صفحات الموقع

سورة البقرة الآية ١٩٤

سورة البقرة الآية ١٩٤

ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَـٰتُ قِصَاصࣱۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَیۡكُمۡ فَٱعۡتَدُوا۟ عَلَیۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَیۡكُمۡۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِینَ ﴿١٩٤﴾

التفسير

تفسير السعدي

يقول تعالى: " الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ " , يحتمل أن يكون المراد به, ما وقع من صد المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية, عن الدخول لمكة, وقاضوهم على دخولها من قابل, وكان الصد والقضاء في شهر حرام, وهو ذو القعدة, فيكون هذا بهذا. فيكون فيه, تطييب لقلوب الصحابة, بتمام نسكهم, وكماله. ويحتمل أن يكون المعنى: أنكم إن قاتلتموهم في الشهر الحرام, فقد قاتلوكم فيه, وهم المعتدون, فليس عليكم في ذلك حرج. وعلى هذا فيكون قوله: " وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ " من باب عطف العام على الخاص. أي: كل شيء يحترم من شهر حرام, أو بلد حرام, أو إحرام, أو ما هو أعم من ذلك, جميع ما أمر الشرع باحترامه, فمن تجرأ عليها, فإنه يقتص منه. فمن قاتل في الشهر الحرام, قوتل. ومن هتك البلد الحرام, أخذ منه الحد, ولم يكن له حرمة. ومن قتل مكافئا له قتل به, ومن جرحه أو قطع عضوا, منه, اقتص منه. ومن أخذ مال غيره المحترم, أخذ منه بدله. ولكن هل لصاحب الحق, أن يأخذ من ماله بقدر حقه أم لا؟ خلاف بين العلماء, الراجح من ذلك, أنه, إن كان سبب الحق ظاهرا كالضيف, إذا لم يقره غيره, والزوجة, والقريب إذا امتنع من تجب عليه النفقة من الإنفاق عليه,, فإنه يجوز أخذه من ماله. وإن كان السبب خفيا, كمن جحد دين غيره, أو خانه في وديعة, أو سرق منه ونحو ذلك, فإنه لا يجوز له أن يأخذ من ماله مقابلة له, جمعا بين الأدلة, ولهذا قال تعالى, توكيدا وتقوية لما تقدم: " فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ " . هذا تفسير لصفة المقاصة, وأنها هي المماثلة في مقابلة المعتدي. ولما كانت النفوس - في الغالب - لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها التشفي, أمر تعالى بلزوم تقواه, التي هي الوقوف عند حدوده, وعدم تجاوزها, وأخبر تعالى أنه " مَعَ الْمُتَّقِينَ " أي: بالعون, والنصر, والتأييد, والتوفيق. ومن كان الله معه, حصل له السعادة الأبدية. ومن لم يلزم التقوى, تخلى عنه وليه, وخذله, فوكله إلى نفسه فصار هلاكه أقرب إليه من حبل الوريد.

التفسير الميسر

قتالكم -أيها المؤمنون- للمشركين في الشهر الذي حرَّم الله القتال فيه هو جزاء لقتالهم لكم في الشهر الحرام. والذي يعتدي على ما حَرَّم الله من المكان والزمان، يعاقب بمثل فعله، ومن جنس عمله. فمن اعتدى عليكم بالقتال أو غيره فأنزلوا به عقوبة مماثلة لجنايته، ولا حرج عليكم في ذلك؛ لأنهم هم البادئون بالعدوان، وخافوا الله فلا تتجاوزوا المماثلة في العقوبة، واعلموا أن الله مع الذين يتقونه ويطيعونه بأداء فرائضه وتجنب محارمه.

