صفحات الموقع

سورة إبراهيم الآية ١٨

سورة إبراهيم الآية ١٨

مَّثَلُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَـٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّیحُ فِی یَوۡمٍ عَاصِفࣲۖ لَّا یَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَیۡءࣲۚ ذَ ٰ⁠لِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلۡبَعِیدُ ﴿١٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

يخبر تعالى عن أعمال الكفار التي عملوها: إما أن المراد بها, الأعمال التي عملوها لله, بأنها في ذهابها وبطلانها واضمحلالها كاضمحلال الرماد, الذي هو أدق الأشياء وأخفها, إذا اشتدت به الريح في يوم عاصف شديد الهبوب, فإنه لا يبقى منه شيئا, ولا يقدر منه على شيء يذهب ويضمحل. فكذلك أعمال الكفار " لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ " ولا على مثقال ذرة منه, لأنه مبني على الكفر والتكذيب. " ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ " حيث بطل سعيهم, واضمحل عملهم. وإما أن المراد بذلك, أعمال الكفار التي عملوها, ليكيدوا بها الحق. فإنهم يسعون ويكدحون في ذلك, ومكرهم عائد عليهم, ولن يضروا الله ورسله وجنده وما معهم, من الحق شيئا.

التفسير الميسر

صفة أعمال الكفار في الدنيا كالبر وصلة الأرحام كصفة رماد اشتدت به الريح في يوم ذي ريح شديدة، فلم تترك له أثرًا، فكذلك أعمالهم لا يجدون منها ما ينفعهم عند الله، فقد أذهبها الكفر كما أذهبت الريح الرماد، ذلك السعي والعمل على غير أساس، هو الضلال البعيد عن الطريق المستقيم.

تفسير الجلالين

"مَثَل" صِفَة "الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ" مُبْتَدَأ وَيُبْدَل مِنْهُ "أَعْمَالهمْ" الصَّالِحَة كَصِلَةٍ وَصَدَقَة فِي عَدَم الِانْتِفَاع بِهَا "كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيح فِي يَوْم عَاصِف" شَدِيد هُبُوب الرِّيح فَجَعَلَتْهُ هَبَاء مَنْثُورًا لَا يَقْدِر عَلَيْهِ وَالْمَجْرُور خَبَر الْمُبْتَدَأ "لَا يَقْدِرُونَ" أَيْ الْكُفَّار "مِمَّا كَسَبُوا" عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا "عَلَى شَيْء" أَيْ لَا يَجِدُونَ لَهُ ثَوَابًا لِعَدَمِ شَرْطه "ذَلِكَ هُوَ الضَّلَال" الْهَلَاك

تفسير ابن كثير

هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِأَعْمَالِ الْكُفَّار الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْره وَكَذَّبُوا رُسُله وَبَنَوْا أَعْمَالهمْ عَلَى غَيْر أَسَاس صَحِيح فَانْهَارَتْ وَعَدِمُوهَا أَحْوَج مَا كَانُوا إِلَيْهَا فَقَالَ تَعَالَى " مَثَل الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ " أَيْ مَثَل أَعْمَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا طَلَبُوا ثَوَابَهَا مِنْ اللَّه تَعَالَى لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى شَيْء فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا وَلَا أَلْفَوْا حَاصِلًا إِلَّا كَمَا يَتَحَصَّل مِنْ الرَّمَادِ إِذَا اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ الْعَاصِفَةُ " فِي يَوْم عَاصِف " أَيْ ذِي رِيح شَدِيدَة عَاصِفَة قَوِيَّة فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى شَيْء مِنْ أَعْمَالِهِمْ الَّتِي كَسَبُوا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا يَقْدِرُونَ عَلَى جَمْع هَذَا الرَّمَاد فِي هَذَا الْيَوْم كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا " وَقَوْله تَعَالَى " مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْم ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّه وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " وَقَوْله تَعَالَى " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَاَلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَمَثَله كَمَثَلِ صَفْوَان عَلَيْهِ تُرَاب فَأَصَابَهُ وَابِل فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْء مِمَّا كَسَبُوا وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الْكَافِرِينَ" وَقَوْله فِي هَذِهِ الْآيَة " ذَلِكَ هُوَ الضَّلَال الْبَعِيد " أَيْ سَعْيهمْ وَعَمَلهمْ عَلَى غَيْر أَسَاس وَلَا اِسْتِقَامَة حَتَّى فَقَدُوا ثَوَابَهُمْ أَحْوَج مَا كَانُوا إِلَيْهِ " ذَلِكَ هُوَ الضَّلَال الْبَعِيد " .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَثَل الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالهمْ كَرَمَادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيح فِي يَوْم عَاصِف لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء } اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي رَافِع مَثَل , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : إِنَّمَا هُوَ كَأَنَّهُ قَالَ : وَمِمَّا نَقُصّ عَلَيْك { مَثَل الَّذِينَ كَفَرُوا } , ثُمَّ أَقْبَلَ يُفَسِّر كَمَا قَالَ : { مَثَل الْجَنَّة } , وَهَذَا كَثِير . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ , : إِنَّمَا الْمَثَل لِلْأَعْمَالِ , وَلَكِنَّ الْعَرَب تُقَدِّم الْأَسْمَاء لِأَنَّهَا أَعْرَف , ثُمَّ تَأْتِي بِالْخَبَرِ الَّذِي تُخْبِر عَنْهُ مَعَ صَاحِبه . وَمَعْنَى الْكَلَام : مَثَل أَعْمَال الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كَرَمَادٍ , كَمَا قِيلَ : { وَيَوْم الْقِيَامَة تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّه وُجُوههمْ مُسْوَدَّة } وَمَعْنَى الْكَلَام : تَرَى يَوْم الْقِيَامَة وُجُوه الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّه مُسْوَدَّة. قَالَ : وَلَوْ خَفَضَ الْأَعْمَال جَازَ , كَمَا قَالَ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام قِتَال فِيهِ } الْآيَة . وَقَوْله : { مَثَل الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } قَالَ : فَتَجْرِي هُوَ فِي مَوْضِع الْخَبَر , كَأَنَّهُ قَالَ : أَنْ تَجْرِي , وَأَنْ يَكُون كَذَا وَكَذَا , فَلَوْ أَدْخَلَ " أَنْ " جَازَ , قَالَ : وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : ذَرِينِي إِنَّ أَمْرك لَنْ يُطَاعَا وَمَا أَلْفَيْتنِي حِلْمِي مُضَاعَا قَالَ : فَالْحِلْم مَنْصُوب بِ " أَلْفَيْت " عَلَى التَّكْرِير , قَالَ : وَلَوْ رَفَعَهُ كَانَ صَوَابًا . قَالَ : وَهَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِأَعْمَالِ الْكُفَّار , فَقَالَ : مَثَل أَعْمَال الَّذِينَ كَفَرُوا يَوْم الْقِيَامَة الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ اللَّه بِهَا , مَثَل رَمَاد عَصَفَتْ الرِّيح عَلَيْهِ فِي يَوْم رِيح عَاصِف , فَنَسَفَتْهُ وَذَهَبَتْ بِهِ , فَكَذَلِكَ أَعْمَال أَهْل الْكُفْر بِهِ يَوْم الْقِيَامَة , لَا يَجِدُونَ مِنْهَا شَيْئًا يَنْفَعهُمْ عِنْد اللَّه فَيُنَجِّيهِمْ مِنْ عَذَابه , لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَهَا لِلَّهِ خَالِصًا , بَلْ كَانُوا يُشْرِكُونَ فِيهَا الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { ذَلِكَ هُوَ الضَّلَال الْبَعِيد } يَعْنِي أَعْمَالهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا الَّتِي يُشْرِكُونَ فِيهَا مَعَ اللَّه شُرَكَاء , هِيَ أَعْمَال عُمِلَتْ عَلَى غَيْر هُدًى وَاسْتِقَامَة , بَلْ عَلَى جَوْر عَنْ الْهُدَى بَعِيد , وَأَخْذ عَلَى غَيْر اِسْتِقَامَة شَدِيد . وَقِيلَ : { فِي يَوْم عَاصِف } فَوُصِفَ بِالْعُصُوفِ , وَهُوَ مِنْ صِفَة الرِّيح , لِأَنَّ الرِّيح تَكُون فِيهِ كَمَا يُقَال : يَوْم بَارِد , وَيَوْم حَارّ , لِأَنَّ الْبَرْد وَالْحَرَارَة يَكُونَانِ فِيهِ ; وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ وَيَوْمًا شَمْسًا فَوَصَفَ الْيَوْمَيْنِ بِالْغَيْمَيْنِ , وَإِنَّمَا يَكُون الْغَيْم فِيهِمَا . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون أُرِيدَ بِهِ فِي يَوْم عَاصِف الرِّيح , فَحُذِفَتْ الرِّيح لِأَنَّهَا قَدْ ذُكِرَتْ قَالَ ذَلِكَ , فَيَكُون ذَلِكَ نَظِير قَوْل الشَّاعِر : إِذَا جَاءَ يَوْم مُظْلِم الشَّمْس كَاسِف يُرِيد : كَاسِف الشَّمْس. وَقِيلَ : هُوَ مِنْ نَعْت الرِّيح خَاصَّة , غَيْر أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بَعْد الْيَوْم اِتَّبَعَ إِعْرَابه , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب تُتْبِع الْخَفْض الْخَفْض فِي النُّعُوت , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : تُرِيك سُنَّة وَجْه غَيْر مُقْرِفَة مَلْسَاء لَيْسَ بِهَا خَال وَلَا نَدَب فَخَفَضَ " غَيْر " إِتْبَاعًا لِإِعْرَابِ الْوَجْه , وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ نَعْت السُّنَّة , وَالْمَعْنَى : سُنَّة وَجْه غَيْر مُقْرِفَة , وَكَمَا قَالُوا : هَذَا جُحْر ضَبّ خَرِب . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15634 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { كَرَمَادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيح } قَالَ : حَمَلَتْهُ الرِّيح { فِي يَوْم عَاصِف } . 15635 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { مَثَل الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالهمْ كَرَمَادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيح فِي يَوْم عَاصِف } يَقُول : الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَعَبَدُوا غَيْره , فَأَعْمَالهمْ يَوْم الْقِيَامَة كَرَمَادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيح فِي يَوْم عَاصِف , لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْء مِنْ أَعْمَالهمْ يَنْفَعهُمْ , كَمَا لَا يَقْدِر عَلَى الرَّمَاد إِذَا أُرْسِلَ عَلَيْهِ الرِّيح فِي يَوْم عَاصِف وَقَوْله : { ذَلِكَ هُوَ الضَّلَال الْبَعِيد } : أَيْ الْخَطَأ الْبَيِّن الْبَعِيد عَنْ طَرِيق الْحَقّ.

تفسير القرطبي

اِخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي رَفْع " مَثَل " فَقَالَ سِيبَوَيْهِ : اِرْتَفَعَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر مُضْمَر ; التَّقْدِير : وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ أَوْ يُقَصّ " مَثَل الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ " ثُمَّ اِبْتَدَأَ فَقَالَ : " أَعْمَالهمْ كَرَمَادٍ " أَيْ كَمَثَلِ رَمَاد " اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيح " . وَقَالَ الزَّجَّاج : أَيْ مَثَل الَّذِينَ كَفَرُوا فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ أَعْمَالهمْ كَرَمَادٍ , وَهُوَ عِنْد الْفَرَّاء عَلَى إِلْغَاء الْمَثَل , التَّقْدِير : وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالهمْ كَرَمَادٍ . وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ عَلَى حَذْف مُضَاف ; التَّقْدِير : مَثَل أَعْمَال الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كَرَمَادٍ ; وَذَكَرَ الْأَوَّل عَنْهُ الْمَهْدَوِيّ , وَالثَّانِي الْقُشَيْرِيّ وَالثَّعْلَبِيّ وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُبْتَدَأ كَمَا يُقَال : صِفَة فُلَان أَسْمَر ; فَ " مَثَل " بِمَعْنَى صِفَة . وَيَجُوز فِي الْكَلَام جَرّ " أَعْمَالهمْ " عَلَى بَدَل الِاشْتِمَال مِنْ " الَّذِينَ " وَاتَّصَلَ هَذَا بِقَوْلِهِ : " وَخَابَ كُلّ جَبَّار عَنِيد " وَالْمَعْنَى : أَعْمَالهمْ مُحْبَطَة غَيْر مَقْبُولَة . وَالرَّمَاد مَا بَقِيَ بَعْد اِحْتِرَاق الشَّيْء ; فَضَرَبَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة مَثَلًا لِأَعْمَالِ الْكُفَّار فِي أَنَّهُ يَمْحَقهَا كَمَا تَمْحَق الرِّيح الشَّدِيدَة الرَّمَاد فِي يَوْم عَاصِف . وَالْعَصْف شِدَّة الرِّيح ; وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَشْرَكُوا فِيهَا غَيْر اللَّه تَعَالَى . وَفِي وَصْف الْيَوْم بِالْعُصُوفِ ثَلَاثَة أَقَاوِيل : أَحَدهَا : أَنَّ الْعُصُوف وَإِنْ كَانَ لِلرِّيحِ فَإِنَّ الْيَوْم قَدْ يُوصَف بِهِ ; لِأَنَّ الرِّيح تَكُون فِيهِ , فَجَازَ أَنْ يُقَال : يَوْم عَاصِف , كَمَا يُقَال : يَوْم حَارّ وَيَوْم بَارِد , وَالْبَرْد وَالْحَرّ فِيهِمَا . وَالثَّانِي : أَنْ يُرِيد " فِي يَوْم عَاصِف " الرِّيح ; لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ فِي أَوَّل الْكَلِمَة , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : إِذَا جَاءَ يَوْم مُظْلِم الشَّمْس كَاسِف يُرِيد كَاسِف الشَّمْس فَحَذَفَ ; لِأَنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْره ; ذَكَرَهُمَا الْهَرَوِيّ . وَالثَّالِث : أَنَّهُ مِنْ نَعْت الرِّيح ; غَيْر أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بَعْد الْيَوْم أَتْبَعَ إِعْرَابه كَمَا قِيلَ : جُحْر ضَبّ خَرِب ; ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ وَالْمَاوَرْدِيّ . وَقَرَأَ اِبْن أَبِي إِسْحَاق وَإِبْرَاهِيم بْن أَبِي بَكْر " فِي يَوْم عَاصِف " . يَعْنِي الْكُفَّار . " مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء " يُرِيد فِي الْآخِرَة ; أَيْ مِنْ ثَوَاب مَا عَمِلُوا مِنْ الْبِرّ فِي الدُّنْيَا , لِإِحْبَاطِهِ بِالْكُفْرِ . أَيْ الْخُسْرَان الْكَبِير ; وَإِنَّمَا جَعَلَهُ كَبِيرًا بَعِيدًا لِفَوَاتِ اِسْتِدْرَاكه بِالْمَوْتِ .

غريب الآية
مَّثَلُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَـٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّیحُ فِی یَوۡمٍ عَاصِفࣲۖ لَّا یَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَیۡءࣲۚ ذَ ٰ⁠لِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلۡبَعِیدُ ﴿١٨﴾
مَّثَلُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟صفةُ أعمالِ الكفارِ في الدنيا وبُطْلانِها عندَ اللهِ بسببِ كُفْرِهم.
عَاصِفࣲۖشديدِ الريحِ.
لَّا یَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَیۡءࣲۚلا يَجِدُون من أعمال البِرِّ ما يَنْفعُهم في الآخرةِ.
الإعراب
(مَثَلُ)
مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(كَفَرُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(بِرَبِّهِمْ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(رَبِّ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(أَعْمَالُهُمْ)
مُبْتَدَأٌ ثَانٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(كَرَمَادٍ)
"الْكَافُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(رَمَادٍ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ الثَّانِي، وَالْجُمْلَةُ (أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) : فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ الْأَوَّلِ (مَثَلُ) :.
(اشْتَدَّتْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(بِهِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(الرِّيحُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ نَعْتٌ لِـ(رَمَادٍ) :.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَوْمٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَاصِفٍ)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَقْدِرُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مِمَّا)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(مَا) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(كَسَبُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(شَيْءٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(ذَلِكَ)
اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(هُوَ)
ضَمِيرُ فَصْلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ لَا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ.
(الضَّلَالُ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْبَعِيدُ)
نَعْتٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.