صفحات الموقع

سورة الإسراء الآية ٧٠

سورة الإسراء الآية ٧٠

۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَـٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَـٰتِ وَفَضَّلۡنَـٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِیلࣰا ﴿٧٠﴾

التفسير

تفسير السعدي

وهذا من كرمه عليهم وإحسانه, الذي لا يقادر قدره, حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام. فكرمهم بالعلم والعقل, وإرسال الرسل, وإنزال الكتب. وجعل منهم الأولياء والأصفياء, وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. " وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ " على الركاب, من الإبل, والبغال, والحمير, والمراكب البرية. " وَالْبَحْرِ " في السفن والمراكب " وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ " من المآكل والمشارب, والملابس, والمناكح. فما من طيب تتعلق به حوائجهم, إلا وقد أكرمهم الله به, ويسره لهم غاية التيسير. " وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا " بما خصهم به من المناقب, وفضلهم به من الفضائل, التي ليست لغيرهم من أنواع المخلوقات. أفلا يقومون بشكر من أولى النعم, ودفع النقم, ولا تحجبهم النعم عن المنعم فيشتغلوا بها عن عبادة ربهم, بل ربما استعانوا بها على معاصيه.

التفسير الميسر

ولقد كرَّمنا ذرية آدم بالعقل وإرسال الرسل، وسَخَّرنا لهم جميع ما في الكون، وسَخَّرنا لهم الدواب في البر والسفن في البحر لحملهم، ورزقناهم من طيبات المطاعم والمشارب، وفضَّلناهم على كثير من المخلوقات تفضيلا عظيمًا.

تفسير الجلالين

"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا" فَضَّلْنَا "بَنِي آدَم" بِالْعِلْمِ وَالنُّطْق وَاعْتِدَال الْخَلْق وَغَيْر ذَلِكَ وَمِنْهُ طَهَارَتهمْ بَعْد الْمَوْت "وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ" عَلَى الدَّوَابّ "وَالْبَحْر" عَلَى السُّفُن "كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا" كَالْبَهَائِمِ وَالْوُحُوش "تَفْضِيلًا" فَمَنْ بِمَعْنَى مَا أَوْ عَلَى بَابهَا وَتَشْمَل الْمَلَائِكَة وَالْمُرَاد تَفْضِيل الْجِنْس وَلَا يَلْزَم تَفْضِيل أَفْرَاده إذْ هُمْ أَفْضَل مِنْ الْبَشَر غَيْر الْأَنْبِيَاء

تفسير ابن كثير

وَيُخْبِر تَعَالَى عَنْ تَشْرِيفه لِبَنِي آدَم وَتَكْرِيمه إِيَّاهُمْ فِي خَلْقه لَهُمْ عَلَى أَحْسَن الْهَيْئَات وَأَكْمَلهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان فِي أَحْسَن تَقْوِيم " أَنْ يَمْشِي قَائِمًا مُنْتَصِبًا عَلَى رِجْلَيْهِ وَيَأْكُل بِيَدَيْهِ وَغَيْره مِنْ الْحَيَوَانَات يَمْشِي عَلَى أَرْبَع وَيَأْكُل بِفَمِهِ وَجَعَلَ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَفُؤَادًا يَفْقَه بِذَلِكَ كُلّه وَيَنْتَفِع بِهِ وَيُفَرِّق بَيْن الْأَشْيَاء وَيَعْرِف مَنَافِعهَا وَخَوَاصّهَا وَمَضَارّهَا فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة وَالدُّنْيَوِيَّة " وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ " أَيْ عَلَى الدَّوَابّ مِنْ الْأَنْعَام وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَفِي الْبَحْر أَيْضًا عَلَى السُّفُن الْكِبَار وَالصِّغَار " وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَات " أَيْ مِنْ زُرُوع وَثِمَار وَلُحُوم وَأَلْبَان مِنْ سَائِر أَنْوَاع الطُّعُوم وَالْأَلْوَان الْمُشْتَهَاة اللَّذِيذَة وَالْمَنَاظِر الْحَسَنَة وَالْمَلَابِس الرَّفِيعَة مِنْ سَائِر الْأَنْوَاع عَلَى اِخْتِلَاف أَصْنَافهَا وَأَلْوَانهَا وَأَشْكَالهَا مِمَّا يَصْنَعُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ وَيَجْلِبهُ إِلَيْهِمْ غَيْرهمْ مِنْ أَقْطَار الْأَقَالِيم وَالنَّوَاحِي " وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا " أَيْ مِنْ سَائِر الْحَيَوَانَات وَأَصْنَاف الْمَخْلُوقَات وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة عَلَى أَفْضَلِيَّة جِنْس الْبَشَر عَلَى جِنْس الْمَلَائِكَة . قَالَ عَبْد الرَّزَّاق : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ قَالَ : قَالَتْ الْمَلَائِكَة يَا رَبّنَا إِنَّك أَعْطَيْت بَنِي آدَم الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ مِنْهَا وَيَتَنَعَّمُونَ وَلَمْ تُعْطِنَا ذَلِكَ فَأَعْطِنَا الْآخِرَة فَقَالَ اللَّه تَعَالَى " وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَجْعَل صَالِح ذُرِّيَّة مَنْ خَلَقْت بِيَدَيَّ كَمَنْ قُلْت فَكَانَ " وَهَذَا الْحَدِيث مُرْسَل مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْه آخَر مُتَّصِلًا . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ : حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن صَدَقَة الْبَغْدَادِيّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن خَارِجَة الْمِصِّيصِيّ حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا مُحَمَّد أَبُو غَسَّان مُحَمَّد بْن مُطَرِّف عَنْ صَفْوَان بْن سُلَيْم عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّ الْمَلَائِكَة قَالَتْ يَا رَبّنَا أَعْطَيْت بَنِي آدَم الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَيَلْبَسُونَ وَنَحْنُ نُسَبِّح بِحَمْدِك وَلَا نَأْكُل وَلَا نَشْرَب وَلَا نَلْهُو فَكَمَا جَعَلْت لَهُمْ الدُّنْيَا فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَة قَالَ لَا أَجْعَل صَالِح ذُرِّيَّة مَنْ خَلَقْت بِيَدَيَّ كَمَنْ قُلْت لَهُ كُنْ فَكَانَ " وَقَدْ رَوَى اِبْن عَسَاكِر مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن أَيُّوب الرَّازِيّ حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن خَلَف الصَّيْدَلَانِيّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنِي عُثْمَان بْن حِصْن بْن عُبَيْدَة بْن عَلَاق سَمِعْت عُرْوَة بْن رُوَيْم اللَّخْمِيّ حَدَّثَنِي أَنَس بْن مَالِك عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّ الْمَلَائِكَة قَالُوا رَبّنَا خَلَقْتنَا وَخَلَقْت بَنِي آدَم وَجَعَلْتهمْ يَأْكُلُونَ الطَّعَام وَيَشْرَبُونَ الشَّرَاب وَيَلْبَسُونَ الثِّيَاب وَيَتَزَوَّجُونَ النِّسَاء وَيَرْكَبُونَ الدَّوَابّ يَنَامُونَ وَيَسْتَرِيحُونَ وَلَمْ تَجْعَل لَنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَاجْعَلْ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَة فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " لَا أَجْعَل مَنْ خَلَقْته بِيَدَيَّ وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي كَمَنْ قُلْت لَهُ كُنْ فَكَانَ " وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ حَدَّثَنَا عَبْدَان بْن أَحْمَد حَدَّثَنَا عُمَر بْن سَهْل حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن تَمَّام عَنْ خَالِد الْحَذَّاء عَنْ بِشْر بْن شَغَاف عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن عَمْرو قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا شَيْء أَكْرَم عَلَى اللَّه يَوْم الْقِيَامَة مِنْ اِبْن آدَم " قِيلَ يَا رَسُول اللَّه وَلَا الْمَلَائِكَة قَالَ " وَلَا الْمَلَائِكَة الْمَلَائِكَة مَجْبُورُونَ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْس وَالْقَمَر " وَهَذَا حَدِيث غَرِيب جِدًّا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَات وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم } بِتَسْلِيطِنَا إِيَّاهُمْ عَلَى غَيْرهمْ مِنْ الْخَلْق , وَتَسْخِيرنَا سَائِر الْخَلْق لَهُمْ { وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ } عَلَى ظُهُور الدَّوَابّ وَالْمَرَاكِب { و } فِي { الْبَحْر } فِي الْفُلْك الَّتِي سَخَّرْنَاهَا لَهُمْ { وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَات } يَقُول : مِنْ طَيِّبَات الْمَطَاعِم وَالْمَشَارِب , وَهِيَ حَلَالهَا وَلَذِيذَاتهَا { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ذَلِكَ تَمَكُّنهمْ مِنْ الْعَمَل بِأَيْدِيهِمْ , وَأَخْذ الْأَطْعِمَة وَالْأَشْرِبَة بِهَا وَرَفْعهَا بِهَا إِلَى أَفْوَاههمْ , وَذَلِكَ غَيْر مُتَيَسِّر لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْخَلْق , كَمَا : 16986 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم } . ... الْآيَة , قَالَ : { وَفَضَّلْنَاهُمْ } فِي الْيَدَيْنِ يَأْكُل بِهِمَا , وَيَعْمَل بِهِمَا , وَمَا سِوَى الْإِنْس يَأْكُل بِغَيْرِ ذَلِكَ . 16987 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , فِي قَوْله : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم } قَالَ : قَالَتْ الْمَلَائِكَة : يَا رَبّنَا إِنَّك أَعْطَيْت بَنِي آدَم الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ مِنْهَا , وَيَتَنَعَّمُونَ , وَلَمْ تُعْطِنَا ذَلِكَ , فَأَعْطِنَاهُ فِي الْآخِرَة ; فَقَالَ : وَعِزَّتِي لَا أَجْعَل ذُرِّيَّة مَنْ خَلَقْت بِيَدَيَّ , كَمَنْ قُلْت لَهُ كُنْ فَكَانَ .

تفسير القرطبي

لَمَّا ذَكَرَ مِنْ التَّرْهِيب مَا ذَكَرَ بَيَّنَ النِّعْمَة عَلَيْهِمْ أَيْضًا . " كَرَّمْنَا " تَضْعِيف كَرَم ; أَيْ جَعَلْنَا لَهُمْ كَرَمًا أَيْ شَرَفًا وَفَضْلًا . وَهَذَا هُوَ كَرَم نَفْي النُّقْصَان لَا كَرَم الْمَال . وَهَذِهِ الْكَرَامَة يَدْخُل فِيهَا خَلْقهمْ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَة فِي اِمْتِدَاد الْقَامَة وَحُسْن الصُّورَة , وَحَمْلهمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر مِمَّا لَا يَصِحّ لِحَيَوَانٍ سِوَى بَنِي آدَم أَنْ يَكُون يَتَحَمَّل بِإِرَادَتِهِ وَقَصْده وَتَدْبِيره . وَتَخْصِيصهمْ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ الْمَطَاعِم وَالْمَشَارِب وَالْمَلَابِس , وَهَذَا لَا يَتَّسِع فِيهِ حَيَوَان اِتِّسَاع بَنِي آدَم ; لِأَنَّهُمْ يَكْسِبُونَ الْمَال خَاصَّة دُون الْحَيَوَان , وَيَلْبَسُونَ الثِّيَاب وَيَأْكُلُونَ الْمُرَكَّبَات مِنْ الْأَطْعِمَة . وَغَايَة كُلّ حَيَوَان يَأْكُل لَحْمًا نِيئًا أَوْ طَعَامًا غَيْر مُرَكَّب . وَحَكَى الطَّبَرِيّ عَنْ جَمَاعَة أَنَّ التَّفْضِيل هُوَ أَنْ يَأْكُل بِيَدِهِ وَسَائِر الْحَيَوَان بِالْفَمِ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ وَالنَّحَّاس ; وَهُوَ قَوْل الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَقَالَ الضَّحَّاك : كَرَّمَهُمْ بِالنُّطْقِ وَالتَّمْيِيز . عَطَاء : كَرَّمَهُمْ بِتَعْدِيلِ الْقَامَة وَامْتِدَادهَا . يَمَان : بِحُسْنِ الصُّورَة . مُحَمَّد بْن كَعْب : بِأَنْ جَعَلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ . وَقِيلَ أَكْرَمَ الرِّجَال بِاللِّحَى وَالنِّسَاء بِالذَّوَائِبِ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيّ : بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَى سَائِر الْخَلْق , وَتَسْخِير سَائِر الْخَلْق لَهُمْ . وَقِيلَ : بِالْكَلَامِ وَالْخَطّ . وَقِيلَ : بِالْفَهْمِ وَالتَّمْيِيز . وَالصَّحِيح الَّذِي يُعَوَّل عَلَيْهِ أَنَّ التَّفْضِيل إِنَّمَا كَانَ بِالْعَقْلِ الَّذِي هُوَ عُمْدَة التَّكْلِيف , . وَبِهِ يُعْرَف اللَّه وَيُفْهَم كَلَامه , وَيُوصَل إِلَى نَعِيمه وَتَصْدِيق رُسُله ; إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنْهَض بِكُلِّ الْمُرَاد مِنْ الْعَبْد بُعِثَتْ الرُّسُل وَأُنْزِلَتْ الْكُتُب . فَمِثَال الشَّرْع الشَّمْس , وَمِثَال الْعَقْل الْعَيْن ; فَإِذَا فُتِحَتْ وَكَانَتْ سَلِيمَة رَأَتْ الشَّمْس وَأَدْرَكَتْ تَفَاصِيل الْأَشْيَاء . وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَقْوَال بَعْضه أَقْوَى مِنْ بَعْض . وَقَدْ جَعَلَ اللَّه فِي بَعْض الْحَيَوَان خِصَالًا يَفْضُل بِهَا اِبْن آدَم أَيْضًا ; كَجَرْيِ الْفَرَس وَسَمْعه وَإِبْصَاره , وَقُوَّة الْفِيل وَشَجَاعَة الْأَسَد وَكَرَم الدِّيك . وَإِنَّمَا التَّكْرِيم وَالتَّفْضِيل بِالْعَقْلِ كَمَا بَيَّنَّاهُ . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَتْ فِرْقَة : هَذِهِ الْآيَة تَقْتَضِي تَفْضِيل الْمَلَائِكَة عَلَى الْإِنْس وَالْجِنّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي قَوْله تَعَالَى : " وَلَا الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ " [ النِّسَاء : 171 ] . وَهَذَا غَيْر لَازِم مِنْ الْآيَة , بَلْ التَّفْضِيل فِيهَا بَيْن الْإِنْس وَالْجِنّ ; فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَة إِنَّمَا عَدَّدَ اللَّه فِيهَا عَلَى بَنِي آدَم مَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ سَائِر الْحَيَوَان , وَالْجِنّ هُوَ الْكَثِير الْمَفْضُول , وَالْمَلَائِكَة هُمْ الْخَارِجُونَ عَنْ الْكَثِير الْمَفْضُول , وَلَمْ تَتَعَرَّض الْآيَة لَذِكْرهمْ , بَلْ يَحْتَمِل أَنَّ الْمَلَائِكَة أَفْضَل , وَيَحْتَمِل الْعَكْس , وَيَحْتَمِل التَّسَاوِي , وَعَلَى الْجُمْلَة فَالْكَلَام لَا يَنْتَهِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة إِلَى الْقَطْع . وَقَدْ تَحَاشَى قَوْم مِنْ الْكَلَام فِي هَذَا كَمَا تَحَاشَوْا مِنْ الْكَلَام فِي تَفْضِيل بَعْض الْأَنْبِيَاء عَلَى بَعْض ; إِذْ فِي الْخَبَر ( لَا تَخَايَرُوا بَيْن الْأَنْبِيَاء وَلَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُس بْن مَتَّى ) . وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِوُجُودِ النَّصّ فِي الْقُرْآن فِي التَّفْضِيل بَيْن الْأَنْبِيَاء . وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي [ الْبَقَرَة ] وَمَضَى فِيهَا الْكَلَام فِي تَفْضِيل الْمَلَائِكَة وَالْمُؤْمِن . يَعْنِي لَذِيذ الْمَطَاعِم الْمَشَارِب . قَالَ مُقَاتِل : السَّمْن وَالْعَسَل وَالزُّبْد وَالتَّمْر وَالْحَلْوَى , وَجَعَلَ رِزْق غَيْرهمْ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مِنْ التِّبْن وَالْعِظَام وَغَيْرهَا . أَيْ عَلَى الْبَهَائِم وَالدَّوَابّ وَالْوَحْش وَالطَّيْر بِالْغَلَبَةِ وَالِاسْتِيلَاء , وَالثَّوَاب وَالْجَزَاء وَالْحِفْظ وَالتَّمْيِيز وَإِصَابَة الْفِرَاسَة . هَذِهِ الْآيَة تَرُدّ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا , قَالَتْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِحْرِمُوا أَنْفُسكُمْ طَيِّب الطَّعَام فَإِنَّمَا قَوِيَ الشَّيْطَان أَنْ يَجْرِي فِي الْعُرُوق مِنْهَا ) . وَبِهِ يَسْتَدِلّ كَثِير مِنْ الصُّوفِيَّة فِي تَرْك أَكْل الطَّيِّبَات , وَلَا أَصْل لَهُ ; لِأَنَّ الْقُرْآن يَرُدّهُ , وَالسُّنَّة الثَّابِتَة بِخِلَافِهِ , عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي غَيْر مَوْضِع . وَقَدْ حَكَى أَبُو حَامِد الطُّوسِيّ قَالَ : كَانَ سَهْل يَقْتَات مِنْ وَرَق النَّبْق مُدَّة . وَأَكَلَ دُقَاق وَرَق التِّين ثَلَاث سِنِينَ . وَذَكَرَ إِبْرَاهِيم بْن الْبَنَّا قَالَ : صَحِبْت ذَا النُّون مِنْ إِخْمِيم إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة , فَلَمَّا كَانَ وَقْت إِفْطَاره أَخْرَجْت قُرْصًا وَمِلْحًا كَانَ مَعِي , وَقُلْت : هَلُمَّ . فَقَالَ لِي : مِلْحك مَدْقُوق ؟ قُلْت نَعَمْ . قَالَ : لَسْت تُفْلِح ! فَنَظَرْت إِلَى مِزْوَده وَإِذَا فِيهِ قَلِيل سَوِيق شَعِير يَسَفّ مِنْهُ . وَقَالَ أَبُو يَزِيد : مَا أَكَلْت شَيْئًا مِمَّا يَأْكُلهُ بَنُو آدَم أَرْبَعِينَ سَنَة . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوز حَمْل النَّفْس عَلَيْهِ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَكْرَمَ الْآدَمِيّ بِالْحِنْطَةِ وَجَعَلَ قُشُورهَا لِبَهَائِمِهِمْ , فَلَا يَصِحّ مُزَاحَمَة الدَّوَابّ فِي أَكْل التِّبْن , وَأَمَّا سَوِيق الشَّعِير فَإِنَّهُ يُورِث الْقُولَنْج , وَإِذَا اِقْتَصَرَ الْإِنْسَان عَلَى خُبْز الشَّعِير وَالْمِلْح الْجَرِيش فَإِنَّهُ يَنْحَرِف مِزَاجه ; لِأَنَّ خُبْز الشَّعِير بَارِد مُجَفِّف , وَالْمِلْح يَابِس قَابِض يَضُرّ الدِّمَاغ وَالْبَصَر . وَإِذَا مَالَتْ النَّفْس إِلَى مَا يُصْلِحهَا فَمُنِعَتْ فَقَدْ قُووِمَتْ حِكْمَة الْبَارِئ سُبْحَانه بِرَدِّهَا , ثُمَّ يُؤَثِّر ذَلِكَ فِي الْبَدَن , فَكَانَ هَذَا الْفِعْل مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ وَالْعَقْل . وَمَعْلُوم أَنَّ الْبَدَن مَطِيَّة الْآدَمِيّ , وَمَتَى لَمْ يَرْفُق بِالْمَطِيَّةِ لَمْ تَبْلُغ . وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن أَدْهَم أَنَّهُ اِشْتَرَى زُبْدًا وَعَسَلًا وَخُبْز جُوَّارَى , فَقِيلَ لَهُ : هَذَا كُلّه ؟ فَقَالَ : إِذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا أَكْل الرِّجَال , وَإِذَا عَدِمْنَا صَبَرْنَا صَبْر الرِّجَال . وَكَانَ الثَّوْرِيّ يَأْكُل اللَّحْم وَالْعِنَب وَالْفَالُوذَج ثُمَّ يَقُوم إِلَى الصَّلَاة . وَمِثْل هَذَا عَنْ السَّلَف كَثِير . وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ مَا يَكْفِي فِي الْمَائِدَة وَالْأَعْرَاف وَغَيْرهمَا . وَالْأَوَّل غُلُوّ فِي الدِّين إِنْ صَحَّ عَنْهُمْ " وَرَهْبَانِيَّة اِبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ " .

غريب الآية
۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَـٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَـٰتِ وَفَضَّلۡنَـٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِیلࣰا ﴿٧٠﴾
كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَبالرسُلِ والرِّسالات، وغيرِها من النِّعَمِ. ومَنحْناهم عقولاً يُدْرِكون بها ويُمَيِّزون.
الإعراب
(وَلَقَدْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"اللَّامُ" حَرْفُ جَوَابٍ لِلْقَسَمِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(قَدْ) : حَرْفُ تَحْقِيقٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كَرَّمْنَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(بَنِي)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ وَحُذِفَتْ نُونُهُ لِلْإِضَافَةِ.
(آدَمَ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ.
(وَحَمَلْنَاهُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(حَمَلْنَا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْبَرِّ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْبَحْرِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْبَحْرِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَرَزَقْنَاهُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(رَزَقْنَا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الطَّيِّبَاتِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَفَضَّلْنَاهُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(فَضَّلْنَا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كَثِيرٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِمَّنْ)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(مَنْ) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(خَلَقْنَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(تَفْضِيلًا)
مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.