صفحات الموقع

سورة الكهف الآية ٨٣

سورة الكهف الآية ٨٣

وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِی ٱلۡقَرۡنَیۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُوا۟ عَلَیۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا ﴿٨٣﴾

التفسير

تفسير السعدي

كان أهل الكتاب أو المشركون, سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة ذي القرنين. فأمره الله أن يقول: " سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا " فيه نبأ مفيد, وخطاب عجيب. أي: سأتلوا عليكم من أحواله, ما يتذكر فيه, ويكون عبرة. وأما ما سوى ذلك من أحواله, فلم يتله عليهم.

التفسير الميسر

ويسألك -أيها الرسول- هؤلاء المشركون من قومك عن خبر ذي القرنين الملك الصالح، قل لهم: سأقصُّ عليكم منه ذِكْرًا تتذكرونه، وتعتبرون به.

تفسير الجلالين

"وَيَسْأَلُونَك" أَيْ الْيَهُود "عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ" اسْمه الْإِسْكَنْدَر وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا "قُلْ سَأَتْلُو" سَأَقُصُّ "عَلَيْكُمْ مِنْهُ" مِنْ حَاله "ذِكْرًا" خَبَرًا

تفسير ابن كثير

يَقُول تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَيَسْأَلُونَك " يَا مُحَمَّد " عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ " أَيْ عَنْ خَبَره . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ بَعَثَ كُفَّار مَكَّة إِلَى أَهْل الْكِتَاب يَسْأَلُونَ مِنْهُمْ مَا يَمْتَحِنُونَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا سَلُوهُ عَنْ رَجُل طَوَّاف فِي الْأَرْض وَعَنْ فِتْيَة مَا يُدْرَى مَا صَنَعُوا وَعَنْ الرُّوح فَنَزَلَتْ سُورَة الْكَهْف وَقَدْ أَوْرَدَ اِبْن جَرِير هَاهُنَا وَالْأُمَوِيّ فِي مَغَازِيه حَدِيثًا أَسْنَدَهُ وَهُوَ ضَعِيف عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر أَنَّ نَفَرًا مِنْ الْيَهُود جَاءُوا يَسْأَلُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا جَاءُوا لَهُ اِبْتِدَاء فَكَانَ فِيمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ أَنَّهُ كَانَ شَابًّا مِنْ الرُّوم وَأَنَّهُ بَنَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَأَنَّهُ عَلَا بِهِ مُلْك إِلَى السَّمَاء وَذَهَبَ بِهِ إِلَى السَّدّ وَرَأَى أَقْوَامًا وُجُوههمْ مِثْل وُجُوه الْكِلَاب وَفِيهِ طُول وَنَكَارَة وَرَفْعه لَا يَصِحّ وَأَكْثَر مَا فِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَخْبَار بَنِي إِسْرَائِيل وَالْعَجَب أَنَّ أَبَا زُرْعَة الرَّازِيّ مَعَ جَلَالَة قَدْره سَاقَهُ بِتَمَامِهِ فِي كِتَابه دَلَائِل النُّبُوَّة وَذَلِكَ غَرِيب مِنْهُ وَفِيهِ مِنْ النَّكَارَة أَنَّهُ مِنْ الرُّوم وَإِنَّمَا الَّذِي كَانَ مِنْ الرُّوم الْإِسْكَنْدَر الثَّانِي وَهُوَ اِبْن فيليس الْمَقْدُونِيّ الَّذِي تُؤَرِّخ بِهِ الرُّوم فَأَمَّا الْأَوَّل فَقَدْ ذَكَرَ الْأَزْرَقِيّ وَغَيْره أَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ مَعَ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَوَّل مَا بَنَاهُ وَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَكَانَ وَزِيره الْخَضِر عَلَيْهِ السَّلَام وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ إِسْكَنْدَر بْن فيليس الْمَقْدُونِيّ الْيُونَانِيّ وَكَانَ وَزِيره ارسطاطاليس الْفَيْلَسُوف الْمَشْهُور وَاَللَّه أَعْلَم . وَهُوَ الَّذِي تُؤَرَّخ مِنْ مَمْلَكَته مِلَّة الرُّوم وَقَدْ كَانَ قَبْل الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام بِنَحْوٍ مِنْ ثَلَثمِائَةِ سَنَة فَأَمَّا الْأَوَّل الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن فَكَانَ فِي زَمَن الْخَلِيل كَمَا ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيّ وَغَيْره وَأَنَّهُ طَافَ مَعَ الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام بِالْبَيْتِ الْعَتِيق لَمَّا بَنَاهُ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام وَقَرَّبَ إِلَى اللَّه قُرْبَانًا وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا صَالِحًا مِنْ أَخْبَاره فِي كِتَاب الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة بِمَا فِيهِ كِفَايَة وَلِلَّهِ الْحَمْد . وَقَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : كَانَ مَلِكًا وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِأَنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسه كَانَتَا مِنْ نُحَاس قَالَ : وَقَالَ بَعْض أَهْل الْكِتَاب لِأَنَّهُ مَلَكَ الرُّوم وَفَارِس وَقَالَ بَعْضهمْ كَانَ فِي رَأْسه شِبْه الْقَرْنَيْنِ وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ أَبِي الطُّفَيْل قَالَ : سُئِلَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ كَانَ عَبْدًا نَاصِحًا لِلَّهِ فَنَاصَحَهُ دَعَا قَوْمه إِلَى اللَّه فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنه فَمَاتَ فَأَحْيَاهُ اللَّه فَدَعَا قَوْمه إِلَى اللَّه فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنه فَمَاتَ فَسُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة عَنْ أَبِي الطُّفَيْل سَمِعَ عَلِيًّا يَقُول ذَلِكَ وَيُقَال إِنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِأَنَّهُ بَلَغَ الْمَشَارِق وَالْمَغَارِب مِنْ حَيْثُ يَطْلُع قَرْن الشَّمْس وَيَغْرُب .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيَسْأَلك يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ مَا كَانَ شَأْنه , وَمَا كَانَتْ قِصَّته , فَقُلْ لَهُمْ : سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْ خَبَره ذِكْرًا يَقُول : سَأَقُصُّ عَلَيْكُمْ مِنْهُ خَبَرًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْر ذِي الْقَرْنَيْنِ , كَانُوا قَوْمًا مِنْ أَهْل الْكِتَاب . فَأَمَّا الْخَبَر بِأَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ كَانُوا مُشْرِكِي قَوْمه فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْل . وَأَمَّا الْخَبَر بِأَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوهُ , كَانُوا قَوْمًا مِنْ أَهْل الْكِتَاب . 17546 - فَحَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا زَيْد بْن حُبَاب عَنْ اِبْن لَهِيعَة , قَالَ : ثَنْي عَبْد الرَّحْمَن بْن زِيَاد بْن أَنْعَمَ , عَنْ شَيْخَيْنِ مِنْ نَجِيب , قَالَ : أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ : اِنْطَلِقْ بِنَا إِلَى عُقْبَة بْن عَامِر نَتَحَدَّث , قَالَا : فَأَتَيَاهُ فَقَالَا : جِئْنَا لِتُحَدِّثنَا , فَقَالَ : كُنْت يَوْمًا أَخْدُم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَخَرَجْت مِنْ عِنْده , فَلَقِيَنِي قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب , فَقَالُوا : نُرِيد أَنْ نَسْأَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاسْتَأْذَنَ لَنَا عَلَيْهِ , فَدَخَلْت عَلَيْهِ , فَأَخْبَرْته , فَقَالَ : " مَا لِي وَمَا لَهُمْ , مَا لِي عِلْم إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّه " , ثُمَّ قَالَ : " اُسْكُبْ لِي مَاء " , فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى , قَالَ : فَمَا فَرَغَ حَتَّى عَرَفْت السُّرُور فِي وَجْهه , ثُمَّ قَالَ : " أَدْخِلْهُمْ عَلَيَّ , وَمَنْ رَأَيْت مِنْ أَصْحَابِي " فَدَخَلُوا فَقَامُوا بَيْن يَدَيْهِ , فَقَالَ : " إِنْ شِئْتُمْ سَأَلْتُمْ فَأَخْبَرْتُكُمْ عَمَّا تَجِدُونَهُ فِي كِتَابكُمْ مَكْتُوبًا , وَإِنْ شِئْتُمْ أَخْبَرْتُكُمْ " , قَالُوا : بَلَى أَخْبَرَنَا , قَالَ : " جِئْتُمْ تَسْأَلُونِي عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ , وَمَا تَجِدُونَهُ فِي كِتَابكُمْ : كَانَ شَابًّا مِنْ الرُّوم , فَجَاءَ فَبَنَى مَدِينَة مِصْر الْإِسْكَنْدَرِيَّة ; فَلَمَّا فَرَغَ جَاءَهُ مَلَك فَعَلَا بِهِ فِي السَّمَاء , فَقَالَ لَهُ مَا تَرَى ؟ فَقَالَ : أَرَى مَدِينَتِي وَمَدَائِن , ثُمَّ عَلَا بِهِ , فَقَالَ : مَا تَرَى ؟ فَقَالَ : أَرَى مَدِينَتِي , ثُمَّ عَلَا بِهِ فَقَالَ : مَا تَرَى ؟ قَالَ : أَرَى الْأَرْض , قَالَ : فَهَذَا الْيَمّ مُحِيط بِالدُّنْيَا , إِنَّ اللَّه بَعَثَنِي إِلَيْك تُعَلِّم الْجَاهِل , وَتُثَبِّت الْعَالِم , فَأَتَى بِهِ السَّدّ , وَهُوَ جَبَلَانِ لَيِّنَانِ يَزْلَق عَنْهُمَا كُلّ شَيْء , ثُمَّ مَضَى بِهِ حَتَّى جَاوَزَ يَأْجُوج وَمَأْجُوج , ثُمَّ مَضَى بِهِ إِلَى أُمَّة أُخْرَى , وُجُوههمْ وُجُوه الْكِلَاب يُقَاتِلُونَ يَأْجُوج وَمَأْجُوج , ثُمَّ مَضَى بِهِ حَتَّى قَطَعَ بِهِ أُمَّة أُخْرَى يُقَاتِلُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وُجُوههمْ وُجُوه الْكِلَاب , ثُمَّ مَضَى حَتَّى قَطَعَ بِهِ هَؤُلَاءِ إِلَى أُمَّة أُخْرَى قَدْ سَمَّاهُمْ " . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله قِيلَ لِذِي الْقَرْنَيْنِ : ذُو الْقَرْنَيْنِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : قِيلَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ أَجْل أَنَّهُ ضُرِبَ عَلَى قَرْنه فَهَلَكَ , ثُمَّ أُحْيِيَ فَضُرِبَ عَلَى الْقَرْن الْآخَر فَهَلَكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17547 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ عُبَيْد الْمُكْتِب , عَنْ أَبِي الطُّفَيْل , قَالَ : سَأَلَ اِبْن الْكَوَّاء عَلِيًّا عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ , فَقَالَ : هُوَ عَبْد أَحَبَّ اللَّه فَأَحَبَّهُ , وَنَاصَحَ اللَّه فَنَصَحَهُ , فَأَمَرَهُمْ بِتَقْوَى اللَّه فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنه فَقَتَلُوهُ , ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّه , فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنه فَمَاتَ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ أَبِي الطُّفَيْل , قَالَ : سُئِلَ عَلِيّ رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ , فَقَالَ : كَانَ عَبْدًا نَاصَحَ اللَّه فَنَاصَحَهُ , فَدَعَا قَوْمه إِلَى اللَّه , فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنه فَمَاتَ , فَأَحْيَاهُ اللَّه , فَدَعَا قَوْمه إِلَى اللَّه , فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنه فَمَاتَ , فَسُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبَى بَزَّة , عَنْ أَبِي الطُّفَيْل , قَالَ : سَمِعْت عَلِيًّا وَسَأَلُوهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنَبِيًّا كَانَ ؟ قَالَ : كَانَ عَبْدًا صَالِحًا , فَأَحَبَّهُ اللَّه فَنَصَحَهُ , فَبَعَثَهُ اللَّه إِلَى قَوْمه , فَضَرَبُوهُ ضَرْبَتَيْنِ فِي رَأْسه , فَسُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ . وَفِيكُمْ الْيَوْم مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : 17548 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَهْل الْبُخَارِيّ , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الْكَرِيم , قَالَ : ثني عَبْد الصَّمَد بْن مَعْقِل , قَالَ : قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَلِكًا , فَقِيلَ لَهُ : فَلِمَ سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ ؟ قَالَ : اِخْتَلَفَ فِيهِ أَهْل الْكِتَاب , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَلِك الرُّوم وَفَارِس . وَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ فِي رَأْسه شِبْه الْقَرْنَيْنِ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا سُمِّيَ ذَلِكَ لِأَنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسه كَانَتَا نُحَاس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17549 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثَنَى اِبْن أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : ثني مَنْ لَا أَتَّهِم عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه الْيَمَانِيّ , قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ أَنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسه كَانَتَا مِنْ نُحَاس .

