صفحات الموقع

سورة البقرة الآية ١٨٣

سورة البقرة الآية ١٨٣

یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ﴿١٨٣﴾

التفسير

تفسير السعدي

يخبر تعالى, بما من الله به على عباده, بأنه فرض عليهم الصيام, كما فرضه على الأمم السابقة, لأنه من الشرائع والأوامر, التي هي مصلحة للخلق في كل زمان. وفيه تنشيط لهذه الأمة, بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال, والمسارعة إلى صالح الخصال, وأنه ليس من الأمور الثقيلة, التي اختصصتم بها. ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام فقال " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " . فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى, لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه. فمما اشتمل عليه من التقوى, أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها, التي تميل إليها نفسه, متقربا بذلك إلى الله, راجيا بتركها, ثوابه. فهذا من التقوى. ومنها أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى, فيترك ما تهوى نفسه, مع قدرته عليه, لعلمه باطلاع الله عليه. ومنها أن الصيام يضيق مجاري الشيطان, فإنه يجري من ابن آدم, مجرى الدم, فبالصيام, يضعف نفوذه, وتقل منه المعاصي. ومنها: أن الصائم في الغالب, تكثر طاعته, والطاعات من خصال التقوى. ومنها أن الغني إذا ذاق ألم الجوع, أوجب له ذلك, مواساة الفقراء المعدمين, وهذا من خصال التقوى.

التفسير الميسر

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، فرض الله عليكم الصيام كما فرضه على الأمم قبلكم؛ لعلكم تتقون ربكم، فتجعلون بينكم وبين المعاصي وقاية بطاعته وعبادته وحده.

تفسير الجلالين

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ" فُرِضَ "عَلَيْكُمْ الصِّيَام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ" مِنْ الْأُمَم "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" الْمَعَاصِي فَإِنَّهُ يَكْسِر الشَّهْوَة الَّتِي هِيَ مَبْدَؤُهَا

