صفحات الموقع

سورة البقرة الآية ١٧

سورة البقرة الآية ١٧

مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِی ٱسۡتَوۡقَدَ نَارࣰا فَلَمَّاۤ أَضَاۤءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِی ظُلُمَـٰتࣲ لَّا یُبۡصِرُونَ ﴿١٧﴾

التفسير

تفسير السعدي

ثم ذكر مثلهم فقال: " مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " . أي: مثلهم المطابق لما كانوا عليه, كمثل الذي استوقد نارا. أي: كان في ظلمة عظيمة, وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره, ولم تكن عنده معدة, بل هي خارجة عنه. فلما أضاءت النار ما حوله, ونظر المحل الذي هو فيه, وما فيه من المخاوف وأمنها, وانتفع بتلك النار, وقرت بها عينه, وظن أنه قادر عليها, فبينما هو كذلك, إذ ذهب الله بنوره, فزال عنه النور, وذهب معه السرور, وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة, فذهب ما فيها من الإشراق, وبقي ما فيها من الإحراق. فبقي في ظلمات متعددة: ظلمة الليل, وظلمة السحاب, وظلمة المطر, والظلمة الحاصلة بعد النور, فكيف يكون حال هذا الموصوف؟. فكذلك هؤلاء المنافقون, استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين, ولم تكن صفة لهم, فاستضاءوا بها مؤقتا وانتفعوا, فحقنت بذلك دماؤهم, وسلمت أموالهم, وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا. فبينما هم كذلك, إذ هجم عليهم الموت, فسلبهم الانتفاع بذلك النور, وحصل لهم كل هم وغم وعذاب, وحصل لهم ظلمة القبر, وظلمة الكفر, وظلمة النفاق, وظلمة المعاصي على اختلاف أنواعها, وبعد ذلك ظلمة النار, وبئس القرار.

التفسير الميسر

حال المنافقين الذين آمنوا -ظاهرًا لا باطنًا- برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم كفروا، فصاروا يتخبطون في ظلماتِ ضلالهم وهم لا يشعرون، ولا أمل لهم في الخروج منها، تُشْبه حالَ جماعة في ليلة مظلمة، وأوقد أحدهم نارًا عظيمة للدفء والإضاءة، فلما سطعت النار وأنارت ما حوله، انطفأت وأعتمت، فصار أصحابها في ظلمات لا يرون شيئًا، ولا يهتدون إلى طريق ولا مخرج.

تفسير الجلالين

"مَثَلهمْ" صِفَتهمْ فِي نِفَاقهمْ "كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ" أَوْقَدَ "نَارًا" فِي ظُلْمَة "فَلَمَّا أَضَاءَتْ" أَنَارَتْ "مَا حَوْله" فَأَبْصَرَ وَاسْتَدْفَأَ وَأَمِنَ مِمَّنْ يَخَافهُ "ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ" أَطْفَأَهُ وَجُمِعَ الضَّمِير مُرَاعَاة لِمَعْنَى الَّذِي "وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ" مَا حَوْلهمْ مُتَحَيِّرِينَ عَنْ الطَّرِيق خَائِفِينَ فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ أَمِنُوا بِإِظْهَارِ كَلِمَة الْإِيمَان فَإِذَا مَاتُوا جَاءَهُمْ الْخَوْف وَالْعَذَاب

تفسير ابن كثير

يُقَال مَثَل وَمِثْل وَمَثِيل أَيْضًا وَالْجَمْع أَمْثَال قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ " وَتَقْدِير هَذَا الْمَثَل أَنَّ اللَّه سُبْحَانه شَبَّهَهُمْ فِي اِشْتِرَائِهِمْ الضَّلَالَة بِالْهُدَى وَصَيْرُورَتهمْ بَعْد الْبَصِيرَة إِلَى الْعَمَى بِمَنْ اِسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله وَانْتَفَعَ بِهَا وَأَبْصَرَ بِهَا مَا عَنْ يَمِينه وَشِمَاله وَتَأَنَّسَ بِهَا فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ طُفِئَتْ نَاره وَصَارَ فِي ظَلَام شَدِيد لَا يُبْصِر وَلَا يَهْتَدِي وَهُوَ مَعَ هَذَا أَصَمّ لَا يَسْمَع أَبْكَم لَا يَنْطِق أَعْمَى لَوْ كَانَ ضِيَاء لَمَا أَبْصَرَ فَلِهَذَا لَا يَرْجِع إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ فِي اِسْتِبْدَالهمْ عِوَضًا عَنْ الْهُدَى وَاسْتِحْبَابهمْ الْغَيّ عَلَى الرُّشْد . وَفِي هَذَا الْمَثَل دَلَالَة عَلَى أَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ حَكَى هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيره عَنْ السُّدِّيّ ثُمَّ قَالَ وَالتَّشْبِيه هَاهُنَا فِي غَايَة الصِّحَّة لِأَنَّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ اِكْتَسَبُوا أَوَّلًا نُورًا ثُمَّ بِنِفَاقِهِمْ ثَانِيًا أَبْطَلُوا ذَلِكَ فَوَقَعُوا فِي حِيرَة عَظِيمَة فَإِنَّهُ لَا حِيرَة أَعْظَم مِنْ حِيرَة الدِّين . وَزَعَمَ اِبْن جَرِير أَنَّ الْمَضْرُوب لَهُمْ الْمَثَل هَاهُنَا لَمْ يُؤْمِنُوا فِي وَقْت مِنْ الْأَوْقَات وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى" وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ " وَالصَّوَاب أَنَّ هَذَا إِخْبَار عَنْهُمْ فِي حَال نِفَاقهمْ وَكُفْرهمْ وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنَّهُ كَانَ حَصَلَ لَهُمْ إِيمَان قَبْل ذَلِكَ ثُمَّ سُلِبُوهُ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبهمْ وَلَمْ يَسْتَحْضِر اِبْن جَرِير هَذِهِ الْآيَة هَاهُنَا وَهِيَ قَوْله تَعَالَى " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبهمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ " فَلِهَذَا وَجَّهَ هَذَا الْمَثَل بِأَنَّهُمْ اِسْتَضَاءُوا بِمَا أَظْهَرُوهُ مِنْ كَلِمَة الْإِيمَان أَيْ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أَعْقَبَهُمْ ظُلُمَات يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ : وَصَحَّ ضَرْب مَثَل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ كَمَا قَالَ" رَأَيْتهمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْك تَدُور أَعْيُنهمْ كَاَلَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْت " أَيْ كَدَوَرَانِ الَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْت . وَقَالَ تَعَالَى " مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة " وَقَالَ تَعَالَى " مَثَل الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَار يَحْمِل أَسْفَارًا" وَقَالَ بَعْضهمْ تَقْدِير الْكَلَام مَثَل قِصَّتهمْ كَقِصَّةِ الَّذِينَ اِسْتَوْقَدُوا نَارًا وَقَالَ بَعْضهمْ الْمُسْتَوْقِد وَاحِد لِجَمَاعَةٍ مَعَهُ وَقَالَ آخَرُونَ الَّذِي هَاهُنَا بِمَعْنَى الَّذِينَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ هُمْ الْقَوْم كُلّ الْقَوْم يَا أُمّ خَالِد قُلْت وَقَدْ اِلْتَفَتَ فِي أَثْنَاء الْمَثَل مِنْ الْوَاحِد إِلَى الْجَمْع فِي قَوْله تَعَالَى" فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ . صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ" وَهَذَا أَفْصَح فِي الْكَلَام وَأَبْلَغ فِي النِّظَام وَقَوْله تَعَالَى" ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ " أَيْ ذَهَبَ عَنْهُمْ بِمَا يَنْفَعهُمْ وَهُوَ النُّور وَأَبْقَى لَهُمْ مَا يَضُرّهُمْ وَهُوَ الْإِحْرَاق وَالدُّخَان " وَتَرَكَهُمْ فِي الظُّلُمَات " وَهُوَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الشَّكّ وَالْكُفْر وَالنِّفَاق " لَا يُبْصِرُونَ " لَا يَهْتَدُونَ إِلَى سَبِيل خَيْر وَلَا يَعْرِفُونَهَا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْهَاء وَالْمِيم مِنْ قَوْله : { مَثَلهمْ } كِنَايَة جَمَاعَة مِنْ الرِّجَال أَوْ الرِّجَال وَالنِّسَاء . و " الَّذِي " دَلَالَة عَلَى وَاحِد مِنْ الذُّكُور ؟ فَكَيْف جَعَلَ الْخَبَر عَنْ وَاحِد مَثَلًا لِجَمَاعَةٍ ؟ وَهَلَّا قِيلَ : مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا نَارًا ! وَإِنْ جَازَ عِنْدك أَنْ تُمَثِّل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ فَتُجِيز لِقَائِلٍ رَأَى جَمَاعَة مِنْ الرِّجَال فَأَعْجَبَتْهُ صُوَرهمْ وَتَمَام خَلْقهمْ وَأَجْسَامهمْ أَنْ يَقُول : كَأَنَّ هَؤُلَاءِ , أَوْ كَأَنَّ أَجْسَام هَؤُلَاءِ , نَخْلَة ! ! . قِيلَ : أَمَّا فِي الْمَوْضِع الَّذِي مِثْل رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَمَاعَة مِنْ الْمُنَافِقِينَ بِالْوَاحِدِ الَّذِي جَعَلَهُ لِأَفْعَالِهِمْ مَثَلًا فَجَائِز حَسَن , وَفِي نَظَائِره كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي نَظِير ذَلِكَ : { تَدُور أَعْيُنهمْ كَاَلَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْت } 33 19 يَعْنِي كَدَوَرَانِ عَيْن الَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْت , وَكَقَوْلِهِ : { مَا خَلْقكُمْ وَلَا بَعْثكُمْ إلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة } 31 28 بِمَعْنَى إلَّا كَبَعْثِ نَفْس وَاحِدَة . وَأَمَّا فِي تَمْثِيل أَجْسَام الْجَمَاعَة مِنْ الرِّجَال فِي طُول وَتَمَام الْخَلْق بِالْوَاحِدَةِ مِنْ النَّخِيل , فَغَيْر جَائِز وَلَا فِي نَظَائِره لَفَرَّقَ بَيْنهمَا . فَأَمَّا تَمْثِيل الْجَمَاعَة مِنْ الْمُنَافِقِينَ بِالْمُسْتَوْقَدِ الْوَاحِد , فَإِنَّمَا جَازَ لِأَنَّ الْمُرَاد مِنْ الْخَبَر عَنْ مَثَل الْمُنَافِقِينَ الْخَبَر عَنْ مَثَل اسْتِضَاءَتهمْ بِمَا أَظَهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ الْإِقْرَار وَهُمْ لِغَيْرِهِ مُسْتَبْطِنُونَ مِنْ اعْتِقَادَاتهمْ الرَّدِيئَة , وَخَلْطهمْ نِفَاقهمْ الْبَاطِن بِالْإِقْرَارِ بِالْإِيمَانِ الظَّاهِر . وَالِاسْتِضَاءَة وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَشْخَاص أَهْلهَا مَعْنًى وَاحِد لَا مَعَانٍ مُخْتَلِفَة . فَالْمَثَل لَهَا فِي مَعْنَى الْمَثَل لِلشَّخْصِ الْوَاحِد مِنْ الْأَشْيَاء الْمُخْتَلِفَة الْأَشْخَاص . وَتَأْوِيل ذَلِكَ : مِثْل اسْتِضَاءَة الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَظَهَرُوهُ مِنْ الْإِقْرَار بِاَللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ قَوْلًا وَهُمْ بِهِ مُكَذِّبُونَ اعْتِقَادًا , كَمَثَلِ اسْتِضَاءَة الْمُوقِد نَارًا . ثُمَّ أُسْقِطَ ذِكْر الِاسْتِضَاءَة وَأُضِيفَ الْمَثَل إلَيْهِمْ , كَمَا قَالَ نَابِغَة بَنِي جَعْدَة : وَكَيْفَ تُوَاصِل مَنْ أَصْبَحَتْ خِلَالَته كَأَبِي مَرْحَب يُرِيد كَخِلَالَةِ أَبِي مَرْحَب , فَأَسْقَطَ " خِلَالَة " , إذْ كَانَ فِيمَا أَظَهَرَ مِنْ الْكَلَام دَلَالَة لِسَامِعِيهِ عَلَى مَا حَذَفَ مِنْهُ . فَكَذَلِكَ الْقَوْل فِي قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا عِنْد سَامِعِيهِ بِمَا أَظَهَرَ مِنْ الْكَلَام أَنَّ الْمَثَل إنَّمَا ضَرْب لِاسْتِضَاءَةِ الْقَوْم بِالْإِقْرَارِ دُون أَعْيَانِ أَجْسَامهمْ حَسُنَ حَذْف ذِكْر الِاسْتِضَاءَة وَإِضَافَة الْمَثَل إلَى أَهْله . وَالْمَقْصُود بِالْمَثَلِ مَا ذَكَرْنَا , فَلَمَّا وَصَفْنَا جَازَ وَحَسُنَ قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } وَيُشْبِه مَثَل الْجَمَاعَة فِي اللَّفْظ بِالْوَاحِدِ , إذْ كَانَ الْمُرَاد بِالْمَثَلِ الْوَاحِد فِي الْمَعْنَى . وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ تَشْبِيه الْجَمَاعَة مِنْ أَعْيَانِ بَنِي آدَم أَوْ أَعْيَانِ ذَوِي الصُّوَر وَالْأَجْسَام بِشَيْءٍ , فَالصَّوَاب مِنْ الْكَلَام تَشْبِيه الْجَمَاعَة بِالْجَمَاعَةِ وَالْوَاحِد بِالْوَاحِدِ , لِأَنَّ عَيْن كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ غَيْر أَعْيَانِ الْآخَرِينَ . وَلِذَلِكَ مِنْ الْمَعْنَى افْتَرَقَ الْقَوْل فِي تَشِبِّيهِ الْأَفْعَال وَالْأَسْمَاء , فَجَازَ تَشْبِيه أَفْعَال الْجَمَاعَة مِنْ النَّاس وَغَيْرهمْ إذَا كَانَتْ بِمَعْنًى وَاحِد بِفِعْلِ الْوَاحِد , ثُمَّ حَذَفَ أَسَمَاء الْأَفْعَال , وَإِضَافَة الْمَثَل وَالتَّشْبِيه إلَى الَّذِينَ لَهُمْ الْفِعْل , فَيُقَال : مَا أَفْعَالكُمْ إلَّا كَفِعْلِ الْكَلْب , ثُمَّ يَحْذِف فَيُقَال : مَا أَفْعَالكُمْ إلَّا كَالْكَلْبِ أَوْ كَالْكِلَابِ , وَأَنْت تَعْنِي : إلَّا كَفِعْلِ الْكَلْب , وَإِلَّا كَفِعْلِ الْكِلَاب . وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَقُول : مَا هُمْ إلَّا نَخْلَة , وَأَنْت تُرِيد تَشْبِيه أَجْسَامهمْ بِالنَّخْلِ فِي الطُّول وَالتَّمَام . وَأَمَّا قَوْله : { اسْتَوْقَدَ نَارًا } فَإِنَّهُ فِي تَأْوِيل أَوْقَدَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَدَاع دَعَا يَا مَنْ يُجِيب إلَى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْد ذَاكَ مُجِيب يُرِيد : فَلَمْ يُجِبْهُ . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام إذًا مَثَل اسْتِضَاءَة هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ - فِي إظْهَارهمْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ قَوْلهمْ : { آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } وَصَدَّقْنَا بِمُحَمَّدٍ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ , وَهُمْ لِلْكُفْرِ مُسْتَنْبِطُونَ - فِيمَا اللَّه فَاعِل بِهِمْ , مَثَل اسْتِضَاءَة مُوقِد نَار بِنَارِهِ حَتَّى أَضَاءَتْ لَهُ النَّار مَا حَوْله , يَعْنِي مَا حَوْل الْمُسْتَوْقَد . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة أَنَّ " الَّذِي " فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } بِمَعْنَى " الَّذِينَ " كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ } 39 33 وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجِ دِمَاؤُهُمْ هُمْ الْقَوْم كُلّ الْقَوْم يَا أُمّ خَالِد قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْقَوْل الْأَوَّل هُوَ الْقَوْل لِمَا وَصَفْنَا مِنْ الْعِلَّة , وَقَدْ أَغَفَلَ قَائِل ذَلِكَ فَرْق مَا بَيْن الَّذِي فِي الْآيَتَيْنِ وَفِي الْبَيْت , لِأَنَّ " الَّذِي " فِي قَوْله : { وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ } قَدْ جَاءَتْ الدَّلَالَة عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا الْجَمْع , وَهُوَ قَوْله : { أُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ } وَكَذَلِكَ الَّذِي فِي الْبَيْت , وَهُوَ قَوْله : دِمَاؤُهُمْ . وَلَيْسَتْ هَذِهِ الدَّلَالَة فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } . فَذَلِكَ فَرْق مَا بَيْن " الَّذِي " فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } وَسَائِر شَوَاهِده الَّتِي اُسْتُشْهِدَ بِهَا عَلَى أَنَّ مَعَنِي " الَّذِي " فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } بِمَعْنَى الْجَمَاعَة , وَغَيْر جَائِز لِأَحَدٍ نَقْل الْكَلِمَة الَّتِي هِيَ الْأَغْلَب فِي اسْتِعْمَال الْعَرَب عَلَى مَعْنًى إلَى غَيْره إلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا . ثُمَّ اخْتَلَفَتْ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس فِيهِ أَقْوَال ; أَحَدهَا مَا : 326 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : ضَرَبَ اللَّه لِلْمُنَافِقِينَ مَثَلًا فَقَالَ : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } أَيْ يُبْصِرُونَ الْحَقّ وَيَقُولُونَ بِهِ , حَتَّى إذَا خَرَجُوا بِهِ مِنْ ظُلْمَة الْكُفْر أَطْفِئُوهُ بِكُفْرِهِمْ وَنِفَاقهمْ فِيهِ فَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات الْكُفْر فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ هُدًى وَلَا يَسْتَقِيمُونَ عَلَى حَقّ . وَالْآخَر مَا . 327 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى بِهِ إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } إلَى آخَر الْآيَة هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَزُّونَ بِالْإِسْلَامِ فَيُنَاكِحهُمْ الْمُسْلِمُونَ ويُوارِثُونهُمْ وَيُقَاسِمُونَهُمْ الْفَيْء , فَلَمَّا مَاتُوا سَلَبهمْ اللَّه ذَلِكَ الْعِزّ كَمَا سَلَب صَاحِب النَّار ضَوْءُهُ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات , يَقُوم فِي عَذَاب . وَالثَّالِث مَا : 328 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } : زَعَمَ أَنَّ أُنَاسًا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَام مُقَدَّم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة , ثُمَّ إنَّهُمْ نَافَقُوا فَكَانَ مَثَلهمْ كَمَثَلِ رَجُل كَانَ فِي ظُلْمَة فَأَوْقَدَ نَارًا فَأَضَاءَتْ لَهُ مَا حَوْله مِنْ قَذًى أَوْ أَذًى , فَأَبْصَرَهُ حَتَّى عَرَفَ مَا يَتَّقِي , فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ طَفِئَتْ نَاره فَأَقْبَلَ لَا يَدْرِي مَا يَتَّقِي مِنْ أَذًى , فَكَذَلِكَ الْمُنَافِق كَانَ فِي ظُلْمَة الشِّرْك فَأَسْلَمَ فَعَرَفَ الْحَلَال مِنْ الْحَرَام , وَالْخَيْر مِنْ الشَّرّ . فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ كَفَرَ , فَصَارَ لَا يَعْرِف الْحَلَال مِنْ الْحَرَام , وَلَا الْخَيْر مِنْ الشَّرّ . وَأَمَّا النُّور فَالْإِيمَان بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَتْ الظُّلْمَة نِفَاقهمْ . وَالْآخَر مَا : 329 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَعِيد قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي سَعِيد بْن مُحَمَّد , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } إلَى : { فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } ضَرَبَهُ اللَّه مَثَلًا لِلْمُنَافِقِ , وَقَوْله : { ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ } قَالَ : أَمَّا النُّور فَهُوَ إيمَانهمْ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ . وَأَمَّا الظُّلْمَة : فَهِيَ ضَلَالَتهمْ وَكُفْرهمْ , يَتَكَلَّمُونَ بِهِ وَهُمْ قَوْم كَانُوا عَلَى هُدًى ثُمَّ نَزَعَ مِنْهُمْ فَعَتَوْا بَعْد ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 330 - حَدَّثَنِي بِهِ بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } وَإِنَّ الْمُنَافِق تَكَلَّمَ بِلَا إلَه إلَّا اللَّه فَأَضَاءَتْ لَهُ فِي الدُّنْيَا فَنَاكِح بِهَا الْمُسْلِمِينَ وَغَازِي بِهَا الْمُسْلِمِينَ وَوَارِث بِمَا الْمُسْلِمِينَ وَحَقّ بِهَا دَمه وَمَاله . فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْمَوْت سَلَبهَا الْمُنَافِق لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَصْل فِي قَلْبه وَلَا حَقِيقَة فِي عِلْمه . * وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } هِيَ لَا إلَه إلَّا اللَّه أَضَاءَتْ لَهُمْ فَأَكَلُوا بِهَا وَشَرِبُوا وَآمَنُوا فِي الدُّنْيَا وَنَكَحُوا النِّسَاء وَحَقَنُوا بِهَا دِمَاءَهُمْ حَتْي إذَا مَاتُوا ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ . 331 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو تميلة , عَنْ عُبَيْد بْن سَلِيمَانِ عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } قَالَ : أَمَّا النُّور فَهُوَ إيمَانهمْ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ ; وَأَمَّا الظُّلُمَات , فَهِيَ ضَلَالَتهمْ وَكُفْرهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 332 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } قَالَ : أَمَّا إضَاءَة النَّار : فَإِقْبَالهمْ إلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْهُدَى ; وَذَهَاب نُورهمْ : إقْبَالهمْ إلَى الْكَافِرِينَ وَالضَّلَالَة . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , عَنْ شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } : أَمَّا إضَاءَة النَّار : فَإِقْبَالهمْ إلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْهُدَى ; وَذَهَاب نُورهمْ : إقْبَالهمْ إلَى الْكَافِرِينَ وَالضَّلَالَة . * حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد مَثَله . 333 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : ضَرَبَ مَثَل أَهْل النِّفَاق فَقَالَ : { مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } قَالَ : إنَّمَا ضَوْء النَّار وَنُورهَا مَا أَوْقَدَتْهَا , فَإِذَا خَمَدَتْ ذَهَبَ نُورهَا , كَذَلِكَ الْمُنَافِق كُلَّمَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاص أَضَاءَ لَهُ , فَإِذَا شَكَّ وَقَعَ فِي الظُّلْمَة . 334 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } إلَى آخِر الْآيَة . قَالَ : هَذِهِ صِفَة الْمُنَافِقِينَ , كَانُوا قَدْ آمَنُوا حَتَّى أَضَاءَ الْإِيمَان فِي قُلُوبهمْ كَمَا أَضَاءَتْ النَّار لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا ثُمَّ كَفَرُوا , فَذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ , فَانْتَزَعَهُ كَمَا ذَهَبَ بِضَوْءِ هَذِهِ النَّار فَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَات بِالْآيَةِ مَا قَالَهُ قَتَادَةَ وَالضَّحَّاك , وَمَا رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ ابْن عَبَّاس . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إنَّمَا ضَرَبَ هَذَا الْمَثَل لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ وَقَصَّ قَصَصهمْ مِنْ لَدُنْ ابْتَدَأَ بِذِكْرِهِمْ بِقَوْلِهِ : { مِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } لَا الْمُعْلِنِينَ بِالْكُفْرِ الْمُجَاهَدِينَ بِالشِّرْكِ . وَلَوْ كَانَ الْمَثَل لِمَنْ آمَنَ إيمَانًا صَحِيحًا ثُمَّ أَعْلَنَ بِالْكُفْرِ إعْلَانًا صَحِيحًا عَلَى مَا ظَنَّ الْمُتَأَوِّل قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } أَنَّ ضَوْء النَّار مَثَل لِإِيمَانِهِمْ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ عِنْده عَلَى صِحَّة , وَأَنَّ ذَهَاب نُورهمْ مَثَل لِارْتِدَادِهِمْ وَإِعْلَانهمْ الْكُفْر عَلَى صِحَّة ; لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مِنْ الْقَوْم خِدَاع وَلَا اسْتِهْزَاء عِنْد أَنْفُسهمْ وَلَا نِفَاق , وَأَنَّى يَكُون خِدَاع وَنِفَاق مِمَّنْ لَمْ يُبْدِلك قَوْلًا وَلَا فِعْلًا إلَّا مَا أَوَجَبَ لَك الْعِلْم بِحَالِهِ الَّتِي هُوَ لَك عَلَيْهَا , وَبِعَزِيمَةِ نَفْسه الَّتِي هُوَ مُقِيم عَلَيْهَا ؟ إنَّ هَذَا بِغَيْرِ شَكّ مِنْ النِّفَاق بَعِيد وَمِنْ الْخِدَاع بَرِيء , فَإِنْ كَانَ الْقَوْم لَمْ تَكُنْ لَهُمْ إلَّا حَالَتَانِ : حَال إيمَان ظَاهِر وَحَال كُفْر طَاهِر , فَقَدْ سَقَطَ عَنْ الْقَوْم اسْم النِّفَاق ; لِأَنَّهُمْ فِي حَال إيمَانهمْ الصَّحِيح كَانُوا مُؤْمِنِينَ , وَفِي حَال كُفْرهمْ الصَّحِيح كَانُوا كَافِرِينَ , وَلَا حَالَة هُنَاكَ ثَالِثَة كَانُوا بِهَا مُنَافِقِينَ وَفِي وَصْف اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إيَّاهُمْ بِصِفَةِ النِّفَاق مَا يُنْبِئ عَنْ أَنَّ الْقَوْل غَيْر الْقَوْل الَّذِي زَعَمَهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَوْم كَانُوا مُؤْمِنِينَ ثُمَّ ارْتَدُّوا إلَى الْكُفْر فَأَقَامُوا عَلَيْهِ , إلَّا أَنْ يَكُون قَائِل ذَلِكَ أَرَادَ أَنَّهُمْ انْتَقَلُوا مِنْ إيمَانهمْ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ إلَى الْكُفْر الَّذِي هُوَ نِفَاق , وَذَلِكَ قَوْل إنْ قَالَهُ لَمْ تُدْرَك صِحْته إلَّا بِخَبَرٍ مُسْتَفِيض أَوْ بِبَعْضِ الْمَعَانِي الْمُوجِبَة صِحْته . فَأَمَّا فِي ظَاهِر الْكِتَاب , فَلَا دَلَالَة عَلَى صِحْته لِاحْتِمَالِهِ مِنْ التَّأْوِيل مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ . فَإِذَا كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي ذَلِكَ , فَأَوْلَى تَأْوِيلَات الْآيَة بِالْآيَةِ مِثْل اسْتِضَاءَة الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَظَهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْإِقْرَار بِهِ , وَقَوْلهمْ لَهُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ : آمَنَّا بِاَللَّهِ وَكُتُبه وَرُسُله وَالْيَوْم الْآخِر , حَتَّى حَكَمَ لَهُمْ بِذَلِكَ فِي عَاجِل الدُّنْيَا بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ فِي حَقْن الدِّمَاء وَالْأَمْوَال وَالْأَمْن عَلَى الذُّرِّيَّة مِنْ السِّبَاء , وَفِي الْمُنَاكَحَة وَالْمُوَارَثَة ; كَمِثْلِ اسْتِضَاءَة الْمُوقِد النَّار بِالنَّارِ , حَتَّى إذَا ارْتَفَقَ بِضِيَائِهَا وَأَبْصَرَ مَا حَوْله مُسْتَضِيئًا بِنُورِهِ مِنْ الظُّلْمَة , خَمَدَتْ النَّار وَانْطَفَأَتْ , فَذَهَبَ نُوره , وَعَادَ الْمُسْتَضِيء بِهِ فِي ظُلْمَة وَحِيرَة . وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِق لَمْ يَزَلْ مُسْتَضِيئًا بِضَوْءِ الْقَوْل الَّذِي دَافَعَ عَنْهُ فِي حَيَاته الْقَتْل وَالسِّبَاء مَعَ اسْتِبْطَانه مَا كَانَ مُسْتَوْجِبًا بِهِ الْقَتْل وَسَلَب الْمَال لَوْ أَظْهَرهُ بِلِسَانِهِ , تَخَيَّلَ إلَيْهِ بِذَلِكَ نَفْسه أَنَّهُ بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَالْمُؤْمِنِينَ مُسْتَهْزِئ مُخَادِع , حَتَّى سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسه , إذْ وَرَدَ عَلَى رَبّه فِي الْآخِرَة , أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُ بِمِثْلِ الَّذِي نَجَا بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْكَذِب وَالنِّفَاق . أَوْ مَا تَسْمَع اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُول إذْ نَعَتَهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ عِنْد وُرُودهمْ عَلَيْهِ : { يَوْم يَبْعَثهُمْ اللَّه جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء أَلَا إنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ } 58 18 ظَنًّا مِنْ الْقَوْم أَنَّ نَجَاتهمْ مِنْ عَذَاب اللَّه فِي الْآخِرَة فِي مِثْل الَّذِي كَانَ بِهِ نَجَاتهمْ مِنْ الْقَتْل وَالسِّبَاء وَسَلَب الْمَال فِي الدُّنْيَا مِنْ الْكَذِب وَالْإِفْك وَأَنَّ خِدَاعهمْ نَافِعهمْ هُنَالِكَ نَفَعَهُ إيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا . حَتَّى عَايَنُوا مِنْ أَمْر اللَّه مَا أَيْقَنُوا بِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ ظُنُونهمْ فِي غُرُور وَضَلَال , وَاسْتِهْزَاء بِأَنْفُسِهِمْ وَخِدَاع , إذْ أَطْفَأَ اللَّه نُورهمْ يَوْم الْقِيَامَة فَاسْتَنْظَرُوا الْمُؤْمِنِينَ لِيَقْتَبِسُوا مِنْ نُورهمْ , فَقِيلَ لَهُمْ : أَرْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا وَاصْلَوْا سَعِيرًا . فَذَلِكَ حِين ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ , كَمَا انْطَفَأَتْ نَار الْمُسْتَوْقِد النَّار بَعْد إضَاءَتهَا لَهُ , فَبَقِيَ فِي ظُلْمَته حَيَرَان تَائِهًا ; يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَوْم يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونَا نَقْتَبِس مِنْ نُوركُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنهمْ بِسُورٍ لَهُ بَاب بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهِره مِنْ قِبَله الْعَذَاب يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الْأَمَانِيّ حَتَّى جَاءَ أَمْر اللَّه وَغَرَّكُمْ بِاَللَّهِ الْغُرُور فَالْيَوْم لَا يُؤْخَذ مِنْكُمْ فَدِيَة وَلَا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمْ النَّار هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمُصِير } 57 13 : 15 فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : إنَّك ذَكَرْت أَنَّ مَعْنَى قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } : خَمَدَتْ وَانْطَفَأَتْ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَوْجُودٍ فِي الْقُرْآن , فَمَا دَلَالَتك عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ؟ قِيلَ : قَدْ قُلْنَا إنَّ مِنْ شَأْن الْعَرَب الْإِيجَاز وَالِاخْتِصَار إذَا كَانَ فِيمَا نَطَقَتْ بِهِ الدَّلَالَة الْكَافِيَة عَلَى مَا حَذَفَتْ وَتَرَكَتْ , كَمَا قَالَ أَبُو ذويب الْهُذَلِيّ : عَصَيْت إلَيْهَا الْقَلْب إنِّي لِأَمْرِهَا سَمِيع فما أَرَى أَرُشْد طِلَابهَا يَعْنِي بِذَلِكَ : فَمَا أَدْرِي أَرُشْد طِلَابهَا أَمْ غَيّ , فَحَذَفَ ذِكْر " أَمْ غَيّ " , إذْ كَانَ فِيمَا نَطَقَ بِهِ الدَّلَالَة عَلَيْهَا . وَكَمَا قَالَ ذُو الرِّمَّة فِي نَعْت حِمْيَر : فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْل أَوْ حِين نَصَّبَتْ لَهُ مِنْ خَذَا آذانها وهو جَانِح يَعْنِي : أَوْ حِين أَقَبْل اللَّيْل . فِي نَظَائِر لِذَلِكَ كَثِيرَة كَرِهْنَا إطَالَة الْكِتَاب بِذِكْرِهَا . فَكَذَلِكَ قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله } لَمَّا كَانَ فِيهِ وَفِيمَا بَعْده مِنْ قَوْله : { ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ } دَلَالَة عَلَى الْمَتْرُوك كَافِيَة مِنْ ذِكْره اخْتَصَرَ الْكَلَام طَلَب الْإِيجَاز . وَكَذَلِكَ حَذْف مَا حَذَفَ وَاخْتِصَار مَا اخْتَصَرَ مِنْ الْخَبَر عَنْ مَثَل الْمُنَافِقِينَ بَعْده , نَظِير مَا اخْتَصَرَ مِنْ الْخَبَر عَنْ مَثَل الْمُسْتَوْقِد النَّار ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ بَعْد الضِّيَاء الَّذِي كَانُوا فِيهِ فِي الدُّنْيَا بِمَا كَانُوا يُظْهِرُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ الْإِقْرَار بِالْإِسْلَامِ وَهُمْ لِغَيْرِهِ مُسْتَبْطِنُونَ , كَمَا ذَهَبَ ضَوْء نَار هَذَا الْمُسْتَوْقِد بِانْطِفَاءِ نَاره وَخُمُودهَا فَبَقِيَ فِي ظُلْمَة لَا يُبْصِر , وَالْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله : { ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ } عَائِدَة عَلَى الْهَاء وَالْمِيم فِي قَوْله : { مَثَلهمْ } .

تفسير القرطبي

فَمَثَلهمْ رَفْع بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر فِي الْكَاف , فَهِيَ اِسْم , كَمَا هِيَ فِي قَوْل الْأَعْشَى : أَتَنْتَهُونَ وَلَنْ يَنْهَى ذَوِي شَطَط كَالطَّعْنِ يَذْهَب فِيهِ الزَّيْت وَالْفُتُلُ وَقَوْل اِمْرِئِ الْقَيْس : وَرُحْنَا مِن الْمَاء يُجْنَب وَسْطنَا وَلَاثٍ فِيهِ الْعَيْن طُورًا وَتَرْتَقِي أَرَادَ مِثْل الطَّعْن , وَبِمِثْلِ اِبْن الْمَاء . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْخَبَر مَحْذُوفًا , تَقْدِيره مِثْلهمْ مُسْتَقِرّ كَمِثْل , فَالْكَاف عَلَى هَذَا حَرْف . وَالْمِثْل وَالْمِثْل وَالْمَثِيل وَاحِد وَمَعْنَاهُ الشَّبِيه . وَالْمُتَمَاثِلَانِ : الْمُتَشَابِهَانِ , هَكَذَا قَالَ أَهْل اللُّغَة . قَوْله " الَّذِي " يَقَع لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْع . قَالَ اِبْن الشَّجَرِيّ هِبَة اللَّه بْن عَلِيّ : وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَأْتِي بِالْجَمْعِ بِلَفْظِ الْوَاحِد , كَمَا قَالَ : وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفِلْجٍ دِمَاؤُهُمْ هُمْ الْقَوْم كُلّ الْقَوْم يَا أُمّ خَالِد وَقِيلَ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى " وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ " [ الزُّمَر : 33 ] : إِنَّهُ بِهَذِهِ اللُّغَة , وَكَذَلِكَ قَوْله : " مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي " قِيلَ : الْمَعْنَى كَمَثَلِ الَّذِينَ اِسْتَوْقَدُوا , وَلِذَلِكَ قَالَ : " ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ " , فَحَمَلَ أَوَّل الْكَلَام عَلَى الْوَاحِد , وَآخِره عَلَى الْجَمْع . فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : " وَخُضْتُمْ كَاَلَّذِي خَاضُوا " [ التَّوْبَة : 69 ] فَإِنَّ الَّذِي هَا هُنَا وَصْف لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف تَقْدِيره وَخُضْتُمْ كَالْخُوَّضِ الَّذِي خَاضُوا . وَقِيلَ : إِنَّمَا وَحَّدَ " الَّذِي " وَ " اِسْتَوْقَدَ " لِأَنَّ الْمُسْتَوْقِد كَانَ وَاحِدًا مِنْ جَمَاعَة تَوَلَّى الْإِيقَاد لَهُمْ , فَلَمَّا ذَهَبَ الضَّوْء رَجَعَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا فَقَالَ " بِنُورِهِمْ " . وَاسْتَوْقَدَ بِمَعْنَى أَوْقَدَ , مِثْل اِسْتَجَابَ بِمَعْنَى أَجَابَ , فَالسِّين وَالتَّاء زَائِدَتَانِ , قَالَهُ الْأَخْفَش , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيب إِلَى النِّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْد ذَاكَ مُجِيب أَيْ يُجِبْهُ . وَاخْتَلَفَ النُّحَاة فِي جَوَاب لَمَّا , وَفِي عَوْد الضَّمِير مِنْ " نُورهمْ " , فَقِيلَ : جَوَاب لَمَّا مَحْذُوف وَهُوَ طَفِئَتْ , وَالضَّمِير فِي " نُورهمْ " عَلَى هَذَا لِلْمُنَافِقِينَ , وَالْإِخْبَار بِهَذَا عَنْ حَال تَكُون فِي الْآخِرَة , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " فَضُرِبَ بَيْنهمْ بِسُوَرٍ لَهُ بَاب " [ الْحَدِيد : 13 ] . وَقِيلَ : جَوَابه " ذَهَبَ " , وَالضَّمِير فِي " نُورهمْ " عَائِد عَلَى " الَّذِي " , وَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَتِمّ تَمْثِيل الْمُنَافِق بِالْمُسْتَوْقِدِ ; لِأَنَّ بَقَاء الْمُسْتَوْقِد فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِر كَبَقَاءِ الْمُنَافِق فِي حِيرَته وَتَرَدُّده . وَالْمَعْنَى الْمُرَاد بِالْآيَةِ ضَرْب مَثَل لِلْمُنَافِقِينَ , وَذَلِكَ أَنَّ مَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ الْإِيمَان الَّذِي تَثْبُت لَهُمْ بِهِ أَحْكَام الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمَنَائِح وَالتَّوَارُث وَالْغَنَائِم وَالْأَمْن عَلَى أَنْفُسهمْ وَأَوْلَادهمْ وَأَمْوَالهمْ بِمَثَابَةِ مَنْ أَوْقَدَ نَارًا فِي لَيْلَة مُظْلِمَة فَاسْتَضَاءَ بِهَا وَرَأَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّقِيه وَأَمِنَ مِنْهُ , فَإِذَا طَفِئَتْ عَنْهُ أَوْ ذَهَبَتْ وَصَلَ إِلَيْهِ الْأَذَى وَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا , فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ لَمَّا آمَنُوا اِغْتَرُّوا بِكَلِمَةِ الْإِسْلَام , ثُمَّ يَصِيرُونَ بَعْد الْمَوْت إِلَى الْعَذَاب الْأَلِيم - كَمَا أَخْبَرَ التَّنْزِيل : " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار " [ النِّسَاء : 145 ] - وَيَذْهَب نُورهمْ , وَلِهَذَا يَقُولُونَ : " اُنْظُرُونَا نَقْتَبِس مِنْ نُوركُمْ " [ الْحَدِيد : 13 ] . وَقِيلَ : إِنَّ إِقْبَال الْمُنَافِقِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَكَلَامهمْ مَعَهُمْ كَالنَّارِ , وَانْصِرَافهمْ عَنْ مَوَدَّتهمْ وَارْتِكَاسهمْ عِنْدهمْ كَذَهَابِهَا . وَقِيلَ غَيْر هَذَا . قَوْله : " نَارًا " النَّار مُؤَنَّثَة وَهِيَ مِنْ النُّور وَهُوَ أَيْضًا الْإِشْرَاق . وَهِيَ مِنْ الْوَاو ; لِأَنَّك تَقُول فِي التَّصْغِير : نُوَيْرَة , وَفِي الْجَمْع نُور وَأَنْوَار وَنِيرَان , اِنْقَلَبَتْ الْوَاو يَاء لِكَسْرِ مَا قَبْلهَا . وَضَاءَتْ وَأَضَاءَتْ لُغَتَانِ , يُقَال : ضَاءَ الْقَمَر يَضُوء ضَوْءًا وَأَضَاءَ يُضِيء , يَكُون لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا . وَقَرَأَ مُحَمَّد بْن السَّمَيْقَع : ضَاءَتْ بِغَيْرِ أَلِف , وَالْعَامَّة بِالْأَلِفِ , قَالَ الشَّاعِر : أَضَاءَتْ لَهُمْ أَحْسَابهمْ وَوُجُوههمْ دُجَى اللَّيْل حَتَّى نَظَّمَ الْجِزَع ثَاقِبه " مَا " زَائِدَة مُؤَكِّدَة . وَقِيلَ : مَفْعُولَة بِـ أَضَاءَتْ . وَ " حَوْله " ظَرْف مَكَان , وَالْهَاء فِي مَوْضِع خَفْض بِإِضَافَتِهِ إِلَيْهَا . وَأَذْهَب لُغَتَانِ مِنْ الذَّهَاب , وَهُوَ زَوَال الشَّيْء . أَيْ أَبْقَاهُمْ . جَمْع ظُلْمَة . وَقَرَأَ الْأَعْمَش : " ظُلْمَات " بِإِسْكَانِ اللَّام عَلَى الْأَصْل . وَمَنْ قَرَأَهَا بِالضَّمِّ فَلِلْفَرْقِ بَيْن الِاسْم وَالنَّعْت . وَقَرَأَ أَشْهَب أَتَيْتِهِ : " ظُلَمَات " بِفَتْحِ اللَّام . قَالَ الْبَصْرِيُّونَ : أَبْدَلَ مِنْ الضَّمَّة فَتْحَة لِأَنَّهَا أَخَفّ . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : " ظُلَمَات " جَمْع الْجَمْع , جَمْع ظُلَم . فِعْل مُسْتَقْبَل فِي مَوْضِع الْحَال , كَأَنَّهُ قَالَ : غَيْر مُبْصِرِينَ , فَلَا يَجُوز الْوَقْف عَلَى هَذَا عَلَى " ظُلُمَات " .

غريب الآية
مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِی ٱسۡتَوۡقَدَ نَارࣰا فَلَمَّاۤ أَضَاۤءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِی ظُلُمَـٰتࣲ لَّا یُبۡصِرُونَ ﴿١٧﴾
مَثَلُهُمۡشَبَهُ المنافقين.
ٱسۡتَوۡقَدَأوقَدَ.
أَضَاۤءَتۡسَطَعَتْ وأنارَتْ.
الإعراب
(مَثَلُهُمْ)
مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(كَمَثَلِ)
"الْكَافُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَثَلِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الَّذِي)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ.
(اسْتَوْقَدَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(نَارًا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَلَمَّا)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَمَّا) : ظَرْفُ زَمَانٍ شَرْطِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(أَضَاءَتْ)
فِعْلٌ مَاضٍ فِعْلُ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هِيَ".
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(حَوْلَهُ)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(ذَهَبَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ جَوَابُ الشَّرْطِ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(بِنُورِهِمْ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(نُورِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَتَرَكَهُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(تَرَكَ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(ظُلُمَاتٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ لِضَمِيرِ الْمَفْعُولِ فِي (تَرَكَهُمْ) :.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يُبْصِرُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.