تفسير القرطبي

قَالَ اِبْن إِسْحَاق : وَكَانَ مِنْ خَبَر ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنَّهُ أُوتِيَ مَا لَمْ يُؤْتَ غَيْره , فَمُدَّتْ لَهُ الْأَسْبَاب حَتَّى اِنْتَهَى مِنْ الْبِلَاد إِلَى مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا , لَا يَطَأ أَرْضًا إِلَّا سُلِّطَ عَلَى أَهْلهَا , حَتَّى اِنْتَهَى مِنْ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب إِلَى مَا لَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْء مِنْ الْخَلْق . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : حَدَّثَنِي مَنْ يَسُوق الْأَحَادِيث عَنْ الْأَعَاجِم فِيمَا تَوَارَثُوا مِنْ عِلْم ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ مِنْ أَهْل مِصْر اِسْمه مَرْزُبَان بْن مردبة الْيُونَانِيّ مِنْ وَلَد يُونَان بْن يَافِث بْن نُوح . قَالَ اِبْن هِشَام : وَاسْمه الْإِسْكَنْدَر وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : وَقَدْ حَدَّثَنِي ثَوْر بْن يَزِيد عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان الْكَلَاعِيّ - وَكَانَ خَالِد رَجُلًا قَدْ أَدْرَكَ النَّاس - أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ : ( مَلَك مَسَحَ الْأَرْض مِنْ تَحْتهَا بِالْأَسْبَابِ ) وَقَالَ خَالِد : وَسَمِعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ رَجُلًا يَقُول يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ , فَقَالَ : ( اللَّهُمَّ غُفْرًا أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ تُسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاء حَتَّى تَسَمَّيْتُمْ بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَة ) قَالَ اِبْن إِسْحَاق : فَاَللَّه أَعْلَم أَيّ ذَلِكَ كَانَ ؟ أَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَالْحَقّ مَا قَالَ . قُلْت : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ مِثْل قَوْل عُمَر ; سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو آخَر يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ , فَقَالَ عَلِيّ : ( أَمَا كَفَاكُمْ أَنْ تَسَمَّيْتُمْ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاء حَتَّى تَسَمَّيْتُمْ بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَة ) وَعَنْهُ أَنَّهُ عَبْد مَلِك ( بِكَسْرِ اللَّام ) صَالِح نَصَحَ اللَّه فَأَيَّدَهُ . وَقِيلَ : هُوَ نَبِيّ مَبْعُوث فَتَحَ اللَّه تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ الْأَرْض . وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كِتَاب الْأَخْبَار أَنَّ مَلَكًا يُقَال لَهُ رباقيل كَانَ يَنْزِل عَلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ , وَذَلِكَ الْمَلَك هُوَ الَّذِي يَطْوِي الْأَرْض يَوْم الْقِيَامَة , وَيَنْقُضهَا فَتَقَع أَقْدَام الْخَلَائِق كُلّهمْ بِالسَّاهِرَةِ ; فِيمَا ذَكَرَ بَعْض أَهْل الْعِلْم . وَقَالَ السُّهَيْلِيّ : وَهَذَا مُشَاكِل بِتَوْكِيلِهِ بِذِي الْقَرْنَيْنِ الَّذِي قَطَعَ الْأَرْض مَشَارِقهَا وَمَغَارِبهَا ; كَمَا أَنَّ قِصَّة خَالِد بْن سِنَان فِي تَسْخِير النَّار لَهُ مُشَاكِلَة بِحَالِ الْمَلَك الْمُوَكَّل بِهَا , وَهُوَ مَالِك عَلَيْهِ السَّلَام وَعَلَى جَمِيع الْمَلَائِكَة أَجْمَعِينَ . ذَكَرَ اِبْن أَبِي خَيْثَمَة فِي كِتَاب الْبَدْء لَهُ خَالِد بْن سِنَان الْعَبْسِيّ وَذَكَرَ نُبُوَّته , وَذَكَرَ أَنَّهُ وُكِّلَ بِهِ مِنْ الْمَلَائِكَة مَالِك خَازِن النَّار , وَكَانَ مِنْ أَعْلَام نُبُوَّته أَنَّ نَارًا يُقَال لَهَا نَار الْحَدَثَانِ , كَانَتْ تَخْرُج عَلَى النَّاس مِنْ مَغَارَة فَتَأْكُل النَّاس وَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا , فَرَدَّهَا خَالِد بْن سِنَان فَلَمْ تَخْرُج بَعْد . وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم ذِي الْقَرْنَيْنِ وَفِي السَّبَب الَّذِي سُمِّيَ بِهِ بِذَلِكَ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا ; فَأَمَّا اِسْمه فَقِيلَ : هُوَ الْإِسْكَنْدَر الْمَلِك الْيُونَانِيّ الْمَقْدُونِيّ , وَقَدْ تُشَدَّد قَافه فَيُقَال : الْمَقَّدُّونِيّ . وَقِيلَ : اِسْمه هرمس . وَيُقَال : اِسْمه هرديس . وَقَالَ اِبْن هِشَام : هُوَ الصَّعْب بْن ذِي يَزِن الْحِمْيَرِيّ مِنْ وَلَد وَائِل بْن حِمْيَر ; وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل اِبْن إِسْحَاق . وَقَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : هُوَ رُومِيّ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ( أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ شَابّ مِنْ الرُّوم ) وَهُوَ حَدِيث وَاهِي السَّنَد ; قَالَهُ اِبْن عَطِيَّة . قَالَ السُّهَيْلِيّ : وَالظَّاهِر مِنْ عِلْم الْأَخْبَار أَنَّهُمَا اِثْنَانِ : أَحَدهمَا : كَانَ عَلَى عَهْد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام , وَيُقَال : إِنَّهُ الَّذِي قَضَى لِإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام حِين تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ فِي بِئْر السَّبْع بِالشَّامِ . وَالْآخَر : أَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ عَهْد عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام . وَقِيلَ : إِنَّهُ أفريدون الَّذِي قَتَلَ بيوراسب بْن أرونداسب الْمَلِك الطَّاغِي عَلَى عَهْد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام , أَوْ قَبْله بِزَمَانٍ . وَأَمَّا الِاخْتِلَاف فِي السَّبَب الَّذِي سُمِّيَ بِهِ , فَقِيلَ : إِنَّهُ كَانَ ذَا ضَفِيرَتَيْنِ مِنْ شَعْر فَسُمِّيَ بِهِمَا ; ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ وَغَيْره . وَالضَّفَائِر قُرُون الرَّأْس ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : فَلَثَمْت فَاهَا آخِذًا بِقُرُونِهَا شُرْب النَّزِيف بِبَرْدِ مَاء الْحَشْرَج وَقِيلَ : إِنَّهُ رَأَى فِي أَوَّل مُلْكه كَأَنَّهُ قَابِض عَلَى قَرْنَيْ الشَّمْس , فَقَصَّ ذَلِكَ , فَفُسِّرَ أَنَّهُ سَيَغْلِبُ مَا ذَرَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس , فَسُمِّيَ بِذَلِكَ ذَا الْقَرْنَيْنِ . وَقِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ بَلَغَ الْمَغْرِب وَالْمَشْرِق فَكَأَنَّهُ حَازَ قَرْنَيْ الدُّنْيَا . وَقَالَتْ طَائِفَة : إِنَّهُ لَمَّا بَلَغَ مَطْلَع الشَّمْس كَشَفَ بِالرُّؤْيَةِ قُرُونهَا فَسُمِّيَ بِذَلِكَ ذَا الْقَرْنَيْنِ ; أَوْ قَرْنَيْ الشَّيْطَان بِهَا . وَقَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : كَانَ لَهُ قَرْنَانِ تَحْت عِمَامَته . وَسَأَلَ اِبْن الْكَوَّاء عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنَبِيًّا كَانَ أَمْ مَلِكًا ؟ فَقَالَ : ( لَا ذَا وَلَا ذَا , كَانَ عَبْدًا صَالِحًا دَعَا قَوْمه إِلَى اللَّه تَعَالَى فَشَجُّوهُ عَلَى قَرْنه , ثُمَّ دَعَاهُمْ فَشَجُّوهُ عَلَى قَرْنه الْآخَر , فَسُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ ) وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي وَقْت زَمَانه , فَقَالَ قَوْم : كَانَ بَعْد مُوسَى . وَقَالَ قَوْم : كَانَ فِي الْفَتْرَة بَعْد عِيسَى وَقِيلَ : كَانَ فِي وَقْت إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل . وَكَانَ الْخَضِر عَلَيْهِ السَّلَام صَاحِب لِوَائِهِ الْأَعْظَم ; وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " الْبَقَرَة " . وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى مَكَّنَهُ وَمَلَّكَهُ وَدَانَتْ لَهُ الْمُلُوك , فَرُوِيَ أَنَّ جَمِيع مُلُوك الدُّنْيَا كُلّهَا أَرْبَعَة : مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ ; فَالْمُؤْمِنَانِ سُلَيْمَان بْن دَاوُد وَإِسْكَنْدَر , وَالْكَافِرَانِ نُمْرُود وَبُخْتَنَصَّرَ ; وَسَيَمْلِكُهَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة خَامِس لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " لِيُظْهِرهُ عَلَى الدِّين كُلّه " [ التَّوْبَة : 33 ] وَهُوَ الْمَهْدِيّ وَقَدْ قِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِأَنَّهُ كَانَ كَرِيم الطَّرَفَيْنِ مِنْ أَهْل بَيْت شَرِيف مِنْ قِبَل أَبِيهِ وَأُمّه وَقِيلَ : لِأَنَّهُ اِنْقَرَضَ فِي وَقْته قَرْنَانِ مِنْ النَّاس وَهُوَ حَيّ وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا قَاتَلَ قَاتَلَ بِيَدَيْهِ وَرِكَابَيْهِ جَمِيعًا . وَقِيلَ لِأَنَّهُ أُعْطِيَ عِلْم الظَّاهِر وَالْبَاطِن . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ دَخَلَ الظُّلْمَة وَالنُّور . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ مَلَكَ فَارِس وَالرُّوم .

غريب الآية
وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِی ٱلۡقَرۡنَیۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُوا۟ عَلَیۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا ﴿٨٣﴾
وَیَسۡـَٔلُونَكَأي: كفارُ قريشٍ بتَلْقينٍ من اليهود.
ذِی ٱلۡقَرۡنَیۡنِۖعبدٌ صالحٌ مَلَّكه اللهُ الأرضَ، وأعطاه العِلْمَ والحكمةَ، حتى بَلَغَ سلطانُه المشرقَ والمغربَ، فسُمِّيَ ذا القَرْنين، فكأنه حاز قَرْنَي الدنيا.
ذِكۡرًاخَبَراً تتذكَّرون به.
الإعراب
(وَيَسْأَلُونَكَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يَسْأَلُونَ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(عَنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(ذِي)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ.
(الْقَرْنَيْنِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُثَنًّى.
(قُلْ)
فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(سَأَتْلُو)
"السِّينُ" حَرْفُ اسْتِقْبَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَتْلُوا) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلثِّقَلِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنَا".
(عَلَيْكُمْ)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(مِنْهُ)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(ذِكْرًا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.