تفسير ابن كثير

يَقُول تَعَالَى مُخَاطِبًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة وَآمِرًا لَهُمْ بِالصِّيَامِ وَهُوَ الْإِمْسَاك عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب وَالْوِقَاع بِنِيَّةٍ خَالِصَة لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِمَا فِيهِ مِنْ زَكَاة النُّفُوس وَطَهَارَتهَا وَتَنْقِيَتهَا مِنْ الْأَخْلَاط الرَّدِيئَة وَالْأَخْلَاق الرَّذِيلَة وَذَكَرَ أَنَّهُ كَمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ فَقَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلهمْ فَلَهُمْ فِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وَلْيَجْتَهِدْ هَؤُلَاءِ فِي أَدَاء هَذَا الْفَرْض أَكْمَل مِمَّا فَعَلَهُ أُولَئِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات" الْآيَة وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " لِأَنَّ الصَّوْم فِيهِ تَزْكِيَة لِلْبَدَنِ وَتَضْيِيق لِمَسَالِك الشَّيْطَان وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ" يَا مَعْشَر الشَّبَاب مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَة فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" ثُمَّ بَيَّنَ مِقْدَار الصَّوْم وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي كُلّ يَوْم لِئَلَّا يَشُقّ عَلَى النُّفُوس فَتَضْعُف عَنْ حَمْله وَأَدَائِهِ بَلْ فِي أَيَّام مَعْدُودَات وَقَدْ كَانَ هَذَا فِي اِبْتِدَاء الْإِسْلَام يَصُومُونَ مِنْ كُلّ شَهْر ثَلَاثَة أَيَّام ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِصَوْمِ شَهْر رَمَضَان كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الصِّيَام كَانَ أَوَّلًا كَمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأُمَم قَبْلنَا مِنْ كُلّ شَهْر ثَلَاثَة أَيَّام عَنْ مُعَاذ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعَطَاء وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك بْن مُزَاحِم وَزَادَ لَمْ يَزَلْ هَذَا مَشْرُوعًا مِنْ زَمَان نُوح إِلَى أَنْ نَسَخَ اللَّه ذَلِكَ بِصِيَامِ شَهْر رَمَضَان وَقَالَ عَبَّاد بْن مَنْصُور عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَات " فَقَالَ نَعَمْ وَاَللَّه لَقَدْ كُتِبَ الصِّيَام عَلَى كُلّ أُمَّة قَدْ خَلَتْ كَمَا كَتَبَهُ عَلَيْنَا شَهْرًا كَامِلًا وَأَيَّامًا مَعْدُودَات عَدَدًا مَعْلُومًا وَرُوِيَ عَنْ السُّدِّيّ نَحْوه وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْمُقْرِي حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أَبِي أَيُّوب حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن الْوَلِيد عَنْ أَبِي الرَّبِيع رَجُل مِنْ أَهْل الْمَدِينَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صِيَامُ رَمَضَان كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى الْأُمَم قَبْلكُمْ " فِي حَدِيث طَوِيل اِخْتَصَرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ أُنْزِلَتْ " كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ" كُتِبَ عَلَيْهِمْ إِذَا صَلَّى أَحَدهمْ الْعَتَمَة وَنَامَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَام وَالشَّرَاب وَالنِّسَاء إِلَى مِثْلهَا قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي الْعَالِيَة وَعَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ نَحْو ذَلِكَ : وَقَالَ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس " كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ " يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْل الْكِتَاب وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيّ وَالسُّدِّيّ وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ مِثْله ثُمَّ بَيَّنَ حُكْم الصِّيَام عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْر فِي اِبْتِدَاء الْإِسْلَام فَقَالَ " فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر " أَيْ الْمَرِيض وَالْمُسَافِر لَا يَصُومَانِ فِي حَال الْمَرَض وَالسَّفَر لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّة عَلَيْهِمَا بَلْ يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ بِعِدَّةِ ذَلِكَ مِنْ أَيَّام أُخَر وَأَمَّا الصَّحِيح الْمُقِيم الَّذِي يُطِيق الصِّيَام فَقَدْ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْن الصِّيَام وَبَيْن الْإِطْعَام إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ عَنْ كُلّ يَوْم مِسْكِينًا فَإِنْ أَطْعَمَ أَكْثَر مِنْ مِسْكِين عَنْ كُلّ يَوْم فَهُوَ خَيْر وَإِنْ صَامَ فَهُوَ أَفْضَل مِنْ الْإِطْعَام قَالَهُ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَطَاوُس وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَغَيْرهمْ مِنْ السَّلَف وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ " . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيّ حَدَّثَنَا عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ أُحِيلَتْ الصَّلَاةُ ثَلَاثَة أَحْوَال وَأُحِيلَ الصِّيَام ثَلَاثَة أَحْوَال فَأَمَّا أَحْوَال الصَّلَاة فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَة وَهُوَ يُصَلِّي سَبْعَة عَشَر شَهْرًا إِلَى بَيْت الْمَقْدِس ثُمَّ إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ " قَدْ نَرَى تَقَلُّب وَجْهك فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّك قِبْلَة تَرْضَاهَا " الْآيَة فَوَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى مَكَّة هَذَا حَوْل قَالَ وَكَانُوا يَجْتَمِعُونَ لِلصَّلَاةِ وَيُؤْذِن بِهَا بَعْضهمْ بَعْضًا حَتَّى نَقَسُوا أَوْ كَادُوا يَنْقُسُونَ ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَبْد رَبّه أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنِّي رَأَيْت فِيمَا يَرَى النَّائِم وَلَوْ قُلْت إِنِّي لَمْ أَكُنْ نَائِمًا لَصَدَقْت إِنِّي بَيْنَا أَنَا بَيْن النَّائِم وَالْيَقْظَان إِذْ رَأَيْت شَخْصًا عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة فَقَالَ : اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه - مَثْنَى - حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْأَذَان ثُمَّ أَمْهَلَ سَاعَة ثُمَّ قَالَ مِثْل الَّذِي قَالَ غَيْر أَنَّهُ يَزِيد فِي ذَلِكَ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ - مَرَّتَيْنِ - قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عَلِّمْهَا بِلَالًا فَلْيُؤَذِّنْ بِهَا " فَكَانَ بِلَال أَوَّل مَنْ أَذَّنَ بِهَا : قَالَ وَجَاءَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه قَدْ طَافَ بِي مِثْل الَّذِي طَافَ بِهِ غَيْر أَنَّهُ سَبَقَنِي فَهَذَانِ حَالَانِ قَالَ وَكَانُوا يَأْتُونَ الصَّلَاة وَقَدْ سَبَقَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِهَا فَكَانَ الرَّجُل يُشِير إِلَى الرَّجُل إِنْ جَاءَ كَمْ صَلَّى فَيَقُول وَاحِدَة أَوْ اِثْنَتَيْنِ فَيُصَلِّيهِمَا ثُمَّ يَدْخُل مَعَ الْقَوْم فِي صَلَاتهمْ قَالَ فَجَاءَ مُعَاذ فَقَالَ لَا أَجِدهُ عَلَى حَال أَبَدًا إِلَّا كُنْت عَلَيْهَا ثُمَّ قَضَيْت مَا سَبَقَنِي قَالَ فَجَاءَ وَقَدْ سَبَقَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِهَا قَالَ فَثَبَتَ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فَقَضَى فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّهُ قَدْ سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ فَهَكَذَا فَاصْنَعُوا " فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَحْوَال وَأَمَّا أَحْوَال الصِّيَام فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَة فَجَعَلَ يَصُوم مِنْ كُلّ شَهْر ثَلَاثَة أَيَّام وَصَامَ عَاشُورَاء ثُمَّ إِنَّ اللَّه فَرَضَ عَلَيْهِ الصِّيَام وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ" إِلَى قَوْله " وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَة طَعَام مِسْكِين" فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَطْعَمَ مِسْكِينًا فَأَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ ثُمَّ إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ الْآيَة الْأُخْرَى" شَهْر رَمَضَان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن " إِلَى قَوْله " فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ " فَأَثْبَتَ اللَّهُ صِيَامَهُ عَلَى الْمُقِيم الصَّحِيح وَرَخَّصَ فِيهِ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِر وَثَبَتَ الْإِطْعَام لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيع الصِّيَام فَهَذَانِ حَالَانِ قَالَ وَكَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَأْتُونَ النِّسَاء مَا لَمْ يَنَامُوا فَإِذَا نَامُوا اِمْتَنَعُوا ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ صِرْمَة كَانَ يَعْمَل صَائِمًا حَتَّى أَمْسَى فَجَاءَ إِلَى أَهْله فَصَلَّى الْعِشَاء ثُمَّ نَامَ فَلَمْ يَأْكُل وَلَمْ يَشْرَب حَتَّى أَصْبَحَ فَأَصْبَحَ صَائِمًا فَرَآهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ جَهِدَ جَهْدًا شَدِيدًا فَقَالَ " مَالِي أَرَاك قَدْ جَهَدْت جَهْدًا شَدِيدًا ؟ قَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنِّي عَمِلْت أَمْس فَجِئْت حِين جِئْت فَأَلْقَيْت نَفْسِي فَنِمْت فَأَصْبَحْت حِين أَصْبَحْت صَائِمًا قَالَ وَكَانَ عُمَر قَدْ أَصَابَ مِنْ النِّسَاء بَعْد مَا نَامَ فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ " - إِلَى قَوْله - " ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل " وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه مِنْ حَدِيث الْمَسْعُودِيّ بِهِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ عَاشُورَاء يُصَام فَلَمَّا نَزَلَ فَرْض رَمَضَان كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن مَسْعُود مِثْله . وَقَوْله تَعَالَى " وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَة طَعَام مِسْكِين " كَمَا قَالَ مُعَاذ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ فِي اِبْتِدَاء الْأَمْر مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ عَنْ كُلّ يَوْم مِسْكِينًا وَهَكَذَا رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ سَلَمَة بْن الْأَكْوَع أَنَّهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ " وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَة طَعَام مِسْكِين" كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِر يَفْتَدِي حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا فَنَسَخَتْهَا وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ هِيَ مَنْسُوخَة : وَقَالَ السُّدِّيّ عَنْ مُرَّة عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين" قَالَ يَقُول " وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ " أَيْ يَتَجَشَّمُونَهُ : قَالَ عَبْد اللَّه فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ مِسْكِينًا " فَمَنْ تَطَوَّعَ " يَقُول أَطْعِمْ مِسْكِينًا آخَر فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ " وَأَنْ تَصُومُوا خَيْر لَكُمْ " فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَتْهَا " فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ" وَقَالَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا أَخْبَرَنَا إِسْحَاق حَدَّثَنَا رَوْح حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْن إِسْحَاق حَدَّثَنَا عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عَطَاء سَمِعَ اِبْن عَبَّاس يَقْرَأ " وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَة طَعَام مِسْكِين " قَالَ اِبْن عَبَّاس لَيْسَتْ مَنْسُوخَة هُوَ الشَّيْخ الْكَبِير وَالْمَرْأَة الْكَبِيرَة لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَان كُلّ يَوْم مِسْكِينًا وَهَكَذَا رَوَى غَيْر وَاحِد عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحِيم بْن سُلَيْمَان عَنْ أَشْعَث بْن سَوَّار عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَة طَعَامُ مِسْكِين " فِي الشَّيْخ الْكَبِير الَّذِي لَا يُطِيق الصَّوْم ثُمَّ ضَعُفَ فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يُطْعِم مَكَان كُلّ يَوْم مِسْكِينًا وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر بْن مَرْدَوَيْهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن بَهْرَام الْمَخْزُومِيّ حَدَّثَنَا وَهْب بْن بَقِيَّة حَدَّثَنَا خَالِد بْن عَبْد اللَّه عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى قَالَ دَخَلَتْ عَلَى عَطَاء فِي رَمَضَان وَهُوَ يَأْكُل فَقَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فَنَسَخَتْ الْأُولَى إِلَّا الْكَبِير الْفَانِي إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَنْ كُلّ يَوْم مِسْكِينًا وَأَفْطَرَ - فَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ النَّسْخ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ بِإِيجَابِ الصِّيَام عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ" فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ " وَأَمَّا الشَّيْخ الْفَانِي الْهَرَم الَّذِي لَا يَسْتَطِيع الصِّيَام فَلَهُ أَنْ يُفْطِر وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ حَالٌ يَصِير إِلَيْهَا يَتَمَكَّن فِيهَا مِنْ الْقَضَاء وَلَكِنْ هَلْ يَجِب عَلَيْهِ إِذَا أَفْطَرَ أَنْ يُطْعِم عَنْ كُلّ يَوْم مِسْكِينًا إِذَا كَانَ ذَا جِدَة ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ أَحَدهمَا لَا يَجِب عَلَيْهِ إِطْعَام لِأَنَّهُ ضَعِيف عَنْهُ لِسِنِّهِ فَلَمْ يَجِب عَلَيْهِ فِدْيَة كَالصَّبِيِّ لِأَنَّ اللَّه لَا يُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيح وَعَلَيْهِ أَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّهُ يَجِب عَلَيْهِ فِدْيَة عَنْ كُلّ يَوْم كَمَا فَسَّرَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره مِنْ السَّلَف عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ وَ " عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ " أَيْ يَتَجَشَّمُونَهُ كَمَا قَالَهُ اِبْن مَسْعُود وَغَيْره وَهُوَ اِخْتِيَار الْبُخَارِيّ فَإِنَّهُ قَالَ وَأَمَّا الشَّيْخ الْكَبِير إِذَا لَمْ يُطِقْ الصِّيَام فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَس بَعْد مَا كَبِرَ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ عَنْ كُلّ يَوْم مِسْكِينًا خُبْزًا وَلَحْمًا وَأَفْطَرَ وَهَذَا الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ قَدْ أَسْنَدَهُ الْحَافِظ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيّ فِي مُسْنَده فَقَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُعَاذ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عِمْرَان عَنْ أَيُّوب بْن أَبِي تَمِيمَة قَالَ ضَعُفَ أَنَس عَنْ الصَّوْم فَصَنَعَ جَفْنَة مِنْ ثَرِيد فَدَعَا ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا فَأَطْعَمَهُمْ وَرَوَاهُ عَبْد بْن حُمَيْد عَنْ رَوْح بْن عُبَادَة عَنْ عِمْرَان وَهُوَ اِبْن جَرِير عَنْ أَيُّوب بِهِ وَرَوَاهُ عَبْد أَيْضًا مِنْ حَدِيث سِتَّة مِنْ أَصْحَاب أَنَس عَنْ أَنَس بِمَعْنَاهُ . وَمِمَّا يَلْتَحِق بِهَذَا الْمَعْنَى الْحَامِل وَالْمُرْضِع إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسهمَا أَوْ وَلَدَيْهِمَا فَفِيهِمَا خِلَاف كَثِير بَيْن الْعُلَمَاء فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُفْطِرَانِ وَيَفْدِيَانِ وَيَقْضِيَانِ وَقِيلَ يَفْدِيَانِ فَقَطْ وَلَا قَضَاء وَقِيلَ يَجِب الْقَضَاء بِلَا فِدْيَة وَقِيلَ يُفْطِرَانِ وَلَا فِدْيَة وَلَا قَضَاء وَقَدْ بَسَطْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَة مُسْتَقْصَاة فِي كِتَاب الصِّيَام الَّذِي أَفْرَدْنَاهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } يَعْنِي اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله , وَصَدَّقُوا بِهِمَا وَأَقَرُّوا . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام } فُرِضَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام , وَالصِّيَام مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : صُمْت عَنْ كَذَا وَكَذَا , يَعْنِي كَفَفْت عَنْهُ , أَصُوم عَنْهُ صَوْمًا وَصِيَامًا , وَمَعْنَى الصِّيَام : الْكَفّ عَمَّا أَمَرَ اللَّه بِالْكَفِّ عَنْهُ ; وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : صَامَتْ الْخَيْل إذَا كَفَّتْ عَنْ السَّيْر وَمِنْهُ قَوْل نَابِغَة بَنِي ذُبْيَانَ : خَيْل صِيَام وَخَيْل غَيْر صَائِمَة تَحْت الْعَجَاج وَأُخْرَى تَعْلُك اللُّجُمَا وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره { إنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا } 19 26 يَعْنِي صَمْتًا عَنْ الْكَلَام . وَقَوْله { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } يَعْنِي : فُرِضَ عَلَيْكُمْ مِثْل الَّذِي فُرِضَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } وَفِي الْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّشْبِيه بَيْن فَرْض صَوْمنَا وَصَوْم الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : الَّذِينَ أَخْبَرَنَا اللَّه عَنْ الصَّوْم الَّذِي فَرَضَهُ عَلَيْنَا أَنَّهُ كَمِثْلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ هُمْ النَّصَارَى , وَقَالُوا : التَّشْبِيه الَّذِي شَبَّهَ مِنْ أَجْله أَحَدهمَا بِصَاحِبِهِ هُوَ اتِّفَاقهمَا فِي الْوَقْت وَالْمِقْدَار الَّذِي هُوَ لَازِم لَنَا الْيَوْم فَرْضه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2235 - حُدِّثْت عَنْ يَحْيَى بْن زِيَاد , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبَانَ , عَنْ أَبِي أُمَيَّة الطَّنَافِسِيّ , عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ صُمْت السَّنَة كُلّهَا لَأَفْطَرْت الْيَوْم الَّذِي يُشَكّ فِيهِ فَيُقَال مِنْ شَعْبَان وَيُقَال مِنْ رَمَضَان , وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى فُرِضَ عَلَيْهِمْ شَهْر رَمَضَان كَمَا فُرِضَ عَلَيْنَا فَحَوَّلُوهُ إلَى الْفَصْل , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا رُبَّمَا صَامُوهُ فِي الْقَيْظ يَعُدُّونَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا , ثُمَّ جَاءَ بَعْدهمْ قَرْن فَأَخَذُوا بِالثِّقَةِ مِنْ أَنْفُسهمْ فَصَامُوا قَبْل الثَّلَاثِينَ يَوْمًا وَبَعْدهَا يَوْمًا , ثُمَّ لَمْ يَزَلْ الْآخَر يَسْتَنّ سُنَّة الْقَرْن الَّذِي قَبْله حَتَّى صَارَتْ إلَى خَمْسِينَ , فَذَلِكَ قَوْله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ التَّشْبِيه إنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْل أَنَّ صَوْمهمْ كَانَ مِنْ الْعِشَاء الْآخِرَة إلَى الْعِشَاء الْآخِرَة , وَذَلِكَ كَانَ فَرْض اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّل مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ الصَّوْم . وَوَافَقَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْل الْقَائِلِي الْقَوْل الْأَوَّل أَنَّ الَّذِينَ عَنَى اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } النَّصَارَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2236 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } أَمَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلنَا فَالنَّصَارَى , كُتِبَ عَلَيْهِمْ رَمَضَان , وَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَأْكُلُوا وَلَا يَشْرَبُوا بَعْد النَّوْم , وَلَا يَنْكِحُوا النِّسَاء شَهْر رَمَضَان . فَاشْتَدَّ عَلَى النَّصَارَى صِيَام رَمَضَان , وَجَعَلَ يُقَلِّب عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاء وَالصَّيْف ; فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اجْتَمَعُوا فَجَعَلُوا صِيَامًا فِي الْفَصْل بَيْن الشِّتَاء وَالصَّيْف , وَقَالُوا : نَزِيد عِشْرِينَ يَوْمًا نُكَفِّر بِهَا مَا صَنَعْنَا . فَجَعَلُوا صِيَامهمْ خَمْسِينَ , فَلَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ يَصْنَعُونَ كَمَا تَصْنَع النَّصَارَى , حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْر أَبِي قَيْس بْن صِرْمَة وَعُمَر بْن الْخَطَّاب مَا كَانَ فَأَحَلَّ اللَّه لَهُمْ الْأَكْل وَالشُّرْب وَالْجِمَاع إلَى طُلُوع الْفَجْر . 2237 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } قَالَ : كُتِبَ عَلَيْهِمْ الصَّوْم مِنْ الْعَتَمَة إلَى الْعَتَمَة . وَقَالَ آخَرُونَ : الَّذِينَ عَنَى اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } أَهْل الْكِتَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2238 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } أَهْل الْكِتَاب . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ ذَلِكَ كَانَ عَلَى النَّاس كُلّهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2239 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } قَالَ : كُتِبَ شَهْر رَمَضَان عَلَى النَّاس , كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ . قَالَ : وَقَدْ كَتَبَ اللَّه عَلَى النَّاس قَبْل أَنْ يَنْزِل رَمَضَان صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } رَمَضَان كَتَبَهُ اللَّه عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلهمْ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى الْآيَة : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فُرِضَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام كَمَا فُرِضَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب , أَيَّامًا مَعْدُودَات , وَهِيَ شَهْر رَمَضَان كُلّه ; لِأَنَّ مَنْ بَعْد إبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَأْمُورًا بِاتِّبَاعِ إبْرَاهِيم , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ كَانَ جَعَلَهُ لِلنَّاسِ إمَامًا , وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّه عَزَّ وَجَلّ أَنَّ دِينه كَانَ الْحَنِيفِيَّة الْمُسْلِمَة , فَأَمَرَ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مَنْ قَبْله مِنْ الْأَنْبِيَاء . وَأَمَّا التَّشْبِيه فَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْوَقْت , وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلنَا إنَّمَا كَانَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ شَهْر رَمَضَان مِثْل الَّذِي فُرِضَ عَلَيْنَا سَوَاء . وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : لِتَتَّقُوا أَكْل الطَّعَام وَشُرْب الشَّرَاب وَجِمَاع النِّسَاء فِيهِ , يَقُول : فَرَضْت عَلَيْكُمْ الصَّوْم وَالْكَفّ عَمَّا تَكُونُونَ بِتَرْكِ الْكَفّ عَنْهُ مُفْطِرِينَ لِتَتَّقُوا مَا يُفْطِركُمْ فِي وَقْت صَوْمكُمْ . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل : ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2240 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا قَوْله : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } يَقُول : فَتَتَّقُونَ مِنْ الطَّعَام وَالشُّرْب وَالنِّسَاء مِثْل مَا اتَّقَوْا , يَعْنِي مِثْل الَّذِي اتَّقَى النَّصَارَى قَبْلكُمْ .