تفسير الجلالين

"الشَّهْر الْحَرَام" الْمُحَرَّم مُقَابَل "بِالشَّهْرِ الْحَرَام" فَكُلَّمَا قَاتَلُوكُمْ فِيهِ فَاقْتُلُوهُمْ فِي مِثْله رَدّ لِاسْتِعْظَامِ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ "وَالْحُرُمَات" جَمْع حُرْمَة مَا يَجِب احْتِرَامه "قِصَاص" أَيْ يَقْتَصّ بِمِثْلِهَا إذَا اُنْتُهِكَتْ "فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ" بِالْقِتَالِ فِي الْحَرَم أَوْ الْإِحْرَام أَوْ الشَّهْر الْحَرَام "فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ" سَمَّى مُقَابَلَته اعْتِدَاء لِشَبَهِهَا بِالْمُقَابِلِ بِهِ فِي الصُّورَة "وَاتَّقُوا اللَّه" فِي الِانْتِصَار وَتَرْك الِاعْتِدَاء "وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مَعَ الْمُتَّقِينَ" بِالْعَوْنِ وَالنَّصْر

تفسير ابن كثير

قَالَ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ وَقَتَادَة وَمِقْسَم وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَعَطَاء وَغَيْرهمْ لَمَّا سَارَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَمِرًا فِي سَنَة سِتّ مِنْ الْهِجْرَة وَحَبَسَهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الدُّخُول وَالْوُصُول إِلَى الْبَيْت وَصَدُّوهُ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي ذِي الْقَعْدَة وَهُوَ شَهْر حَرَام حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى الدُّخُول مِنْ قَابِل فَدَخَلَهَا فِي السَّنَة الْآتِيَة هُوَ وَمَنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَقَصَّهُ اللَّهُ مِنْهُمْ فَنَزَلَتْ فِي ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَة" الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص " وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن عِيسَى حَدَّثَنَا لَيْث بْن سَعْد عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : لَمْ يَكُنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَغْزُو فِي الشَّهْر الْحَرَام إِلَّا أَنْ يُغْزَى أَوْ يُغْزَوْا فَإِذَا حَضَرَهُ أَقَامَ حَتَّى يَنْسَلِخ . هَذَا إِسْنَاد صَحِيح. وَلِهَذَا لَمَّا بَلَغَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُخَيِّم بِالْحُدَيْبِيَةِ أَنَّ عُثْمَان قُتِلَ وَكَانَ قَدْ بَعَثَهُ فِي رِسَالَة إِلَى الْمُشْرِكِينَ بَايَعَ أَصْحَابه وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَةِ تَحْت الشَّجَرَة عَلَى قِتَال الْمُشْرِكِينَ فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَان لَمْ يُقْتَل كَفَّ عَنْ ذَلِكَ وَجَنَحَ إِلَى الْمُسَالَمَة وَالْمُصَالَحَة فَكَانَ مَا كَانَ . وَكَذَلِكَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَال هَوَازِن يَوْم حُنَيْن وَتَحَصَّنَ فَلّهم بِالطَّائِفِ عَدَلَ إِلَيْهَا فَحَاصَرَهَا وَدَخَلَ ذُو الْقَعْدَة وَهُوَ مُحَاصِر لَهَا بِالْمَنْجَنِيقِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا إِلَى كَمَال أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَس فَلَمَّا كَثُرَ الْقَتْل فِي أَصْحَابه اِنْصَرَفَ عَنْهَا وَلَمْ تُفْتَح ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى مَكَّة وَاعْتَمَرَ مِنْ الْجِعْرَانَة حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِم حُنَيْن . وَكَانَتْ عُمْرَته هَذِهِ فِي ذِي الْقَعْدَة أَيْضًا عَام ثَمَان صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ : وَقَوْله" فَمَنْ اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ " أَمَرَ بِالْعَدْلِ حَتَّى فِي الْمُشْرِكِينَ كَمَا قَالَ" وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ " وَقَالَ" وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا " . وَرَوَى عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ قَوْله " فَمَنْ اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ " . نَزَلَتْ بِمَكَّة حَيْثُ لَا شَوْكَة وَلَا جِهَاد ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ الْقِتَال بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ رَدَّ هَذَا الْقَوْل اِبْن جَرِير وَقَالَ : بَلْ الْآيَة مَدَنِيَّة بَعْد عُمْرَة الْقَضِيَّة وَعَزَا ذَلِكَ إِلَى مُجَاهِد رَحِمَهُ اللَّه وَقَوْله " وَاتَّقُوا اللَّه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مَعَ الْمُتَّقِينَ " أَمْرٌ لَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّه وَتَقْوَاهُ وَإِخْبَارٌ بِأَنَّهُ تَعَالَى مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام } ذَا الْقَعْدَة , وَهُوَ الشَّهْر الَّذِي كَانَ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ فِيهِ عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة , فَصَدَّهُ مُشْرِكُو أَهْل مَكَّة عَنْ الْبَيْت وَدُخُول مَكَّة , وَكُلّ ذَلِكَ سَنَة سِتّ مِنْ هِجْرَته , وَصَالَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ فِي تِلْكَ السَّنَة , عَلَى أَنْ يَعُود مِنْ الْعَام الْمُقْبِل , فَيَدْخُل مَكَّة وَيُقِيم ثَلَاثًا , فَلَمَّا كَانَ الْعَام الْمُقْبِل , وَذَلِكَ سَنَة سَبْع مِنْ هِجْرَته خَرَجَ مُعْتَمِرًا وَأَصْحَابه فِي ذِي الْقَعْدَة , وَهُوَ الشَّهْر الَّذِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ صَدُّوهُ عَنْ الْبَيْت فِيهِ فِي سَنَة سِتّ , وَأَخْلَى لَهُ أَهْل مَكَّة الْبَلَد , حَتَّى دَخَلَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَضَى حَاجَته مِنْهَا , وَأَتَمَّ عُمْرَته , وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا , ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مُنْصَرِفًا إلَى الْمَدِينَة , فَقَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُسْلِمِينَ مَعَهُ : { الشَّهْر الْحَرَام } يَعْنِي ذَا الْقَعْدَة الَّذِي أَوْصَلَكُمْ اللَّه فِيهِ إلَى حُرْمَة بَيْته عَلَى كَرَاهَة مُشْرِكِي قُرَيْش ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُمْ مِنْهُ وَطَركُمْ { بِالشَّهْرِ الْحَرَام } الَّذِي صَدَّكُمْ مُشْرِكُو قُرَيْش الْعَام الْمَاضِي قَبْله فِيهِ , حَتَّى انْصَرَفْتُمْ عَنْ كُرْه مِنْكُمْ عَنْ الْحَرَام , فَلَمْ تَدْخُلُوا وَلَمْ تُصَلُّوا إلَى بَيْت اللَّه , فَأَقْصَدَكُمْ اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِإِدْخَالِكُمْ الْحَرَام فِي الشَّهْر الْحَرَام عَلَى كُرْه مِنْهُمْ لِذَلِكَ , بِمَا كَانَ مِنْهُمْ إلَيْكُمْ فِي الشَّهْر الْحَرَام مِنْ الصَّدّ وَالْمَنْع مِنْ الْوُصُول إلَى الْبَيْت . كَمَا : 2563 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بَزِيع , قَالَ : ثنا يُوسُف , يَعْنِي ابْن خَالِد السَّمْتِيّ , قَالَ : ثنا نَافِع بْن مَالِك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَالْحُرُمَات قِصَاص } قَالَ : هُمْ الْمُشْرِكُونَ حَبَسُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْقَعْدَة , فَرَجَعَهُ اللَّه فِي ذِي الْقَعْدَة , فَأَدْخَلَهُ الْبَيْت الْحَرَام , فَاقْتَصَّ لَهُ مِنْهُمْ . 2564 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } قَالَ : فَخَرَتْ قُرَيْش بِرَدِّهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة مُحْرِمًا فِي ذِي الْقَعْدَة عَنْ الْبَلَد الْحَرَام , فَأَدْخَلَهُ اللَّه مَكَّة فِي الْعَام الْمُقْبِل مِنْ ذِي الْقَعْدَة فَقَضَى عُمْرَته , وَأَقَصَّهُ بِمَا حِيلَ بَيْنه وَبَيْنهَا يَوْم الْحُدَيْبِيَة . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 2565 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } أَقْبَلَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فَاعْتَمَرُوا فِي ذِي الْقَعْدَة وَمَعَهُمْ الْهَدْي , حَتَّى إذَا كَانُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ صَدَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ , فَصَالَحَهُمْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يَرْجِع مِنْ عَامه ذَلِكَ , حَتَّى يَرْجِع مِنْ الْعَام الْمُقْبِل , فَيَكُون بِمَكَّة ثَلَاثَة أَيَّام , وَلَا يَدْخُلهَا إلَّا بِسِلَاحٍ رَاكِب وَيَخْرُج , وَلَا يَخْرُج بِأَحَدٍ مِنْ أَهْل مَكَّة , فَنَحَرُوا الْهَدْي بِالْحُدَيْبِيَةِ , وَحَلَقُوا وَقَصَّرُوا . حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ الْعَام الْمُقْبِل أَقْبَلَ نَبِيّ اللَّه وَأَصْحَابه حَتَّى دَخَلُوا مَكَّة , فَاعْتَمَرُوا فِي ذِي الْقَعْدَة , فَأَقَامُوا بِهَا ثَلَاث لَيَالٍ , فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ فَخَرُوا عَلَيْهِ حِين رَدُّوهُ يَوْم الْحُدَيْبِيَة , فَأَقَصَّهُ اللَّه مِنْهُمْ , فَأَدْخَلَهُ مَكَّة فِي ذَلِكَ الشَّهْر الَّذِي كَانُوا رَدُّوهُ فِيهِ فِي ذِي الْقَعْدَة , فَقَالَ اللَّه : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } 2566 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , وَعَنْ عُثْمَان , عَنْ مِقْسَم فِي قَوْله : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } قَالَا : كَانَ هَذَا فِي سَفَر الْحُدَيْبِيَة , صَدَّ الْمُشْرِكُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه عَنْ الْبَيْت فِي الشَّهْر الْحَرَام , فَقَاضَوْا الْمُشْرِكِينَ يَوْمئِذٍ قَضِيَّة " إنَّ لَكُمْ أَنْ تَعْتَمِرُوا فِي الْعَام الْمُقْبِل " فِي هَذَا الشَّهْر الَّذِي صَدُّوهُمْ فِيهِ , فَجَعَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَهُمْ شَهْرًا حَرَامًا يَعْتَمِرُونَ فِيهِ مَكَان شَهْرهمْ الَّذِي صُدُّوا , فَلِذَلِكَ قَالَ : { وَالْحُرُمَات قِصَاص } 2567 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } قَالَ : لَمَّا اعْتَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة سِتّ مِنْ مُهَاجِره صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ , وَأَبَوْا أَنْ يَتْرُكُوهُ , ثُمَّ إنَّهُمْ صَالَحُوهُ فِي صُلْحهمْ عَلَى أَنْ يُخْلُوا لَهُ مَكَّة مِنْ عَام قَابِل ثَلَاثَة أَيَّام يَخْرُجُونَ , وَيَتْرُكُونَهُ فِيهَا , فَأَتَاهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد فَتْح خَيْبَر مِنْ السَّنَة السَّابِعَة , فَخَلَّوْا لَهُ مَكَّة ثَلَاثَة أَيَّام , فَنَكَحَ فِي عُمْرَته تِلْكَ مَيْمُونَة بِنْت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة . 2568 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } أَحْصَرُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْقَعْدَة عَنْ الْبَيْت الْحَرَام , فَأَدْخَلَهُ اللَّه الْبَيْت الْحَرَام الْعَام الْمُقْبِل , وَاقْتَصَّ لَهُ مِنْهُمْ , فَقَالَ : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } 2569 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : أَقْبَلَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , فَأَحْرَمُوا بِالْعُمْرَةِ فِي ذِي الْقَعْدَة وَمَعَهُمْ الْهَدْي , حَتَّى إذَا كَانُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ صَدَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ , فَصَالَحَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْجِع ذَلِكَ الْعَام حَتَّى يَرْجِع الْعَام الْمُقْبِل , فَيُقِيم بِمَكَّة ثَلَاثَة أَيَّام , وَلَا يَخْرُج مَعَهُ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْل مَكَّة . فَنَحَرُوا الْهَدْي بِالْحُدَيْبِيَةِ , وَحَلَقُوا وَقَصَّرُوا . حَتَّى إذَا كَانُوا مِنْ الْعَام الْمُقْبِل , أَقْبَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه حَتَّى دَخَلُوا مَكَّة , فَاعْتَمَرُوا فِي ذِي الْقَعْدَة وَأَقَامُوا بِهَا ثَلَاثَة أَيَّام , وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ فَخَرُوا عَلَيْهِ حِين رَدُّوهُ يَوْم الْحُدَيْبِيَة , فَقَاصَّ اللَّه لَهُ مِنْهُمْ , وَأَدْخَلَهُ مَكَّة فِي ذَلِكَ الشَّهْر الَّذِي كَانُوا رَدُّوهُ فِيهِ فِي ذِي الْقَعْدَة . قَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مُسْعَد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَالْحُرُمَات قِصَاص } فَهُمْ الْمُشْرِكُونَ كَانُوا حَبَسُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْقَعْدَة عَنْ الْبَيْت , فَفَخَرُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ , فَرَجَعَهُ اللَّه فِي ذِي الْقَعْدَة , فَأَدْخَلَهُ اللَّه الْبَيْت الْحَرَام وَاقْتَصَّ لَهُ مِنْهُمْ . 