صفحات الموقع

سورة مريم الآية ٣٥

سورة مريم الآية ٣٥

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن یَتَّخِذَ مِن وَلَدࣲۖ سُبۡحَـٰنَهُۥۤۚ إِذَا قَضَىٰۤ أَمۡرࣰا فَإِنَّمَا یَقُولُ لَهُۥ كُن فَیَكُونُ ﴿٣٥﴾

التفسير

تفسير السعدي

فـ " مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ " أي: ما ينبغي ولا يليق, لأن ذلك من الأمور المستحيلة, لأنه الغني الحميد, المالك لجميع الممالك, فكيف يتخذ من عباده ومماليكه, ولدا؟!! " سُبْحَانَهُ " أي: تنزه وتقدس عن الولد والنقص. " إِذَا قَضَى أَمْرًا " أي من الأمور الصغار والكبار, لم يمتنع, عليه ولم يستصعب " فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " . فإذا كان قدره ومشيئته نافذا في العالم العلوي والسفلي, فكيف يكون له ولد؟!!. وإذا كان إذا أراد شيئا قال له: " كن فيكون " فكيف يستبعد إيجاده عيسى من غير أب؟!!.

التفسير الميسر

ما كان لله تعالى ولا يليق به أن يتخذ مِن عباده وخَلْقه ولدًا، تنزَّه وتقدَّس عن ذلك، إذا قضى أمرًا من الأمور وأراده، صغيرًا أو كبيرًا، لم يمتنع عليه، وإنما يقول له: "كن"، فيكون كما شاءه وأراده.

تفسير الجلالين

"مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذ مِنْ وَلَد سُبْحَانه" تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ "إذَا قَضَى أَمْرًا" أَيْ : أَرَادَ أَنْ يُحْدِثهُ "فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون" بِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ هُوَ وَبِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ أَنْ وَمِنْ ذَلِكَ خَلْق عِيسَى مِنْ غَيْر أَب

تفسير ابن كثير

" مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذ مِنْ وَلَد سُبْحَانه " أَيْ عَمَّا يَقُول هَؤُلَاءِ الْجَاهِلُونَ الظَّالِمُونَ الْمُعْتَدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا " إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون " أَيْ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَأْمُر بِهِ فَيَصِير كَمَا يَشَاء كَمَا قَالَ " إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون الْحَقّ مِنْ رَبّك فَلَا تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ " .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذ مِنْ وَلَد سُبْحَانه إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَقَدْ كَفَّرْت الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ عِيسَى اِبْن اللَّه , وَأَعْظَمُوا الْفِرْيَة عَلَيْهِ , فَمَا يَنْبَغِي لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذ وَلَدًا , وَلَا يَصْلُح ذَلِكَ لَهُ وَلَا يَكُون , بَلْ كُلّ شَيْء دُونه فَخَلْقه , وَذَلِكَ نَظِير قَوْل عَمْرو بْن أَحْمَر : فِي رَأْس خَلْقَاء مِنْ عَنْقَاء مُشْرِفَة لَا يُبْتَغَى دُونهَا سَهْل وَلَا جَبَل وَأَنَّ مِنْ قَوْله { أَنْ يَتَّخِذ } فِي مَوْضِع رَفْع بِكَانَ . وَقَوْله : { سُبْحَانه } يَقُول : تَنْزِيهًا لِلَّهِ وَتَبْرِئَة لَهُ أَنْ يَكُون لَهُ مَا أَضَافَ إِلَيْهِ الْكَافِرُونَ الْقَائِلُونَ : عِيسَى اِبْن اللَّه . وَقَوْله : { إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّمَا اِبْتَدَأَ اللَّه خَلْق عِيسَى اِبْتِدَاء , وَأَنْشَأَهُ إِنْشَاء مِنْ غَيْر فَحْل اِفْتَحَلَ أُمّه , وَلَكِنَّهُ قَالَ لَهُ : { كُنْ فَيَكُون } لِأَنَّهُ كَذَلِكَ يَبْتَدِع الْأَشْيَاء وَيَخْتَرِعهَا , إِنَّمَا يَقُول , إِذَا قَضَى خَلْق شَيْء أَوْ إِنْشَاءَهُ : كُنْ فَيَكُون مَوْجُودًا حَادِثًا , لَا يَعْظُم عَلَيْهِ خَلْقه , لِأَنَّهُ لَا يَخْلُقهُ بِمُعَانَاةٍ وَكُلْفَة , وَلَا يُنْشِئهُ بِمُعَالَجَةٍ وَشِدَّة .

تفسير القرطبي

أَيْ مَا يَنْبَغِي لَهُ وَلَا يَجُوز "مِنْ " صِلَة لِلْكَلَامِ ; أَيْ أَنْ يَتَّخِذ وَلَدًا . و " أَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع اِسْم " كَانَ " أَيْ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذ وَلَدًا ; أَيْ مَا كَانَ مِنْ صِفَته اِتِّخَاذ الْوَلَد , ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسه تَعَالَى عَنْ مَقَالَتهمْ فَقَالَ. أَنْ يَكُون لَهُ وَلَد أَيْ إِذَا أَرَادَ إِحْكَامه وَإِتْقَانه - كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمه - قَالَ لَهُ كُنْ . قَالَ اِبْن عَرَفَة : قَضَاء الشَّيْء إِحْكَامه وَإِمْضَاؤُهُ وَالْفَرَاغ مِنْهُ ; وَمِنْهُ سُمِّيَ الْقَاضِي ; لِإِنَّهُ إِذَا حَكَمَ فَقَدْ فَرَغَ مِمَّا بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : قَضَى فِي اللُّغَة عَلَى وُجُوه , مَرْجِعهَا إِلَى اِنْقِطَاع الشَّيْء وَتَمَامه ; قَالَ أَبُو ذُؤَيْب : وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا دَاوُد أَوْ صَنَع السَّوَابِغ تُبَّع وَقَالَ الشَّمَّاخ فِي عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : قَضَيْت أُمُورًا ثُمَّ غَادَرْت بَعْدهَا بَوَائِق فِي أَكْمَامهَا لَمْ تُفَتَّق قَالَ عُلَمَاؤُنَا : " قَضَى " لَفْظ مُشْتَرَك , يَكُون بِمَعْنَى الْخَلْق ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَقَضَاهُنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ " [ فُصِّلَتْ : 12 ] أَيْ خَلَقَهُنَّ . وَيَكُون بِمَعْنَى الْإِعْلَام ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل فِي الْكِتَاب " [ الْإِسْرَاء : 4 ] أَيْ أَعْلَمْنَا . وَيَكُون بِمَعْنَى الْأَمْر ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَقَضَى رَبّك أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ " [ الْإِسْرَاء : 23 ] . وَيَكُون بِمَعْنَى الْإِلْزَام وَإِمْضَاء الْأَحْكَام ; وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَاكِم قَاضِيًا . وَيَكُون بِمَعْنَى تَوْفِيَة الْحَقّ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَل " [ الْقَصَص : 29 ] . وَيَكُون بِمَعْنَى الْإِرَادَة ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون " [ غَافِر : 68 ] أَيْ إِذَا أَرَادَ خَلْق شَيْء . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : " قَضَى " مَعْنَاهُ قَدَّرَ ; وَقَدْ يَجِيء بِمَعْنَى أَمْضَى , وَيَتَّجِه فِي هَذِهِ الْآيَة الْمَعْنَيَانِ عَلَى مَذْهَب أَهْل السُّنَّة قَدَّرَ فِي الْأَزَل وَأَمْضَى فِيهِ . وَعَلَى مَذْهَب الْمُعْتَزِلَة أَمْضَى عِنْد الْخَلْق وَالْإِيجَاد . قَوْله تَعَالَى : " أَمْرًا " الْأَمْر وَاحِد الْأُمُور , وَلَيْسَ بِمَصْدَرِ أَمَرَ يَأْمُر . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَالْأَمْر فِي الْقُرْآن يَتَصَرَّف عَلَى أَرْبَعَة عَشَر وَجْهًا : الْأَوَّل : الدِّين ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " حَتَّى جَاءَ الْحَقّ وَظَهَرَ أَمْر اللَّه " [ التَّوْبَة : 48 ] يَعْنِي دِين اللَّه الْإِسْلَام . الثَّانِي : الْقَوْل ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " فَإِذَا جَاءَ أَمْرنَا " يَعْنِي قَوْلنَا , وَقَوْله : " فَتَنَازَعُوا أَمْرهمْ بَيْنهمْ " [ طه : 62 ] يَعْنِي قَوْلهمْ . الثَّالِث : الْعَذَاب ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " لَمَّا قُضِيَ الْأَمْر " [ إِبْرَاهِيم : 22 ] يَعْنِي لَمَّا وَجَبَ الْعَذَاب بِأَهْلِ النَّار . الرَّابِع : عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِذَا قَضَى أَمْرًا " [ آل عِمْرَان : 47 ] يَعْنِي عِيسَى , وَكَانَ فِي عِلْمه أَنْ يَكُون مِنْ غَيْر أَب . الْخَامِس : الْقَتْل بِبَدْرٍ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَإِذَا جَاءَ أَمْر اللَّه " [ غَافِر : 78 ] يَعْنِي الْقَتْل بِبَدْرٍ , وَقَوْله تَعَالَى : " لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا " [ الْأَنْفَال : 42 ] يَعْنِي قَتْل كُفَّار مَكَّة . السَّادِس : فَتْح مَكَّة ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِي اللَّه بِأَمْرِهِ " [ التَّوْبَة : 24 ] يَعْنِي فَتْح مَكَّة . السَّابِع : قَتْل قُرَيْظَة وَجَلَاء بَنِي النَّضِير ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِي اللَّه بِأَمْرِهِ " [ الْبَقَرَة : 109 ] . الثَّامِن : الْقِيَامَة , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " أَتَى أَمْر اللَّه " [ النَّحْل : 1 ] . التَّاسِع : الْقَضَاء ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يُدَبِّر الْأَمْر " [ يُونُس : 3 ] يَعْنِي الْقَضَاء . الْعَاشِر : الْوَحْي ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يُدَبِّر الْأَمْر مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض " [ السَّجْدَة : 5 ] يَقُول : يُنَزِّل الْوَحْي مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض ; وَقَوْله : " يَتَنَزَّل الْأَمْر بَيْنهنَّ " [ الطَّلَاق : 12 ] يَعْنِي الْوَحْي . الْحَادِي عَشَر : أَمْر الْخَلْق ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " أَلَا إِلَى اللَّه تَصِير الْأُمُور " [ الشُّورَى : 53 ] يَعْنِي أُمُور الْخَلَائِق . الثَّانِي عَشَر : النَّصْر , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الْأَمْر مِنْ شَيْء " [ آل عِمْرَان : 154 ] يَعْنُونَ النَّصْر , " قُلْ إِنَّ الْأَمْر كُلّه لِلَّهِ " [ آل عِمْرَان : 154 ] يَعْنِي النَّصْر . الثَّالِث عَشَر : الذَّنْب ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرهَا " [ الطَّلَاق : 9 ] يَعْنِي جَزَاء ذَنْبهَا . الرَّابِع عَشَر : الشَّأْن وَالْفِعْل ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا أَمْر فِرْعَوْن بِرَشِيدٍ " [ هُود : 97 ] أَيْ فِعْله وَشَأْنه , وَقَالَ : " فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْره " [ النُّور : 63 ] أَيْ فِعْله . قَوْله تَعَالَى : " كُنْ " قِيلَ : الْكَاف مِنْ كَيْنُونَة , وَالنُّون مِنْ نُوره ; وَهِيَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللَّه التَّامَّات مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ ) . وَيُرْوَى : ( بِكَلِمَةِ اللَّه التَّامَّة ) عَلَى الْإِفْرَاد . فَالْجَمْع لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَة فِي الْأُمُور كُلّهَا , فَإِذَا قَالَ لِكُلِّ أَمْر كُنْ , وَلِكُلِّ شَيْء كُنْ , فَهُنَّ كَلِمَات . يَدُلّ عَلَى هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُحْكَى عَنْ اللَّه تَعَالَى : ( عَطَائِي كَلَام وَعَذَابِي كَلَام ) . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث فِيهِ طُول . وَالْكَلِمَة عَلَى الْإِفْرَاد بِمَعْنَى الْكَلِمَات أَيْضًا ; لَكِنْ لَمَّا تَفَرَّقَتْ الْكَلِمَة الْوَاحِدَة فِي الْأُمُور فِي الْأَوْقَات صَارَتْ كَلِمَات وَمَرْجِعهنَّ إِلَى كَلِمَة وَاحِدَة . وَإِنَّمَا قِيلَ " تَامَّة " لِأَنَّ أَقَلّ الْكَلَام عِنْد أَهْل اللُّغَة عَلَى ثَلَاثَة أَحْرُف : حَرْف مُبْتَدَأ , وَحَرْف تُحْشَى بِهِ الْكَلِمَة , وَحَرْف يُسْكَت عَلَيْهِ . وَإِذَا كَانَ عَلَى حَرْفَيْنِ فَهُوَ عِنْدهمْ مَنْقُوص , كَيَدٍ وَدَم وَفَم ; وَإِنَّمَا نَقَصَ لِعِلَّةٍ . فَهِيَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْمَنْقُوصَات لِأَنَّهَا عَلَى حَرْفَيْنِ ; وَلِأَنَّهَا كَلِمَة مَلْفُوظَة بِالْأَدَوَاتِ . وَمِنْ رَبّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَامَّة ; لِأَنَّهَا بِغَيْرِ الْأَدَوَات , تَعَالَى عَنْ شَبَه الْمَخْلُوقِينَ . قَوْله تَعَالَى : " فَيَكُون " قُرِئَ بِرَفْعِ النُّون عَلَى الِاسْتِئْنَاف . قَالَ سِيبَوَيْهِ . فَهُوَ يَكُون , أَوْ فَإِنَّهُ يَكُون . وَقَالَ غَيْره : هُوَ مَعْطُوف عَلَى " يَقُول " ; فَعَلَى الْأَوَّل كَائِنًا بَعْد الْأَمْر , وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُود إِذَا هُوَ عِنْده مَعْلُوم ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَعَلَى الثَّانِي كَائِنًا مَعَ الْأَمْر ; وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ وَقَالَ : أَمْره لِلشَّيْءِ ب " كُنْ " لَا يَتَقَدَّم الْوُجُود وَلَا يَتَأَخَّر عَنْهُ ; فَلَا يَكُون الشَّيْء مَأْمُورًا بِالْوُجُودِ إِلَّا وَهُوَ مَوْجُود بِالْأَمْرِ , وَلَا مَوْجُودًا إِلَّا وَهُوَ مَأْمُور بِالْوُجُودِ , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . قَالَ : وَنَظِيره قِيَام النَّاس مِنْ قُبُورهمْ لَا يَتَقَدَّم دُعَاء اللَّه وَلَا يَتَأَخَّر عَنْهُ ; كَمَا قَالَ " ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ " [ الرُّوم : 25 ] . وَضَعَّفَ اِبْن عَطِيَّة هَذَا الْقَوْل وَقَالَ : هُوَ خَطَأ مِنْ جِهَة الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَوْل مَعَ التَّكْوِين وَالْوُجُود . وَتَلْخِيص الْمُعْتَقَد فِي هَذِهِ الْآيَة : أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَزَلْ آمِرًا لِلْمَعْدُومَاتِ بِشَرْطِ وُجُودهَا , قَادِرًا مَعَ تَأَخُّر الْمَقْدُورَات , عَالِمًا مَعَ تَأَخُّر الْمَعْلُومَات . فَكُلّ مَا فِي الْآيَة يَقْتَضِي الِاسْتِقْبَال فَهُوَ بِحَسَبِ الْمَأْمُورَات ; إِذْ الْمُحْدَثَات تَجِيء بَعْد أَنْ لَمْ تَكُنْ . وَكُلّ مَا يُسْنَد إِلَى اللَّه تَعَالَى مِنْ قُدْرَة وَعِلْم فَهُوَ قَدِيم وَلَمْ يَزَلْ . وَالْمَعْنَى الَّذِي تَقْتَضِيه عِبَارَة " كُنْ " : هُوَ قَدِيم قَائِم بِالذَّاتِ . وَقَالَ أَبُو الْحَسَن الْمَاوَرْدِيّ فَإِنْ قِيلَ : فَفِي أَيّ حَال يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون ؟ أَفِي حَال عَدَمه , أَمْ فِي حَال وُجُوده ؟ فَإِنْ كَانَ فِي حَال عَدَمه اِسْتَحَالَ أَنْ يَأْمُر إِلَّا مَأْمُورًا ; كَمَا يَسْتَحِيل أَنْ يَكُون الْأَمْر إِلَّا مِنْ آمِر ; وَإِنْ كَانَ فِي حَال وُجُوده فَتِلْكَ حَال لَا يَجُوز أَنْ يَأْمُر فِيهَا بِالْوُجُودِ وَالْحُدُوث ; لِأَنَّهُ مَوْجُود حَادِث ؟ قِيلَ عَنْ هَذَا السُّؤَال أَجْوِبَة ثَلَاثَة : أَحَدهَا : أَنَّهُ خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى عَنْ نُفُوذ أَوَامِره فِي خَلْقه الْمَوْجُود , كَمَا أَمَرَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَكُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ ; وَلَا يَكُون هَذَا وَارِدًا فِي إِيجَاد الْمَعْدُومَات . الثَّانِي : أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَالِم هُوَ كَائِن قَبْل كَوْنه ; فَكَانَتْ الْأَشْيَاء الَّتِي لَمْ تَكُنْ وَهِيَ كَائِنَة بِعِلْمِهِ قَبْل كَوْنهَا مُشَابِهَة لِلَّتِي هِيَ مَوْجُودَة ; فَجَازَ أَنْ يَقُول لَهَا : كُونِي . وَيَأْمُرهَا بِالْخُرُوجِ مِنْ حَال الْعَدَم إِلَى حَال الْوُجُود ; لِتَصَوُّرِ جَمِيعهَا لَهُ وَلِعِلْمِهِ بِهَا فِي حَال الْعَدَم . الثَّالِث : إِنَّ ذَلِكَ خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى عَامّ عَنْ جَمِيع مَا يُحْدِثهُ وَيُكَوِّنهُ إِذَا أَرَادَ خَلْقه وَإِنْشَاءَهُ كَانَ , وَوُجِدَ مِنْ غَيْر أَنْ يَكُون هُنَاكَ قَوْل يَقُول , وَإِنَّمَا هُوَ قَضَاء يُرِيدهُ ; فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْقَوْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلًا ; كَقَوْلِ أَبِي النَّجْم : قَدْ قَالَتْ الْأَنْسَاع لِلْبَطْنِ الْحَقِ وَلَا قَوْل هُنَاكَ , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ الظَّهْر قَدْ لَحِقَ بِالْبَطْنِ , وَكَقَوْلِ عَمْرو بْن حممة الدَّوْسِيّ : فَأَصْبَحْت مِثْل النَّسْر طَارَتْ فِرَاخه إِذَا رَامَ تَطْيَارًا يُقَال لَهُ قَعِ وَكَمَا قَالَ الْآخَر : قَالَتْ جَنَاحَاهُ لِسَاقَيْهِ اِلْحَقَا وَنَجِّيَا لَحْمَكُمَا أَنْ يُمَزَّقَا

غريب الآية
مَا كَانَ لِلَّهِ أَن یَتَّخِذَ مِن وَلَدࣲۖ سُبۡحَـٰنَهُۥۤۚ إِذَا قَضَىٰۤ أَمۡرࣰا فَإِنَّمَا یَقُولُ لَهُۥ كُن فَیَكُونُ ﴿٣٥﴾
مَا كَانَما يَنْبَغِي وَلَا يَلِيقُ.
سُبۡحَـٰنَهُۥۤۚتَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ عَن ذَلِكَ.
قَضَىٰۤأَرَادَ.
فَیَكُونُأي: كَمَا أرَادَه.
الإعراب
(مَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كَانَ)
فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(لِلَّهِ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَاسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ مُقَدَّمٌ.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَتَّخِذَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ كَانَ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ زَائِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(وَلَدٍ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَجْرُورٌ لَفْظًا مَنْصُوبٌ مَحَلًّا وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(سُبْحَانَهُ)
مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ "نُسَبِّحُ"، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(إِذَا)
ظَرْفُ زَمَانٍ شَرْطِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(قَضَى)
فِعْلٌ مَاضٍ فِعْلُ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(أَمْرًا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَإِنَّمَا)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ رَابِطٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنَّمَا) : كَافَّةٌ وَمَكْفُوفَةٌ.
(يَقُولُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(لَهُ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(كُنْ)
فِعْلُ أَمْرٍ تَامٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(فَيَكُونُ)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يَكُونُ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ تَامٌّ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".