قَالَ مَا مَكَّنِّی فِیهِ رَبِّی خَیۡرࣱ فَأَعِینُونِی بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَیۡنَكُمۡ وَبَیۡنَهُمۡ رَدۡمًا ﴿٩٥﴾
التفسير
تفسير السعدي
" مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ " أي: مما تبذلون لي وتعطوني, وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم " أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا " أي: مانعا من عبورهم عليكم.
التفسير الميسر
قال ذو القرنين: ما أعطانيه ربي من الملك والتمكين خير لي مِن مالكم، فأعينوني بقوة منكم أجعل بينكم وبينهم سدًا.
تفسير الجلالين
"قَالَ مَا مَكَّنِّي" وَفِي قِرَاءَة بِنُونَيْنِ مِنْ غَيْر إدْغَام "فِيهِ رَبِّي" مِنْ الْمَال وَغَيْره "خَيْر" مِنْ خَرْجكُمْ الَّذِي تَجْعَلُونَهُ لِي فَلَا حَاجَة بِي إلَيْهِ وَأَجْعَل لَكُمْ السَّدّ تَبَرُّعًا "فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ" لِمَا أَطْلُبهُ مِنْكُمْ "بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ رَدْمًا" حَاجِزًا حَصِينًا
تفسير ابن كثير
" مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْر " أَيْ إِنَّ الَّذِي أَعْطَانِي اللَّه مِنْ الْمُلْك وَالتَّمْكِين خَيْر لِي مِنْ الَّذِي تَجْمَعُونَهُ كَمَا قَالَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام " أَتَمُدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللَّه خَيْر مِمَّا آتَاكُمْ " الْآيَة وَهَكَذَا قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْر مِنْ الَّذِي تَبْذُلُونَهُ وَلَكِنْ سَاعِدُونِي بِقُوَّةٍ أَيْ بِعَمَلِكُمْ وَآلَات الْبِنَاء .
تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْر فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَل بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ رَدْمًا } يَقُولهُ تَعَالَى ذِكْره : قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ : الَّذِي مَكَّنَنِي فِي عَمَل مَا سَأَلْتُمُونِي مِنْ السَّدّ بَيْنكُمْ وَبَيْن هَؤُلَاءِ الْقَوْم رَبِّي وَوَطَّأَهُ لِي , وَقَوَّانِي عَلَيْهِ , خَيْر مِنْ جَعْلكُمْ , وَالْأُجْرَة الَّتِي تَعْرِضُونَهَا عَلَيَّ لِبِنَاءِ ذَلِكَ , وَأَكْثَر وَأَطْيَب , وَلَكِنْ أَعِينُونِي مِنْكُمْ بِقُوَّةٍ , أَعِينُونِي بِفَعَلَةٍ وَصُنَّاع يُحْسِنُونَ الْبِنَاء وَالْعَمَل . كَمَا : 17592 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْر فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ } قَالَ : بِرِجَالٍ { أَجْعَل بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ رَدْمًا } وَقَالَ مَا مَكَّنِّي , فَأُدْغِمَ إِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى , وَإِنَّمَا هُوَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ . وَقَوْله : { أَجْعَل بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ رَدْمًا } يَقُول : أَجْعَل بَيْنكُمْ وَبَيْن يَأْجُوج وَمَأْجُوج رَدْمًا . وَالرَّدْم : حَاجِز الْحَائِط وَالسَّدّ , إِلَّا أَنَّهُ أَمْنَع مِنْهُ وَأَشَدّ , يُقَال مِنْهُ : قَدْ رَدَمَ فُلَان مَوْضِع كَذَا يَرْدِمهُ رَدْمًا وَرُدَامًا وَيُقَال أَيْضًا : رَدَّمَ ثَوْبه يُرَدِّمهُ , وَهُوَ ثَوْب مُرَدَّم : إِذَا كَانَ كَثِير الرِّقَاع ; وَمِنْهُ قَوْل عَنْتَرَة : هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاء مِنْ مُتَرَدَّم أَمْ هَلْ عَرَفْت الدَّار بَعْد تَوَهُّم وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17593 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَجْعَل بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ رَدْمًا } قَالَ : هُوَ كَأَشَدّ الْحِجَاب . 17594 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه قَدْ رَأَيْت سَدَّ يَأْجُوج وَمَأْجُوج , قَالَ : " اِنْعَتْهُ لِي " , قَالَ : كَأَنَّهُ الْبُرْد الْمُحَبَّر , طَرِيقَة سَوْدَاء , وَطَرِيقَة حَمْرَاء , قَالَ : " قَدْ رَأَيْته " .
تفسير القرطبي
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : [ الْأُولَى ] قَوْله تَعَالَى : " قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْر فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ " الْمَعْنَى قَالَ لَهُمْ ذُو الْقَرْنَيْنِ : مَا بَسَطَهُ اللَّه تَعَالَى لِي مِنْ الْقُدْرَة وَالْمُلْك خَيْر مِنْ خَرْجكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِقُوَّةٍ الْأَبْدَان , أَيْ بِرِجَالٍ وَعَمَل مِنْكُمْ بِالْأَبْدَانِ , وَالْآلَة الَّتِي أَبْنِي بِهَا الرَّدْم وَهُوَ السَّدّ وَهَذَا تَأْيِيد مِنْ اللَّه تَعَالَى لِذِي الْقَرْنَيْنِ فِي هَذِهِ الْمُحَاوَرَة فَإِنَّ الْقَوْم لَوْ جَمَعُوا لَهُ خَرْجًا لَمْ يُعِنْهُ أَحَد وَلَوَكَلُوهُ إِلَى الْبُنْيَان وَمَعُونَته بِأَنْفُسِهِمْ أَجْمَل بِهِ وَأَسْرَع فِي اِنْقِضَاء هَذَا الْعَمَل وَرُبَّمَا أَرْبَى مَا ذَكَرُوهُ لَهُ عَلَى الْخَرْج . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَحْده " مَا مَكَّنَنِي " بِنُونَيْنِ . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي "
[ الثَّانِيَة ] فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَلِك فَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُوم بِحِمَايَةِ الْخَلْق فِي حِفْظ بَيْضَتهمْ , وَسَدّ فُرْجَتهمْ , وَإِصْلَاح ثُغُورهمْ , مِنْ أَمْوَالهمْ الَّتِي تَفِيء عَلَيْهِمْ , وَحُقُوقهمْ الَّتِي تَجْمَعهَا خِزَانَتهمْ تَحْت يَده وَنَظَره , حَتَّى لَوْ أَكَلَتْهَا الْحُقُوق , وَأَنْفَذَتْهَا الْمُؤَن , لَكَانَ عَلَيْهِمْ جَبْر ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالهمْ , وَعَلَيْهِ حُسْن النَّظَر لَهُمْ ; وَذَلِكَ بِثَلَاثَةِ شُرُوط : الْأَوَّل : أَلَّا يَسْتَأْثِر عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ . الثَّانِي : أَنْ يَبْدَأ بِأَهْلِ الْحَاجَة فَيُعِينهُمْ الثَّالِث أَنْ يُسَوِّي فِي الْعَطَاء بَيْنهمْ عَلَى قَدْر مَنَازِلهمْ , فَإِذَا فَنِيَتْ بَعْد هَذَا وَبَقِيَتْ صِفْرًا فَأَطْلَعَتْ الْحَوَادِث أَمْرًا بَذَلُوا أَنْفُسهمْ قَبْل أَمْوَالهمْ , فَإِنْ لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ فَأَمْوَالهمْ تُؤْخَذ مِنْهُمْ عَلَى تَقْدِير , وَتَصْرِيف بِتَدْبِيرٍ ; فَهَذَا ذُو الْقَرْنَيْنِ لَمَّا عَرَضُوا عَلَيْهِ الْمَال فِي أَنْ يَكُفّ عَنْهُمْ مَا يَحْذَرُونَهُ مِنْ عَادِيَة يَأْجُوج وَمَأْجُوج قَالَ : لَسْت أَحْتَاج إِلَيْهِ وَإِنَّمَا أَحْتَاج إِلَيْكُمْ " فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ " أَيْ اِخْدِمُوا بِأَنْفُسِكُمْ مَعِي , فَإِنَّ الْأَمْوَال عِنْدِي وَالرِّجَال عِنْدكُمْ , وَرَأَى أَنَّ الْأَمْوَال لَا تُغْنِي عَنْهُمْ , فَإِنَّهُ إِنْ أَخَذَهَا أُجْرَة نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاج إِلَيْهِ , فَيَعُود بِالْأَجْرِ عَلَيْهِمْ , فَكَانَ التَّطَوُّع بِخِدْمَةِ الْأَبْدَان أَوْلَى . وَضَابِط الْأَمْر أَنَّهُ لَا يَحِلّ مَال أَحَد إِلَّا لِضَرُورَةٍ تَعْرِض , فَيُؤْخَذ ذَلِكَ الْمَال جَهْرًا لَا سِرًّا , وَيُنْفَق بِالْعَدْلِ لَا بِالِاسْتِئْثَارِ , وَبِرَأْيِ الْجَمَاعَة لَا بِالِاسْتِبْدَادِ بِالْأَمْرِ . وَاَللَّه تَعَالَى الْمُوَفِّق لِلصَّوَابِ .
غريب الآية
الإعراب
(قَالَ) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(مَا) اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(مَكَّنِّي) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلْإِدْغَامِ، وَ"النُّونُ" لِلْوِقَايَةِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(فِيهِ) (فِي) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(رَبِّي) فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِاشْتِغَالِ الْمَحَلِّ بِحَرَكَةِ الْمُنَاسَبَةِ لِلْيَاءِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(خَيْرٌ) خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَأَعِينُونِي) "الْفَاءُ" حَرْفٌ رَابِطٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَعِينُو) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"النُّونُ" لِلْوِقَايَةِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(بِقُوَّةٍ) "الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(قُوَّةٍ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَجْعَلْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ جَوَابُ الطَّلَبِ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنَا".
(بَيْنَكُمْ) ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَبَيْنَهُمْ) "الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(بَيْنَهُمْ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(رَدْمًا) مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.