2570 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام } حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَة . قَالَ : هَذَا كُلّه قَدْ نُسِخَ , أَمَرَهُ أَنْ يُجَاهَد الْمُشْرِكِينَ . وَقَرَأَ : { قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّة } 9 36 وَقَرَأَ : { قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّار } 9 123 الْعَرَب , فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ , قَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله } 9 29 حَتَّى بَلَغَ قَوْله : { وَهُمْ صَاغِرُونَ } قَالَ : وَهُمْ الرُّوم قَالَ : فَوَجَّهَ إلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 2571 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ , قَالَ : ثنا أَيُّوب , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } قَالَ : أَمَرَكُمْ اللَّه بِالْقِصَاصِ , وَيَأْخُذ مِنْكُمْ الْعُدْوَان . 2572 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ وَسَأَلْته عَنْ قَوْله : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْحُرُمَات قِصَاص } قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْحُدَيْبِيَة , مَنَعُوا فِي الشَّهْر الْحَرَام , فَنَزَلَتْ : { الشَّهْر الْحَرَام بِالشَّهْرِ الْحَرَام } عُمْرَة فِي شَهْر حَرَام بِعُمْرَةٍ فِي شَهْر حَرَام . وَإِنَّمَا سَمَّى اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ ذَا الْقَعْدَة الشَّهْر الْحَرَام , لِأَنَّ الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَتْ تُحَرِّم فِيهِ الْقِتَال وَالْقَتْل وَتَضَع فِيهِ السِّلَاح , وَلَا يَقْتُل فِيهِ أَحَد أَحَدًا وَلَوْ لَقِيَ الرَّجُل قَاتِل أَبِيهِ أَوْ ابْنه . وَإِنَّمَا كَانُوا سَمَّوْهُ ذَا الْقَعْدَة لِقُعُودِهِمْ فِيهِ عَنْ الْمَغَازِي وَالْحُرُوب , فَسَمَّاهُ اللَّه بِالِاسْمِ الَّذِي كَانَتْ الْعَرَب تُسَمِّيه بِهِ . وَأَمَّا الْحُرُمَات فَإِنَّهَا جَمْع حُرْمَة كَالظُّلُمَاتِ جَمْع ظُلْمَة , وَالْحُجُرَات جَمْع حُجْرَة . وَإِنَّمَا قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَالْحُرُمَات قِصَاص } فَجَمْع , لِأَنَّهُ أَرَادَ الشَّهْر الْحَرَام وَالْبَلَد الْحَرَام وَحُرْمَة الْإِحْرَام , فَقَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد وَالْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ : دُخُولكُمْ الْحَرَم بِإِحْرَامِكُمْ هَذَا فِي شَهْركُمْ هَذَا الْحَرَام قِصَاص مِمَّا مَنَعْتُمْ مِنْ مِثْله عَامكُمْ الْمَاضِي , وَذَلِكَ هُوَ الْحُرُمَات الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه قِصَاصًا . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقِصَاص هُوَ الْمُجَازَاة مِنْ جِهَة الْفِعْل أَوْ الْقَوْل أَوْ الْبَدَن , وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِع مِنْ جِهَة الْفِعْل . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } . اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَا نَزَلَ فِيهِ قَوْله : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 2573 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } فَهَذَا وَنَحْوه نَزَلَ بِمَكَّة وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمئِذٍ قَلِيل , وَلَيْسَ لَهُمْ سُلْطَان يَقْهَر الْمُشْرِكِينَ , وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَعَاطَوْنَهُمْ بِالشَّتْمِ وَالْأَذَى , فَأَمَرَ اللَّه الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُجَازِي مِنْهُمْ أَنْ يُجَازِي بِمِثْلِ مَا أُوتِيَ إلَيْهِ أَوْ يَصْبِر أَوْ يَعْفُو فَهُوَ أَمْثَل فَلَمَّا هَاجَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَة , وَأَعَزّ اللَّه سُلْطَانه أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْتَهُوا فِي مَظَالِمهمْ إلَى سُلْطَانهمْ , وَأَنْ لَا يَعْدُو بَعْضهمْ عَلَى بَعْض كَأَهْلِ الْجَاهِلِيَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَنْ قَاتَلَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَقَاتِلُوهُمْ كَمَا قَاتَلُوكُمْ . وَقَالُوا : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ وَبَعْد عُمْرَة الْقَضِيَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2574 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } فَقَاتِلُوهُمْ فِيهِ كَمَا قَاتَلُوكُمْ . وَأَشْبَه التَّأْوِيلَيْنِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِر الْآيَة الَّذِي حُكِيَ عَنْ مُجَاهِد , لِأَنَّ الْآيَات قَبْلهَا إنَّمَا هِيَ أَمْر مِنْ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ بِجِهَادِ عَدُوّهُمْ عَلَى صِفَة , وَذَلِكَ قَوْله : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } وَالْآيَات بَعْدهَا , وَقَوْله : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ } إنَّمَا هُوَ فِي سِيَاق الْآيَات الَّتِي فِيهَا الْأَمْر بِالْقِتَالِ وَالْجِهَاد , وَاَللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ إنَّمَا فَرَضَ الْقِتَال عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَعْد الْهِجْرَة فَمَعْلُوم بِذَلِكَ أَنَّ قَوْله : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } مَدَنِيّ لَا مَكِّيّ , إذْ كَانَ فَرْض قِتَال الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّة , وَأَنَّ قَوْله : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } نَظِير قَوْله : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } وَأَنَّ مَعْنَاهُ : فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فِي الْحَرَم فَقَاتَلَكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِالْقِتَالِ نَحْو اعْتِدَائِهِ عَلَيْكُمْ بِقِتَالِهِ إيَّاكُمْ , لِأَنِّي قَدْ جَعَلْت الْحُرُمَات قِصَاصًا , فَمَنْ اسْتَحَلَّ مِنْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ حُرْمَة فِي حَرَمِي , فَاسْتَحَلُّوا مِنْهُ مِثْله فِيهِ . وَهَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِإِذْنِ اللَّه لِنَبِيِّهِ بِقِتَالِ أَهْل الْحَرَم ابْتِدَاء فِي الْحَرَم وَقَوْله : { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة } 9 36 . .. عَلَى نَحْو مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُجَازَاة وَإِتْبَاع لَفْظ لَفْظًا وَإِنْ اخْتَلَفَ مَعْنَاهُمَا , كَمَا قَالَ : { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه } 3 54 وَقَدْ قَالَ : { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّه مِنْهُمْ } 9 79 وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِمَّا اتَّبَعَ لَفْظ لَفْظًا وَاخْتَلَفَ الْمَعْنَيَانِ . وَالْآخَر أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْعَدْو الَّذِي هُوَ شَدّ وَوُثُوب مِنْ قَوْل الْقَائِل : عَدَا الْأَسَد عَلَى فَرِيسَته . فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : فَمَنْ عَدَا عَلَيْكُمْ : أَيْ فَمَنْ شَدَّ عَلَيْكُمْ وَوَثَبَ بِظُلْمٍ , فَاعْدُوا عَلَيْهِ أَيْ فَشُدُّوا عَلَيْهِ وَثِبُوا نَحْوه قِصَاصًا لِمَا فَعَلَ عَلَيْكُمْ لَا ظُلْمًا ثُمَّ تَدْخُل التَّاء فِي " عَدَا " , فَيُقَال افْتَعَلَ فَعَلَ , كَمَا يُقَال : اقْتَرَبَ هَذَا الْأَمْر بِمَعْنَى قَرُبَ , وَاجْتَلَبَ كَذَا بِمَعْنَى جَلَبَ , وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { وَاتَّقُوا اللَّه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مَعَ الْمُتَّقِينَ } يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : وَاتَّقُوا اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي حُرُمَاته وَحُدُوده أَنْ تَعْتَدُوا قِيهَا فَتَتَجَاوَزُوا فِيهَا مَا بَيَّنَهُ وَحَدَّهُ لَكُمْ , وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضه وَتَجَنُّب مَحَارِمه .

تفسير القرطبي

قَدْ تَقَدَّمَ اِشْتِقَاق الشَّهْر , وَسَبَب نُزُولهَا مَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَمُجَاهِد وَمِقْسَم وَالسُّدِّيّ وَالرَّبِيع وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمْ قَالُوا : نَزَلَتْ فِي عُمْرَة الْقَضِيَّة وَعَام الْحُدَيْبِيَة , ( وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مُعْتَمِرًا حَتَّى بَلَغَ الْحُدَيْبِيَة ) فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة سِتّ , فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ كُفَّار قُرَيْش عَنْ الْبَيْت فَانْصَرَفَ , وَوَعَدَهُ اللَّه سُبْحَانه أَنَّهُ سَيَدْخُلُهُ , فَدَخَلَهُ سَنَة سَبْع وَقَضَى نُسُكه , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنُهِيت يَا مُحَمَّد عَنْ الْقِتَال فِي الشَّهْر الْحَرَام ؟ قَالَ : ( نَعَمْ ) . فَأَرَادُوا قِتَاله , فَنَزَلَتْ الْآيَة . الْمَعْنَى : إِنْ اِسْتَحَلُّوا ذَلِكَ فِيهِ فَقَاتِلْهُمْ , فَأَبَاحَ اللَّه بِالْآيَةِ مُدَافَعَتهمْ , وَالْقَوْل الْأَوَّل أَشْهَر وَعَلَيْهِ الْأَكْثَر . الْحُرُمَات جَمْع حُرْمَة , كَالظُّلُمَاتِ جَمْع ظُلْمَة , وَالْحُجُرَات جَمْع حُجْرَة , وَإِنَّمَا جُمِعَتْ الْحُرُمَات لِأَنَّهُ أَرَادَ حُرْمَة الشَّهْر الْحَرَام وَحُرْمَة الْبَلَد الْحَرَام , وَحُرْمَة الْإِحْرَام . وَالْحُرْمَة : مَا مُنِعْت مِنْ اِنْتِهَاكه , وَالْقِصَاص الْمُسَاوَاة , أَيْ اِقْتَصَصْت لَكُمْ مِنْهُمْ إِذْ صَدُّوكُمْ سَنَة سِتّ فَقَضَيْتُمْ الْعُمْرَة سَنَة سَبْع . ف " الْحُرُمَات قِصَاص " عَلَى هَذَا مُتَّصِل بِمَا قَبْله وَمُتَعَلِّق . بِهِ . وَقِيلَ : هُوَ مَقْطُوع مِنْهُ , وَهُوَ اِبْتِدَاء أَمْر كَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام : إِنَّ مَنْ اِنْتَهَكَ حُرْمَتك نِلْت مِنْهُ مِثْل مَا اِعْتَدَى عَلَيْك , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالْقِتَالِ , وَقَالَتْ طَائِفَة : مَا تَنَاوَلَتْ الْآيَة مِنْ التَّعَدِّي بَيْن أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْجِنَايَات وَنَحْوهَا لَمْ يُنْسَخ , وَجَازَ لِمَنْ تُعُدِّيَ عَلَيْهِ فِي مَال أَوْ جُرْح أَنْ يَتَعَدَّى بِمِثْلِ مَا تُعُدِّيَ بِهِ عَلَيْهِ إِذَا خَفِيَ لَهُ ذَلِكَ , وَلَيْسَ بَيْنه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى فِي ذَلِكَ شَيْء , قَالَهُ الشَّافِعِيّ وَغَيْره , وَهِيَ رِوَايَة فِي مَذْهَب مَالِك , وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ أَصْحَاب مَالِك : لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ , وَأُمُور الْقِصَاص وَقْف عَلَى الْحُكَّام , وَالْأَمْوَال يَتَنَاوَلهَا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَدِّ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ اِئْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك ) . خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْره , فَمَنْ اِئْتَمَنَهُ مَنْ خَانَهُ فَلَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَخُونهُ وَيَصِل إِلَى حَقّه مِمَّا اِئْتَمَنَهُ عَلَيْهِ , وَهُوَ الْمَشْهُور مِنْ الْمَذْهَب , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة تَمَسُّكًا بِهَذَا الْحَدِيث , وَقَوْله تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا " [ النِّسَاء : 58 ] , وَهُوَ قَوْل عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ . قَالَ قُدَامَة بْن الْهَيْثَم : سَأَلْت عَطَاء بْن مَيْسَرَة الْخُرَاسَانِيّ فَقُلْت لَهُ : لِي عَلَى رَجُل حَقّ , وَقَدْ جَحَدَنِي بِهِ وَقَدْ أَعْيَا عَلَيَّ الْبَيِّنَة , أَفَأَقْتَصُّ مِنْ مَاله ؟ قَالَ : أَرَأَيْت لَوْ وَقَعَ بِجَارِيَتِك , فَعَلِمْت مَا كُنْت صَانِعًا . قُلْت : وَالصَّحِيح جَوَاز ذَلِكَ كَيْف مَا تَوَصَّلَ إِلَى أَخْذ حَقّه مَا لَمْ يَعُدْ سَارِقًا , وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَحَكَاهُ الدَّاوُدِيّ عَنْ مَالِك , وَقَالَ بِهِ اِبْن الْمُنْذِر , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ , وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ خِيَانَة وَإِنَّمَا هُوَ وُصُول إِلَى حَقّ , وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ) وَأَخْذ الْحَقّ مِنْ الظَّالِم نَصْر لَهُ , وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْد بِنْت عُتْبَة اِمْرَأَة أَبِي سُفْيَان لَمَّا قَالَتْ لَهُ : إِنَّ أَبَا سُفْيَان رَجُل شَحِيح لَا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَة مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إِلَّا مَا أَخَذْت مِنْ مَاله بِغَيْرِ عِلْمه , فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاح ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خُذِي مَا يَكْفِيك وَيَكْفِي وَلَدك بِالْمَعْرُوفِ ) . فَأَبَاحَ لَهَا الْأَخْذ وَأَلَّا تَأْخُذ إِلَّا الْقَدْر الَّذِي يَجِب لَهَا , وَهَذَا كُلّه ثَابِت فِي الصَّحِيح , قَوْله تَعَالَى : " فَمَنْ اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ " قَاطِع فِي مَوْضِع الْخِلَاف . وَاخْتَلَفُوا إِذَا ظَفِرَ لَهُ بِمَالٍ مِنْ غَيْر