صفحات الموقع

سورة البقرة الآية ١١

سورة البقرة الآية ١١

وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ قَالُوۤا۟ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ﴿١١﴾

التفسير

تفسير السعدي

أي: إذا نهى هؤلاء المنافقون عن الإفساد في الأرض, وهو العمل بالكفر. والمعاصي, ومنه إظهار سرائر المؤمنون لعدوهم وموالاتهم للكافرين " قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ " . فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض, وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح, قلبا للحقائق, وجمعا بين فعل الباطل واعتقاده حقا. وهؤلاء أعظم جناية ممن يعمل بالمعاصي, مع اعتقاد تحريمها, فهذا أقرب للسلامة, وأرجى لرجوعه. ولما كان في قولهم " إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ " حصر للإصلاح في جانبهم - وفي ضمنه أن المؤمنين ليسوا من أهل الإصلاح - قلب الله عليهم دعواهم بقوله:

التفسير الميسر

وإذا نُصحوا ليكفُّوا عن الإفساد في الأرض بالكفر والمعاصي، وإفشاء أسرار المؤمنين، وموالاة الكافرين، قالوا كذبًا وجدالا إنما نحن أهل الإصلاح.

تفسير الجلالين

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ" أَيْ لِهَؤُلَاءِ "لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض" بِالْكُفْرِ وَالتَّعْوِيق عَنْ الْإِيمَان "قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ" وَلَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ بِفَسَادٍ قَالَ اللَّه تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ :

تفسير ابن كثير

قَالَ السُّدِّيّ فِي تَفْسِيره عَنْ أَبِي مَالِك وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَنْ مُرَّة الطَّبِيب الْهَمْدَانِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَعَنْ أُنَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ " قَالَ هُمْ الْمُنَافِقُونَ أَمَّا لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالَ الْفَسَاد هُوَ الْكُفْر وَالْعَمَل بِالْمَعْصِيَةِ وَقَالَ أَبُو جَعْفَر عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله تَعَالَى " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض " قَالَ يَعْنِي لَا تَعْصُوا فِي الْأَرْض وَكَانَ فَسَادهمْ ذَلِكَ مَعْصِيَة اللَّه لِأَنَّهُ مَنْ عَصَى اللَّه فِي الْأَرْض أَوْ أَمَرَ بِمَعْصِيَتِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْض لِأَنَّ صَلَاح الْأَرْض وَالسَّمَاء بِالطَّاعَةِ وَهَكَذَا قَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس وَقَتَادَة وَقَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض " قَالَ إِذَا رَكِبُوا مَعْصِيَة اللَّه فَقِيلَ لَهُمْ لَا تَفْعَلُوا كَذَا وَكَذَا قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ عَلَى الْهُدَى مُصْلِحُونَ . وَقَالَ وَكِيع وَعِيسَى بْن يُونُس وَعَثَّام بْن عَلِيّ عَنْ الْأَعْمَش عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو عَنْ عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه الْأَسَدِيّ عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ" قَالَ سَلْمَان لَمْ يَجِيء أَهْل هَذِهِ الْآيَة بَعْدُ . وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عُثْمَان بْن حَكِيم حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن شَرِيك حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ الْأَعْمَش عَنْ زَيْد بْن وَهْب وَغَيْره عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ فِي هَذِهِ الْآيَة قَالَ مَا جَاءَ هَؤُلَاءِ قَالَ اِبْن جَرِير يَحْتَمِل أَنَّ سَلْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَرَادَ بِهَذَا أَنَّ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِهَذِهِ الصِّفَة أَعْظَم فَسَادًا مِنْ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ لَمْ يَمْضِ مِمَّنْ تِلْكَ صِفَته أَحَد قَالَ اِبْن جَرِير فَأَهْل النِّفَاق مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض بِمَعْصِيَتِهِمْ فِيهَا رَبّهمْ وَرُكُوبهمْ فِيهَا مَا نَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبه وَتَضْيِيعهمْ فَرَائِضه وَشَكّهمْ فِي دِينه الَّذِي لَا يُقْبَل مِنْ أَحَد عَمَل إِلَّا بِالتَّصْدِيقِ بِهِ وَالْإِيقَان بِحَقِيقَتِهِ وَكَذِبهمْ الْمُؤْمِنِينَ بِدَعْوَاهُمْ غَيْر مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الشَّكّ وَالرَّيْب وَمُظَاهَرَتهمْ أَهْل التَّكْذِيب بِاَللَّهِ وَكُتُبه وَرُسُله عَلَى أَوْلِيَاء اللَّه إِذَا وَجَدُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا فَذَلِكَ إِفْسَاد الْمُنَافِقِينَ فِي الْأَرْض وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ مُصْلِحُونَ فِيهَا . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَن فَإِنَّ مِنْ الْفَسَاد فِي الْأَرْض اِتِّخَاذَ الْمُؤْمِنِينَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَة فِي الْأَرْض وَفَسَاد كَبِير " فَقَطَعَ اللَّه الْمُوَالَاة بَيْن الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا " ثُمَّ قَالَ " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار وَلَنْ تَجِد لَهُمْ نَصِيرًا" فَالْمُنَافِق لَمَّا كَانَ ظَاهِره الْإِيمَان اِشْتَبَهَ أَمْره عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ الْفَسَاد مِنْ جِهَة الْمُنَافِق حَاصِل لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي غَرَّ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ الَّذِي لَا حَقِيقَة لَهُ وَوَالَى الْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ أَنَّهُ اِسْتَمَرَّ عَلَى حَاله الْأَوَّل لَكَانَ شَرّه أَخَفّ وَلَوْ أَخْلَصَ الْعَمَل لِلَّهِ وَتَطَابَقَ قَوْله وَعَمَله لَأَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ " أَيْ نُرِيد أَنْ نُدَارِي الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَنَصْطَلِح مَعَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كَمَا قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد عَنْ عِكْرِمَة أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ " أَيْ إِنَّمَا نُرِيد الْإِصْلَاح بَيْن الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْل الْكِتَاب .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة , فَرُوِيَ عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : لَمْ يَجِئْ هَؤُلَاءِ بَعْد . 285 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَثَّام بْن عَلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَش , قَالَ : سَمِعْت الْمِنْهَال بْن عَمْرو يُحَدِّث عَنْ عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه , عَنْ سَلْمَان , قَالَ : مَا جَاءَ هَؤُلَاءِ بَعْد , الَّذِينَ { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } * حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عُثْمَان بْن حَكِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن شَرِيك , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ حَدَّثَنِي الْأَعْمَش , عَنْ زَيْد بْن وَهْب وَغَيْره , عَنْ سَلْمَان أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } قَالَ مَا جَاءَ هَؤُلَاءِ بَعْد . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 286 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ , عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } هُمْ الْمُنَافِقُونَ . أَمَّا { لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض } فَإِنَّ الْفَسَاد هُوَ الْكُفْر وَالْعَمَل بِالْمَعْصِيَةِ . 287 - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ عَنْ الرَّبِيع : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض } يَقُول : لَا تَعْصُوا فِي الْأَرْض . قَالَ : فَكَانَ فَسَادهمْ عَلَى أَنْفُسهمْ ذَلِكَ مَعْصِيَة اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , لِأَنَّ مَنْ عَصَى اللَّه فِي الْأَرْض أَوْ أَمَرَ بِمَعْصِيَتِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْض , لِأَنَّ إصْلَاح الْأَرْض وَالسَّمَاء بِالطَّاعَةِ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ تَأْوِيل مَنْ قَالَ : إنَّ قَوْل اللَّه تَبَارَكَ اسْمه : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنْ كَانَ مَعْنِيًّا بِهَا كُلّ مَنْ كَانَ بِمِثْلِ صِفَتهمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ بَعْدهمْ إلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَقَدْ يَحْتَمِل قَوْل سَلْمَان عِنْد تِلَاوَة هَذِهِ الْآيَة : " مَا جَاءَ هَؤُلَاءِ بَعْد " أَنْ يَكُون قَالَهُ بَعْد فَنَاء الَّذِينَ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَة عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرًا مِنْهُ عَمَّنْ جَاءَ مِنْهُمْ بَعْدهمْ وَلِمَا يَجِيء بَعْد , لَا أَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ لَمْ يَمْضِ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَته أَحَد . وَإِنَّمَا قُلْنَا أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ مَا ذَكَرْنَا , لِإِجْمَاعِ الْحَجَّة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ صِفَة مَنْ كَانَ بَيْن ظَهْرَانَيْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ , وَأَنَّ هَذِهِ الْآيَات فِيهِمْ نَزَلَتْ . وَالتَّأْوِيل الْمُجْمَع عَلَيْهِ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْقُرْآن مِنْ قَوْل لَا دَلَالَة عَلَى صِحْته مِنْ أَصْلِ وَلَا نَظِير . وَالْإِفْسَاد فِي الْأَرْض : الْعَمَل فِيهَا بِمَا نَهَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُ , وَتَضْيِيع مَا أَمَرَ اللَّه بِحِفْظِهِ . فَذَلِكَ جُمْلَة الْإِفْسَاد , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي كِتَابه مُخْبِرًا عَنْ قِيلَ مَلَائِكَته : { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } 2 30 يَعْنُونَ بِذَلِكَ : أَتَجْعَلُ فِي الْأَرْض مِنْ يَعْصِيك وَيُخَالِف أَمْرك ؟ فَكَذَلِكَ صِفَة أَهْل النِّفَاق مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض بِمَعْصِيَتِهِمْ فِيهَا رَبّهمْ , وَرُكُوبهمْ فِيهَا مَا نَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبه , وَتَضْيِيعهمْ فَرَائِضه وَشَكّهمْ فِي دِين اللَّه الَّذِي لَا يَقْبَل مِنْ أَحَد عَمَلًا إلَى بِالتَّصْدِيقِ بِهِ وَالْإِيقَان بِحَقِيَتِهِ , وَكَذِبهمْ الْمُؤْمِنِينَ بِدَعْوَاهُمْ غَيْر مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الشَّكّ وَالرَّيْب وبمظاهرتهم أَهْل التَّكْذِيب بِاَللَّهِ وَكُتُبه وَرُسُله عَلَى أَوْلِيَاء اللَّه إذَا وَجَدُوا إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا فَذَلِكَ إفْسَاد الْمُنَافِقِينَ فِي أَرْض اللَّه , وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ مُصْلِحُونَ فِيهَا . فَلَمْ يُسْقِط اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ عُقُوبَته , وَلَا خَفَّفَ عَنْهُمْ أَلِيم مَا أَعَدَّ مِنْ عِقَابه لِأَهْلِ مَعْصِيَته بِحُسْبَانِهِمْ أَنَّهُمْ فِيمَا أَتَوْا مِنْ مَعَاصِي اللَّه مُصْلِحُونَ , بَلْ أَوَجَبَ لَهُمْ الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ نَاره وَالْأَلِيم مِنْ عَذَابه وَالْعَار الْعَاجِل بِسِبِّ اللَّه إيَّاهُمْ وَشَتْمه لَهُمْ , فَقَالَ تَعَالَى : { أَلَا إنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ } وَذَلِكَ مِنْ حُكْم اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ أَدَلَّ الدَّلِيل عَلَى تَكْذِيبه تَعَالَى قَوْل الْقَائِلِينَ : إنَّ عُقُوبَات اللَّه لَا يَسْتَحِقّهَا إلَّا الْمُعَانِد رَبّه فِيمَا لَزِمَهُ مِنْ حُقُوقه وَفُرُوضه بَعْد عِلْمه وَثُبُوت الْحُجَّة عَلَيْهِ بِمَعْرِفَتِهِ بِلُزُومِ ذَلِكَ إيَّاهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } وَتَأْوِيل ذَلِكَ كَاَلَّذِي قَالَهُ ابْن عَبَّاس , الَّذِي : 288 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } أَيْ قَالُوا : إنَّمَا نُرِيد الْإِصْلَاح بَيْن الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْل الْكِتَاب . وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ غَيْره . 289 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض } قَالَ : إذَا رَكِبُوا مَعْصِيَة اللَّه , فَقِيلَ لَهُمْ : لَا تَفْعَلُوا كَذَا وَكَذَا , قَالُوا : إنَّمَا نَحْنُ عَلَى الْهُدَى مُصْلِحُونَ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَيّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ - أَعْنِي فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ مُصْلِحُونَ - فَهُمْ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ فِيمَا أَتَوْا مِنْ ذَلِكَ مُصْلِحُونَ . فَسَوَاء بَيْن الْيَهُود وَالْمُسْلِمِينَ كَانَتْ دَعْوَاهُمْ الْإِصْلَاح أَوْ فِي أَدِيَانهمْ , وَفِيمَا رَكِبُوا مِنْ مَعْصِيَة اللَّه , وَكَذِبهمْ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا أَظَهَرُوا لَهُمْ مِنْ الْقَوْل وَهُمْ لِغَيْرِ مَا أَظَهَرُوا مُسْتَبْطِنُونَ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي جَمِيع ذَلِكَ مِنْ أَمْرهمْ عِنْد أَنْفُسهمْ مُحْسِنِينَ , وَهُمْ عِنْد اللَّه مُسِيئُونَ , وَلِأَمْرِ اللَّه مُخَالِفُونَ ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ كَانَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ عَدَاوَة الْيَهُود وَحَرْبهمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ , وَأَلْزَمَهُمْ التَّصْدِيق بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه كَاَلَّذِي أَلْزَمَ مِنْ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ , فَكَانَ لِقَاؤُهُمْ الْيَهُود عَلَى وَجْه الْوِلَايَة مِنْهُمْ لَهُمْ , وَشَكّهمْ فِي نُبُوَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيمَا جَاءَ بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه أَعْظَم الْفَسَاد , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَانَ عِنْدهمْ إصْلَاحًا وَهُدًى : فِي أَدِيَانهمْ , أَوْ فِيمَا بَيْن الْمُؤْمِنِينَ وَالْيَهُود , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ : { أَلَا إنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ } دُون الَّذِينَ يَنْهَوْنَهُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ الْإِفْسَاد فِي الْأَرْض { وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ }

تفسير القرطبي

فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الظَّرْف وَالْعَامِل فِيهَا " قَالُوا " وَهِيَ تُؤْذِن بِوُقُوعِ الْفِعْل الْمُنْتَظَر . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : " إِذَا " اِسْم يَدُلّ عَلَى زَمَان مُسْتَقْبَل , وَلَمْ تُسْتَعْمَل إِلَّا مُضَافَة إِلَى جُمْلَة , تَقُول : أَجِيئك إِذَا اِحْمَرَّ الْبُسْر , وَإِذَا قَدِمَ فُلَان . وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا اِسْم وُقُوعهَا مَوْقِع قَوْلك : آتِيك يَوْم يَقْدَم فُلَان , فَهِيَ ظَرْف وَفِيهَا مَعْنَى الْمُجَازَاة . وَجَزَاء الشَّرْط ثَلَاثَة : الْفِعْل وَالْفَاء وَإِذَا , فَالْفِعْل قَوْلك : إِنْ تَأْتِنِي آتِك . وَالْفَاء : إِنْ تَأْتِنِي فَأَنَا أُحْسِن إِلَيْك . وَإِذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَة بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ " [ الرُّوم : 36 ] . وَمِمَّا جَاءَ مِنْ الْمُجَازَاة بِإِذَا فِي الشِّعْر قَوْل قَيْس بْن الْخَطِيم : إِذَا قَصُرَتْ أَسْيَافنَا كَانَ وَصْلهَا خُطَانَا إِلَى أَعْدَائِنَا فَنُضَارِبْ فَعَطَفَ " فَنُضَارِب " بِالْجَزْمِ عَلَى " كَانَ " لِأَنَّهُ مَجْزُوم , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَجْزُومًا لَقَالَ : فَنُضَارِبَ , بِالنَّصْبِ . وَقَدْ تُزَاد عَلَى " إِذَا " " مَا " تَأْكِيدًا , فَيُجْزَم بِهَا أَيْضًا , وَمِنْهُ قَوْل الْفَرَزْدَق . فَقَامَ أَبُو لَيْلَى إِلَيْهِ اِبْن ظَالِم وَكَانَ إِذَا مَا يَسْلُل السَّيْف يَضْرِب قَالَ سِيبَوَيْهِ : وَالْجَيِّد مَا قَالَ كَعْب بْن زُهَيْر : وَإِذَا مَا تَشَاء تَبْعَث مِنْهَا مَغْرِب الشَّمْس نَاشِطًا مَذْعُورَا يَعْنِي أَنَّ الْجَيِّد أَلَّا يُجْزَم بِإِذَا , كَمَا لَمْ يُجْزَم فِي هَذَا الْبَيْت . وَحُكِيَ عَنْ الْمُبَرِّد أَنَّهَا فِي قَوْلِكَ فِي الْمُفَاجَأَة : خَرَجْت فَإِذَا زَيْد , ظَرْف مَكَان , لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ جُثَّة . وَهَذَا مَرْدُود ; لِأَنَّ الْمَعْنَى خَرَجْت فَإِذَا حُضُور زَيْد , فَإِنَّمَا تَضَمَّنَتْ الْمَصْدَر كَمَا يَقْتَضِيه سَائِر ظُرُوف الزَّمَان , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : " الْيَوْم خَمْر وَغَدًا أَمْر " فَمَعْنَاهُ وُجُود خَمْر وَوُقُوع أَمْر . مِنْ الْقَوْل وَأَصْله قَوِل , نُقِلَتْ كَسْرَة الْوَاو إِلَى الْقَاف فَانْقَلَبَتْ الْوَاو يَاء . وَيَجُوز : " قِيلَ لَهُمْ " بِإِدْغَامِ اللَّام فِي اللَّام وَجَازَ الْجَمْع بَيْن سَاكِنَيْنِ ; لِأَنَّ الْيَاء حَرْف مَدّ وَلِين . قَالَ الْأَخْفَش : وَيَجُوز " قُيُل " بِضَمِّ الْقَاف وَالْيَاء . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : وَيَجُوز إِشْمَام الْقَاف الضَّمّ لِيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَهِيَ لُغَة قَيْس , وَكَذَلِكَ جِيءَ وَغِيضَ وَحِيلَ وَسِيقَ وَسِيءَ وَسِيئَتْ . وَكَذَلِكَ رَوَى هِشَام عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَرُوَيْس عَنْ يَعْقُوب . وَأَشَمَّ مِنْهَا نَافِع سِيءَ وَسِيئَتْ خَاصَّة . وَزَادَ اِبْن ذَكْوَان : حِيلَ وَسِيقَ , وَكَسَرَ الْبَاقُونَ فِي الْجَمِيع . فَأَمَّا هُذَيْل وَبَنُو دُبَيْر مِنْ أَسَد وَبَنِي فَقْعَس فَيَقُولُونَ : " قَوْل " بِوَاوٍ سَاكِنَة . " لَا " نَهْي . وَالْفَسَاد ضِدّ الصَّلَاح , وَحَقِيقَته الْعُدُول عَنْ الِاسْتِقَامَة إِلَى ضِدّهَا . فَسَدَ الشَّيْء يَفْسِد فَسَادًا وَفُسُودًا وَهُوَ فَاسِد وَفَسِيد . وَالْمَعْنَى فِي الْآيَة : لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض بِالْكُفْرِ وَمُوَالَاة أَهْلِهِ , وَتَفْرِيق النَّاس عَنْ الْإِيمَان بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآن . وَقِيلَ : كَانَتْ الْأَرْض قَبْل أَنْ يُبْعَث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا الْفَسَاد , وَيُفْعَل فِيهَا بِالْمَعَاصِي , فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِرْتَفَعَ الْفَسَاد وَصَلَحَتْ الْأَرْض . فَإِذَا عَمِلُوا بِالْمَعَاصِي فَقَدْ أَفْسَدُوا فِي الْأَرْض بَعْد إِصْلَاحِهَا , كَمَا قَالَ فِي آيَة أُخْرَى : " وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض بَعْدَ إِصْلَاحِهَا " [ الْأَعْرَاف : 56 ] . قَوْلُهُ : " فِي الْأَرْض " الْأَرْض مُؤَنَّثَة , وَهِيَ اِسْم جِنْس , وَكَانَ حَقّ الْوَاحِدَة مِنْهَا أَنْ يُقَال أَرْضَة , وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا . وَالْجَمْع أَرَضَات ; لِأَنَّهُمْ قَدْ يَجْمَعُونَ الْمُؤَنَّث الَّذِي لَيْسَتْ فِيهِ هَاء التَّأْنِيث بِالتَّاءِ كَقَوْلِهِمْ : عُرُسَات . ثُمَّ قَالُوا أَرَضُونَ فَجَمَعُوا بِالْوَاوِ وَالنُّون , وَالْمُؤَنَّث لَا يُجْمَع بِالْوَاوِ وَالنُّون إِلَّا أَنْ يَكُون مَنْقُوصًا كَثُبَة وَظُبَة , وَلَكِنَّهُمْ جَعَلُوا الْوَاو وَالنُّون عِوَضًا مِنْ حَذْفهمْ الْأَلِف وَالتَّاء وَتَرَكُوا فَتْحَة الرَّاء عَلَى حَالهَا , وَرُبَّمَا سُكِّنَتْ . وَقَدْ تُجْمَع عَلَى أُرُوض . وَزَعَمَ أَبُو الْخَطَّاب أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : أَرْض وَآرَاض , كَمَا قَالُوا : أَهْل وَآهَال . وَالْأَرَاضِي أَيْضًا عَلَى غَيْر قِيَاس , كَأَنَّهُمْ جَمَعُوا آرُضًا . وَكُلّ مَا سَفَلَ فَهُوَ أَرْض . وَأَرْض أَرِيضَة , أَيْ زَكِيَّة بَيِّنَة الْأَرَاضَة . وَقَدْ أُرِضَت بِالضَّمِّ , أَيْ زُكَّتْ . قَالَ أَبُو عَمْرو : نَزَلْنَا أَرْضًا أَرِيضَة , أَيْ مُعْجِبَة لِلْعَيْنِ , وَيُقَال : لَا أَرْض لَك , كَمَا يُقَال : لَا أُمّ لَك . وَالْأَرْض : أَسْفَل قَوَائِم الدَّابَّة , قَالَ عَدِيّ يَصِف فَرَسًا : وَلَمْ يُقَلِّب أَرْضهَا الْبَيْطَار وَلَا لِحَبْلَيْهِ بِهَا حَبَار أَيْ أَثَر وَالْأَرْض : النَّفْضَة وَالرِّعْدَة . رَوَى حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ قَتَادَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث قَالَ : زُلْزِلَتْ الْأَرْض بِالْبَصْرَةِ , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَاَللَّه مَا أَدْرِي أَزُلْزِلَتْ الْأَرْض أَمْ بِي أَرْض ؟ أَيْ أَمْ بِي رِعْدَة , وَقَالَ ذُو الرُّمَّة يَصِف صَائِدًا : إِذَا تَوَجَّسَ رِكْزًا مِنْ سَنَابِكِهَا أَوْ كَانَ صَاحِب أَرْض أَوْ بِهِ الْمُومُ وَالْأَرْض : الزُّكَام . وَقَدْ آرَضَهُ اللَّه إِيرَاضًا , أَيْ أَزْكَمَهُ فَهُوَ مَأْرُوض . وَفَسِيل مُسْتَأْرِض , وَوَدِيَّة مُسْتَأْرِضَة ( بِكَسْرِ الرَّاء ) وَهُوَ أَنْ يَكُون لَهُ عِرْق فِي الْأَرْض , فَأَمَّا إِذَا نَبَتَ عَلَى جِذْع النَّخْل فَهُوَ الرَّاكِب . وَالْإِرَاض ( بِالْكَسْرِ ) : بِسَاط ضَخْم مِنْ صُوف أَوْ وَبَر . وَرَجُل أَرِيض , أَيْ مُتَوَاضِع خَلِيق لِلْخَيْرِ . قَالَ الْأَصْمَعِيّ يُقَال : هُوَ آرَضُهم أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ , أَيْ أَخَلَقهمْ . وَشَيْء عَرِيض أَرِيض إِتْبَاع لَهُ , وَبَعْضهمْ يُفْرِدهُ وَيَقُول : جَدْي أَرِيض أَيْ سَمِين . " نَحْنُ " أَصْل " نَحْنُ " نَحُنْ قُلِبَتْ حَرَكَة الْحَاء عَلَى النُّون وَأُسْكِنَتْ الْحَاء , قَالَهُ هِشَام بْن مُعَاوِيَة النَّحْوِيّ . وَقَالَ الزَّجَّاج : " نَحْنُ " لِجَمَاعَةٍ , وَمِنْ عَلَامَة الْجَمَاعَة الْوَاو , وَالضَّمَّة مِنْ جِنْس الْوَاو , فَلَمَّا اُضْطُرُّوا إِلَى حَرَكَة " نَحْنُ " لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ حَرَّكُوهَا بِمَا يَكُون لِلْجَمَاعَةِ . قَالَ : لِهَذَا ضَمُّوا وَاو الْجَمْع فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " أُولَئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلَالَة " [ الْبَقَرَة : 16 ] وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : " نَحْنُ " مِثْل قَبْل وَبَعْد ; لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَة بِالْإِخْبَارِ عَنْ اِثْنَيْنِ وَأَكْثَر , فَـ " أَنَا " لِلْوَاحِدِ " نَحْنُ " لِلتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْع , وَقَدْ يُخْبِر بِهِ الْمُتَكَلِّم عَنْ نَفْسه فِي قَوْله : نَحْنُ قُمْنَا , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ " [ الزُّخْرُف : 32 ] وَالْمُؤَنَّث فِي هَذَا إِذَا كَانَتْ مُتَكَلِّمَة بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكَّر , تَقُول الْمَرْأَة : قُمْت وَذَهَبْت , وَقُمْنَا وَذَهَبْنَا , وَأَنَا فَعَلْت ذَاكَ , وَنَحْنُ فَعَلْنَا . هَذَا كَلَام الْعَرَب فَاعْلَمْ . قَوْله تَعَالَى : " مُصْلِحُونَ " اِسْم فَاعِل مِنْ أَصْلَحَ . وَالصَّلَاح : ضِدّ الْفَسَاد . وَصَلُحَ الشَّيْء ( بِضَمِّ اللَّام وَفَتْحهَا ) لُغَتَانِ , قَالَ اِبْن السِّكِّيت . وَالصُّلُوح ( بِضَمِّ الصَّاد ) مَصْدَر صَلُحَ ( بِضَمِّ اللَّام ) , قَالَ الشَّاعِر : فَكَيْف بِإِطْرَاقِي إِذَا مَا شَتَمْتنِي وَمَا بَعْد شَتْم الْوَالِدَيْنِ صُلُوح وَصَلَاح مِنْ أَسْمَاء مَكَّة . وَالصِّلْح ( بِكَسْرِ الصَّاد ) : نَهَر . وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ عَلَى ظَنِّهمْ ; لِأَنَّ إِفْسَادهمْ عِنْدهمْ إِصْلَاح , أَيْ أَنَّ مُمَالَأَتنَا لِلْكُفَّارِ إِنَّمَا نُرِيد بِهَا الْإِصْلَاح بَيْنهمْ وَبَيْن الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره .

غريب الآية
وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ قَالُوۤا۟ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ﴿١١﴾
لَا تُفۡسِدُوا۟بالمعاصِي، وإفشاءِ أسرارِ المؤمنين ومُوالاةِ الكافرين.
الإعراب
(وَإِذَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِذَا) : ظَرْفُ زَمَانٍ شَرْطِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(قِيلَ)
فِعْلٌ مَاضٍ فِعْلُ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(لَهُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(لَا)
حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُفْسِدُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَائِبُ فَاعِلٍ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْأَرْضِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(قَالُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(إِنَّمَا)
كَافَّةٌ وَمَكْفُوفَةٌ.
(نَحْنُ)
ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(مُصْلِحُونَ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.