فِي قَوْله : { وَإِذَا أَرَادَ اللَّه بِقَوْمٍ سُوءًا } . { مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَالٍ } يَعْنِي : مِنْ وَالٍ يَلِيهِمْ وَيَلِي أَمْرهمْ وَعُقُوبَتهمْ . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب يَقُول : السُّوء : الْهَلَكَة , وَيَقُول : كُلّ جُذَام وَبَرَص وَعَمًى وَبَلَاء عَظِيم فَهُوَ سَوْء مَضْمُوم الْأَوَّل , وَإِذَا فُتِحَ أَوَّله فَهُوَ مَصْدَر سُؤْت , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : رَجُل سَوْء . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى قَوْله : { وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِب بِالنَّهَارِ } فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة : مَعْنَى قَوْله : { وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ } وَمَنْ هُوَ ظَاهِر بِاللَّيْلِ , مِنْ قَوْلهمْ : خَفَيْت الشَّيْء : إِذَا أَظْهَرْته , وَكَمَا قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : فَإِنْ تَكْتُمُوا الدَّاء لَا نُخْفِهِ وَإِنْ تَبْعَثُوا الْحَرْب لَا نَقْعُد وَقَالَ : وَقَدْ قُرِئَ { أَكَاد أُخْفِيهَا } بِمَعْنَى : أُظْهِرهَا . وَقَالَ فِي قَوْله : { وَسَارِب بِالنَّهَارِ } السَّارِب : هُوَ الْمُتَوَارِي , كَأَنَّهُ وَجَّهَهُ إِلَى أَنَّهُ صَارَ فِي السَّرَب بِالنَّهَارِ مُسْتَخْفِيًا . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة وَالْكُوفَة : إِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ : أَيْ مُسْتَتِر بِاللَّيْلِ مِنْ الِاسْتِخْفَاء , وَسَارِب بِالنَّهَارِ : وَذَاهِب بِالنَّهَارِ , مِنْ قَوْلهمْ : سَرَبَتْ الْإِبِل إِلَى الْمَرَاعِي , وَذَلِكَ ذَهَابهَا إِلَى الْمَرَاعِي وَخُرُوجهَا إِلَيْهَا . وَقِيلَ : إِنَّ السُّرُوب بِالْعَشِيِّ وَالسُّرُوج بِالْغَدَاةِ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي تَأْنِيث مُعَقِّبَات , وَهِيَ صِفَة لِغَيْرِ الْإِنَاث , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : إِنَّمَا أُنِّثَتْ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنْهَا , نَحْو : نَسَّابَة وَعَلَّامَة , ثُمَّ ذُكِّرَ لِأَنَّ الْمَعْنَى مُذَكَّر , فَقَالَ : يَحْفَظُونَهُ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : إِنَّمَا هِيَ مَلَائِكَة مُعَقِّبَة , ثُمَّ جُمِعَتْ مُعَقِّبَات , فَهُوَ جَمْع جَمْع , ثُمَّ قِيلَ : يَحْفَظُونَهُ , لِأَنَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلنَا فِي مَعْنَى الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ وَالسَّارِب بِالنَّهَارِ . وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ فِي ذَلِكَ فَقَوْل وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي كَلَام الْعَرَب وَجْه خِلَاف لِقَوْلِ أَهْل التَّأْوِيل , وَحَسْبه مِنْ الدَّلَالَة عَلَى فَسَاده خُرُوجه عَنْ قَوْل جَمِيعهمْ . وَأَمَّا الْمُعَقِّبَات , فَإِنَّ التَّعْقِيب فِي كَلَام الْعَرَب الْعَوْد بَعْد الْبَدْء وَالرُّجُوع إِلَى الشَّيْء بَعْد الِانْصِرَاف عَنْهُ , مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّب } : أَيْ لَمْ يَرْجِع , وَكَمَا قَالَ سَلَامَة بْن جَنْدَل : وَكَرّنَا الْخَيْل فِي آثَارهمْ رُجُعًا كُسَّ السَّنَابِك مِنْ بَدْء وَتَعْقِيب يَعْنِي : فِي غَزْو ثَانٍ عُقِّبُوا ; وَكَمَا قَالَ طَرَفَة : وَلَقَدْ كُنْت عَلَيْكُمْ عَاتِبًا فَعَقَبْتُمْ بِذَنُوبٍ غَيْر مُرّ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : عَقَبْتُمْ : رَجَعْتُمْ , وَأَتَاهَا التَّأْنِيث عِنْدنَا , وَهِيَ مِنْ صِفَة الْحَرَس الَّذِي يَحْرُسُونَ الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ وَالسَّارِب بِالنَّهَارِ , لِأَنَّهُ عُنِيَ بِهَا حَرَس مُعَقِّبَة , ثُمَّ جُمِعَتْ الْمُعَقِّبَة , فَقِيلَ : مُعَقِّبَات , فَذَلِكَ جَمْع جَمْع الْمُعَقِّب , وَالْمُعَقِّب : وَاحِد الْمُعَقِّبَة , كَمَا قَالَ لَبِيد : حَتَّى تَهَجَّرَ فِي الرَّوَاح وَهَاجَهَا طَلَب الْمُعَقِّب حَقّه الْمَظْلُوم وَالْمُعَقِّبَات جَمْعهَا , ثُمَّ قَالَ : يَحْفَظُونَهُ , فَرَدَّ الْخَبَر إِلَى تَذْكِير الْحَرَس وَالْجُنْد . وَأَمَّا قَوْله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } فَإِنَّ أَهْل الْعَرَبِيَّة اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة مَعْنَاهُ : لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ أَمْر اللَّه يَحْفَظُونَهُ , وَلَيْسَ مِنْ أَمْره إِنَّمَا هُوَ تَقْدِيم وَتَأْخِير . قَالَ : وَيَكُون يَحْفَظُونَهُ ذَلِكَ الْحِفْظ مِنْ أَمْر اللَّه وَبِإِذْنِهِ , كَمَا تَقُول لِلرَّجُلِ : أَجَبْتُك مِنْ دُعَائِك إِيَّايَ , وَبِدُعَائِك إِيَّايَ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ : مَعْنَى ذَلِكَ : يَحْفَظُونَهُ عَنْ أَمْر اللَّه , كَمَا قَالُوا : أَطْعَمَنِي مِنْ جُوع وَعَنْ جُوع , وَكَسَانِي عَنْ عُرْي وَمِنْ عُرْي . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ أَوْلَى الْقَوْل بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ أَنْ يَكُون قَوْله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه } مِنْ صِفَة حَرَس هَذَا الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ وَهِيَ تَحْرُسهُ ظَنًّا مِنْهَا أَنَّهَا تَدْفَع عَنْهُ أَمْر اللَّه , فَأَخْبَرَ ـ تَعَالَى ذِكْره ـ أَنَّ حَرَسه ذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا إِذَا جَاءَ أَمْره , فَقَالَ : { وَإِذَا أَرَادَ اللَّه بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونه مِنْ وَالٍ } .

تفسير القرطبي

قَوْله تَعَالَى : " لَهُ مُعَقِّبَات " أَيْ لِلَّهِ مَلَائِكَة يَتَعَاقَبُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار ; فَإِذَا صَعِدَتْ مَلَائِكَة اللَّيْل أَعْقَبَتْهَا مَلَائِكَة النَّهَار. وَقَالَ : " مُعَقِّبَات " وَالْمَلَائِكَة ذُكْرَان لِأَنَّهُ جَمْع مُعَقِّبَة ; يُقَال : مَلَك مُعَقِّب , وَمَلَائِكَة مُعَقِّبَة , ثُمَّ مُعَقِّبَات جَمْع الْجَمْع. وَقَرَأَ بَعْضهمْ - " لَهُ مَعَاقِيب مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه " . وَمَعَاقِيب جَمْع مُعْقِب ; وَقِيلَ لِلْمَلَائِكَةِ مُعَقِّبَة عَلَى لَفْظ الْمَلَائِكَة وَقِيلَ : أُنِّثَ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنْهُمْ ; نَحْو نَسَّابَة وَعَلَّامَة وَرَاوِيَة ; قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره . وَالتَّعَقُّب الْعَوْد بَعْد الْبَدْء ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّب " [ النَّمْل : 10 ] أَيْ لَمْ يَرْجِع ; وَفِي الْحَدِيث : ( مُعَقِّبَات لَا يَخِيب قَائِلهنَّ - أَوْ - فَاعِلهنَّ ) فَذَكَرَ التَّسْبِيح وَالتَّحْمِيد وَالتَّكْبِير. قَالَ أَبُو الْهَيْثَم : سُمِّينَ " مُعَقِّبَات " لِأَنَّهُنَّ عَادَتْ مَرَّة بَعْد مَرَّة , فِعْل مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فَقَدْ عَقَّبَ . وَالْمُعَقِّبَات مِنْ الْإِبِل اللَّوَاتِي يَقُمْنَ عِنْد أَعْجَاز الْإِبِل الْمُعْتَرِكَات عَلَى الْحَوْض ; فَإِذَا انْصَرَفَتْ نَاقَة دَخَلَتْ مَكَانهَا أُخْرَى . أَيْ الْمُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ وَالسَّارِب بِالنَّهَارِ. اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحِفْظ ; فَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَوْكِيل الْمَلَائِكَة بِهِمْ لِحِفْظِهِمْ مِنْ الْوُحُوش وَالْهَوَامّ وَالْأَشْيَاء الْمُضِرَّة , لُطْفًا مِنْهُ بِهِ , فَإِذَا جَاءَ الْقَدَر خَلَّوْا بَيْنه وَبَيْنه ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا. قَالَ أَبُو مِجْلَز : جَاءَ رَجُل مِنْ مُرَاد إِلَى عَلِيّ فَقَالَ : اِحْتَرِسْ فَإِنَّ نَاسًا مِنْ مُرَاد يُرِيدُونَ قَتْلك ; فَقَالَ : إِنَّ مَعَ كُلّ رَجُل مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ مَا لَمْ يُقَدَّر , فَإِذَا جَاءَ الْقَدَر خَلَّيَا بَيْنه وَبَيْن قَدَر اللَّه , وَإِنَّ الْأَجَل حِصْن حَصِينَة ; وَعَلَى هَذَا , " يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه " أَيْ بِأَمْرِ اللَّه وَبِإِذْنِهِ ; ف " مِنْ " بِمَعْنَى الْبَاء ; وَحُرُوف الصِّفَات يَقُوم بَعْضهَا مَقَام بَعْض . وَقِيلَ : " مِنْ " بِمَعْنَى عَنْ ; أَيْ يَحْفَظُونَهُ عَنْ أَمْر اللَّه , وَهَذَا قَرِيب مِنْ الْأَوَّل ; أَيْ حِفْظهمْ عَنْ أَمْر اللَّه لَا مِنْ عِنْد أَنْفُسهمْ ; وَهَذَا قَوْل الْحَسَن ; تَقُول : كَسَوْته عَنْ عُرْي وَمِنْ عُرْي ; وَمِنْهُ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوع " [ قُرَيْش : 4 ] أَيْ عَنْ جُوع . وَقِيلَ : يَحْفَظُونَهُ مِنْ مَلَائِكَة الْعَذَاب , حَتَّى لَا تُحِلّ بِهِ عُقُوبَة ; لِأَنَّ اللَّه لَا يُغَيِّر مَا بِقَوْمٍ مِنْ النِّعْمَة وَالْعَافِيَة حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ بِالْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْر , فَإِنْ أَصَرُّوا حَانَ الْأَجَل الْمَضْرُوب وَنَزَلَتْ بِهِمْ النِّقْمَة , وَتَزُول عَنْهُمْ الْحَفَظَة الْمُعَقِّبَات . وَقِيلَ : يَحْفَظُونَهُ مِنْ الْجِنّ ; قَالَ كَعْب : لَوْلَا أَنَّ اللَّه وَكَّلَ بِكُمْ مَلَائِكَة يَذُبُّونَ عَنْكُمْ فِي مَطْعَمكُمْ وَمَشْرَبكُمْ وَعَوْرَاتكُمْ لَتَخَطَّفَتْكُمْ الْجِنّ وَمَلَائِكَة الْعَذَاب مِنْ أَمْر اللَّه ; وَخَصَّهُمْ بِأَنْ قَالَ : " مِنْ أَمْر اللَّه " لِأَنَّهُمْ غَيْر مُعَايَنِينَ ; كَمَا قَالَ : " قُلْ الرُّوح مِنْ أَمْر رَبِّي " [ الْإِسْرَاء : 85 ] أَيْ لَيْسَ مِمَّا تُشَاهِدُونَهُ أَنْتُمْ . وَقَالَ الْفَرَّاء : فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير , تَقْدِيره , لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ أَمْر اللَّه مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ , وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ مُجَاهِد وَابْن جُرَيْج وَالنَّخَعِيّ ; وَعَلَى أَنَّ مَلَائِكَة الْعَذَاب وَالْجِنّ مِنْ أَمْر اللَّه لَا تَقْدِيم فِيهِ وَلَا تَأْخِير . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : إِنَّ الْمَعْنَى يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ عَمَله ; فَحَذَفَ الْمُضَاف . وَقَالَ قَتَادَة : يَكْتُبُونَ أَقْوَاله وَأَفْعَاله . وَيَجُوز إِذَا كَانَتْ الْمُعَقِّبَات الْمَلَائِكَة أَنْ تَكُون الْهَاء فِي " لَهُ " لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , كَمَا ذَكَرْنَا ; وَيَجُوز أَنْ تَكُون لِلْمُسْتَخْفِي , فَهَذَا قَوْل . وَقِيلَ : " لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه " يَعْنِي بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; أَيْ أَنَّ الْمَلَائِكَة تَحْفَظهُ مِنْ أَعْدَائِهِ ; وَقَدْ جَرَى ذِكْر الرَّسُول فِي قَوْله : " لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَة مِنْ رَبّه إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِر " [ الرَّعْد : 7 ] أَيْ سَوَاء مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْل وَمَنْ جَهَرَ بِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَضُرّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بَلْ لَهُ مُعَقِّبَات يَحْفَظُونَهُ عَلَيْهِ السَّلَام ; وَيَجُوز أَنْ يَرْجِع هَذَا إِلَى جَمِيع الرُّسُل ; لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ : " وَلِكُلِّ قَوْم هَادٍ " [ الرَّعْد : 7 ] أَيْ يَحْفَظُونَ الْهَادِي مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه . وَقَوْل رَابِع : أَنَّ الْمُرَاد بِالْآيَةِ السَّلَاطِين وَالْأُمَرَاء الَّذِينَ لَهُمْ قَوْم مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَمِنْ خَلْفهمْ يَحْفَظُونَهُمْ ; فَإِذَا جَاءَ أَمْر اللَّه لَمْ يُغْنُوا عَنْهُمْ مِنْ اللَّه شَيْئًا ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة ; وَكَذَلِكَ قَالَ الضَّحَّاك : هُوَ السُّلْطَان الْمُتَحَرِّس مِنْ أَمْر اللَّه , الْمُشْرِك . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ فِي الْكَلَام عَلَى هَذَا التَّأْوِيل نَفْيًا مَحْذُوفًا , تَقْدِيره : لَا يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه تَعَالَى , ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَمَنْ جَعَلَ الْمُعَقِّبَات الْحَرَس فَالْمَعْنَى : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه عَلَى ظَنّه وَزَعْمه . وَقِيلَ : سَوَاء مَنْ أَسَرَّ الْقَوْل وَمَنْ جَهَرَ بِهِ فَلَهُ حُرَّاس وَأَعْوَان يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهِ فَيَحْمِلُونَهُ عَلَى الْمَعَاصِي , وَيَحْفَظُونَهُ مِنْ أَنْ يَنْجَع فِيهِ وَعْظ ; قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَهَذَا لَا يَمْنَع الرَّبّ مِنْ الْإِمْهَال إِلَى أَنْ يُحِقّ الْعَذَاب ; وَهُوَ إِذَا غَيَّرَ هَذَا الْعَاصِي مَا بِنَفْسِهِ بِطُولِ الْإِصْرَار فَيَصِير ذَلِكَ سَبَبًا لِلْعُقُوبَةِ ; فَكَأَنَّهُ الَّذِي يُحِلّ الْعُقُوبَة بِنَفْسِهِ ; فَقَوْله : " يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه " أَيْ مِنْ اِمْتِثَال أَمْر اللَّه . وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد : الْمُعَقِّبَات مَا يَتَعَاقَب مِنْ أَمْر اللَّه تَعَالَى وَقَضَائِهِ فِي عِبَاده ; قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَمَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْل فَفِي تَأْوِيل قَوْله : " يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه " وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : يَحْفَظُونَهُ مِنْ الْمَوْت مَا لَمْ يَأْتِ أَجَل ; قَالَهُ الضَّحَّاك . الثَّانِي : يَحْفَظُونَهُ مِنْ الْجِنّ وَالْهَوَامّ الْمُؤْذِيَة , مَا لَمْ يَأْتِ قَدَر ; - قَالَهُ أَبُو أُمَامَة وَكَعْب الْأَحْبَار - فَإِذَا جَاءَ الْمَقْدُور خَلَّوْا عَنْهُ ; وَالصَّحِيح أَنَّ الْمُعَقِّبَات الْمَلَائِكَة , وَبِهِ قَالَ الْحَسَن وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَابْن جُرَيْج ; وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس , وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَة بِالنَّهَارِ ) الْحَدِيث , رَوَاهُ الْأَئِمَّة. وَرَوَى الْأَئِمَّة عَنْ عَمْرو عَنْ اِبْن عَبَّاس قَرَأَ - " مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَرُقَبَاء مِنْ خَلْفه مِنْ أَمْر اللَّه يَحْفَظُونَهُ " فَهَذَا قَدْ بَيَّنَ الْمَعْنَى . وَقَالَ كِنَانَة الْعَدَوِيّ : دَخَلَ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه ! أَخْبِرْنِي عَنْ الْعَبْد كَمْ مَعَهُ مِنْ مَلَك ؟ قَالَ : ( مَلَك عَنْ يَمِينك يَكْتُب الْحَسَنَات وَآخَر عَنْ الشِّمَال يَكْتُب السَّيِّئَات وَاَلَّذِي عَلَى الْيَمِين أَمِير عَلَى الَّذِي عَلَى الشِّمَال فَإِذَا عَمِلْت حَسَنَة كُتِبَتْ عَشْرًا وَإِذَا عَمِلْت سَيِّئَة قَالَ الَّذِي عَلَى الشِّمَال لِلَّذِي عَلَى الْيَمِين أَأَكْتُبُ قَالَ لَا لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِر اللَّه تَعَالَى أَوْ يَتُوب إِلَيْهِ فَإِذَا قَالَ ثَلَاثًا قَالَ نَعَمْ اُكْتُبْ أَرَاحَنَا اللَّه تَعَالَى مِنْهُ فَبِئْسَ الْقَرِين هُوَ مَا أَقَلّ مُرَاقَبَته لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَقَلّ اِسْتِحْيَاءَهُ مِنَّا يَقُول اللَّه تَعَالَى " مَا يَلْفِظ مِنْ قَوْل إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيب عَتِيد " [ ق : 18 ] وَمَلَكَانِ مِنْ بَيْن يَدَيْك وَمِنْ خَلْفك يَقُول اللَّه تَعَالَى " لَهُ مُعَقِّبَات مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْر اللَّه " وَمَلَك قَابِض عَلَى نَاصِيَتك فَإِذَا تَوَاضَعْت لِلَّهِ رَفَعَك وَإِذَا تَجَبَّرْت عَلَى اللَّه قَصَمك وَمَلَكَانِ عَلَى شَفَتَيْك وَلَيْسَ يَحْفَظَانِ عَلَيْك إِلَّا الصَّلَاة عَلَى مُحَمَّد وَآله وَمَلَك قَائِم عَلَى فِيك لَا يَدَعُ أَنْ تَدْخُل الْحَيَّة فِي فِيك وَمَلَكَانِ عَلَى عَيْنَيْك فَهَؤُلَاءِ عَشْرَة أَمْلَاك عَلَى كُلّ آدَمِيّ يَتَدَاوَلُونَ مَلَائِكَة اللَّيْل عَلَى مَلَائِكَة النَّهَار لِأَنَّ مَلَائِكَة اللَّيْل لَيْسُوا بِمَلَائِكَةِ النَّهَار فَهَؤُلَاءِ عِشْرُونَ مَلَكًا عَلَى كُلّ آدَمِيّ وَإِبْلِيس مَعَ اِبْن آدَم بِالنَّهَارِ وَوَلَده بِاللَّيْلِ ) . ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ . قَالَ الْحَسَن : الْمُعَقِّبَات أَرْبَعَة أَمْلَاك يَجْتَمِعُونَ عِنْد صَلَاة الْفَجْر. وَاخْتِيَار الطَّبَرِيّ : أَنَّ الْمُعَقِّبَات الْمَوَاكِب بَيْن أَيْدِي الْأُمَرَاء وَخَلْفهمْ ; وَالْهَاء فِي " لَهُ " لَهُنَّ ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ الْعُلَمَاء رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ : إِنَّ اللَّه سُبْحَانه جَعَلَ أَوَامِره عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : قَضَى حُلُوله وَوُقُوعه بِصَاحِبِهِ ; فَذَلِكَ لَا يَدْفَعهُ أَحَد وَلَا يُغَيِّرهُ. وَالْآخَر : قَضَى مَجِيئَهُ وَلَمْ يَقْضِ حُلُوله وَوُقُوعه , بَلْ قَضَى صَرْفه بِالتَّوْبَةِ وَالدُّعَاء وَالصَّدَقَة وَالْحِفْظ . أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّهُ لَا يُغَيِّر مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يَقَع مِنْهُمْ تَغْيِير , إِمَّا مِنْهُمْ أَوْ مِنْ النَّاظِر لَهُمْ , أَوْ مِمَّنْ هُوَ مِنْهُمْ بِسَبَبٍ ; كَمَا غَيَّرَ اللَّه بِالْمُنْهَزِمِينَ يَوْم أُحُد بِسَبَبِ تَغْيِير الرُّمَاة بِأَنْفُسِهِمْ , إِلَى غَيْر هَذَا مِنْ أَمْثِلَة الشَّرِيعَة ; فَلَيْسَ مَعْنَى الْآيَة أَنَّهُ لَيْسَ يَنْزِل بِأَحَدٍ عُقُوبَة إِلَّا بِأَنْ يَتَقَدَّم مِنْهُ ذَنْب , بَلْ قَدْ تَنْزِل الْمَصَائِب بِذُنُوبِ الْغَيْر ; كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَقَدْ ( سُئِلَ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَث ) . وَاَللَّه أَعْلَم . أَيْ هَلَاكًا وَعَذَابًا , وَقِيلَ : إِذَا أَرَادَ بِهِمْ بَلَاء مِنْ أَمْرَاض وَأَسْقَام فَلَا مَرَدّ لِبَلَائِهِ . وَلَهُ : إِذَا أَرَادَ اللَّه بِقَوْمٍ سُوءًا أَعْمَى أَبْصَارهمْ حَتَّى يَخْتَارُوا مَا فِيهِ الْبَلَاء وَيَعْمَلُوهُ ; فَيَمْشُونَ إِلَى هَلَاكهمْ بِأَقْدَامِهِمْ , حَتَّى يَبْحَث أَحَدهمْ عَنْ حَتْفه بِكَفِّهِ , وَيَسْعَى بِقَدَمِهِ إِلَى إِرَاقَة دَمه . أَيْ مَلْجَأ ; وَهُوَ مَعْنَى قَوْل السُّدِّيّ . وَقِيلَ : مِنْ نَاصِر يَمْنَعهُمْ مِنْ عَذَابه ; وَقَالَ الشَّاعِر : مَا فِي السَّمَاء سِوَى الرَّحْمَن مِنْ وَالٍ وَوَالٍ وَوَلِيّ كَقَادِرٍ وَقَدِير.

غريب الآية
لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتࣱ مِّنۢ بَیۡنِ یَدَیۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ یَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَاۤ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمࣲ سُوۤءࣰا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ﴿١١﴾
لَهُۥأي: لله، أو للمذكورِ من أحوالِ الإنسانِ.
مُعَقِّبَـٰتࣱملائكةٌ حَفَظَةٌ يتعاقبون على الإنسان ليلاً ونهاراً.
یَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗبسبب أمرِ اللهِ لهم بحِفْظِه ورعايتِه.
وَالٍوليٍّ ناصرٍ يتولَّى أمورَهم ويَدْفَعُ عنهم ما هم فيه.
الإعراب
(لَهُ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(مُعَقِّبَاتٌ)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(بَيْنِ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَعْتٌ.
(يَدَيْهِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُثَنًّى وَحُذِفَتْ نُونُهُ لِلْإِضَافَةِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَمِنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(خَلْفِهِ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(يَحْفَظُونَهُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَمْرِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ (إِنَّ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يُغَيِّرُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(بِقَوْمٍ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(قَوْمٍ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(حَتَّى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يُغَيِّرُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(بِأَنْفُسِهِمْ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(أَنْفُسِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(وَإِذَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِذَا) : ظَرْفُ زَمَانٍ شَرْطِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(أَرَادَ)
فِعْلٌ مَاضٍ فِعْلُ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(بِقَوْمٍ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(قَوْمٍ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(سُوءًا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَلَا)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ لِلْجِنْسِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَرَدَّ)
اسْمُ (لَا) : مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(لَهُ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (لَا) :.
(وَمَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(لَهُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(دُونِهِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ زَائِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(وَالٍ)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَجْرُورٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ مَحَلًّا وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلثِّقَلِ عَلَى الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ.