صفحات الموقع

سورة إبراهيم الآية ٤٦

سورة إبراهيم الآية ٤٦

وَقَدۡ مَكَرُوا۟ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ ﴿٤٦﴾

التفسير

تفسير السعدي

" وَقَدْ مَكَرُوا " أي: المكذبون للرسل " مَكْرُهُمْ " الذي وصلت إليه إرادتهم, وقدروا عليه. " وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ " أي: هو محيط به علما وقدرة, وقد عاد مكرهم عليهم " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله " " وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ " أي: ولقد كان مكر الكفار المكذبين للرسل, بالحق, وبمن جاء به - من عظمه - لتزول الجبال الراسيات بسببه, عن أماكنها. أي: " مكروا مكرا كبارا " لا يقادر قدره ولكن الله رد كيدهم في نحورهم. ويدخل في هذا, كل من مكر من المخالفين للرسل, لينصر باطلا, أو يبطل حقا. والقصد أن مكرهم, لم يغن عنهم شيئا, ولم يضروا الله شيئا, وإنما ضروا أنفسهم.

التفسير الميسر

وقد دبَّر المشركون الشرَّ للرسول صلى الله عليه وسلم بقتله، وعند الله مكرهم فهو محيط به، وقد عاد مكرهم عليهم، وما كان مكرهم لتزول منه الجبال ولا غيرها لضعفه ووَهَنه، ولم يضرُّوا الله شيئًا، وإنما ضرُّوا أنفسهم.

تفسير الجلالين

"وَقَدْ مَكَرُوا" بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَكْرهمْ" حَيْثُ أَرَادُوا قَتْله أَوْ تَقْيِيده أَوْ إخْرَاجه "وَعِنْد اللَّه مَكْرهمْ" أَيْ عِلْمه أَوْ جَزَاؤُهُ "وَإِنْ" مَا "كَانَ مَكْرهمْ" وَإِنْ عَظُمَ "لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال" الْمَعْنَى لَا يَعْبَأ بِهِ وَلَا يَضُرّ إلَّا أَنْفُسهمْ وَالْمُرَاد بِالْجِبَالِ هُنَا قِيلَ حَقِيقَتهَا وَقِيلَ شَرَائِع الْإِسْلَام الْمُشَبَّهَة بِهَا فِي الْقَرَار وَالثَّبَات وَفِي قِرَاءَةٍ بِفَتْحِ لَامِ لِتَزُولَ وَرَفْع الْفِعْل فَإِنْ مُخَفَّفَة وَالْمُرَاد تَعْظِيم مَكْرهمْ وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْمَكْرِ كُفْرهمْ وَيُنَاسِبهُ عَلَى الثَّانِيَة "تَكَاد السَّمَاوَات يَتَفَطَّرَن مِنْهُ وَتَنْشَقّ الْأَرْض وَتَخِرّ الْجِبَال هَدًّا" وَعَلَى الْأَوَّل مَا قُرِئَ وَمَا كَانَ

تفسير ابن كثير

وَقَدْ رَوَى شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن رَبَاب أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة " وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ " قَالَ أَخَذَ ذَاكَ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيم فِي رَبّه نَسْرَيْنِ صَغِيرَيْنِ فَرَبَّاهُمَا حَتَّى اِسْتَغْلَظَا وَاسْتَفْحَلَا وَشَبَّا قَالَ فَأَوْثَقَ رِجْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَتَدٍ إِلَى تَابُوت وَجَوَّعَهُمَا وَقَعَدَ هُوَ وَرَجُل آخَر فِي التَّابُوت قَالَ وَرَفَعَ فِي التَّابُوت عَصًا عَلَى رَأْسه اللَّحْم فَطَارَا وَجَعَلَ يَقُول لِصَاحِبِهِ اُنْظُرْ مَا تَرَى قَالَ أَرَى كَذَا وَكَذَا حَتَّى قَالَ أَرَى الدُّنْيَا كُلَّهَا كَأَنَّهَا ذُبَاب . قَالَ فَصَوَّبَ الْعَصَا فَصَوَّبَهَا فَهَبَطَا جَمِيعًا قَالَ فَهُوَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ " وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ" قَالَ أَبُو إِسْحَاق وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ " قُلْت وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب وَعُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَرَآ " وَإِنْ كَادَ " كَمَا قَرَأَ عَلِيّ وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْرِيّ لِإِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن رَبَاب عَنْ عَلِيّ فَذَكَرَ نَحْوه وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة أَنَّ سِيَاق هَذِهِ الْقِصَّة لِنَمْرُوذ مَلِك كَنْعَان أَنَّهُ رَامَ أَسْبَاب السَّمَاء بِهَذِهِ الْحِيلَة وَالْمَكْر كَمَا رَامَ ذَلِكَ بَعْده فِرْعَوْن مَلِك الْقِبْط فِي بِنَاء الصَّرْح فَعَجَزَا وَضَعُفَا وَهُمَا أَقَلُّ وَأَحْقَر وَأَصْغَر وَأَدْحَر ; وَذَكَرَ مُجَاهِد هَذِهِ الْقِصَّة عَنْ بُخْتَنَصَّرَ وَأَنَّهُ لَمَّا اِنْقَطَعَ بَصَره عَنْ الْأَرْض وَأَهْلِهَا نُودِيَ أَيّهَا الطَّاغِيَة أَيْنَ تُرِيد ؟ فَفَرَّقَ ثُمَّ سَمِعَ الصَّوْت فَوْقه فَصَوَّبَ الرِّمَاح فَصَوَّبَتْ النُّسُور فَفَزِعَتْ الْجِبَال مِنْ هَدَّتهَا وَكَادَتْ الْجِبَال أَنْ تَزُول مِنْ حِسّ ذَلِكَ فَذَلِكَ قَوْله " وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " وَنَقَلَ اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ قَرَأَهَا" لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَال " بِفَتْحِ اللَّام الْأُولَى وَضَمِّ الثَّانِيَة وَرَوَى الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " يَقُول مَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال وَكَذَا قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَوَجَّهَهُ اِبْن جَرِير بِأَنَّ هَذَا الَّذِي فَعَلُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ شِرْكهمْ بِاَللَّهِ وَكُفْرهمْ بِهِ مَا ضَرَّ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ الْجِبَال وَلَا غَيْرهَا وَإِنَّمَا عَادَ وَبَال ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قُلْت وَيُشْبِه هَذَا قَوْل اللَّه تَعَالَى " وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّك لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا " وَالْقَوْل الثَّانِي فِي تَفْسِيرهَا مَا رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " يَقُول شِرْكهمْ كَقَوْلِهِ " تَكَاد السَّمَاوَات يَتَقَطَّرْنَ مِنْهُ" الْآيَة . وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاك وَقَتَادَة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرهمْ وَعِنْد اللَّه مَكْرهمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَدْ مَكَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ , فَسَكَنْتُمْ مِنْ بَعْدهمْ فِي مَسَاكِنهمْ , مَكْرهمْ . وَكَانَ مَكْرهمْ الَّذِي مَكَرُوا مَا : 15814 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثَنَا أَبُو إِسْحَاق , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبَان قَالَ : سَمِعْت عَلِيًّا يَقْرَأ : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " قَالَ : كَانَ مَلِك فَرِه أَخَذَ فُرُوخ النُّسُور , فَعَلَفهَا اللَّحْم حَتَّى شَبَّتْ وَاسْتَعْلَجَتْ وَاسْتَغْلَظَتْ , فَقَعَدَ هُوَ وَصَاحِبه فِي التَّابُوت وَرَبَطُوا التَّابُوت بِأَرْجُلِ النُّسُور , وَعَلَّقُوا اللَّحْم فَوْق التَّابُوت , فَكَانَتْ كُلَّمَا نَظَرَتْ إِلَى اللَّحْم صَعِدَتْ وَصَعِدَتْ , فَقَالَ لِصَاحِبِهِ : مَا تَرَى ؟ قَالَ : أَرَى الْجِبَال مِثْل الدُّخَان , قَالَا : مَا تَرَى ؟ قَالَ : مَا أَرَى شَيْئًا , قَالَ : وَيْحك صَوِّبْ صَوِّبْ ! قَالَ : فَذَلِكَ قَوْله : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " . 15815 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن وَاصِل , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , مِثْل حَدِيث يَحْيَى بْن سَعِيد , وَزَادَ فِيهِ : وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَقْرَؤُهَا : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن وَاصِل أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " قَالَ : أَخَذَ ذَلِكَ الَّذِي حَاجّ إِبْرَاهِيم فِي رَبّه نَسْرَيْنِ صَغِيرَيْنِ فَرَبَّاهُمَا , ثُمَّ اِسْتَغْلَظَا وَاسْتَعْلَجَا وَشَبَّا ; قَالَ : فَأَوْثَقَ رِجْل كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا بِوَتِدٍ إِلَى تَابُوت , وَجَوَّعَهُمَا , وَقَعَدَ هُوَ وَرَجُل آخَر فِي التَّابُوت , قَالَ : وَرَفَعَ فِي التَّابُوت عَصًا عَلَى رَأْسه اللَّحْم , قَالَ : فَطَارَا , وَجَعَلَ يَقُول لِصَاحِبِهِ : اُنْظُرْ مَاذَا تَرَى ؟ قَالَ : أَرَى كَذَا وَكَذَا , حَتَّى قَالَ : أَرَى الدُّنْيَا كَأَنَّهَا ذُبَاب , فَقَالَ : صَوِّبْ الْعَصَا ! فَصَوَّبَهَا فَهَبَطَا . قَالَ : فَهُوَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " قَالَ أَبُو إِسْحَاق : وَكَذَلِكَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " . 15816 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " مَكْر فَارِس . وَزُعِمَ أَنَّ بُخْتَنَصَّر خَرَجَ بِنُسُورٍ , وَجَعَلَ لَهُ تَابُوتًا يَدْخُلهُ , وَجَعَلَ رِمَاحًا فِي أَطْرَافهَا وَاللَّحْم فَوْقهَا - أَرَاهُ قَالَ : فَعَلَتْ تَذْهَب نَحْو اللَّحْم - حَتَّى اِنْقَطَعَ بَصَره مِنْ الْأَرْض وَأَهْلهَا , فَنُودِيَ : أَيّهَا الطَّاغِيَة أَيْنَ تُرِيد ؟ فَفَرِقَ , ثُمَّ سَمِعَ الصَّوْت فَوْقه , فَصَوَّبَ الرِّمَاح , فَتَصَوَّبَتْ النُّسُور , فَفَزِعَتْ الْجِبَال مِنْ هَدَّتهَا , وَكَادَتْ الْجِبَال أَنْ تَزُول مِنْهُ مِنْ حِسّ ذَلِكَ , فَذَلِكَ قَوْله : { وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال } . - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ مُجَاهِد : " وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرهمْ وَعِنْد اللَّه مَكْرهمْ وَإِنْ كَادَ مَكْرهمْ " كَذَا قَرَأَهَا مُجَاهِد : " كَادَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " وَقَالَ : إِنَّ بَعْض مَنْ مَضَى جَوَّعَ نُسُورًا , ثُمَّ جَعَلَ عَلَيْهَا تَابُوتًا فَدَخَلَهُ , ثُمَّ جَعَلَ رِمَاحًا فِي أَطْرَافهَا لَحْم , فَجَعَلَتْ تَرَى اللَّحْم فَتَذْهَب , حَتَّى اِنْتَهَى بَصَره , فَنُودِيَ : أَيّهَا الطَّاغِيَة أَيْنَ تُرِيد ؟ فَصَوَّبَ الرِّمَاح , فَتَصَوَّبَتْ النُّسُور , فَفَزِعَتْ الْجِبَال , وَظَنَّتْ أَنَّ السَّاعَة قَدْ قَامَتْ , فَكَادَتْ أَنْ تَزُول , فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " . قَالَ اِبْن جُرَيْج : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : { وَإِنْ كَادَ مَكْرهمْ لَتَزُول مِنْهُ الْجِبَال } . 15817 - حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيث أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم بْن سَلَّام , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ عَلَى نَحْو : " لَتَزُول " بِفَتْحِ اللَّام الْأُولَى وَرَفْع الثَّانِيَة . 15818 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن دَانِيل قَالَ : سَمِعْت عَلِيًّا يَقُول : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لَتَزُول مِنْهُ الْجِبَال " . - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن دَانِيل , قَالَ : سَمِعْت عَلِيًّا يَقُول : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لَتَزُول مِنْهُ الْجِبَال " قَالَ : ثُمَّ أَنْشَأَ عَلِيّ يُحَدِّث فَقَالَ : نَزَلَتْ فِي جَبَّار مِنْ الْجَبَابِرَة قَالَ : لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَعْلَم مَا فِي السَّمَاء , ثُمَّ اِتَّخَذَ نُسُورًا فَجَعَلَ يُطْعِمهَا اللَّحْم حَتَّى غَلُظَتْ وَاسْتَعْلَجَتْ وَاشْتَدَّتْ , وَذَكَرَ مِثْل حَدِيث شُعْبَة . 15819 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو دَاوُد الْحَضْرَمِيّ , عَنْ يَعْقُوب , عَنْ حَفْص بْن حُمَيْد أَوْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " قَالَ : نُمْرُود صَاحِب النُّسُور , أَمَرَ بِتَابُوتٍ فَجُعِلَ وَجَعَلَ مَعَهُ رَجُلًا , ثُمَّ أَمَرَ بِالنُّسُورِ فَاحْتُمِلَ , فَلَمَّا صَعِدَ قَالَ لِصَاحِبِهِ : أَيّ شَيْء تَرَى ؟ قَالَ : أَرَى الْمَاء وَجَزِيرَة - يَعْنِي الدُّنْيَا - ثُمَّ صَعِدَ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ : أَيّ شَيْء تَرَى ؟ قَالَ : مَا نَزْدَاد مِنْ السَّمَاء إِلَّا بُعْدًا , قَالَ : اِهْبِطْ - وَقَالَ غَيْره : نُودِيَ - أَيّهَا الطَّاغِيَة أَيْنَ تُرِيد ؟ قَالَ : فَسَمِعَتْ الْجِبَال حَفِيف النُّسُور , فَكَانَتْ تَرَى أَنَّهَا أَمْر مِنْ السَّمَاء , فَكَادَتْ تَزُول , فَهُوَ قَوْله : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " . 15820 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , أَنَّ أَنَسًا كَانَ يَقْرَأ : " وَإِنْ كَادَ مَكْرهمْ لَتَزُول مِنْهُ الْجِبَال " . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ مَكْرهمْ شِرْكهمْ بِاَللَّهِ وَافْتِرَاءَهُمْ عَلَيْهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15821 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال } يَقُول : شِرْكهمْ , كَقَوْلِهِ : { تَكَاد السَّمَاوَات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } . 15822 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " قَالَ : هُوَ كَقَوْلِهِ : { وَقَالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمَن وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَاد السَّمَاوَات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقّ الْأَرْض وَتَخِرّ الْجِبَال هَدًّا } . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله : { وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ } ثُمَّ ذَكَرَ مِثْله . 15823 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , أَنَّ الْحَسَن كَانَ يَقُول : كَانَ أَهْوَن عَلَى اللَّه وَأَصْغَر مِنْ أَنْ تَزُول مِنْهُ الْجِبَال , يَصِفهُمْ بِذَلِكَ . قَالَ قَتَادَة : وَفِي مُصْحَف عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : " وَإِنْ كَادَ مَكْرهمْ لَتَزُول مِنْهُ الْجِبَال " , وَكَانَ قَتَادَة يَقُول عِنْد ذَلِكَ : { تَكَاد السَّمَاوَات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقّ الْأَرْض وَتَخِرّ الْجِبَال هَدًّا } : أَيْ لِكَلَامِهِمْ ذَلِكَ . 15824 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " قَالَ ذَلِكَ حِين دَعَوْا لِلَّهِ وَلَدًا . وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى : { تَكَاد السَّمَاوَات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقّ الْأَرْض وَتَخِرّ الْجِبَال هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا } . - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال } فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود : " وَإِنْ كَادَ مَكْرهمْ لَتَزُول مِنْهُ الْجِبَال " هُوَ مِثْل قَوْله : { تَكَاد السَّمَاوَات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقّ الْأَرْض وَتَخِرّ الْجِبَال هَدًّا } . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْمَدِينَة وَالْعِرَاق مَا خَلَا الْكِسَائِيّ : { وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال } بِكَسْرِ اللَّام الْأُولَى وَفَتْح الثَّانِيَة , بِمَعْنَى : وَمَا كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال . وَقَرَأَهُ الْكِسَائِيّ : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لَتَزُول مِنْهُ الْجِبَال " بِفَتْحِ اللَّام الْأُولَى وَرَفْع الثَّانِيَة عَلَى تَأْوِيل قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : " وَإِنْ كَادَ مَكْرهمْ لَتَزُول مِنْهُ الْجِبَال " مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أَقْوَالهمْ , بِمَعْنَى : اِشْتَدَّ مَكْرهمْ حَتَّى زَالَتْ مِنْهُ الْجِبَال , أَوْ كَادَتْ تَزُول مِنْهُ . وَكَانَ الْكِسَائِيّ يُحَدِّث عَنْ حَمْزَة , عَنْ شِبْل عَنْ مُجَاهِد , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ عَلَى مِثْل قِرَاءَته : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لَتَزُول مِنْهُ الْجِبَال " بِرَفْعِ تَزُول. 15825 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحَارِث عَنْ الْقَاسِم عَنْهُ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة عِنْدنَا , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : { وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال } بِكَسْرِ اللَّام الْأُولَى وَفَتْح الثَّانِيَة , بِمَعْنَى : وَمَا كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ هُوَ الصَّوَاب , لِأَنَّ اللَّام الْأُولَى إِذَا فُتِحَتْ , فَمَعْنَى الْكَلَام : وَقَدْ كَانَ مَكْرهمْ تَزُول مِنْهُ الْجِبَال , وَلَوْ كَانَتْ زَالَتْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَة , وَفِي ثُبُوتهَا عَلَى حَالَتهَا مَا يُبِين عَنْ أَنَّهَا لَمْ تَزُلْ . وَأُخْرَى إِجْمَاع الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَى ذَلِكَ , وَفِي ذَلِكَ كِفَايَة عَنْ الِاسْتِشْهَاد عَلَى صِحَّتهَا وَفَسَاد غَيْرهَا بِغَيْرِهِ . فَإِنْ ظَنَّ ظَانّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْحُجَّة إِذْ كَانَ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ الْأَمْر بِخِلَافِ مَا ظَنَّ فِي ذَلِكَ , وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِفَتْحِ اللَّام الْأُولَى وَرَفْع الثَّانِيَة قَرَءُوا : " وَإِنْ كَادَ مَكْرهمْ " بِالدَّالِ , وَهِيَ إِذَا قُرِئَتْ كَذَلِكَ , فَالصَّحِيح مِنْ الْقِرَاءَة مَعَ : { وَإِذْ كَادَ } فَتْح اللَّام الْأُولَى وَرَفْع الثَّانِيَة عَلَى مَا قَرَءُوا , وَغَيْر جَائِز عِنْدنَا الْقِرَاءَة كَذَلِكَ , لِأَنَّ مَصَاحِفنَا بِخِلَافِ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا خَطّ مَصَاحِفنَا وَإِنْ كَانَ بِالنُّونِ لَا بِالدَّالِ . وَإِذْ كَانَتْ كَذَلِكَ , فَغَيْر جَائِز لِأَحَدٍ تَغْيِير رَسْم مَصَاحِف الْمُسْلِمِينَ , وَإِذَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الصِّحَاح مِنْ الْقِرَاءَة إِلَّا مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار دُون مَنْ شَذَّ بِقِرَاءَتِهِ عَنْهُمْ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي مَعْنَى : { وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ } قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15826 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرهمْ وَعِنْد اللَّه مَكْرهمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال } يَقُول : مَا كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال. 15827 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : قَالَ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال } مَا كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : مَا كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال . - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , عَنْ هَارُون , عَنْ يُونُس وَعَمْرو , عَنْ الْحَسَن : { وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال } قَالَا : وَكَانَ الْحَسَن يَقُول : وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لَأَوْهَن وَأَضْعَف مِنْ أَنْ تَزُول مِنْهُ الْجِبَال . 15828 - قَالَ : قَالَ هَارُون : وَأَخْبَرَنِي يُونُس , عَنْ الْحَسَن قَالَ : أَرْبَع فِي الْقُرْآن : { وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال } : مَا كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال. وَقَوْله : { لَاِتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } : مَا كُنَّا فَاعِلِينَ . وَقَوْله : { إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ } : مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد . وَقَوْله : { وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ } : مَا مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ . 15829 - قَالَ : هَارُون : وَحَدَّثَنِي بِهِنَّ عَمْرو بْن أَسْبَاط , عَنْ الْحَسَن , وَزَادَ فِيهِنَّ وَاحِدَة : { فَإِنْ كُنْت فِي شَكّ } : مَا كُنْت فِي شَكّ { مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْك } . فَالْأَوْلَى مِنْ الْقَوْل بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل الْآيَة , إِذْ كَانَتْ الْقِرَاءَة الَّتِي ذُكِرَتْ هِيَ الصَّوَاب لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الدَّلَالَة فِي قَوْله : { وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرهمْ وَعِنْد اللَّه مَكْرهمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال } وَقَدْ أَشْرَكَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ بِرَبِّهِمْ وَافْتَرَوْا عَلَيْهِ فِرْيَتهمْ عَلَيْهِ , وَعِنْد اللَّه عِلْم شِرْكهمْ بِهِ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ , وَهُوَ مُعَاقِبهمْ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَتهمْ الَّتِي هُمْ أَهْلهَا , وَمَا كَانَ شِرْكهمْ وَفِرْيَتهمْ عَلَى اللَّه لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال , بَلْ مَا ضَرُّوا بِذَلِكَ إِلَّا أَنْفُسهمْ , وَلَا عَادَتْ بُغْيَة مَكْرُوهَة إِلَّا عَلَيْهِمْ . 15830 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا وَكِيع بْن الْجَرَّاح , قَالَ : ثَنَا الْأَعْمَش , عَنْ شِمْر , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : الْغَدْر مَكْر , وَالْمَكْر كُفْر .

تفسير القرطبي

أَيْ بِالشِّرْكِ بِاَللَّهِ وَتَكْذِيب الرُّسُل وَالْمُعَانَدَة ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . " إِنْ " بِمَعْنَى " مَا " أَيْ مَا كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال لِضَعْفِهِ وَوَهَنه ; " وَإِنْ " بِمَعْنَى " مَا " فِي الْقُرْآن فِي مَوَاضِع خَمْسَة : أَحَدهَا هَذَا . الثَّانِي : " فَإِنْ كُنْت فِي شَكّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْك " [ يُونُس : 94 ] . الثَّالِث : " لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا " [ الْأَنْبِيَاء : 17 ] أَيْ مَا كُنَّا . الرَّابِع : " قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد " [ الزُّخْرُف : 81 ] . الْخَامِس : " وَلَقَدْ مَكَنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَنَّاكُمْ فِيهِ " [ الْأَحْقَاف : 26 ] . وَقَرَأَ الْجَمَاعَة " وَإِنْ كَانَ " بِالنُّونِ . وَقَرَأَ عَمْرو بْن عَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَأُبَيّ " وَإِنْ كَادَ " بِالدَّالِ . وَالْعَامَّة عَلَى كَسْر اللَّام فِي " لِتَزُولَ " عَلَى أَنَّهَا لَام الْجُحُود وَفَتْح اللَّام الثَّانِيَة نَصِيبًا . وَقَرَأَ بْن مُحَيْصِن وَابْن جُرَيْج وَالْكِسَائِيّ " لَتَزُولُ " بِفَتْحِ اللَّام الْأُولَى عَلَى أَنَّهَا لَام الِابْتِدَاء وَرَفْع الثَّانِيَة " وَإِنْ " مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة , وَمَعْنَى هَذِهِ الْقِرَاءَة اِسْتِعْظَام مَكْرهمْ ; أَيْ وَلَقَدْ عَظُمَ مَكْرهمْ حَتَّى كَادَتْ الْجِبَال تَزُول مِنْهُ ; قَالَ الطَّبَرِيّ : الِاخْتِيَار الْقِرَاءَة الْأُولَى ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ زَالَتْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَة ; قَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : وَلَا حُجَّة عَلَى مُصْحَف الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَدِيث الَّذِي حَدَّثَنَاهُ أَحْمَد بْن الْحُسَيْن : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا وَكِيع بْن الْجَرَّاح عَنْ إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن دَانِيل قَالَ سَمِعْت عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقُول : إِنَّ جَبَّارًا مِنْ الْجَبَابِرَة قَالَ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَعْلَم مَنْ فِي السَّمَوَات , فَعَمَدَ إِلَى فِرَاخ نُسُور , فَأَمَرَ أَنْ تُطْعَم اللَّحْم , حَتَّى اِشْتَدَّتْ وَعَضَلَتْ وَاسْتَعْلَجَتْ أَمَرَ بِأَنْ يُتَّخَذ تَابُوت يَسَع فِيهِ رَجُلَيْنِ ; وَأَنْ يُجْعَل فِيهِ عَصًا فِي رَأْسهَا لَحْم شَدِيد حُمْرَته , وَأَنْ يُسْتَوْثَق مِنْ أَرْجُل النُّسُور بِالْأَوْتَادِ ; وَتُشَدّ إِلَى قَوَائِم التَّابُوت , ثُمَّ جَلَسَ هُوَ وَصَاحِب لَهُ فِي التَّابُوت وَأَثَارَ النُّسُور , فَلَمَّا رَأَتْ اللَّحْم طَلَبَتْهُ , فَجَعَلَتْ تَرْفَع التَّابُوت حَتَّى بَلَغَتْ بِهِ مَا شَاءَ اللَّه ; فَقَالَ الْجَبَّار لِصَاحِبِهِ : اِفْتَحْ الْبَاب فَانْظُرْ مَا تَرَى ؟ فَقَالَ : أَرَى الْجِبَال كَأَنَّهَا ذُبَاب , فَقَالَ : أَغْلِقْ الْبَاب ; ثُمَّ صَعِدَتْ بِالتَّابُوتِ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ تَصْعَد , فَقَالَ الْجَبَّار لِصَاحِبِهِ : اِفْتَحْ الْبَاب فَانْظُرْ مَا تَرَى ؟ فَقَالَ : مَا أَرَى إِلَّا السَّمَاء وَمَا تَزْدَاد مِنَّا إِلَّا بُعْدًا , فَقَالَ : نَكِّسْ الْعَصَا فَنَكَّسَهَا , فَانْقَضَّتْ النُّسُور . فَلَمَّا وَقَعَ التَّابُوت عَلَى الْأَرْض سُمِعَتْ لَهُ هَدَّة كَادَتْ الْجِبَال تَزُول عَنْ مَرَاتِبهَا مِنْهَا ; قَالَ : فَسَمِعْت عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقْرَأ " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لَتَزُول " بِفَتْحِ اللَّام الْأُولَى مِنْ " لَتَزُولُ " وَضَمّ الثَّانِيَة . وَقَدْ ذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ هَذَا الْخَبَر بِمَعْنَاهُ , وَأَنَّ الْجَبَّار هُوَ النُّمْرُود الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيم فِي رَبّه , وَقَالَ عِكْرِمَة : كَانَ مَعَهُ فِي التَّابُوت غُلَام أَمْرَد , وَقَدْ حَمَلَ الْقَوْس وَالنَّبْل فَرَمَى بِهِمَا فَعَادَ إِلَيْهِ مُلَطَّخًا بِالدِّمَاءِ وَقَالَ : كَفَيْت نَفْسك إِلَه السَّمَاء . قَالَ عِكْرِمَة : تَلَطَّخَ بِدَمِ سَمَكَة مِنْ السَّمَاء , قَذَفَتْ نَفْسهَا إِلَيْهِ مِنْ بَحْر فِي الْهَوَاء مُعَلَّق . وَقِيلَ : طَائِر مِنْ الطَّيْر أَصَابَهُ السَّهْم ثُمَّ أَمَرَ نُمْرُود صَاحِبه أَنْ يَضْرِب الْعَصَا وَأَنْ يُنَكِّس اللَّحْم , فَهَبَطَتْ النُّسُور بِالتَّابُوتِ , فَسَمِعَتْ الْجِبَال حَفِيف التَّابُوت وَالنُّسُور فَفَزِعَتْ , وَظَنَّتْ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ بِهَا حَدَث مِنْ السَّمَاء , وَأَنَّ السَّاعَة قَدْ قَامَتْ , فَذَلِكَ قَوْله : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَهَذَا جَائِز بِتَقْدِيرِ خَلْق الْحَيَاة فِي الْجِبَال . وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ النُّمْرُود بْن كَنْعَان بَنَى الصَّرْح فِي قَرْيَة الرَّسّ مِنْ سَوَاد الْكُوفَة , وَجَعَلَ طُوله خَمْسَة آلَاف ذِرَاع وَخَمْسِينَ ذِرَاعًا , وَعَرْضه ثَلَاثَة آلَاف ذِرَاع وَخَمْسَة وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا , وَصَعِدَ مِنْهُ مَعَ النُّسُور , فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ لَا سَبِيل لَهُ إِلَى السَّمَاء اِتَّخَذَهُ حِصْنًا , وَجَمَعَ فِيهِ أَهْله وَوَلَده لِيَتَحَصَّنَّ فِيهِ . فَأَتَى اللَّه بُنْيَانه مِنْ الْقَوَاعِد , فَتَدَاعَى الصَّرْح عَلَيْهِمْ فَهَلَكُوا جَمِيعًا , فَهَذَا مَعْنَى " وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرهمْ " وَفِي الْجِبَال الَّتِي عَنَى زَوَالهَا بِمَكْرِهِمْ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : جِبَال الْأَرْض . الثَّانِي : الْإِسْلَام وَالْقُرْآن ; لِأَنَّهُ لِثُبُوتِهِ وَرُسُوخه كَالْجِبَالِ . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : " وَعِنْد اللَّه مَكْرهمْ " أَيْ هُوَ عَالِم بِذَلِكَ فَيُجَازِيهِمْ أَوْ عِنْد اللَّه جَزَاء مَكْرهمْ فَحَذَفَ الْمُضَاف . " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " بِكَسْرِ اللَّام ; أَيْ مَا كَانَ مَكْرهمْ مَكْرًا يَكُون لَهُ أَثَر وَخَطَر عِنْد اللَّه تَعَالَى , فَالْجِبَال مَثَل لِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ " فِي تَقْدِيرهمْ " لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " وَتُؤَثِّر فِي إِبْطَال الْإِسْلَام . وَقُرِئَ " لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَال " بِفَتْحِ اللَّام الْأُولَى وَضَمِّ الثَّانِيَة ; أَيْ كَانَ مَكْرًا عَظِيمًا تَزُول مِنْهُ الْجِبَال , وَلَكِنَّ اللَّه حَفِظَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا " [ نُوح : 22 ] وَالْجِبَال لَا تَزُول وَلَكِنَّ الْعِبَارَة عَنْ تَعْظِيم الشَّيْء هَكَذَا تَكُون .

غريب الآية
وَقَدۡ مَكَرُوا۟ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ ﴿٤٦﴾
وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡعِلْمُه وجَزاؤُه.
وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُوما كان تدبيرُهم -وإن عَظُمَ- مُعَدّاً لإزالةِ الجبالِ؛ لضَعْفِه.
الإعراب
(وَقَدْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(قَدْ) : حَرْفُ تَحْقِيقٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَكَرُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مَكْرَهُمْ)
مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَعِنْدَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(عِنْدَ) : ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(مَكْرُهُمْ)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَإِنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنْ) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كَانَ)
فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(مَكْرُهُمْ)
اسْمُ كَانَ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(لِتَزُولَ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(تَزُولَ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْهُ)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(الْجِبَالُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ.