صفحات الموقع

سورة البقرة الآية ١٧٨

سورة البقرة الآية ١٧٨

یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِی ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِیَ لَهُۥ مِنۡ أَخِیهِ شَیۡءࣱ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَاۤءٌ إِلَیۡهِ بِإِحۡسَـٰنࣲۗ ذَ ٰ⁠لِكَ تَخۡفِیفࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةࣱۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِیمࣱ ﴿١٧٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

يمتن تعالى على عباده المؤمنين, بأنه فرض عليهم " الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى " أي: المساواة فيه, وأن يقتل القاتل على الصفة, التي قتل عليها المقتول, إقامة للعدل والقسط بين العباد وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين, فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه - إعانة ولي المقتول, إذا طلب القصاص ويمكنه من القاتل, وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد, ويمنعوا الولي من الاقتصاص, كما عليه عادة الجاهلية, ومن أشبههم من إيواء المحدثين. ثم بين تفصيل ذلك فقال " الْحُرُّ بِالْحُرِّ " يدخل بمنطقوقها, الذكر بالذكر. " وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى " والأنثى بالذكر, والذكر بالأنثى, فيكون منطوقها مقدما على مفهوم قوله " الأنثى بالأنثى " مع دلالة السنة, على أن الذكر يقتل بالأنثى. وخرج من عموم هذا, الأبوان وإن علوا. فلا يقتلان بالولد, لورود السنة بذلك. مع أن في قوله " الْقِصَاصُ " ما يدل على أنه ليس من العدل, أن يقتل الوالد بولده. ولأن في قلب الوالد من الشفقة والرحمة, ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله, أو أذية شديدة جدا من الولد له. وخرج من العموم أيضا, الكافر بالسنة, مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة. وأيضا فليس من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه. والعبد بالعبد, ذكرا كان أو أنثى, تساوت قيمتهما أو اختلفت. ودل بمفهومها على أن الحر, لا يقتل بالعبد, لكونه غير مساو له. والأنثى بالأنثى, أخذ بمفهومها بعض أهل العلم فلم يجز قتل الرجل بالمرأة, وتقدم وجه ذلك. وفي هذه الآية, دليل على أن الأصل وجوب القود في القتل, وأن الدية بدل عنه. فلهذا قال " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ " أي عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية, أو عفا بعض الألياء, فإنه يسقط القصاص, وتجب الدية, وتكون الخيرة في القود, واختيار الدية إلى الولي. فإذا عفا عنه, وجب على الولي, أي: ولي المقتول أن يتبع القاتل " بِالْمَعْرُوفِ " من غير أن يشق عليه, ولا يحمله ما لا يطيق, بل يحسن الاقتضاء والطلب, ولا يحرجه. وعلى القاتل " وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ " من غير مطل ولا نقص, ولا إساءة فعلية أو قولية, فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو, إلا الإحسان بحسن القضاء. وهذا مأمور به في كل ما يثبت في ذمم الناس للإنسان. مأمور من له الحق, بالاتباع بالمعروف. ومن عليه الحق, بالأداء بالإحسان. وفي قوله " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ " ترقيق وحث على العفو إلى الدية. وأحسن من ذلك, العفو مجانا. وفي قوله " أَخِيهِ " دليل على أن القاتل, لا يكفر, لأن المراد بالأخوة هنا, أخوة الإيمان, فلم يخرج بالقتل منها. ومن باب أولى, أن سائر المعاصي, التي هي دون الكفر, ولا يكفر بها فاعلها, وإنما ينقص بذلك إيمانه. وإذا عفا أولياء المقتول, أو عفا بعضهم, احتقن دم القاتل, وصار معصوما منهم ومن غيرهم, ولهذا قال " فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ " أي: بعد العفو " فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ " أي: في الآخرة. وأما قتله وعدمه, فيؤخذ مما تقدم, لأنه قتل مكافئا له, فيجب قتله بذلك. وأما من فسر العذاب الأليم بالقتل, وأن الآية تدل على أنه يتعين قتله, ولا يجوز العفو عنه, وبذلك قال بعض العلماء. والصحيح الأول, لأن جنايته لا تزيد على جناية غيره.

التفسير الميسر

يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه فرض الله عليكم أن تقتصوا من القاتل عمدا بقتله، بشرط المساواة والمماثلة: يُقتل الحر بمثله، والعبد بمثله، والأنثى بمثلها. فمن سامحه ولي المقتول بالعفو عن الاقتصاص منه والاكتفاء بأخذ الدية -وهي قدر مالي محدد يدفعه الجاني مقابل العفو عنه- فليلتزم الطرفان بحسن الخلق، فيطالب الولي بالدية من غير عنف، ويدفع القاتل إليه حقه بإحسان، مِن غير تأخير ولا نقص. ذلك العفو مع أخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة بكم؛ لما فيه من التسهيل والانتفاع. فمَن قتل القاتل بعد العفو عنه وأَخْذِ الدية فله عذاب أليم بقتله قصاصًا في الدنيا، أو بالنار في الآخرة.

تفسير الجلالين

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ" فُرِضَ "عَلَيْكُمْ الْقِصَاص" الْمُمَاثَلَة "فِي الْقَتْلَى" وَصْفًا وَفِعْلًا "الْحُرّ" يُقْتَل "بِالْحُرِّ" وَلَا يُقْتَل بِالْعَبْدِ "وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى" وَبَيَّنَتْ السُّنَّة أَنَّ الذَّكَر يُقْتَل بِهَا وَأَنَّهُ تُعْتَبَر الْمُمَاثَلَة فِي الدِّين فَلَا يُقْتَل مُسْلِم وَلَوْ عَبْدًا بِكَافِرٍ وَلَوْ حُرًّا "فَمَنْ عُفِيَ لَهُ" مِنْ الْقَاتِلِينَ "مِنْ" دَم "أَخِيهِ" الْمَقْتُول "شَيْء" بِأَنْ تَرَكَ الْقِصَاص مِنْهُ وَتَنْكِير شَيْء يُفِيد سُقُوط الْقِصَاص بِالْعَفْوِ عَنْ بَعْضه وَمِنْ بَعْض الْوَرَثَة وَفِي ذِكْر أَخِيهِ تَعَطُّف دَاعٍ إلَى الْعَفْو وَإِيذَان بِأَنَّ الْقَتْل لَا يَقْطَع أُخُوَّة الْإِيمَان وَمَنْ مُبْتَدَأ شَرْطِيَّة أَوْ مَوْصُولَة وَالْخَبَر "فَاتِّبَاع" أَيْ فِعْل الْعَافِي اتِّبَاع لِلْقَاتِلِ "بِالْمَعْرُوفِ" بِأَنْ يُطَالِبهُ بِالدِّيَةِ بِلَا عُنْف وَتَرْتِيب الِاتِّبَاع عَلَى الْعَفْو يُفِيد أَنَّ الْوَاجِب أَحَدهمَا وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ وَالثَّانِي الْوَاجِب الْقِصَاص وَالدِّيَة بَدَل عَنْهُ فَلَوْ عَفَا وَلَمْ يُسَمِّهَا فَلَا شَيْء وَرَجَحَ "و" عَلَى الْقَاتِل "أَدَاء" الدِّيَة "إلَيْهِ" أَيْ الْعَافِي وَهُوَ الْوَارِث "بِإِحْسَانٍ" بِلَا مَطْل وَلَا بَخْس "ذَلِكَ" الْحُكْم الْمَذْكُور مِنْ جَوَاز الْقِصَاص وَالْعَفْو عَنْهُ عَلَى الدِّيَة "تَخْفِيف" تَسْهِيل "مِنْ رَبّكُمْ" عَلَيْكُمْ "وَرَحْمَة" بِكُمْ حَيْثُ وَسَّعَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُحَتِّم وَاحِدًا مِنْهُمَا كَمَا حَتَّمَ عَلَى الْيَهُود الْقِصَاص وَعَلَى النَّصَارَى الدِّيَة "فَمَنْ اعْتَدَى" ظَلَمَ الْقَاتِل بِأَنْ قَتَلَهُ "بَعْد ذَلِكَ" أَيْ الْعَفْو "فَلَهُ عَذَاب أَلِيم" مُؤْلِم فِي الْآخِرَة بِالنَّارِ أَوْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ

تفسير ابن كثير

يَقُول تَعَالَى كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْعَدْل فِي الْقِصَاص أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ حُرّكُمْ بِحُرِّكُمْ وَعَبْدكُمْ بِعَبْدِكُمْ وَأُنْثَاكُمْ بِأُنْثَاكُمْ وَلَا تَتَجَاوَزُوا وَتَعْتَدُوا كَمَا اِعْتَدَى مَنْ قَبْلكُمْ وَغَيَّرُوا حُكْم اللَّه فِيهِمْ وَسَبَب ذَلِكَ قُرَيْظَة وَالنَّضِير كَانَتْ بَنُو النَّضِير قَدْ غَزَتْ قُرَيْظَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَقَهَرُوهُمْ فَكَانَ إِذَا قَتَلَ النَّضْرِيّ الْقُرَظِيّ لَا يُقْتَل بِهِ بَلْ يُفَادَى بِمِائَةِ وَسْق مِنْ التَّمْر وَإِذَا قَتَلَ الْقُرَظِيّ النَّضْرِيّ قُتِلَ وَإِنْ فَادُوهُ فَدَوْهُ بِمِائَتَيْ وَسْق مِنْ التَّمْر ضِعْف دِيَة الْقُرَظِيّ فَأَمَرَ اللَّه بِالْعَدْلِ فِي الْقِصَاص وَلَا يُتَّبَع سَبِيل الْمُفْسِدِينَ الْمُحَرِّفِينَ الْمُخَالِفِينَ لِأَحْكَامِ اللَّه فِيهِمْ كُفْرًا وَبَغْيًا فَقَالَ تَعَالَى " كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى " وَذُكِرَ فِي سَبَب نُزُولهَا مَا رَوَاهُ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن بُكَيْر حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن لَهِيعَة حَدَّثَنِي عَطَاء بْن دِينَار عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْل اللَّه " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى " يَعْنِي إِذَا كَانَ عَمْدًا الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَذَلِكَ أَنَّ حَيَّيْنِ مِنْ الْعَرَب اِقْتَتَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّة قَبْل الْإِسْلَام بِقَلِيلٍ فَكَانَ بَيْنهمْ قَتْل وَجِرَاحَات حَتَّى قَتَلُوا الْعَبِيد وَالنِّسَاء فَلَمْ يَأْخُذ بَعْضهمْ مِنْ بَعْض حَتَّى أَسْلَمُوا فَكَانَ أَحَد الْحَيَّيْنِ يَتَطَاوَل عَلَى الْآخَر فِي الْعِدَّة وَالْأَمْوَال فَحَلَفُوا أَنْ لَا يَرْضَوْا حَتَّى يُقْتَل بِالْعَبْدِ مِنَّا الْحُرّ مِنْهُمْ وَالْمَرْأَة مِنَّا الرَّجُل مِنْهُمْ فَنَزَلَ فِيهِمْ " الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى " مِنْهَا مَنْسُوخَة نَسَخَتْهَا النَّفْس بِالنَّفْسِ : وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى " وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْتُلُونَ الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ وَلَكِنْ يَقْتُلُونَ الرَّجُل بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَة بِالْمَرْأَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ" النَّفْس بِالنَّفْسِ وَالْعَيْن بِالْعَيْنِ " فَجَعَلَ الْأَحْرَارَ فِي الْقِصَاص سَوَاء فِيمَا بَيْنهمْ مِنْ الْعَمْد رِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ فِي النَّفْس وَفِيمَا دُون النَّفْس وَجَعَلَ الْعَبِيد مُسْتَوِينَ فِيمَا بَيْنهمْ مِنْ الْعَمْد فِي النَّفْس وَفِيمَا دُون النَّفْس رِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَبِي مَالِك أَنَّهَا مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ النَّفْس بِالنَّفْسِ " مَسْأَلَةٌ " ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة إِلَى أَنَّ الْحُرّ يُقْتَل بِالْعَبْدِ لِعُمُومِ آيَة الْمَائِدَة وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيّ وَابْن أَبِي لَيْلَى وَدَاوُد وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَقَتَادَة وَالْحَكَم قَالَ الْبُخَارِيّ وَعَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيّ فِي رِوَايَة عَنْهُ وَيُقْتَل السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ لِعُمُومِ حَدِيث الْحَسَن عَنْ سَمُرَة " مَنْ قَتَلَ عَبْده قَتَلْنَاهُ وَمَنْ جَدَعَ عَبْده جَدَعْنَاهُ وَمَنْ خَصَاهُ خَصَيْنَاهُ " وَخَالَفَهُمْ الْجُمْهُور فَقَالُوا لَا يُقْتَل الْحُرّ بِالْعَبْدِ لِأَنَّ الْعَبْد سِلْعَة لَوْ قُتِلَ خَطَأ لَمْ يَجِب فِيهِ دِيَة وَإِنَّمَا تَجِب فِيهِ قِيمَته وَلِأَنَّهُ لَا يُقَاد بِطَرَفِهِ فَفِي النَّفْس بِطَرِيقِ الْأُولَى وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ الْمُسْلِم لَا يُقْتَل بِالْكَافِرِ لِمَا ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ عَلِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يُقْتَل مُسْلِم بِكَافِرٍ " وَلَا يَصِحُّ حَدِيث وَلَا تَأْوِيل يُخَالِف هَذَا وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَة فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَل بِهِ لِعُمُومِ آيَة الْمَائِدَة . " مَسْأَلَةٌ " قَالَ الْحَسَن وَعَطَاء لَا يُقْتَل الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ لِهَذِهِ الْآيَة وَخَالَفَهُمْ الْجُمْهُور لِآيَةِ الْمَائِدَة وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام " الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ " وَقَالَ اللَّيْث إِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ اِمْرَأَتَهُ لَا يُقْتَل بِهَا خَاصَّة. " مَسْأَلَةٌ " وَمَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَالْجُمْهُور أَنَّ الْجَمَاعَة يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ : قَالَ عُمَر فِي غُلَام قَتَلَهُ سَبْعَة فَقَتَلَهُمْ وَقَالَ لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاء لَقَتَلْتهمْ وَلَا يُعْرَف لَهُ فِي زَمَانه مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَة وَذَلِكَ كَالْإِجْمَاعِ وَحُكِيَ عَنْ الْإِمَام أَحْمَد رِوَايَة أَنَّ الْجَمَاعَة لَا يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ وَلَا يُقْتَل بِالنَّفْسِ إِلَّا نَفْس وَاحِدَة وَحَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ مُعَاذ وَابْن الزُّبَيْر وَعَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان وَالزُّهْرِيّ وَابْن سِيرِينَ وَحَبِيب بْن أَبِي ثَابِت ثُمَّ قَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَهَذَا أَصَحّ وَلَا حُجَّة لِمَنْ أَبَاحَ قَتْل الْجَمَاعَة وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ اِبْن الزُّبَيْر مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِذَا اِخْتَلَفَ الصَّحَابَة فَسَبِيلُهُ النَّظَرُ وَقَوْله " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ " قَالَ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ" فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَل الدِّيَة فِي الْعَمْد وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَة وَأَبِي الشَّعْثَاء وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعَطَاء وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ " يَعْنِي فَمَنْ تُرِكَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء يَعْنِي أَخَذَ الدِّيَة بَعْد اِسْتِحْقَاق الدَّم وَذَلِكَ الْعَفْو " فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ" يَقُول فَعَلَى الطَّالِب اِتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ إِذَا قَبِلَ الدِّيَة" وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ " يَعْنِي مِنْ الْقَاتِل مِنْ غَيْر ضَرَر وَلَا مَعْك يَعْنِي الْمُدَافَعَة وَرَوَى الْحَاكِم مِنْ حَدِيث سُفْيَان عَنْ عَمْرو عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس وَيُؤَدِّي الْمَطْلُوب بِإِحْسَانٍ وَكَذَا قَالَ : سَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبُو الشَّعْثَاء جَابِر بْن زَيْد وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَالسُّدِّيّ وَمُقَاتِل بْن حَيَّان . " مَسْأَلَةٌ " قَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه فِي رِوَايَة اِبْن الْقَاسِم عَنْهُ وَهُوَ الْمَشْهُور وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد فِي أَحَد قَوْلَيْهِ لَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّم أَنْ يَعْفُو عَلَى الدِّيَة إِلَّا بِرِضَا الْقَاتِل وَقَالَ : الْبَاقُونَ لَهُ أَنْ يَعْفُو عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَرْضَ . " مَسْأَلَةٌ " وَذَهَبَ طَائِفَة مِنْ السَّلَف إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ عَفْو مِنْهُمْ الْحَسَن وَقَتَادَة وَالزُّهْرِيّ وَابْن شُبْرُمَة وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَخَالَفَهُمْ الْبَاقُونَ وَقَوْله " ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ" يَقُول تَعَالَى إِنَّمَا شَرَعَ لَكُمْ أَخْذ الدِّيَة فِي الْعَمْد تَخْفِيفًا مِنْ اللَّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة بِكُمْ مِمَّا كَانَ مَحْتُومًا عَلَى الْأُمَم قَبْلكُمْ مِنْ الْقَتْل أَوْ الْعَفْو كَمَا قَالَ : سَعِيد بْن مَنْصُور حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن دِينَار أَخْبَرَنِي مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كُتِبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ الْعَفْو فَقَالَ اللَّه لِهَذِهِ الْأُمَّة " كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء " فَالْعَفْو أَنْ يَقْبَل الدِّيَة فِي الْعَمْد ذَلِكَ تَخْفِيف مِمَّا كُتِبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ " فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ " وَقَدْ رَوَاهُ غَيْر وَاحِد عَنْ عَمْرو وَأَخْرَجَهُ اِبْن حِبَّان فِي صَحِيحه عَنْ عَمْرو بْن دِينَار وَرَوَاهُ جَمَاعَة عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس بِنَحْوِهِ : وَقَالَ قَتَادَة " ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ " رَحِمَ اللَّه هَذِهِ الْأُمَّة وَأَطْعَمَهُمْ الدِّيَة وَلَمْ تَحِلّ لِأَحَدٍ قَبْلهمْ فَكَانَ أَهْل التَّوْرَاة إِنَّمَا هُوَ الْقِصَاص وَعَفْو لَيْسَ بَيْنهمْ أَرْش وَكَانَ أَهْل الْإِنْجِيل إِنَّمَا هُوَ عَفْو أُمِرُوا بِهِ وَجُعِلَ لِهَذِهِ الْأُمَّة الْقِصَاص وَالْعَفْو وَالْأَرْش وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَالرَّبِيع بْن أَنَس نَحْو هَذَا وَقَوْله" فَمَنْ اِعْتَدَى بَعْد ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ " يَقُول تَعَالَى فَمَنْ قَتَلَ بَعْد أَخْذ الدِّيَة أَوْ قَبُولهَا فَلَهُ عَذَاب مِنْ اللَّه أَلِيم مُوجِع شَدِيد وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَالسُّدِّيّ وَمُقَاتِل بْن حَيَّان أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْتُل بَعْد أَخْذ الدِّيَة كَمَا قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ الْحَارِث بْن فُضَيْل عَنْ سُفْيَان بْن أَبِي الْعَوْجَاء عَنْ أَبِي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ أُصِيبَ بِقَتْلٍ أَوْ خَبَل فَإِنَّهُ يَخْتَار إِحْدَى ثَلَاث إِمَّا أَنْ يَقْتَصّ وَإِمَّا أَنْ يَعْفُو وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذ الدِّيَة فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَة فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ وَمَنْ اِعْتَدَى بَعْد ذَلِكَ فَلَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدًا فِيهَا " رَوَاهُ أَحْمَد وَقَالَ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ الْحَسَن عَنْ سَمُرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا أُعَافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْد أَخْذ الدِّيَة " يَعْنِي لَا أَقْبَلَ مِنْهُ الدِّيَة بَلْ أَقْتُلُهُ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى } فُرِضَ عَلَيْكُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَفُرِضَ عَلَى وَلِيّ الْقَتِيل الْقِصَاص مِنْ قَاتِل وَلِيّه ؟ قِيلَ : لَا ; وَلَكِنَّهُ مُبَاح لَهُ ذَلِكَ , وَالْعَفْو , وَأَخْذ الدِّيَة . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قَالَ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص } ؟ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى خِلَاف مَا ذَهَبْت إلَيْهِ , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى , الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ , وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى . أَيْ أَنَّ الْحُرّ إذَا قَتَلَ الْحُرّ , فَدَم الْقَاتِل كُفْء لِدَمِ الْقَتِيل , وَالْقِصَاص مِنْهُ دُون غَيْره مِنْ النَّاس , فَلَا تُجَاوِزُوا بِالْقَتْلِ إلَى غَيْره مِمَّنْ لَمْ يَقْتُل فَإِنَّهُ حَرَام عَلَيْكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا بِقَتِيلِكُمْ غَيْر قَاتِله . وَالْفَرْض الَّذِي فَرَضَ اللَّه عَلَيْنَا فِي الْقِصَاص هُوَ مَا وَصَفْت مِنْ تَرْك الْمُجَاوَزَة بِالْقِصَاصِ قَتْل الْقَاتِل بِقَتِيلِهِ إلَى غَيْره لَا أَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْنَا الْقِصَاص فَرْضًا وُجُوب فَرْض الصَّلَاة وَالصِّيَام حَتَّى لَا يَكُون لَنَا تَرْكه , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فَرْضًا لَا يَجُوز لَنَا تَرْكه لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء } مَعْنَى مَفْهُوم , لِأَنَّهُ لَا عَفْو بَعْد الْقِصَاص فَيُقَال : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى الْقِصَاص فِي هَذِهِ الْآيَة مُقَاصَّة دِيَات بَعْض الْقَتْلَى بِدِيَاتِ بَعْض ; وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَة عِنْدهمْ نَزَلَتْ فِي حِزْبَيْنِ تَحَارَبُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَ بَعْضهمْ بَعْضًا , فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصْلِح بَيْنهمْ , بِأَنْ تَسْقُط دِيَات نِسَاء أَحَد الْحِزْبَيْنِ بِدِيَاتِ نِسَاء الْآخَرِينَ , وَدِيَات رِجَالهمْ بِدِيَاتِ رِجَالهمْ , وَدِيَات عَبِيدهمْ بِدِيَاتِ عَبِيدهمْ قِصَاصًا فَذَلِكَ عِنْدهمْ مَعْنَى الْقِصَاص فِي هَذِهِ الْآيَة . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّهُ تَعَالَى ذِكْره قَالَ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } فَمَا لَنَا أَنْ نَقْتَصّ لِلْحُرِّ إلَّا مِنْ الْحُرّ , وَلَا لِلْأُنْثَى إلَّا مِنْ الْأُنْثَى ؟ قِيلَ : بَلْ لَنَا أَنْ نَقْتَصّ لِلْحُرِّ مِنْ الْعَبْد وَلِلْأُنْثَى مِنْ الذَّكَر , بِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } 17 33 وَبِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيض عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ " . فَإِنْ قَالَ : فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ , فَمَا وَجْه تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة ؟ قِيلَ : اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي قَوْم كَانُوا إذَا قَتَلَ الرَّجُل مِنْهُمْ عَبْد قَوْم آخَرِينَ لَمْ يَرْضَوْا مِنْ قَتِيلهمْ بِدَمِ قَاتِله مِنْ أَجْل أَنَّهُ عَبْد حَتَّى يَقْتُلُوا بِهِ سَيِّده , وَإِذَا قَتَلَتْ الْمَرْأَة مِنْ غَيْرهمْ رَجُلًا لَمْ يَرْضَوْا مِنْ دَم صَاحِبهمْ بِالْمَرْأَةِ الْقَاتِلَة , حَتَّى يَقْتُلُوا رَجُلًا مِنْ رَهْط الْمَرْأَة وَعَشِيرَتهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة , فَأَعْلَمهُمْ أَنَّ الَّذِي فُرِضَ لَهُمْ مِنْ الْقِصَاص أَنْ يَقْتُلُوا بِالرَّجُلِ الرَّجُل الْقَاتِل دُون غَيْره , وَبِالْأُنْثَى الْأُنْثَى الْقَاتِلَة دُون غَيْرهَا مِنْ الرِّجَال , وَبِالْعَبْدِ الْعَبْد الْقَاتِل دُون غَيْره مِنْ الْأَحْرَار , فَنَهَاهُمْ أَنْ يَتَعَدَّوْا الْقَاتِل إلَى غَيْره فِي الْقِصَاص . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2108 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو الْوَلِيد , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَا : ثنا حَمَّاد , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله : { الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } قَالَ : نَزَلَتْ قِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ قَبَائِل الْعَرَب اقْتَتَلَتَا قِتَال عَمِيَة , فَقَالُوا : نَقْتُل بِعَبْدِنَا فُلَان ابْن فُلَان , وَبِفُلَانَةَ فُلَان ابْن فُلَان فَأَنْزَلَ اللَّه : { الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } 2109 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة فِيهِمْ بَغْي وَطَاعَة لِلشَّيْطَانِ , فَكَانَ الْحَيّ إذَا كَانَ فِيهِمْ عِدَة وَمَنَعَة , فَقَتَلَ عَبْد قَوْم آخَرِينَ عَبْدًا لَهُمْ , قَالُوا : لَا نَقْتُل بِهِ إلَّا حُرًّا ; تَعَزُّزًا لِفَضْلِهِمْ عَلَى غَيْرهمْ فِي أَنْفُسهمْ , وَإِذَا قُتِلَتْ لَهُمْ امْرَأَة قَتَلَتْهَا امْرَأَة قَوْم آخَرِينَ , قَالُوا : لَا نَقْتُل بِهَا إلَّا رَجُلًا . فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة يُخْبِرهُمْ أَنَّ الْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى , فَنَهَاهُمْ عَنْ الْبَغْي . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي سُورَة الْمَائِدَة بَعْد ذَلِكَ فَقَالَ : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْس بِالنَّفْسِ وَالْعَيْن بِالْعَيْنِ وَالْأَنْف بِالْأَنْفِ وَالْأُذُن بِالْأُذُنِ وَالسِّنّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوح قِصَاص } 5 45 * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى } قَالَ : لَمْ يَكُنْ لِمَنْ قَبْلنَا دِيَة إنَّمَا هُوَ الْقَتْل أَوْ الْعَفْو إلَى أَهْله , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي قَوْم كَانُوا أَكْثَر مِنْ غَيْرهمْ , فَكَانُوا إذَا قُتِلَ مِنْ الْحَيّ الْكَثِير عَبْد , قَالُوا : لَا نَقْتُل بِهِ إلَّا حُرًّا , وَإِذَا قُتِلَتْ مِنْهُمْ امْرَأَة قَالُوا : لَا نَقْتُل بِهَا إلَّا رَجُلًا , فَأَنْزَلَ اللَّه : { الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } . 2110 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت دَاوُد , عَنْ عَامِر فِي هَذِهِ الْآيَة : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } قَالَ : إنَّمَا ذَلِكَ فِي قِتَال عَمِيَة إذَا أُصِيب مِنْ هَؤُلَاءِ عَبْد وَمِنْ هَؤُلَاءِ عَبْد تَكَافَآ , وَفِي الْمَرْأَتَيْنِ كَذَلِكَ , وَفِي الْحُرَّيْنِ كَذَلِكَ هَذَا مَعْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّه . 2111 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : دَخَلَ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { الْحُرّ بِالْحُرِّ } الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ , وَالْمَرْأَة بِالرَّجُلِ . وَقَالَ عَطَاء : لَيْسَ بَيْنهمَا فَضْل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي فَرِيقَيْنِ كَانَ بَيْنهمْ قِتَال عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُتِلَ مِنْ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَة مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء , فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصْلِح بَيْنهمْ بِأَنْ يَجْعَل دِيَات النِّسَاء مِنْ كُلّ وَاحِد مِنْ الْفَرِيقَيْنِ قِصَاصًا بِدِيَاتِ النِّسَاء مِنْ الْفَرِيق الْآخَر , وَدِيَات الرِّجَال بِالرِّجَالِ , وَدِيَات الْعَبِيد بِالْعَبِيدِ ; فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى } . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2112 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ قَوْله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } قَالَ : اقْتَتَلَ أَهْل مِلَّتَيْنِ مِنْ الْعَرَب أَحَدهمَا مُسْلِم وَالْآخَر مُعَاهَد فِي بَعْض مَا يَكُون بَيْن الْعَرَب مِنْ الْأَمْر , فَأَصْلَحَ بَيْنهمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ كَانُوا قَتَلُوا الْأَحْرَار وَالْعَبِيد وَالنِّسَاء عَلَى أَنْ يُؤَدِّي الْحُرّ دِيَة الْحُرّ , وَالْعَبْد دِيَة الْعَبْد , وَالْأُنْثَى دِيَة الْأُنْثَى , فَقَاصَّهُمْ بَعْضهمْ مِنْ بَعْض . 2113 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك قَالَ : كَانَ بَيْن حَيَّيْنِ مِنْ الْأَنْصَار قِتَال , كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَر الطُّول , فَكَأَنَّهُمْ طَلَبُوا الْفَضْل , فَجَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْلِح بَيْنهمْ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } فَجَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ , وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى . 2114 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ شُعْبَة , عَنْ أَبِي بِشْر , قَالَ : سَمِعْت الشَّعْبِيّ يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى } قَالَ : نَزَلَتْ فِي قِتَال عَمِيَة - قَالَ شُعْبَة : كَأَنَّهُ فِي صُلْح - قَالَ : اصْطَلَحُوا عَلَى هَذَا . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ أَبِي بِشْر , قَالَ : سَمِعْت الشَّعْبِيّ يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } قَالَ : نَزَلَتْ فِي قِتَال عَمِيَة , قَالَ : كَانَ عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ أَمْر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِمُقَاصَّةِ دِيَة الْحُرّ وَدِيَة الْعَبْد وَدِيَة الذَّكَر وَدِيَة الْأُنْثَى فِي قَتْل الْعَمْد إنْ اقْتَصَّ لِلْقَتِيلِ مِنْ الْقَاتِل , وَالتَّرَاجُع بِالْفَضْلِ وَالزِّيَادَة بَيْن دِيَتَيْ الْقَتِيل وَالْمُقْتَصّ مِنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2115 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَنَّهُ كَانَ يَقُول : أَيّمَا حُرّ قَتَلَ عَبْدًا فَهُوَ قَوَد بِهِ , فَإِنْ شَاءَ مَوَالِي الْعَبْد أَنْ يَقْتُلُوا الْحُرّ قَتَلُوهُ , وَقَاصُّوهُمْ بِثَمَنِ الْعَبْد مِنْ دِيَة الْحُرّ , وَأَدَّوْا إلَى أَوْلِيَاء الْحُرّ بَقِيَّة دِيَته . وَإِنْ عَبْد قَتَلَ حُرًّا فَهُوَ بِهِ قَوَد , فَإِنْ شَاءَ أَوْلِيَاء الْحُرّ قَتَلُوا الْعَبْد , وَقَاصُّوهُمْ بِثَمَنِ الْعَبْد وَأَخَذُوا بَقِيَّة دِيَة الْحُرّ , وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَة كُلّهَا وَاسْتَحْيَوْا الْعَبْد . وَأَيّ حُرّ قَتَلَ امْرَأَة فَهُوَ بِهَا قَوَد , فَإِنْ شَاءَ أَوْلِيَاء الْمَرْأَة قَتَلُوهُ وَأَدَّوْا نِصْف الدِّيَة إلَى أَوْلِيَاء الْحُرّ . وَإِنْ امْرَأَة قَتَلَتْ حُرًّا فَهِيَ بِهِ قَوَد , فَإِنْ شَاءَ أَوْلِيَاء الْحُرّ قَتَلُوهَا وَأَخَذُوا نِصْف الدِّيَة , وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَة كُلّهَا وَاسْتَحْيَوْهَا وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا . 2116 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا هِشَام بْن عَبْد الْمَلِك , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي رَجُل قَتَلَ امْرَأَته , قَالَ : إنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ وَغَرِمُوا نِصْف الدِّيَة . 2117 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ سَعِيد , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن قَالَا : لَا يُقْتَل الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ حَتَّى يُعْطُوا نِصْف الدِّيَة . 2118 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ سِمَاك , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ فِي رَجُل قَتَلَ امْرَأَته عَمْدًا , فَأَتَوْا بِهِ عَلِيًّا , فَقَالَ : إنْ شِئْتُمْ فَاقْتُلُوهُ , وَرُدُّوا فَضْل دِيَة الرَّجُل عَلَى دِيَة الْمَرْأَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي حَال مَا نَزَلَتْ وَالْقَوْم لَا يَقْتُلُونَ الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ , وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الرَّجُل بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَة بِالْمَرْأَةِ حَتَّى سَوَّى اللَّه بَيْن حُكْم جَمِيعهمْ بِقَوْلِهِ : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْس بِالنَّفْسِ } 5 45 فَجَعَلَ جَمِيعهمْ قَوَد بَعْضهمْ بِبَعْضِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2119 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْتُلُونَ الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ , وَلَكِنْ يَقْتُلُونَ الرَّجُل بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَة بِالْمَرْأَةِ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { النَّفْس بِالنَّفْسِ } فَجَعَلَ الْأَحْرَار فِي الْقِصَاص , سَوَاء فِيمَا بَيْنهمْ فِي الْعَمْد رِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ فِي النَّفْس وَمَا دُون النَّفْس , وَجَعَلَ الْعَبِيد مُسْتَوِينَ فِيمَا بَيْنهمْ فِي الْعَمْد فِي النَّفْس وَمَا دُون النَّفْس , رِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ . فَإِذْ كَانَ مُخْتَلِفًا الِاخْتِلَاف الَّذِي وَصَفْت فِيمَا نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَة , فَالْوَاجِب عَلَيْنَا اسْتِعْمَالهَا فِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ الْحُكْم بِالْخَبَرِ الْقَاطِع الْعُذْر . وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّقْلِ الْعَامّ أَنَّ نَفْس الرَّجُل الْحُرّ قَوَد قِصَاصًا بِنَفْسِ الْمَرْأَة الْحُرَّة , فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَتْ الْأُمَّة مُخْتَلِفَة فِي التَّرَاجُع بِفَضْلِ مَا بَيْن دِيَة الرَّجُل وَالْمَرْأَة عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ قَوْل عَلِيّ وَغَيْره وَكَانَ وَاضِحًا فَسَاد قَوْل مَنْ قَالَ بِالْقِصَاصِ فِي ذَلِكَ وَالتَّرَاجُع بِفَضْلِ مَا بَيْن الدِّيَتَيْنِ بِإِجْمَاعِ جَمِيع أَهْل الْإِسْلَام عَلَى أَنَّ حَرَامًا عَلَى الرَّجُل أَنْ يُتْلِف مِنْ جَسَده عُضْوًا بِعِوَضِ يَأْخُذهُ عَلَى إتْلَافه فَدَعْ جَمِيعه , وَعَلَى أَنَّ حَرَامًا عَلَى غَيْره إتْلَاف شَيْء مِنْهُ مِثْل الَّذِي حَرُمَ مِنْ ذَلِكَ بِعِوَضِ يُعْطِيه عَلَيْهِ , فَالْوَاجِب أَنْ تَكُون نَفْس الرَّجُل الْحُرّ بِنَفْسِ الْمَرْأَة الْحُرَّة قَوَدًا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْره : { الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } أَنْ لَا يُقَاد الْعَبْد بِالْحُرِّ , وَأَنْ لَا تُقْتَل الْأُنْثَى بِالذَّكَرِ , وَلَا الذَّكَر بِالْأُنْثَى . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ بَيِّنًا أَنَّ الْآيَة مَعْنِيّ بِهَا أَحَد الْمَعْنَيَيْنِ الْآخَرَيْنِ : إمَّا قَوْلنَا مِنْ أَنْ لَا يَتَعَدَّى بِالْقِصَاصِ إلَى غَيْر الْقَاتِل وَالْجَانِي , فَيُؤْخَذ بِالْأُنْثَى الذَّكَر , وَبِالْعَبْدِ الْحُرّ . وَإِمَّا الْقَوْل الْآخَر وَهُوَ أَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَوْم بِأَعْيَانِهِمْ خَاصَّة أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَل دِيَات قَتْلَاهُمْ قِصَاصًا بَعْضهَا مِنْ بَعْض , كَمَا قَالَهُ السُّدِّيّ وَمَنْ ذَكَرْنَا قَوْله وَقَدْ أَجْمَع الْجَمِيع لَا خِلَاف بَيْنهمْ عَلَى أَنَّ الْمُقَاصَّة فِي الْحُقُوق غَيْر وَاجِبَة , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ اللَّه لَمْ يَقْضِ فِي ذَلِكَ قَضَاء ثُمَّ نَسَخَهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ , وَكَانَ قَوْله تَعَالَى ذِكْره : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص } يُنْبِئ عَنْ أَنَّهُ فَرْض كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْقَوْل خِلَاف مَا قَالَهُ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة , لِأَنَّ مَا كَانَ فَرْضًا عَلَى أَهْل الْحُقُوق أَنْ يَفْعَلُوهُ فَلَا خِيَار لَهُمْ فِيهِ , وَالْجَمِيع مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ لِأَهْلِ الْحُقُوق الْخِيَار فِي مُقَاصَّتهمْ حُقُوقهمْ بَعْضهَا مِنْ بَعْض , فَإِذَا تَبَيَّنَ فَسَاد هَذَا الْوَجْه الَّذِي ذَكَرْنَا , فَالصَّحِيح مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ هُوَ مَا قُلْنَا . فَإِنْ قَالَ قَائِل - إذْ ذَكَرْت أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص } بِمَعْنَى : فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص - : لَا يَعْرِف لِقَوْلِ الْقَائِل " كُتِبَ " مَعْنَى إلَّا مَعْنَى خُطَّ ذَلِكَ فَرُسِمَ خَطًّا وَكِتَابًا , فَمَا بُرْهَانك عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْله " كُتِبَ " فَرْض ؟ قِيلَ : إنَّ ذَلِكَ فِي كَلَام الْعَرَب مَوْجُود , وَفِي أَشْعَارهمْ مُسْتَفِيض , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : كُتِبَ الْقَتْل وَالْقِتَال عَلَيْنَا وَعَلَى الْمُحْصَنَات جَرّ الذُّيُول وَقَوْل نَابِغَة بَنِي جَعْدَة : يَا بِنْت عَمِّي كِتَاب اللَّه أَخْرَجَنِي عَنْكُمْ فَهَلْ أَمْنَعَن اللَّه مَا فَعَلَا وَذَلِكَ أَكْثَر فِي أَشْعَارهمْ وَكَلَامهمْ مِنْ أَنْ يُحْصَى . غَيْر أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى فُرِضَ , فَإِنَّهُ عِنْدِي مَأْخُوذ مِنْ الْكِتَاب الَّذِي هُوَ رُسِمَ وَخُطَّ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ كَتَبَ جَمِيع مَا فُرِضَ عَلَى عِبَاده وَمَا هُمْ عَامِلُوهُ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره فِي الْقُرْآن : { بَلْ هُوَ قُرْآن مَجِيد فِي لَوْح مَحْفُوظ } 85 21 : 22 وَقَالَ : { إنَّهُ لَقُرْآن كَرِيم فِي كِتَاب مَكْنُون } 56 77 : 78 فَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ كُلّ مَا فَرَضَهُ عَلَيْنَا فَفِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ مَكْتُوب فَمَعْنَى قَوْل إذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص } كُتِبَ عَلَيْكُمْ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى فَرْضًا أَنْ لَا تَقْتُلُوا بِالْمَقْتُولِ غَيْر قَاتِله . وَأَمَّا الْقِصَاص فَإِنَّهُ مِنْ قَوْل الْقَائِل : قَاصَصْت فُلَانًا حَقِّي قِبَله مِنْ حَقّه قِبَلِي , قِصَاصًا وَمُقَاصَّة فَقَتْل الْقَاتِل بِاَلَّذِي قَتَلَهُ قِصَاص , لِأَنَّهُ مَفْعُول بِهِ مِثْل الَّذِي فَعَلَ بِمَنْ قَتَلَهُ , وَإِنْ كَانَ أَحَد الْفِعْلَيْنِ عُدْوَانًا وَالْآخَر حَقًّا فَهُمَا وَإِنْ اخْتَلَفَا مِنْ هَذَا الْوَجْه , فَهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي أَنَّ كُلّ وَاحِد قَدْ فَعَلَ بِصَاحِبِهِ مِثْل الَّذِي فَعَلَ صَاحِبه بِهِ , وَجَعَلَ فِعْل وَلِيّ الْقَتِيل الْأَوَّل إذَا قَتَلَ قَاتِل وَلِيّه قِصَاصًا , إذْ كَانَ بِسَبَبِ قَتْله اسْتَحَقَّ قَتْل مَنْ قَتَلَهُ , فَكَأَنَّ وَلِيّه الْمَقْتُول هُوَ الَّذِي وَلِيَ قَتْل قَاتِله فَاقْتَصَّ مِنْهُ . وَأَمَّا الْقَتْلَى فَإِنَّهَا جَمْع قَتِيل , كَمَا الصَّرْعَى جَمْع صَرِيع , وَالْجَرْحَى جَمْع جَرِيح . وَإِنَّمَا يُجْمَع الْفَعِيل عَلَى الْفَعْلَى , إذَا كَانَ صِفَة لِلْمَوْصُوفِ بِهِ بِمَعْنَى الزَّمَانَة وَالضَّرَر الَّذِي لَا يَقْدِر مَعَهُ صَاحِبه عَلَى الْبَرَاح مِنْ مَوْضِعه وَمَصْرَعه , نَحْو الْقَتْلَى فِي مَعَارِكهمْ , وَالصَّرْعَى فِي مَوَاضِعهمْ , وَالْجَرْحَى وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ فَتَأْوِيل الْكَلَام إذَنْ : فُرِضَ عَلَيْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى أَنْ يَقْتَصّ الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ , وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى . ثُمَّ تَرَكَ ذِكْر أَنْ يُقْتَصّ اكْتِفَاء بِدَلَالَةِ قَوْله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص } عَلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : فَمَنْ تَرَكَ لَهُ مِنْ الْقَتْل ظُلْمًا مِنْ الْوَاجِب كَانَ لِأَخِيهِ عَلَيْهِ مِنْ الْقِصَاص , وَهُوَ الشَّيْء الَّذِي قَالَ اللَّه : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع } مِنْ الْعَافِي لِلْقَاتِلِ بِالْوَاجِبِ لَهُ قِبَله مِنْ الدِّيَة وَأَدَاء مِنْ الْمَعْفُوّ عَنْهُ ذَلِكَ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2120 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَحْمَد بْن حَمَّاد الدُّولَابِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ , عَنْ عَمْرو , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء } فَالْعَفْو أَنْ يَقْبَل الدِّيَة فِي الْعَمْد , وَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَطْلُب هَذَا بِمَعْرُوفٍ وَيُؤَدِّي هَذَا بِإِحْسَانٍ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا حَجَّاج بْن الْمِنْهَال قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ جَابِر بْن زَيْد , عَنْ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } فَقَالَ : هُوَ الْعَمْد يَرْضَى أَهْله بِالدِّيَةِ { وَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ } أَمَرَ بِهِ الطَّالِب { وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } مِنْ الْمَطْلُوب . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن سُفْيَان , قَالَ : ثنا أَبِي , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر قَالَا جَمِيعًا : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ مُحَمَّد بْن مُسْلِم , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : الَّذِي يَقْبَل الدِّيَة ذَلِكَ مِنْهُ عَفْو , وَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ , وَيُؤَدِّي إلَيْهِ الَّذِي عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ بِإِحْسَانٍ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } وَهِيَ الدِّيَة أَنْ يُحْسِن الطَّالِب الطَّلَب { وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } وَهُوَ أَنْ يُحْسِن الْمَطْلُوب الْأَدَاء . 2121 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } وَالْعَفْو الَّذِي يَعْفُو عَنْ الدَّم , وَيَأْخُذ الدِّيَة . * - حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء } قَالَ : الدِّيَة . 2122 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ يَزِيد , عَنْ إبْرَاهِيم , عَنْ الْحَسَن : { وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } قَالَ : عَلَى هَذَا الطَّالِب أَنْ يَطْلُب بِالْمَعْرُوفِ , وَعَلَى هَذَا الْمَطْلُوب أَنْ يُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ } وَالْعَفْو : الَّذِي يَعْفُو عَنْ الدَّم , وَيَأْخُذ الدِّيَة . 2123 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو الْوَلِيد , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } قَالَ : هُوَ الْعَمْد يَرْضَى أَهْله بِالدِّيَةِ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ دَاوُد , عَنْ الشَّعْبِيّ , مِثْله . 2124 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } يَقُول : قَتَلَ عَمْدًا فَعُفِيَ عَنْهُ , وَقُبِلَتْ مِنْهُ الدِّيَة , يَقُول : { فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ } فَأَمَرَ الْمُتَّبِع أَنْ يَتْبَع بِالْمَعْرُوفِ , وَأَمَرَ الْمُؤَدِّي أَنْ يُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ وَالْعَمْد قَوَد إلَيْهِ قِصَاص , لَا عَقْل فِيهِ إلَّا أَنْ يَرْضَوْا بِالدِّيَةِ , فَإِنْ رَضَوْا بِالدِّيَةِ فَمِائَة خَلِفَة , فَإِنْ قَالُوا : لَا نَرْضَى إلَّا بِكَذَا وَكَذَا ; فَذَاكَ لَهُمْ . 2125 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } قَالَ : يَتْبَع بِهِ الطَّالِب بِالْمَعْرُوفِ , وَيُؤَدِّي الْمَطْلُوب بِإِحْسَانٍ . 2126 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } يَقُول : فَمَنْ قَتَلَ عَمْدًا فَعُفِيَ عَنْهُ وَأُخِذَتْ مِنْهُ الدِّيَة , يَقُول : { فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ } : أَمَرَ صَاحِب الدِّيَة الَّتِي يَأْخُذهَا أَنْ يَتْبَع بِالْمَعْرُوفِ , وَأَمَرَ الْمُؤَدِّي أَنْ يُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ . 2127 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ قَوْله : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } قَالَ : ذَلِكَ إذَا أَخَذَ الدِّيَة فَهُوَ عَفْو . 2128 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخْبَرَنِي الْقَاسِم بْن أَبِي بِزَّة , عَنْ مُجَاهِد قَالَ : إذَا قَبِلَ الدِّيَة فَقَدْ عَفَا عَنْ الْقِصَاص , فَذَلِكَ قَوْله : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي الْأَعْرَج عَنْ مُجَاهِد مِثْل ذَلِكَ , وَزَادَ فِيهِ : فَإِذَا قَبِلَ الدِّيَة فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَتْبَع بِالْمَعْرُوفِ , وَعَلَى الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ أَنْ يُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ . * - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : ثنا مُسْلِم بْن إبْرَاهِيم ; قَالَ : ثنا أَبُو عُقَيْل ; قَالَ : قَالَ الْحَسَن : أَخَذَ الدِّيَة عَفْو حَسَن . 2129 - حَدَّثَنَا يُونُس قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } قَالَ : أَنْت أَيّهَا الْمَعْفُوّ عَنْهُ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } وَهُوَ الدِّيَة أَنْ يُحْسِن الطَّالِب , وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ : هُوَ أَنْ يُحْسِن الْمَطْلُوب الْأَدَاء . وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى قَوْله : { فَمَنْ عُفِيَ } فَمَنْ فَضَلَ لَهُ فَضْل وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّة . وَقَالُوا : مَعْنَى قَوْله : { مِنْ أَخِيهِ شَيْء } مِنْ دِيَة أَخِيهِ شَيْء , أَوْ مِنْ أَرْش جِرَاحَته فَاتِّبَاع مِنْهُ الْقَاتِل أَوْ الْجَارِح الَّذِي بَقِيَ ذَلِكَ قَبْله بِمَعْرُوفٍ وَأَدَاء مِنْ الْقَاتِل أَوْ الْجَارِح إلَيْهِ مَا بَقِيَ قَبْله لَهُ مِنْ ذَلِكَ بِإِحْسَانٍ . وَهَذَا قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ , أَعْنِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى } فِي الَّذِينَ تَحَارَبُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصْلِح بَيْنهمْ فَيُقَاصّ دِيَات بَعْضهمْ مِنْ بَعْض وَيَرُدّ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض بِفَضْلٍ إنْ بَقِيَ لَهُمْ قِبَل الْآخَرِينَ . وَأَحْسِب أَنَّ قَائِلِي هَذَا الْقَوْل وَجَّهُوا تَأْوِيل الْعَفْو فِي هَذَا الْمَوْضِع إلَى الْكَثْرَة مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { حَتَّى عَفَوْا } 7 95 فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام عِنْدهمْ : فَمَنْ كَثُرَ لَهُ قِبَل أَخِيهِ الْقَاتِل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2130 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء } يَقُول : بَقِيَ لَهُ مِنْ دِيَة أَخِيهِ شَيْء أَوْ مِنْ أَرْش جِرَاحَته , فَلْيَتْبَعْ بِمَعْرُوفٍ وَلْيُؤَدِّ الْآخَر إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ . وَالْوَاجِب عَلَى تَأْوِيل الْقَوْل الَّذِي رَوَيْنَا عَنْ عَلِيّ وَالْحَسَن - فِي قَوْله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص } أَنَّهُ بِمَعْنَى مُقَاصَّة دِيَة النَّفْس الذَّكَر مِنْ دِيَة النَّفْس الْأُنْثَى , وَالْعَبْد مِنْ الْحُرّ , وَالتَّرَاجُع بِفَضْلِ مَا بَيْن دِيَتَيْ أَنْفُسهمَا - أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء } فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ الْوَاجِب لِأَخِيهِ عَلَيْهِ مِنْ قِصَاص دِيَة أَحَدهمَا بِدِيَةِ نَفْس الْآخَر إلَى الرِّضَى بِدِيَةِ نَفْس الْمَقْتُول , فَاتِّبَاع مِنْ الْوَلِيّ بِالْمَعْرُوفِ , وَأَدَاء مِنْ الْقَاتِل إلَيْهِ ذَلِكَ بِإِحْسَانٍ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي قَوْله : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء } فَمَنْ صَفَحَ لَهُ مِنْ الْوَاجِب كَانَ لِأَخِيهِ عَلَيْهِ مِنْ الْقَوَد عَنْ شَيْء مِنْ الْوَاجِب عَلَى دِيَة يَأْخُذهَا مِنْهُ , فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ مِنْ الْعَافِي عَنْ الدَّم الرَّاضِي بِالدِّيَةِ مِنْ دَم وَلِيّه , وَأَدَاء إلَيْهِ مِنْ الْقَاتِل ذَلِكَ بِإِحْسَانٍ ; لِمَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ الْعِلَل فِيمَا مَضَى قَبْل مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص } إنَّمَا هُوَ الْقِصَاص مِنْ النَّفُوس الْقَاتِلَة أَوْ الْجَارِحَة وَالشَّاجَّة عَمْدًا , كَذَلِكَ الْعَفْو أَيْضًا عَنْ ذَلِكَ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَاتِّبَاع عَلَى مَا أَوْجَبَهُ اللَّه لَهُ مِنْ الْحَقّ قِبَل قَاتِل وَلِيّه مِنْ غَيْر أَنْ يَزْدَاد عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ فِي أَسْنَان الْفَرَائِض أَوْ غَيْر ذَلِكَ , أَوْ يُكَلِّفهُ مَا لَمْ يُوجِبهُ اللَّه لَهُ عَلَيْهِ . كَمَا : 2131 - حَدَّثَنِي بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : بَلَغَنَا عَنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ بَعِيرًا " يَعْنِي فِي إبِل الدِّيَات وَفَرَائِضهَا " فَمِنْ أَمْر الْجَاهِلِيَّة " . وَأَمَّا إحْسَان الْآخَر فِي الْأَدَاء , فَهُوَ أَدَاء مَا لَزِمَهُ بِقَتْلِهِ لِوَلِيِّ الْقَتِيل عَلَى مَا أَلْزَمَهُ اللَّه وَأَوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْر أَنْ يَبْخَسهُ حَقًّا لَهُ قِبَله بِسَبَبِ ذَلِكَ , أَوْ يُحْوِجَهُ إلَى اقْتِضَاء وَمُطَالَبَة . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } وَلَمْ يَقُلْ : فَاتِّبَاعًا بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ كَمَا قَالَ : { فَإِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ } 47 4 ؟ قِيلَ : لَوْ كَانَ التَّنْزِيل جَاءَ بِالنَّصْبِ , وَكَانَ : فَاتِّبَاعًا بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ , كَانَ جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّة صَحِيحًا عَلَى وَجْه الْأَمْر , كَمَا يُقَال : ضَرْبًا ضَرْبًا , وَإِذَا لَقِيت فُلَانًا فَتَبْجِيلًا وَتَعْظِيمًا غَيْر أَنَّهُ جَاءَ رَفْعًا وَهُوَ أَفْصَح فِي كَلَام الْعَرَب مِنْ نَصْبه , وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي كُلّ مَا كَانَ نَظِيرًا لَهُ مِمَّا يَكُون فَرْضًا عَامًّا فِيمَنْ قَدْ فَعَلَ وَفِيمَنْ لَمْ يَفْعَل إذَا فَعَلَ , لَا نَدْبًا وَحَثًّا . وَرَفْعه عَلَى مَعْنَى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَالْأَمْر فِيهِ اتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ , وَأَدَاء إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ , أَوْ : فَالْقَضَاء وَالْحُكْم فِيهِ اتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ . وَقَدْ قَالَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة : رَفْع ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَعَلَيْهِ اتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ . وَهَذَا مَذْهَبِي , وَالْأَوَّل الَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ وَجْه الْكَلَام , وَكَذَلِكَ كُلّ مَا كَانَ مِنْ نَظَائِر ذَلِكَ فِي الْقُرْآن فَإِنَّ رَفْعه عَلَى الْوَجْه الَّذِي قُلْنَاهُ , وَذَلِكَ مِثْل قَوْله : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } 5 95 وَقَوْله : { فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ } 2 229 وَأَمَّا قَوْله : { فَضَرْبَ الرِّقَابِ } فَإِنَّ الصَّوَاب فِيهِ النَّصْب , وَهُوَ وَجْه الْكَلَام لِأَنَّهُ عَلَى وَجْه الْحَثّ مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عِبَاده عَلَى الْقَتْل عِنْد لِقَاء الْعَدُوّ كَمَا يُقَال : إذَا لَقِيتُمْ الْعَدُوّ فَتَكْبِيرًا وَتَهْلِيلًا , عَلَى وَجْه الْحَضّ عَلَى التَّكْبِير لَا عَلَى وَجْه الْإِيجَاب وَالْإِلْزَام . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ تَخْفِيف مِنْ رَبّكُمْ وَرَحْمَة } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ ذَلِكَ : هَذَا الَّذِي حَكَمْت بِهِ وَسَنَنْته لَكُمْ مِنْ إبَاحَتِي لَكُمْ أَيَّتهَا الْأُمَّة الْعَفْو عَنْ الْقِصَاص مِنْ قَاتِل قَتِيلكُمْ عَلَى دِيَة تَأْخُذُونَهَا فَتَمْلِكُونَهَا مُلْككُمْ سَائِر أَمْوَالكُمْ الَّتِي كُنْت مَنَعْتهَا مَنْ قَبْلكُمْ مِنْ الْأُمَم السَّالِفَة , { تَخْفِيف مِنْ رَبّكُمْ } يَقُول : تَخْفِيف مِنِّي لَكُمْ مِمَّا كُنْت ثَقَّلْته عَلَى غَيْركُمْ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَرَحْمَة مِنِّي لَكُمْ . كَمَا : 2132 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَحْمَد بْن حَمَّاد الدُّولَابِيّ قَالَا : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيل الْقِصَاص وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَة , فَقَالَ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ } إلَى قَوْله : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء } فَالْعَفْو أَنْ يَقْبَل الدِّيَة فِي الْعَمْد , { ذَلِكَ تَخْفِيف مِنْ رَبّكُمْ } يَقُول : خَفَّفَ عَنْكُمْ مَا كَانَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ أَنْ يَطْلُب هَذَا بِمَعْرُوفٍ وَيُؤَدِّي هَذَا بِإِحْسَانٍ . 2133 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن شَقِيق , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , عَنْ مُحَمَّد بْن مُسْلِم , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ يَقْتُلُونَ الْقَاتِل بِالْقَتِيلِ لَا تُقْبَل مِنْهُمْ الدِّيَة , فَأَنْزَلَ اللَّه : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ } إلَى آخِر الْآيَة ; { ذَلِكَ تَخْفِيف مِنْ رَبّكُمْ } يَقُول : خَفَّفَ عَنْكُمْ وَكَانَ عَلَى مَنْ قَبْلكُمْ أَنَّ الدِّيَة لَمْ تَكُنْ تُقْبَل , فَاَلَّذِي يَقْبَل الدِّيَة ذَلِكَ مِنْهُ عَفْو . 2134 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ جَابِر بْن زَيْد , عَنْ ابْن عَبَّاس : { ذَلِكَ تَخْفِيف مِنْ رَبّكُمْ وَرَحْمَة } مِمَّا كَانَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيل , يَعْنِي مِنْ تَحْرِيم الدِّيَة عَلَيْهِمْ . 2135 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيل قِصَاص فِي الْقَتْل لَيْسَ بَيْنهمْ دِيَة فِي نَفْس وَلَا جُرْح , وَذَلِكَ قَوْل اللَّه : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْس بِالنَّفْسِ وَالْعَيْن بِالْعَيْنِ } الْآيَة كُلّهَا . وَخَفَّفَ اللَّه عَنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَبِلَ مِنْهُمْ الدِّيَة فِي النَّفْس وَفِي الْجِرَاحَة , وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ تَخْفِيف مِنْ رَبّكُمْ } 2 178 بَيْنكُمْ . 2136 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { ذَلِكَ تَخْفِيف مِنْ رَبّكُمْ وَرَحْمَة } وَإِنَّمَا هِيَ رَحْمَة رَحِمَ اللَّه بِهَا هَذِهِ الْأُمَّة أَطْعَمَهُمْ الدِّيَة , وَأَحَلَّهَا لَهُمْ , وَلَمْ تَحِلّ لِأَحَدٍ قَبْلهمْ . فَكَانَ أَهْل التَّوْرَاة إنَّمَا هُوَ الْقِصَاص أَوْ الْعَفْو , وَلَيْسَ بَيْنهمَا أَرْش . وَكَانَ أَهْل الْإِنْجِيل إنَّمَا هُوَ عَفْو أُمِرُوا بِهِ , فَجَعَلَ اللَّه لِهَذِهِ الْأُمَّة الْقَوَد وَالْعَفْو وَالدِّيَة إنْ شَاءُوا أَحَلَّهَا لَهُمْ , وَلَمْ تَكُنْ لِأُمَّةٍ قَبْلهمْ . 2137 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بِمِثْلِهِ سَوَاء , غَيْر أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ بَيْنهمَا شَيْء . 2138 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى } قَالَ : لَمْ يَكُنْ لِمَنْ قَبْلنَا دِيَة , إنَّمَا هُوَ الْقَتْل أَوْ الْعَفْو إلَى أَهْله , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي قَوْم كَانُوا أَكْثَر مِنْ غَيْرهمْ . 2139 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : إنَّ بَنِي إسْرَائِيل كَانَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاص , وَخَفَّفَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّة . وَتَلَا عَمْرو بْن دِينَار : { ذَلِكَ تَخْفِيف مِنْ رَبّكُمْ وَرَحْمَة } وَأَمَّا عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : الْقِصَاص فِي هَذِهِ الْآيَة مَعْنَاهُ : قِصَاص الدِّيَات بَعْضهَا مِنْ بَعْض عَلَى مَا قَالَهُ السُّدِّيّ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون تَأْوِيله : هَذَا الَّذِي فَعَلْت بِكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ قِصَاص دِيَات قَتْلَى بَعْضكُمْ بِدِيَاتِ بَعْض وَتَرْك إيجَاب الْقَوَد عَلَى الْبَاقِينَ مِنْكُمْ بِقَتِيلِهِ الَّذِي قَتَلَهُ وَأَخَذَهُ بِدِيَتِهِ , تَخْفِيف مِنِّي عَنْكُمْ ثَقُلَ مَا كَانَ عَلَيْكُمْ مِنْ حُكْمِي عَلَيْكُمْ بِالْقَوَدِ أَوْ الدِّيَة وَرَحْمَة مِنِّي لَكُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ اعْتَدَى بَعْد ذَلِكَ فَلَهُ عَذَاب أَلِيم } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { فَمَنْ اعْتَدَى بَعْد ذَلِكَ } فَمَنْ تَجَاوَزَ مَا جَعَلَهُ اللَّه لَهُ بَعْد أَخْذه الدِّيَة اعْتِدَاء وَظُلْمًا إلَى مَا لَمْ يَجْعَل لَهُ مِنْ قَتْل قَاتِل وَلِيّه وَسَفْك دَمه , فَلَهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ وَتَعَدِّيه إلَى مَا قَدْ حَرَّمْته عَلَيْهِ عَذَاب أَلِيم . وَقَدْ بَيَّنْت مَعْنَى الِاعْتِدَاء فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2140 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَمَنْ اعْتَدَى بَعْد ذَلِكَ } فَقَتَلَ , { فَلَهُ عَذَاب أَلِيم } * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : فَمَنْ اعْتَدَى بَعْد أَخْذ الدِّيَة فَلَهُ عَذَاب أَلِيم . 2141 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { فَمَنْ اعْتَدَى بَعْد ذَلِكَ فَلَهُ عَذَاب أَلِيم } يَقُول : فَمَنْ اعْتَدَى بَعْد أَخْذه الدِّيَة فَقَتَلَ , فَلَهُ عَذَاب أَلِيم . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " لَا أُعَافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْد أَخْذه الدِّيَة " * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { فَمَنْ اعْتَدَى بَعْد ذَلِكَ } قَالَ : هُوَ الْقَتْل بَعْد أَخْذ الدِّيَة , يَقُول : مَنْ قَتَلَ بَعْد أَنْ يَأْخُذ الدِّيَة فَعَلَيْهِ الْقَتْل لَا تُقْبَل مِنْهُ الدِّيَة . 2142 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { فَمَنْ اعْتَدَى بَعْد ذَلِكَ فَلَهُ عَذَاب أَلِيم } يَقُول : فَمَنْ اعْتَدَى بَعْد أَخْذه الدِّيَة فَلَهُ عَذَاب أَلِيم . 2143 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ يَزِيد بْن إبْرَاهِيم , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : كَانَ الرَّجُل إذَا قَتَلَ قَتِيلًا فِي الْجَاهِلِيَّة فَرَّ إلَى قَوْمه , فَيَجِيء قَوْمه فَيُصَالِحُونَ عَنْهُ بِالدِّيَةِ . قَالَ : فَيَخْرُج الْفَارّ وَقَدْ أَمِنَ عَلَى نَفْسه . قَالَ : فَيُقْتَل ثُمَّ يُرْمَى إ

تفسير القرطبي

رَوَى الْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : " كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل الْقِصَاص وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَة , فَقَالَ اللَّه لِهَذِهِ الْأُمَّة : " كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء " فَالْعَفْو أَنْ يَقْبَل الدِّيَة فِي الْعَمْد " فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ " يَتَّبِع بِالْمَعْرُوفِ وَيُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ " ذَلِكَ تَخْفِيف مِنْ رَبّكُمْ وَرَحْمَة " مِمَّا كَتَبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ " فَمَنْ اِعْتَدَى بَعْد ذَلِكَ فَلَهُ عَذَاب أَلِيم " قَتَلَ بَعْد قَبُول الدِّيَة " . هَذَا لَفْظ الْبُخَارِيّ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيّ حَدَّثَنَا سُفْيَان حَدَّثَنَا عَمْرو قَالَ سَمِعْت مُجَاهِدًا قَالَ سَمِعْت اِبْن عَبَّاس يَقُول : وَقَالَ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله تَعَالَى : " الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى " قَالَ : أُنْزِلَتْ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ قَبَائِل الْعَرَب اِقْتَتَلَتَا فَقَالُوا , نَقْبَل بِعَبْدِنَا فُلَان بْن فُلَان , وَبِأُمَّتِنَا فُلَانَة بِنْت فُلَان , وَنَحْوه عَنْ قَتَادَة . " كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص " " كُتِبَ " مَعْنَاهُ فُرِضَ وَأُثْبِتَ , وَمِنْهُ قَوْل عُمَر بْن أَبِي رَبِيعَة : كُتِبَ الْقَتْل وَالْقِتَال عَلَيْنَا وَعَلَى الْغَانِيَات جَرّ الذُّيُول وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ " كُتِبَ " هُنَا إِخْبَار عَمَّا كُتِبَ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَسَبَقَ بِهِ الْقَضَاء , وَالْقِصَاص مَأْخُوذ مِنْ قَصّ الْأَثَر وَهُوَ اِتِّبَاعه , وَمِنْهُ الْقَاصّ لِأَنَّهُ يَتْبَع الْآثَار وَالْأَخْبَار . وَقَصّ الشَّعْر اِتِّبَاع أَثَره , فَكَأَنَّ الْقَاتِل سَلَكَ طَرِيقًا مِنْ الْقَتْل فَقَصَّ أَثَره فِيهَا وَمَشَى عَلَى سَبِيله فِي ذَلِكَ , وَمِنْهُ " فَارْتَدَّا عَلَى آثَارهمَا قَصَصًا " [ الْكَهْف : 64 ] , وَقِيلَ : الْقَصّ الْقَطْع , يُقَال : قَصَصْت مَا بَيْنهمَا , وَمِنْهُ أَخْذ الْقِصَاص ; لِأَنَّهُ يَجْرَحهُ مِثْل جُرْحه أَوْ يَقْتُلهُ بِهِ , يُقَال : أَقَصَّ الْحَاكِم فُلَانًا مِنْ فُلَان وَأَبَاءَهُ بِهِ فَأَمْثَلَهُ فَامْتَثَلَ مِنْهُ , أَيْ اِقْتَصَّ مِنْهُ . صُورَة الْقِصَاص هُوَ أَنَّ الْقَاتِل فُرِضَ عَلَيْهِ إِذَا أَرَادَ الْوَلِيّ الْقَتْل الِاسْتِسْلَام لِأَمْرِ اللَّه وَالِانْقِيَاد لِقِصَاصِهِ الْمَشْرُوع , وَأَنَّ الْوَلِيّ فُرِضَ عَلَيْهِ الْوُقُوف عِنْد قَاتِل وَلِيّه وَتَرْك التَّعَدِّي عَلَى غَيْره , كَمَا كَانَتْ الْعَرَب تَتَعَدَّى فَتَقْتُل غَيْر الْقَاتِل , وَهُوَ مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ مِنْ أَعْتَى النَّاس عَلَى اللَّه يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة رَجُل قَتَلَ غَيْر قَاتِله وَرَجُل قَتَلَ فِي الْحَرَم وَرَجُل أَخَذَ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّة ) . قَالَ الشَّعْبِيّ وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا : إِنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانَ فِيهِمْ بَغْي وَطَاعَة لِلشَّيْطَانِ , فَكَانَ الْحَيّ إِذَا كَانَ فِيهِ عِزّ وَمَنَعَة فَقُتِلَ لَهُمْ عَبْد , قَتَلَهُ عَبْد قَوْم آخَرِينَ قَالُوا : لَا نَقْتُل بِهِ إِلَّا حُرًّا , وَإِذَا قُتِلَتْ مِنْهُمْ اِمْرَأَة قَالُوا : لَا نَقْتُل بِهَا إِلَّا رَجُلًا , وَإِذَا قُتِلَ لَهُمْ وَضِيع قَالُوا : لَا نَقْتُل بِهِ إِلَّا شَرِيفًا , وَيَقُولُونَ : [ الْقَتْل أَوْقَى لِلْقَتْلِ ] بِالْوَاوِ وَالْقَاف , وَيُرْوَى [ أَبْقَى ] بِالْبَاءِ وَالْقَاف , وَيُرْوَى [ أَنْفَى ] بِالنُّونِ وَالْفَاء , فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ الْبَغْي فَقَالَ : " كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ " الْآيَة , وَقَالَ " وَلَكُمْ فِي الْقِصَاص حَيَاة " [ الْبَقَرَة : 179 ] , وَبَيْن الْكَلَامَيْنِ فِي الْفَصَاحَة وَالْجَزْل بَوْن عَظِيم . لَا خِلَاف أَنَّ الْقِصَاص فِي الْقَتْل لَا يُقِيمهُ إِلَّا أُولُوا الْأَمْر , فُرِضَ عَلَيْهِمْ النُّهُوض بِالْقِصَاصِ وَإِقَامَة الْحُدُود وَغَيْر ذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه خَاطَبَ جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ بِالْقِصَاصِ , ثُمَّ لَا يَتَهَيَّأ لِلْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى الْقِصَاص , فَأَقَامُوا السُّلْطَان مَقَام أَنْفُسهمْ فِي إِقَامَة الْقِصَاص وَغَيْره مِنْ الْحُدُود , وَلَيْسَ الْقِصَاص بِلَازِمٍ إِنَّمَا اللَّازِم أَلَّا يَتَجَاوَز الْقِصَاص وَغَيْره مِنْ الْحُدُود إِلَى الِاعْتِدَاء , فَأَمَّا إِذَا وَقَعَ الرِّضَا بِدُونِ الْقِصَاص مِنْ دِيَة أَوْ عَفْو فَذَلِكَ مُبَاح , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه , فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى " كُتِبَ عَلَيْكُمْ " مَعْنَاهُ فُرِضَ وَأُلْزِمَ , فَكَيْف يَكُون الْقِصَاص غَيْر وَاجِب ؟ قِيلَ لَهُ : مَعْنَاهُ إِذَا أَرَدْتُمْ , فَأَعْلَمَ أَنَّ الْقِصَاص هُوَ الْغَايَة عِنْد التَّشَاحّ , وَالْقَتْلَى جَمْع قَتِيل , لَفْظ مُؤَنَّث تَأْنِيث الْجَمَاعَة , وَهُوَ مِمَّا يَدْخُل عَلَى النَّاس كُرْهًا , فَلِذَلِكَ جَاءَ عَلَى هَذَا الْبِنَاء كَجَرْحَى وَزَمْنَى وَحَمْقَى وَصَرْعَى وَغَرْقَى , وَشَبَههنَّ . فِيهَا عَشْرَة مَسَائِل الْأُولَى : اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلهَا , فَقَالَتْ طَائِفَة : جَاءَتْ الْآيَة مُبَيِّنَة لِحُكْمِ النَّوْع إِذَا قَتَلَ نَوْعه , فَبَيَّنَتْ حُكْم الْحُرّ إِذَا قَتَلَ حُرًّا , وَالْعَبْد إِذَا قَتَلَ عَبْدًا , وَالْأُنْثَى إِذَا قَتَلَتْ أُنْثَى , وَلَمْ تَتَعَرَّض لِأَحَدِ النَّوْعَيْنِ إِذَا قَتَلَ الْآخَر , فَالْآيَة مُحْكَمَة وَفِيهَا إِجْمَال يُبَيِّنهُ قَوْله تَعَالَى : " وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْس بِالنَّفْسِ " [ الْمَائِدَة : 45 ] , وَبَيَّنَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُنَّتِهِ لَمَّا قَتَلَ الْيَهُودِيّ بِالْمَرْأَةِ , قَالَهُ مُجَاهِد , وَذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْد عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّهَا مَنْسُوخَة بِآيَةِ " الْمَائِدَة " وَهُوَ قَوْل أَهْل الْعِرَاق . الثَّانِيَة : قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالثَّوْرِيّ : يُقْتَل الْحُرّ بِالْعَبْدِ , وَالْمُسْلِم بِالذِّمِّيِّ , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى " فَعَمَّ , وَقَوْله : " وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْس بِالنَّفْسِ " [ الْمَائِدَة : 45 ] , قَالُوا : وَالذِّمِّيّ مَعَ الْمُسْلِم مُتَسَاوِيَانِ فِي الْحُرْمَة الَّتِي تَكْفِي فِي الْقِصَاص وَهِيَ حُرْمَة الدَّم الثَّابِتَة عَلَى التَّأْبِيد , فَإِنَّ الذِّمِّيّ مَحْقُون الدَّم عَلَى التَّأْبِيد , وَالْمُسْلِم كَذَلِكَ , وَكِلَاهُمَا قَدْ صَارَ مِنْ أَهْل دَار الْإِسْلَام , وَاَلَّذِي يُحَقِّق ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِم يُقْطَع بِسَرِقَةِ مَال الذِّمِّيّ , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَال الذِّمِّيّ قَدْ سَاوَى مَال الْمُسْلِم , فَدَلَّ عَلَى مُسَاوَاته لِدَمِهِ إِذْ الْمَال إِنَّمَا يَحْرُم بِحُرْمَةِ مَالِكه , وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيّ وَابْن أَبِي لَيْلَى عَلَى أَنَّ الْحُرّ يُقْتَل بِالْعَبْدِ كَمَا يُقْتَل الْعَبْد بِهِ , وَهُوَ قَوْل دَاوُد , وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا , وَبِهِ قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَقَتَادَة وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَة , وَالْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء لَا يَقْتُلُونَ الْحُرّ بِالْعَبْدِ , لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّقْسِيم فِي الْآيَة . وَقَالَ أَبُو ثَوْر : لَمَّا اِتَّفَقَ جَمِيعهمْ عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاص بَيْن الْعَبِيد وَالْأَحْرَار فِيمَا دُون النُّفُوس كَانَتْ النُّفُوس أَحْرَى بِذَلِكَ , وَمَنْ فَرَّقَ مِنْهُمْ بَيْن ذَلِكَ فَقَدْ نَاقَضَ , وَأَيْضًا فَالْإِجْمَاع فِيمَنْ قَتَلَ عَبْدًا خَطَأ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْقِيمَة , فَكَمَا لَمْ يُشْبِه الْحُرّ فِي الْخَطَأ لَمْ يُشْبِههُ فِي الْعَمْد , وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَبْد سِلْعَة مِنْ السِّلَع يُبَاع وَيُشْتَرَى , وَيَتَصَرَّف فِيهِ الْحُرّ كَيْف شَاءَ , فَلَا مُسَاوَاة بَيْنه وَبَيْن الْحُرّ وَلَا مُقَاوَمَة . قُلْت : هَذَا الْإِجْمَاع صَحِيح , وَأَمَّا قَوْله أَوَّلًا : " وَلَمَّا اِتَّفَقَ جَمِيعهمْ - إِلَى قَوْله - فَقَدْ نَاقَضَ " فَقَدْ قَالَ اِبْن أَبِي لَيْلَى وَدَاوُد بِالْقِصَاصِ بَيْن الْأَحْرَار وَالْعَبِيد فِي النَّفْس وَفِي جَمِيع الْأَعْضَاء , وَاسْتَدَلَّ دَاوُد بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ ) فَلَمْ يُفَرِّق بَيْن حُرّ وَعَبْد . وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي " النِّسَاء " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . الثَّالِثَة : وَالْجُمْهُور أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَل مُسْلِم بِكَافِرٍ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُقْتَل مُسْلِم بِكَافِرٍ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَلَا يَصِحّ لَهُمْ مَا رَوَوْهُ مِنْ حَدِيث رَبِيعَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ يَوْم خَيْبَر مُسْلِمًا بِكَافِرٍ ; لِأَنَّهُ مُنْقَطِع , وَمِنْ حَدِيث اِبْن الْبَيْلَمَانِيّ وَهُوَ ضَعِيف عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْفُوعًا . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : " لَمْ يُسْنِدهُ غَيْر إِبْرَاهِيم بْن أَبِي يَحْيَى وَهُوَ مَتْرُوك الْحَدِيث , وَالصَّوَاب عَنْ رَبِيعَة عَنْ اِبْن الْبَيْلَمَانِيّ مُرْسَل عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَابْن الْبَيْلَمَانِيّ ضَعِيف الْحَدِيث لَا تَقُوم بِهِ حُجَّة إِذَا وَصَلَ الْحَدِيث , فَكَيْف بِمَا يُرْسِلهُ " . قُلْت : فَلَا يَصِحّ فِي الْبَاب إِلَّا حَدِيث الْبُخَارِيّ , وَهُوَ يُخَصِّص عُمُوم قَوْله تَعَالَى : " كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى " الْآيَة , وَعُمُوم قَوْله : " النَّفْس بِالنَّفْسِ " [ الْمَائِدَة : 45 ] . الرَّابِعَة : رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَالْحَسَن بْن أَبِي الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ مُبَيِّنَة حُكْم الْمَذْكُورِينَ , لِيَدُلّ ذَلِكَ عَلَى الْفَرْق بَيْنهمْ وَبَيْن أَنْ يَقْتُل حُرّ عَبْدًا أَوْ عَبْد حُرًّا , أَوْ ذَكَر أُنْثَى أَوْ أُنْثَى ذَكَرًا , وَقَالَا : إِذَا قَتَلَ رَجُل اِمْرَأَة فَإِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاؤُهَا قَتَلُوا صَاحِبهمْ وَوَفَّوْا أَوْلِيَاءَهُ نِصْف الدِّيَة , وَإِنْ أَرَادُوا اِسْتَحْيَوْهُ وَأَخَذُوا مِنْهُ دِيَة الْمَرْأَة . وَإِذَا قَتَلَتْ اِمْرَأَة رَجُلًا فَإِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلهَا قَتَلُوهَا وَأَخَذُوا نِصْف الدِّيَة , وَإِلَّا أَخَذُوا دِيَة صَاحِبهمْ وَاسْتَحْيَوْهَا . رَوَى هَذَا الشَّعْبِيّ عَنْ عَلِيّ , وَلَا يَصِحّ ; لِأَنَّ الشَّعْبِيّ لَمْ يَلْقَ عَلِيًّا , وَقَدْ رَوَى الْحَكَم عَنْ عَلِيّ وَعَبْد اللَّه قَالَا : إِذَا قَتَلَ الرَّجُل الْمَرْأَة مُتَعَمِّدًا فَهُوَ بِهَا قَوَد , وَهَذَا يُعَارِض رِوَايَة الشَّعْبِيّ عَنْ عَلِيّ , وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْأَعْوَر وَالْأَشَلّ إِذَا قَتَلَ رَجُلًا سَالِم الْأَعْضَاء أَنَّهُ لَيْسَ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَقْتُل الْأَعْوَر , وَيَأْخُذ مِنْهُ نِصْف الدِّيَة مِنْ أَجْل أَنَّهُ قَتَلَ ذَا عَيْنَيْنِ وَهُوَ أَعْوَر , وَقَتَلَ ذَا يَدَيْنِ وَهُوَ أَشَلّ , فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ النَّفْس مُكَافِئَة لِلنَّفْسِ , وَيُكَافِئ الطِّفْل فِيهَا الْكَبِير . وَيُقَال لِقَائِلِ ذَلِكَ : إِنْ كَانَ الرَّجُل لَا تُكَافِئهُ الْمَرْأَة وَلَا تَدْخُل تَحْت قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ ) فَلِمَ قَتَلْت الرَّجُل بِهَا وَهِيَ لَا تُكَافِئهُ ثُمَّ تَأْخُذ نِصْف الدِّيَة , وَالْعُلَمَاء قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الدِّيَة لَا تَجْتَمِع مَعَ الْقِصَاص , وَأَنَّ الدِّيَة إِذَا قُبِلَتْ حَرُمَ الدَّم وَارْتَفَعَ الْقِصَاص , فَلَيْسَ قَوْلك هَذَا بِأَصْلٍ وَلَا قِيَاس , قَالَهُ أَبُو عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَإِذَا قَتَلَ الْحُرّ الْعَبْد , فَإِنْ أَرَادَ سَيِّد الْعَبْد قَتَلَ وَأَعْطَى دِيَة الْحُرّ إِلَّا قِيمَة الْعَبْد , وَإِنْ شَاءَ اِسْتَحْيَا وَأَخَذَ قِيمَة الْعَبْد , هَذَا مَذْكُور عَنْ عَلِيّ وَالْحَسَن , وَقَدْ أُنْكِرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ أَيْضًا . الْخَامِسَة : وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى قَتْل الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَة بِالرَّجُلِ , وَالْجُمْهُور لَا يَرَوْنَ الرُّجُوع بِشَيْءٍ , وَفِرْقَة تَرَى الِاتِّبَاع بِفَضْلِ الدِّيَات . قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَالثَّوْرِيّ وَأَبُو ثَوْر : وَكَذَلِكَ الْقِصَاص بَيْنهمَا فِيمَا دُون النَّفْس , وَقَالَ حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان وَأَبُو حَنِيفَة : لَا قِصَاص بَيْنهمَا فِيمَا دُون النَّفْس وَإِنَّمَا هُوَ فِي النَّفْس بِالنَّفْسِ , وَهُمَا مَحْجُوجَانِ بِإِلْحَاقِ مَا دُون النَّفْس بِالنَّفْسِ عَلَى طَرِيق الْأَحْرَى وَالْأَوْلَى , عَلَى مَا تَقَدَّمَ . السَّادِسَة : قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَقَدْ بَلَغَتْ الْجَهَالَة بِأَقْوَامٍ إِلَى أَنْ قَالُوا : يُقْتَل الْحُرّ بِعَبْدِ نَفْسه , وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ الْحَسَن عَنْ سَمُرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ قَتَلَ عَبْده قَتَلْنَاهُ ) وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف , وَدَلِيلنَا قَوْله تَعَالَى : " وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْل " [ الْإِسْرَاء : 33 ] وَالْوَلِيّ هَاهُنَا السَّيِّد , فَكَيْف يُجْعَل لَهُ سُلْطَان عَلَى نَفْسه " , وَقَدْ اِتَّفَقَ الْجَمِيع عَلَى أَنَّ السَّيِّد لَوْ قَتَلَ عَبْده خَطَأ أَنَّهُ لَا تُؤْخَذ مِنْهُ قِيمَته لِبَيْتِ الْمَال , وَقَدْ رَوَى عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْده مُتَعَمِّدًا فَجَلَدَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَنَفَاهُ سَنَة وَمَحَا سَهْمه مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُقِدْهُ بِهِ ) فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا قَتَلَ الرَّجُل زَوْجَته لِمَ لَمْ تَقُولُوا : يُنَصَّب النِّكَاح شُبْهَة فِي دَرْء الْقِصَاص عَنْ الزَّوْج , إِذْ النِّكَاح ضَرْب مِنْ الرِّقّ , وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ اللَّيْث بْن سَعْد . قُلْنَا : النِّكَاح يَنْعَقِد لَهَا عَلَيْهِ , كَمَا يَنْعَقِد لَهُ عَلَيْهَا , بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّج أُخْتهَا وَلَا أَرْبَعًا سِوَاهَا , وَتُطَالِبهُ فِي حَقّ الْوَطْء بِمَا يُطَالِبهَا , وَلَكِنْ لَهُ عَلَيْهَا فَضْل الْقِوَامَة الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَهُ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَ مِنْ مَاله , أَيْ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ صَدَاق وَنَفَقَة , فَلَوْ أَوْرَثَ شُبْهَة لَأَوْرَثَهَا فِي الْجَانِبَيْنِ . قُلْت : هَذَا الْحَدِيث الَّذِي ضَعَّفَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ وَهُوَ صَحِيح , أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد , وَتَتْمِيم مَتْنه : ( وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ وَمَنْ أَخْصَاهُ أَخْصَيْنَاهُ ) , وَقَالَ الْبُخَارِيّ عَنْ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ : سَمَاع الْحَسَن مِنْ سَمُرَة صَحِيح , وَأَخَذَ بِهَذَا الْحَدِيث . وَقَالَ الْبُخَارِيّ : وَأَنَا أَذْهَب إِلَيْهِ , فَلَوْ لَمْ يَصِحّ الْحَدِيث لَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَذَانِ الْإِمَامَانِ , وَحَسْبك بِهِمَا , وَيُقْتَل الْحُرّ بِعَبْدِ نَفْسه . قَالَ النَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيّ فِي أَحَد قَوْلَيْهِ وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْحَسَن لَمْ يَسْمَع مِنْ سَمُرَة إِلَّا حَدِيث الْعَقِيقَة , وَاَللَّه أَعْلَم . وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِصَاص بَيْن الْعَبِيد فِيمَا دُون النَّفْس , هَذَا قَوْل عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه وَالزُّهْرِيّ وَقُرَّان وَمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر , وَقَالَ الشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَأَبُو حَنِيفَة : لَا قِصَاص بَيْنهمْ إِلَّا فِي النَّفْس . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : الْأَوَّل أَصَحّ . السَّابِعَة : رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ عَنْ سُرَاقَة بْن مَالِك قَالَ : حَضَرْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقِيد الْأَب مِنْ اِبْنه , وَلَا يُقِيد الِابْن مِنْ أَبِيهِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : " هَذَا حَدِيث لَا نَعْرِفهُ مِنْ حَدِيث سُرَاقَة إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَلَيْسَ إِسْنَاده بِصَحِيحٍ , رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش عَنْ الْمُثَنَّى بْن الصَّبَّاح , وَالْمُثَنَّى يُضَعَّف فِي الْحَدِيث , وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَنْ الْحَجَّاج عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَنْ عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب مُرْسَلًا , وَهَذَا الْحَدِيث فِيهِ اِضْطِرَاب , وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْأَب إِذَا قَتَلَ اِبْنه لَا يُقْتَل بِهِ , وَإِذَا قَذَفَهُ لَا يُحَدّ " , وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي الرَّجُل يَقْتُل اِبْنه عَمْدًا , فَقَالَتْ طَائِفَة : لَا قَوَد عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ دِيَته , وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَصْحَاب الرَّأْي , وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاء وَمُجَاهِد , وَقَالَ مَالِك وَابْن نَافِع وَابْن عَبْد الْحَكَم : يُقْتَل بِهِ , وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَبِهَذَا نَقُول لِظَاهِرِ الْكِتَاب وَالسُّنَّة , فَأَمَّا ظَاهِر الْكِتَاب فَقَوْله تَعَالَى : " كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبْدِ " , وَالثَّابِت عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ ) وَلَا نَعْلَم خَبَرًا ثَابِتًا يَجِب بِهِ اِسْتِثْنَاء الْأَب مِنْ جُمْلَة الْآيَة , وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ أَخْبَارًا غَيْر ثَابِتَة , وَحَكَى إِلْكِيَا الطَّبَرِيّ عَنْ عُثْمَان الْبَتِّيّ أَنَّهُ يُقْتَل الْوَالِد بِوَلَدِهِ , لِلْعُمُومَات فِي الْقِصَاص . وَرُوِيَ مِثْل ذَلِكَ عَنْ مَالِك , وَلَعَلَّهُمَا لَا يَقْبَلَانِ أَخْبَار الْآحَاد فِي مُقَابَلَة عُمُومَات الْقُرْآن . قُلْت : لَا خِلَاف فِي مَذْهَب مَالِك أَنَّهُ إِذَا قَتَلَ الرَّجُل اِبْنه مُتَعَمِّدًا مِثْل أَنْ يُضْجِعهُ وَيَذْبَحهُ أَوْ يَصْبِرهُ مِمَّا لَا عُذْر لَهُ فِيهِ وَلَا شُبْهَة فِي اِدِّعَاء الْخَطَأ , أَنَّهُ يُقْتَل بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا , فَأَمَّا إِنْ رَمَاهُ بِالسِّلَاحِ أَدَبًا أَوْ حَنَقًا فَقَتَلَهُ , فَفِيهِ فِي الْمَذْهَب قَوْلَانِ : يُقْتَل بِهِ , وَلَا يُقْتَل بِهِ وَتُغَلَّظ الدِّيَة , وَبِهِ قَالَ جَمَاعَة الْعُلَمَاء , وَيُقْتَل الْأَجْنَبِيّ بِمِثْلِ هَذَا . اِبْن الْعَرَبِيّ : " سَمِعْت شَيْخنَا فَخْر الْإِسْلَام الشَّاشِيّ يَقُول فِي النَّظَر : لَا يُقْتَل الْأَب بِابْنِهِ ; لِأَنَّ الْأَب كَانَ سَبَب وُجُوده , فَكَيْف يَكُون هُوَ سَبَب عَدَمه ؟ وَهَذَا يَبْطُل بِمَا إِذَا زَنَى بِابْنَتِهِ فَإِنَّهُ يُرْجَم , وَكَانَ سَبَب وُجُودهَا وَتَكُون هِيَ سَبَب عَدَمه , ثُمَّ أَيّ فِقْه تَحْت هَذَا , وَلِمَ لَا يَكُون سَبَب عَدَمه إِذَا عَصَى اللَّه تَعَالَى فِي ذَلِكَ . وَقَدْ أَثَرُوا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا يُقَاد الْوَالِد بِوَلَدِهِ ) وَهُوَ حَدِيث بَاطِل , وَمُتَعَلِّقهمْ أَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَضَى بِالدِّيَةِ مُغَلَّظَة فِي قَاتِل اِبْنه وَلَمْ يُنْكِر أَحَد مِنْ الصَّحَابَة عَلَيْهِ , فَأَخَذَ سَائِر الْفُقَهَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ الْمَسْأَلَة مُسْجَلَة , وَقَالُوا : لَا يُقْتَل الْوَالِد بِوَلَدِهِ , وَأَخَذَهَا مَالِك مُحْكَمَة مُفَصَّلَة فَقَالَ : إِنَّهُ لَوْ حَذَفَهُ بِالسَّيْفِ وَهَذِهِ حَالَة مُحْتَمَلَة لِقَصْدِ الْقَتْل وَعَدَمه , وَشَفَقَة الْأُبُوَّة شُبْهَة مُنْتَصِبَة شَاهِدَة بِعَدَمِ الْقَصْد إِلَى الْقَتْل تُسْقِط الْقَوَد , فَإِذَا أَضْجَعَهُ كَشَفَ الْغِطَاء عَنْ قَصْده فَالْتَحَقَ بِأَصْلِهِ " . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَكَانَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق يَقُولُونَ : إِذَا قَتَلَ الِابْن الْأَب قُتِلَ بِهِ . الثَّامِنَة : وَقَدْ اِسْتَدَلَّ الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى قَوْله : لَا تُقْتَل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ , قَالَ : لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه شَرَطَ الْمُسَاوَاة وَلَا مُسَاوَاة بَيْن الْجَمَاعَة وَالْوَاحِد , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْس بِالنَّفْسِ وَالْعَيْن بِالْعَيْنِ " [ الْمَائِدَة : 45 ] , وَالْجَوَاب أَنَّ الْمُرَاد بِالْقِصَاصِ فِي الْآيَة قَتْل مَنْ قَتَلَ كَائِنًا مَنْ كَانَ , رَدًّا عَلَى الْعَرَب الَّتِي كَانَتْ تُرِيد أَنْ تَقْتُل بِمَنْ قُتِلَ مَنْ لَمْ يَقْتُل , وَتَقْتُل فِي مُقَابَلَة الْوَاحِد مِائَة , اِفْتِخَارًا وَاسْتِظْهَارًا بِالْجَاهِ وَالْمَقْدِرَة , فَأَمَرَ اللَّه سُبْحَانه بِالْعَدْلِ وَالْمُسَاوَاة , وَذَلِكَ بِأَنْ يُقْتَل مَنْ قَتَلَ , وَقَدْ قَتَلَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ سَبْعَة بِرَجُلٍ بِصَنْعَاء وَقَالَ : لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْل صَنْعَاء لَقَتَلْتهمْ بِهِ جَمِيعًا , وَقَتَلَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْحَرُورِيَّة بِعَبْدِ اللَّه بْن خَبَّاب فَإِنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ قِتَالهمْ حَتَّى يُحْدِثُوا , فَلَمَّا ذَبَحُوا عَبْد اللَّه بْن خَبَّاب كَمَا تُذْبَح الشَّاة , وَأُخْبِرَ عَلِيّ بِذَلِكَ قَالَ : ( اللَّه أَكْبَر نَادُوهُمْ أَنْ أَخْرِجُوا إِلَيْنَا قَاتِل عَبْد اللَّه بْن خَبَّاب , فَقَالُوا : كُلّنَا قَتَلَهُ , ثَلَاث مَرَّات , فَقَالَ عَلِيّ لِأَصْحَابِهِ : دُونكُمْ الْقَوْم , فَمَا لَبِثَ أَنْ قَتَلَهُمْ عَلِيّ وَأَصْحَابه ) خَرَّجَ الْحَدِيثَيْنِ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنه , وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَوْ أَنَّ أَهْل السَّمَاء وَأَهْل الْأَرْض اِشْتَرَكُوا فِي دَم مُؤْمِن لَأَكَبَّهُمْ اللَّه فِي النَّار ) . وَقَالَ فِيهِ : حَدِيث غَرِيب , وَأَيْضًا فَلَوْ عَلِمَ الْجَمَاعَة أَنَّهُمْ إِذَا قَتَلُوا الْوَاحِد لَمْ يُقْتَلُوا لِتَعَاوُنِ الْأَعْدَاء عَلَى قَتْل أَعْدَائِهِمْ بِالِاشْتِرَاكِ فِي قَتْلهمْ وَبَلَغُوا الْأَمَل مِنْ التَّشَفِّي , وَمُرَاعَاة هَذِهِ الْقَاعِدَة أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاة الْأَلْفَاظ وَاَللَّه أَعْلَم , وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَحَبِيب بْن أَبِي ثَابِت وَابْن سِيرِينَ : لَا يُقْتَل اِثْنَانِ بِوَاحِدٍ . رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل وَابْن الزُّبَيْر وَعَبْد الْمَلِك , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَهَذَا أَصَحّ , وَلَا حُجَّة مَعَ مَنْ أَبَاحَ قَتْل جَمَاعَة بِوَاحِدٍ , وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ اِبْن الزُّبَيْر مَا ذَكَرْنَاهُ . التَّاسِعَة : رَوَى الْأَئِمَّة عَنْ أَبِي شُرَيْح الْكَعْبِيّ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا إِنَّكُمْ مَعْشَر خُزَاعَة قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيل مِنْ هُذَيْل وَإِنِّي عَاقِله فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْد مَقَالَتِي هَذِهِ قَتِيل فَأَهْله بَيْن خَيْرَتَيْنِ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْل أَوْ يَقْتُلُوا ) , لَفْظ أَبِي دَاوُد . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حَسَن صَحِيح , وَرُوِيَ عَنْ أَبِي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيل فَلَهُ أَنْ يَقْتُل أَوْ يَعْفُو أَوْ يَأْخُذ الدِّيَة ) , وَذَهَبَ إِلَى هَذَا بَعْض أَهْل الْعِلْم , وَهُوَ قَوْل أَحْمَد وَإِسْحَاق . الْعَاشِرَة : اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي أَخْذ الدِّيَة مِنْ قَاتِل الْعَمْد , فَقَالَتْ طَائِفَة : وَلِيّ الْمَقْتُول بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اِقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَة وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْقَاتِل . يُرْوَى هَذَا عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعَطَاء وَالْحَسَن , وَرَوَاهُ أَشْهَب عَنْ مَالِك , وَبِهِ قَالَ اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر , وَحُجَّتهمْ حَدِيث أَبِي شُرَيْح وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ , وَهُوَ نَصّ فِي مَوْضِع الْخِلَاف , وَأَيْضًا مِنْ طَرِيق النَّظَر فَإِنَّمَا لَزِمَتْهُ الدِّيَة بِغَيْرِ رِضَاهُ ; لِأَنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ إِحْيَاء نَفْسه , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ " [ النِّسَاء : 29 ] , وَقَوْله : " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء " أَيْ تَرَكَ لَهُ دَمه فِي أَحَد التَّأْوِيلَات , وَرَضِيَ مِنْهُ بِالدِّيَةِ " فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ " أَيْ فَعَلَى صَاحِب الدَّم اِتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ فِي الْمُطَالَبَة بِالدِّيَةِ , وَعَلَى الْقَاتِل أَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ , أَيْ مِنْ غَيْر مُمَاطَلَة وَتَأْخِير عَنْ الْوَقْت " ذَلِكَ تَخْفِيف مِنْ رَبّكُمْ وَرَحْمَة " أَيْ أَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلنَا لَمْ يَفْرِض اللَّه عَلَيْهِمْ غَيْر النَّفْس بِالنَّفْسِ , فَتَفَضَّلَ اللَّه عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة بِالدِّيَةِ إِذَا رَضِيَ بِهَا وَلِيّ الدَّم , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه , وَقَالَ آخَرُونَ : لَيْسَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُول إِلَّا الْقِصَاص , وَلَا يَأْخُذ الدِّيَة إِلَّا إِذَا رَضِيَ الْقَاتِل , رَوَاهُ اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك وَهُوَ الْمَشْهُور عَنْهُ , وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ وَالْكُوفِيُّونَ , وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَنَس فِي قِصَّة الرَّبِيع حِين كُسِرَتْ ثَنِيَّة الْمَرْأَة , رَوَاهُ الْأَئِمَّة قَالُوا : فَلَمَّا حَكَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ وَقَالَ : ( الْقِصَاص كِتَاب اللَّه , الْقِصَاص كِتَاب اللَّه ) وَلَمْ يُخَيِّرْ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ بَيْن الْقِصَاص وَالدِّيَة ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَجِب بِكِتَابِ اللَّه وَسُنَّة رَسُوله فِي الْعَمْد هُوَ الْقِصَاص , وَالْأَوَّل أَصَحّ , لِحَدِيثِ أَبِي شُرَيْح الْمَذْكُور , وَرَوَى الرَّبِيع عَنْ الشَّافِعِيّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو حَنِيفَة بْن سِمَاك بْن الْفَضْل الشِّهَابِيّ قَالَ : وَحَدَّثَنِي اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي شُرَيْح الْكَعْبِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَام الْفَتْح : ( مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيل فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِنْ أَحَبَّ أَخَذَ الْعَقْل وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ الْقَوَد ) . فَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : فَقُلْت لِابْنِ أَبِي ذِئْب : أَتَأْخُذُ بِهَذَا يَا أَبَا الْحَارِث فَضَرَبَ صَدْرِي وَصَاحَ عَلَيَّ صِيَاحًا كَثِيرًا وَنَالَ مِنِّي وَقَالَ : أُحَدِّثك عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُول : تَأْخُذ بِهِ نَعَمْ آخُذ بِهِ , وَذَلِكَ الْفَرْض عَلَيَّ وَعَلَى مَنْ سَمِعَهُ , إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ اِخْتَارَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّاس فَهَدَاهُمْ بِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ , وَاخْتَارَ لَهُمْ مَا اِخْتَارَهُ لَهُ وَعَلَى لِسَانه , فَعَلَى الْخَلْق أَنْ يَتَّبِعُوهُ طَائِعِينَ أَوْ دَاخِرِينَ , لَا مَخْرَج لِمُسْلِمٍ مِنْ ذَلِكَ , قَالَ : وَمَا سَكَتَ عَنِّي حَتَّى تَمَنَّيْت أَنْ يَسْكُت . اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيل " مَنْ " و " عُفِيَ " عَلَى تَأْوِيلَات خَمْس : أَحَدهَا أَنَّ " مَنْ " يُرَاد بِهَا الْقَاتِل , و " عُفِيَ " تَتَضَمَّن عَافِيًا هُوَ وَلِيّ الدَّم , وَالْأَخ هُوَ الْمَقْتُول , و " شَيْء " هُوَ الدَّم الَّذِي يُعْفَى عَنْهُ وَيُرْجَع إِلَى أَخْذ الدِّيَة , هَذَا قَوْل اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَمُجَاهِد وَجَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء , وَالْعَفْو فِي هَذَا الْقَوْل عَلَى بَابه الَّذِي هُوَ التَّرْك , وَالْمَعْنَى : أَنَّ الْقَاتِل إِذَا عَفَا عَنْهُ وَلِيّ الْمَقْتُول عَنْ دَم مَقْتُوله وَأَسْقَطَ الْقِصَاص فَإِنَّهُ يَأْخُذ الدِّيَة وَيَتَّبِع بِالْمَعْرُوفِ , وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ الْقَاتِل بِإِحْسَانٍ . الثَّانِي : وَهُوَ قَوْل مَالِك أَنَّ " مَنْ " يُرَاد بِهِ الْوَلِيّ " وَعُفِيَ " يُسِّرَ , لَا عَلَى بَابهَا فِي الْعَفْو , وَالْأَخ يُرَاد بِهِ الْقَاتِل , و " شَيْء " هُوَ الدِّيَة , أَيْ أَنَّ الْوَلِيّ إِذَا جَنَحَ إِلَى الْعَفْو عَنْ الْقِصَاص عَلَى أَخْذ الدِّيَة فَإِنَّ الْقَاتِل مُخَيَّر بَيْن أَنْ يُعْطِيهَا أَوْ يُسَلِّم نَفْسه , فَمَرَّة تُيَسَّر وَمَرَّة لَا تُيَسَّر , وَغَيْر مَالِك يَقُول : إِذَا رَضِيَ الْأَوْلِيَاء بِالدِّيَةِ فَلَا خِيَار لِلْقَاتِلِ بَلْ تَلْزَمهُ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك هَذَا الْقَوْل , وَرَجَّحَهُ كَثِير مِنْ أَصْحَابه , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِنَّ مَعْنَى " عُفِيَ " بُذِلَ , وَالْعَفْو فِي اللُّغَة : الْبَذْل , وَلِهَذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " خُذْ الْعَفْو " [ الْأَعْرَاف : 199 ] أَيْ مَا سَهُلَ , وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَد الدُّؤَلِيّ : خُذِي الْعَفْو مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوَّل الْوَقْت رِضْوَان اللَّه وَآخِره عَفْو اللَّه ) يَعْنِي شَهِدَ اللَّه عَلَى عِبَاده , فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ بُذِلَ لَهُ شَيْء مِنْ الدِّيَة فَلْيَقْبَلْ وَلْيَتَّبِعْ بِالْمَعْرُوفِ , وَقَالَ قَوْم : وَلْيُؤَدِّ إِلَيْهِ الْقَاتِل بِإِحْسَانٍ , فَنَدَبَهُ تَعَالَى إِلَى أَخْذ الْمَال إِذَا سُهِّلَ ذَلِكَ مِنْ جِهَة الْقَاتِل , وَأَخْبَرَ أَنَّهُ تَخْفِيف مِنْهُ وَرَحْمَة , كَمَا قَالَ ذَلِكَ عَقِب ذِكْر الْقِصَاص فِي سُورَة [ الْمَائِدَة ] " فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ " [ الْمَائِدَة : 45 ] فَنَدَبَ إِلَى رَحْمَة الْعَفْو وَالصَّدَقَة , وَكَذَلِكَ نَدَبَ فِيمَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَة إِلَى قَبُول الدِّيَة إِذَا بَذَلَهَا الْجَانِي بِإِعْطَاءِ الدِّيَة , ثُمَّ أَمَرَ الْوَلِيّ بِاتِّبَاعٍ وَأَمَرَ الْجَانِي بِالْأَدَاءِ بِالْإِحْسَانِ , وَقَدْ قَالَ قَوْم : إِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظ فِي الْمُعَيَّنِينَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ الْآيَة كُلّهَا وَتَسَاقَطُوا الدِّيَات فِيمَا بَيْنهمْ مُقَاصَّة , وَمَعْنَى الْآيَة : فَمَنْ فَضَلَ لَهُ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى شَيْء مِنْ تِلْكَ الدِّيَات , وَيَكُون " عُفِيَ " بِمَعْنَى فُضِلَ . رَوَى سُفْيَان بْن حُسَيْن بْن شوعة عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : كَانَ بَيْن حَيَّيْنِ مِنْ الْعَرَب قِتَال , فَقُتِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ , وَقَالَ أَحَد الْحَيَّيْنِ : لَا نَرْضَى حَتَّى يُقْتَل بِالْمَرْأَةِ الرَّجُل وَبِالرَّجُلِ الْمَرْأَة , فَارْتَفَعُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْقَتْل سَوَاء ) فَاصْطَلَحُوا عَلَى الدِّيَات , فَفَضَلَ أَحَد الْحَيَّيْنِ عَلَى الْآخَر , فَهُوَ قَوْله : " كُتِبَ " إِلَى قَوْله : " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء " يَعْنِي فَمَنْ فُضِلَ لَهُ عَلَى أَخِيهِ فَضْل فَلْيُؤَدِّهِ بِالْمَعْرُوفِ , فَأَخْبَرَ الشَّعْبِيّ عَنْ السَّبَب فِي نُزُول الْآيَة , وَذَكَرَ سُفْيَان الْعَفْو هُنَا الْفَضْل , وَهُوَ مَعْنًى يَحْتَمِلهُ اللَّفْظ . وَتَأْوِيل خَامِس : وَهُوَ قَوْل عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَالْحَسَن فِي الْفَضْل بَيْن دِيَة الرَّجُل وَالْمَرْأَة وَالْحُرّ وَالْعَبْد , أَيْ مَنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ الْفَضْل فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ , و " عُفِيَ " فِي هَذَا الْمَوْضِع أَيْضًا بِمَعْنَى فُضِلَ . هَذِهِ الْآيَة حَضّ مِنْ اللَّه تَعَالَى عَلَى حُسْن الِاقْتِضَاء مِنْ الطَّالِب , وَحُسْن الْقَضَاء مِنْ الْمُؤَدِّي , وَهَلْ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوب أَوْ النَّدْب , فَقِرَاءَة الرَّفْع تَدُلّ عَلَى الْوُجُوب ; لِأَنَّ الْمَعْنَى فَعَلَيْهِ اِتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ . قَالَ النَّحَّاس : " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ " شَرْط وَالْجَوَاب ; لِأَنَّ الْمَعْنَى فَعَلَيْهِ اِتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ . قَالَ النَّحَّاس : " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ " شَرْط وَالْجَوَاب " فَاتِّبَاع " وَهُوَ رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ , وَالتَّقْدِير فَعَلَيْهِ اِتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ , وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن " فَاتِّبَاعًا " و " أَدَاء " بِجَعْلِهِمَا مَصْدَرَيْنِ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَقَرَأَ إِبْرَاهِيم بْن أَبِي عَبْلَة " فَاتِّبَاعًا " بِالنَّصْبِ , وَالرَّفْع سَبِيل لِلْوَاجِبَاتِ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ " [ الْبَقَرَة : 229 ] , وَأَمَّا الْمَنْدُوب إِلَيْهِ فَيَأْتِي مَنْصُوبًا , كَقَوْلِهِ : " فَضَرْب الرِّقَاب " [ مُحَمَّد : 4 ] . لِأَنَّ أَهْل التَّوْرَاة كَانَ لَهُمْ الْقَتْل وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ غَيْر ذَلِكَ , وَأَهْل الْإِنْجِيل كَانَ لَهُمْ الْعَفْو وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَوَد وَلَا دِيَة , فَجَعَلَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ تَخْفِيفًا لِهَذِهِ الْأُمَّة , فَمَنْ شَاءَ قَتَلَ , وَمَنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَة , وَمَنْ شَاءَ عَفَا . شَرْط وَجَوَابه , أَيْ قَتَلَ بَعْد أَخْذ الدِّيَة وَسُقُوط [ الدَّم ] قَاتلَ وَلِيّه . " فَلَهُ عَذَاب أَلِيم " قَالَ الْحَسَن : كَانَ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا قَتَلَ قَتِيلًا فَرَّ إِلَى قَوْمه فَيَجِيء قَوْمه فَيُصَالِحُونَ بِالدِّيَةِ فَيَقُول وَلِيّ الْمَقْتُول : إِنِّي أَقْبَلُ الدِّيَة , حَتَّى يَأْمَن الْقَاتِل وَيَخْرُج , فَيَقْتُلهُ ثُمَّ يَرْمِي إِلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ قَتَلَ بَعْد أَخْذ الدِّيَة , فَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء مِنْهُمْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ : هُوَ كَمَنْ قَتَلَ اِبْتِدَاء , إِنْ شَاءَ الْوَلِيّ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَعَذَابه فِي الْآخِرَة . وَقَالَ قَتَادَة وَعِكْرِمَة وَالسُّدِّيّ وَغَيْرهمْ : عَذَابه أَنْ يُقْتَل أَلْبَتَّة , وَلَا يُمَكِّن الْحَاكِم الْوَلِيّ مِنْ الْعَفْو , وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا أَعْفَى مَنْ قَتَلَ بَعْد أَخْذ الدِّيَة ) . وَقَالَ الْحَسَن : عَذَابه أَنْ يَرُدّ الدِّيَة فَقَطْ وَيَبْقَى إِثْمه إِلَى عَذَاب الْآخِرَة . وَقَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز : أَمْره إِلَى الْإِمَام يَصْنَع فِيهِ مَا يَرَى , وَفِي سُنَن الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَنْ أُصِيب بِدَمٍ أَوْ خَبْل - وَالْخَبْل عَرَج - فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْن إِحْدَى ثَلَاث فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَة فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ بَيْن أَنْ يَقْتَصّ أَوْ يَعْفُو أَوْ يَأْخُذ الْعَقْل فَإِنْ قَبِلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ عَدَا بَعْد ذَلِكَ فَلَهُ النَّار خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا ) .

غريب الآية
یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِی ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِیَ لَهُۥ مِنۡ أَخِیهِ شَیۡءࣱ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَاۤءٌ إِلَیۡهِ بِإِحۡسَـٰنࣲۗ ذَ ٰ⁠لِكَ تَخۡفِیفࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةࣱۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِیمࣱ ﴿١٧٨﴾
عَذَابٌنارُ جَهنَّمَ في الآخِرَةِ.
كُتِبَفَرَضَ اللهُ.
ٱلۡقِصَاصُأن يُوقَعَ على الجاني مثلُ ما جَنَى.
فَمَنۡ عُفِیَ لَهُۥمَنْ ساَمَحه وليُّ المقتولِ بالعفوِ عَنِ القِصاصِ والاكتفاءِ بالدِّيَةِ.
فَٱتِّبَاعُۢفاتِّباعُ ما أوجبه اللهُ نحوَ القاتِلِ من الدِّيَةِ.
بِٱلۡمَعۡرُوفِمن غير عُنفٍ من قِبَلِ وَليِّ المقتولِ.
وَأَدَاۤءٌ إِلَیۡهِأداءُ ما لَزِمَ وليَّ القاتلِ إلى أولياءِ المقتولِ.
بِإِحۡسَـٰنࣲۗمن غيرِ تأخيرٍ، ولا نَقْصٍ.
ٱعۡتَدَىٰتجاوَزَ بعد أَخْذِ الدِّيةِ.
كُتِبَفَرَضَ اللهُ.
ذَ ٰ⁠لِكَأي بالهَدْيِ وما تَرَتَّبَ عليه من الصِّيامِ.
كُتِبَفَرَضَ اللهُ.
كُتِبَفُرِضَ.
الإعراب
(يَاأَيُّهَا)
(يَا) : حَرْفُ نِدَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(أَيُّ) : مُنَادًى مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ، وَ(هَا) : حَرْفُ تَنْبِيهٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتٌ.
(آمَنُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(كُتِبَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(عَلَيْكُمُ)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(الْقِصَاصُ)
نَائِبُ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْقَتْلَى)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(الْحُرُّ)
مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(بِالْحُرِّ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْحُرِّ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ.
(وَالْعَبْدُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْعَبْدُ) : مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(بِالْعَبْدِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْعَبْدِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ.
(وَالْأُنْثَى)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْأُنْثَى) : مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(بِالْأُنْثَى)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْأُنْثَى) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ.
(فَمَنْ)
"الْفَاءُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَنْ) : اسْمُ شَرْطٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(عُفِيَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ.
(لَهُ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَخِيهِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(شَيْءٌ)
نَائِبُ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَاتِّبَاعٌ)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اتِّبَاعٌ) : خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ: "فَالْوَاجِبُ اتِّبَاعٌ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَالشَّرْطُ وَجَوَابُهُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ (مَنْ) :.
(بِالْمَعْرُوفِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْمَعْرُوفِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَأَدَاءٌ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَدَاءٌ) : مَعْطُوفٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِلَيْهِ)
(إِلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(بِإِحْسَانٍ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(إِحْسَانٍ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(ذَلِكَ)
اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(تَخْفِيفٌ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(رَبِّكُمْ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَرَحْمَةٌ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(رَحْمَةٌ) : مَعْطُوفٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَمَنِ)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَنْ) : اسْمُ شَرْطٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(اعْتَدَى)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(بَعْدَ)
ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(ذَلِكَ)
اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(فَلَهُ)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ رَابِطٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(عَذَابٌ)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَلِيمٌ)
نَعْتٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَالشَّرْطُ وَجَوَابُهُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (مَنْ) :.