تفسير القرطبي

لَمَّا ذَكَرَ مَا كُتِبَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْقِصَاص وَالْوَصِيَّة ذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الصِّيَام وَأَلْزَمَهُمْ إِيَّاهُ وَأَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ , وَلَا خِلَاف فِيهِ , قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بُنِيَ الْإِسْلَام عَلَى خَمْس شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه وَإِقَام الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَالْحَجّ ) رَوَاهُ اِبْن عُمَر , وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَة : الْإِمْسَاك , وَتَرْك التَّنَقُّل مِنْ حَال إِلَى حَال , وَيُقَال لِلصَّمْتِ صَوْم ; لِأَنَّهُ إِمْسَاك عَنْ الْكَلَام , قَالَ اللَّه تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مَرْيَم : " إِنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا " [ مَرْيَم : 26 ] أَيْ سُكُوتًا عَنْ الْكَلَام , وَالصَّوْم : رُكُود الرِّيح , وَهُوَ إِمْسَاكهَا عَنْ الْهُبُوب . وَصَامَتْ الدَّابَّة عَلَى آرِيّهَا : قَامَتْ وَثَبَتَتْ فَلَمْ تَعْتَلِف , وَصَامَ النَّهَار : اِعْتَدَلَ , وَمَصَام الشَّمْس حَيْثُ تَسْتَوِي فِي مُنْتَصَف النَّهَار , وَمِنْهُ قَوْل النَّابِغَة : خَيْل صِيَام وَخَيْل غَيْر صَائِمَة تَحْت الْعَجَاج وَخَيْل تَعْلُك اللُّجُمَا أَيْ خَيْل ثَابِتَة مُمْسِكَة عَنْ الْجَرْي وَالْحَرَكَة , كَمَا قَالَ : كَأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ فِي مَصَامهَا أَيْ هِيَ ثَابِتَة فِي مَوَاضِعهَا فَلَا تَنْتَقِل , وَقَوْله : وَالْبَكَرَات شَرّهنَّ الصَّائِمَة يَعْنِي الَّتِي لَا تَدُور , وَقَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : فَدَعْهَا وَسَلِّ الْهَمّ عَنْك بِجَسْرَة ذَمُولٍ إِذَا صَامَ النَّهَار وَهَجَّرَا أَيْ أَبْطَأَتْ الشَّمْس عَنْ الِانْتِقَال وَالسَّيْر فَصَارَتْ بِالْإِبْطَاءِ كَالْمُمْسِكَةِ , وَقَالَ آخَر : حَتَّى إِذَا صَامَ النَّهَار وَاعْتَدَل وَسَالَ لِلشَّمْسِ لُعَاب فَنَزَل وَقَالَ آخَر : نَعَامًا بِوَجْرَة صُفْر الْخُدُود مَا تَطْعَم النَّوْم إِلَّا صِيَامَا أَيْ قَائِمَة , وَالشِّعْر فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِير . وَالصَّوْم فِي الشَّرْع : الْإِمْسَاك عَنْ الْمُفْطِرَات مَعَ اِقْتِرَان النِّيَّة بِهِ مِنْ طُلُوع الْفَجْر إِلَى غُرُوب الشَّمْس , وَتَمَامه وَكَمَاله بِاجْتِنَابِ الْمَحْظُورَات وَعَدَم الْوُقُوع فِي الْمُحَرَّمَات , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ لَمْ يَدَع قَوْل الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَة فِي أَنْ يَدَع طَعَامه وَشَرَابه ) . فَضْل الصَّوْم عَظِيم , وَثَوَابه جَسِيم , جَاءَتْ بِذَلِكَ أَخْبَار كَثِيرَة صِحَاح وَحِسَان ذَكَرَهَا الْأَئِمَّة فِي مَسَانِيدهمْ , وَسَيَأْتِي بَعْضهَا , وَيَكْفِيك الْآن مِنْهَا فِي فَضْل الصَّوْم أَنْ خَصَّهُ اللَّه بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ , كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ مُخْبِرًا عَنْ رَبّه : ( يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلّ عَمَل اِبْن آدَم لَهُ إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) الْحَدِيث , وَإِنَّمَا خَصَّ الصَّوْم بِأَنَّهُ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْعِبَادَات كُلّهَا لَهُ لِأَمْرَيْنِ بَايَنَ الصَّوْم بِهِمَا سَائِر الْعِبَادَات . أَحَدهمَا : أَنَّ الصَّوْم يَمْنَع مِنْ مَلَاذّ النَّفْس وَشَهَوَاتهَا مَا لَا يَمْنَع مِنْهُ سَائِر الْعِبَادَات . الثَّانِي : أَنَّ الصَّوْم سِرّ بَيْن الْعَبْد وَبَيْن رَبّه لَا يَظْهَر إِلَّا لَهُ ; فَلِذَلِكَ صَارَ مُخْتَصًّا بِهِ , وَمَا سِوَاهُ مِنْ الْعِبَادَات ظَاهِر , رُبَّمَا فَعَلَهُ تَصَنُّعًا وَرِيَاء ; فَلِهَذَا صَارَ أَخَصّ بِالصَّوْمِ مِنْ غَيْره . وَقِيلَ غَيْر هَذَا . الْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى النَّعْت , التَّقْدِير كِتَابًا كَمَا , أَوْ صَوْمًا كَمَا , أَوْ عَلَى الْحَال مِنْ الصِّيَام أَيْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام مُشَبَّهًا كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ , وَقَالَ بَعْض النُّحَاة : الْكَاف فِي مَوْضِع رَفْع نَعْتًا لِلصِّيَامِ , إِذْ لَيْسَ تَعْرِيفه بِمَحْضٍ , لِمَكَانِ الْإِجْمَال الَّذِي فِيهِ بِمَا فَسَّرَتْهُ الشَّرِيعَة ; فَلِذَلِكَ جَازَ نَعْته ب " كَمَا " إِذْ لَا يُنْعَت بِهَا إِلَّا النَّكِرَات , فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كُتِبَ عَلَيْكُمْ صِيَام , وَقَدْ ضُعِّفَ هَذَا الْقَوْل . و " مَا " فِي مَوْضِع خَفْض , وَصِلَتهَا : " كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ " , وَالضَّمِير فِي " كُتِبَ " يَعُود عَلَى " مَا " , وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَوْضِع التَّشْبِيه قَالَ الشَّعْبِيّ وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا : التَّشْبِيه يَرْجِع إِلَى وَقْت الصَّوْم وَقَدْر الصَّوْم , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى كَتَبَ عَلَى قَوْم مُوسَى وَعِيسَى صَوْم رَمَضَان فَغَيَّرُوا , وَزَادَ أَحْبَارهمْ عَلَيْهِمْ عَشْرَة أَيَّام ثُمَّ مَرِضَ بَعْض أَحْبَارهمْ فَنَذَرَ إِنْ شَفَاهُ اللَّه أَنْ يَزِيد فِي صَوْمهمْ عَشْرَة أَيَّام فَفَعَلَ , فَصَارَ صَوْم النَّصَارَى خَمْسِينَ يَوْمًا , فَصَعُبَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَرّ فَنَقَلُوهُ إِلَى الرَّبِيع , وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل النَّحَّاس وَقَالَ : وَهُوَ الْأَشْبَه بِمَا فِي الْآيَة , وَفِيهِ حَدِيث يَدُلّ عَلَى صِحَّته أَسْنَدَهُ عَنْ دَغْفَل بْن حَنْظَلَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( كَانَ عَلَى النَّصَارَى صَوْم شَهْر فَمَرِضَ رَجُل مِنْهُمْ فَقَالُوا لَئِنْ شَفَاهُ اللَّه لَأَزِيدَن عَشْرَة ثُمَّ كَانَ آخَر فَأَكَلَ لَحْمًا فَأَوْجَعَ فَاهُ فَقَالُوا لَئِنْ شَفَاهُ اللَّه لِأَزِيدَن سَبْعَة ثُمَّ كَانَ مَلِك آخَر فَقَالُوا لَنُتِمَّنَّ هَذِهِ السَّبْعَة الْأَيَّام وَنَجْعَل صَوْمنَا فِي الرَّبِيع قَالَ فَصَارَ خَمْسِينَ ) , وَقَالَ مُجَاهِد : كَتَبَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ صَوْم شَهْر رَمَضَان عَلَى كُلّ أُمَّة , وَقِيلَ : أَخَذُوا بِالْوَثِيقَةِ فَصَامُوا قَبْل الثَّلَاثِينَ يَوْمًا وَبَعْدهَا يَوْمًا , قَرْنًا بَعْد قَرْن , حَتَّى بَلَغَ صَوْمهمْ خَمْسِينَ يَوْمًا , فَصَعُبَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَرّ فَنَقَلُوهُ إِلَى الْفَصْل الشَّمْسِيّ . قَالَ النَّقَّاش : وَفِي ذَلِكَ حَدِيث عَنْ دَغْفَل بْن حَنْظَلَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالسُّدِّيّ . قُلْت : وَلِهَذَا - وَاَللَّه أَعْلَم - كُرِهَ الْآن صَوْم يَوْم الشَّكّ وَالسِّتَّة مِنْ شَوَّال بِإِثْرِ يَوْم الْفِطْر مُتَّصِلًا بِهِ . قَالَ الشَّعْبِيّ : لَوْ صُمْت السَّنَة كُلّهَا لَأَفْطَرْت يَوْم الشَّكّ , وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى فُرِضَ عَلَيْهِمْ صَوْم شَهْر رَمَضَان كَمَا فُرِضَ عَلَيْنَا , فَحَوَّلُوهُ إِلَى الْفَصْل الشَّمْسِيّ ; لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يُوَافِق الْقَيْظ فَعَدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا , ثُمَّ جَاءَ بَعْدهمْ قَرْن فَأَخَذُوا بِالْوَثِيقَةِ لِأَنْفُسِهِمْ فَصَامُوا قَبْل الثَّلَاثِينَ يَوْمًا وَبَعْدهَا يَوْمًا , ثُمَّ لَمْ يَزَلْ الْآخَر يَسْتَنّ بِسُنَّةِ مَنْ كَانَ قَبْله حَتَّى صَارُوا إِلَى خَمْسِينَ يَوْمًا فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ " , وَقِيلَ : التَّشْبِيه رَاجِع إِلَى أَصْل وُجُوبه عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ , لَا فِي الْوَقْت وَالْكَيْفِيَّة , وَقِيلَ : التَّشْبِيه وَاقِع عَلَى صِفَة الصَّوْم الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنْعهمْ مِنْ الْأَكْل وَالشُّرْب وَالنِّكَاح , فَإِذَا حَانَ الْإِفْطَار فَلَا يَفْعَل هَذِهِ الْأَشْيَاء مَنْ نَامَ , وَكَذَلِكَ كَانَ فِي النَّصَارَى أَوَّلًا وَكَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام , ثُمَّ نَسَخَهُ اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ : " أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَة الصِّيَام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُمْ " [ الْبَقَرَة : 187 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه , قَالَهُ السُّدِّيّ وَأَبُو الْعَالِيَة وَالرَّبِيع , وَقَالَ مُعَاذ بْن جَبَل وَعَطَاء : التَّشْبِيه وَاقِع عَلَى الصَّوْم لَا عَلَى الصِّفَة وَلَا عَلَى الْعِدَّة وَإِنْ اِخْتَلَفَ الصِّيَامَانِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان . الْمَعْنَى : " كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام " أَيْ فِي أَوَّل الْإِسْلَام ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر وَيَوْم عَاشُورَاء " كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ " وَهُمْ الْيَهُود - فِي قَوْل اِبْن عَبَّاس - ثَلَاثَة أَيَّام وَيَوْم عَاشُورَاء , ثُمَّ نُسِخَ هَذَا فِي هَذِهِ الْأُمَّة بِشَهْرِ رَمَضَان , وَقَالَ مُعَاذ بْن جَبَل : نُسِخَ ذَلِكَ " بِأَيَّامٍ مَعْدُودَات " ثُمَّ نُسِخَتْ الْأَيَّام بِرَمَضَان . " لَعَلَّ " تَرَجٍّ فِي حَقّهمْ , كَمَا تَقَدَّمَ . و " تَتَّقُونَ " قِيلَ : مَعْنَاهُ هُنَا تَضْعُفُونَ , فَإِنَّهُ كُلَّمَا قَلَّ الْأَكْل ضَعُفَتْ الشَّهْوَة , وَكُلَّمَا ضَعُفَتْ الشَّهْوَة قَلَّتْ الْمَعَاصِي وَهَذَا وَجْه مَجَازِيّ حَسَن . وَقِيلَ : لِتَتَّقُوا الْمَعَاصِي , وَقِيلَ : هُوَ عَلَى الْعُمُوم , لِأَنَّ الصِّيَام كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( الصِّيَام جُنَّة وَوِجَاء ) وَسَبَب تَقْوَى ; لِأَنَّهُ يُمِيت الشَّهَوَات .

غريب الآية
یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ﴿١٨٣﴾
لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَلتَتَّقُوه بطاعَتِه.
ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡهم أهلُ الكتابِ.
كُتِبَفَرَضَ اللهُ.
كُتِبَفَرَضَ اللهُ.
كُتِبَفَرَضَ اللهُ.
كُتِبَفُرِضَ.
الإعراب
(يَاأَيُّهَا)
(يَا) : حَرْفُ نِدَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(أَيُّ) : مُنَادًى مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ، وَ(هَا) : حَرْفُ تَنْبِيهٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتٌ.
(آمَنُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(كُتِبَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(عَلَيْكُمُ)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(الصِّيَامُ)
نَائِبُ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(كَمَا)
"الْكَافُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَا) : حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كُتِبَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ (مَا كُتِبَ) : فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْكَافِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ نَائِبٌ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(قَبْلِكُمْ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(لَعَلَّكُمْ)
(لَعَلَّ) : حَرْفُ تَرَجٍّ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (لَعَلَّ) :.
(تَتَّقُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (لَعَلَّ) :.