جِنْس مَاله , فَقِيلَ : لَا يَأْخُذ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِم , وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ , أَصَحّهمَا الْأَخْذ , قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ ظَفِرَ لَهُ مِنْ جِنْس مَاله , وَالْقَوْل الثَّانِي لَا يَأْخُذ لِأَنَّهُ خِلَاف الْجِنْس , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَتَحَرَّى قِيمَة مَا لَهُ عَلَيْهِ وَيَأْخُذ مِقْدَار ذَلِكَ , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الدَّلِيل , وَاَللَّه أَعْلَم . وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْأَخْذ فَهَلْ يُعْتَبَر مَا عَلَيْهِ مِنْ الدُّيُون وَغَيْر ذَلِكَ , فَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا , بَلْ يَأْخُذ مَا لَهُ عَلَيْهِ , وَقَالَ مَالِك : يُعْتَبَر مَا يَحْصُل لَهُ مَعَ الْغُرَمَاء فِي الْفَلَس , وَهُوَ الْقِيَاس , وَاَللَّه أَعْلَم . عُمُوم مُتَّفَق عَلَيْهِ , إِمَّا بِالْمُبَاشَرَةِ إِنْ أَمْكَنَ , وَإِمَّا بِالْحُكَّامِ , وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي الْمُكَافَأَة هَلْ تُسَمَّى عُدْوَانًا أَمْ لَا , فَمَنْ قَالَ : لَيْسَ فِي الْقُرْآن مَجَاز , قَالَ : الْمُقَابَلَة عُدْوَان , وَهُوَ عُدْوَان مُبَاح , كَمَا أَنَّ الْمَجَاز فِي كَلَام الْعَرَب كَذِب مُبَاح ; لِأَنَّ قَوْل الْقَائِل : فَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعًا وَطَاعَة وَكَذَلِكَ : اِمْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قَطْنِي وَكَذَلِكَ : شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُول السُّرَى وَمَعْلُوم أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاء لَا تَنْطِق , وَحَدّ الْكَذِب : إِخْبَار عَنْ الشَّيْء عَلَى خِلَاف مَا هُوَ بِهِ , وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآن مَجَاز سَمَّى هَذَا عُدْوَانًا عَلَى طَرِيق الْمَجَاز وَمُقَابَلَة الْكَلَام بِمِثْلِهِ , كَمَا قَالَ عَمْرو بْن كُلْثُوم : أَلَا لَا يَجْهَلَن أَحَد عَلَيْنَا فَنَجْهَل فَوْق جَهْل الْجَاهِلِينَا وَقَالَ الْآخَر : وَلِي فَرَس لِلْحِلْمِ بِالْحِلْمِ مُلْجَم وَلِي فَرَس لِلْجَهْلِ بِالْجَهْلِ مُسْرَج وَمَنْ رَامَ تَقْوِيمِي فَإِنِّي مُقَوَّم وَمَنْ رَامَ تَعْوِيجِي فَإِنِّي مُعَوَّج يُرِيد : أُكَافِئ الْجَاهِل وَالْمُعْوَجّ , لَا أَنَّهُ اِمْتَدَحَ بِالْجَهْلِ وَالِاعْوِجَاج . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ اِسْتَهْلَكَ أَوْ أَفْسَدَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَان أَوْ الْعُرُوض الَّتِي لَا تُكَال وَلَا تُوزَن , فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمَا وَجَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء : عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمِثْل , وَلَا يُعْدَل إِلَى الْقِيمَة إِلَّا عِنْد عَدَم الْمِثْل , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَمَنْ اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ " وَقَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ " [ النَّحْل : 126 ] . قَالُوا : وَهَذَا عُمُوم فِي جَمِيع الْأَشْيَاء كُلّهَا , وَعَضَدُوا هَذَا بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ الْقَصْعَة الْمَكْسُورَة فِي بَيْت الَّتِي كَسَرَتْهَا وَدَفَعَ الصَّحِيحَة وَقَالَ : ( إِنَاء بِإِنَاءٍ وَطَعَام بِطَعَامٍ ) خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدِّد حَدَّثَنَا يَحْيَى ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا خَالِد عَنْ حُمَيْد عَنْ أَنَس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْد بَعْض نِسَائِهِ , فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِم قَصْعَة فِيهَا طَعَام , قَالَ : فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتْ الْقَصْعَة . قَالَ اِبْن الْمُثَنَّى : فَأَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِسْرَتَيْنِ فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى , فَجَعَلَ يَجْمَع فِيهَا الطَّعَام وَيَقُول : ( غَارَتْ أُمّكُمْ ) . زَادَ اِبْن الْمُثَنَّى ( كُلُوا ) فَأَكَلُوا حَتَّى جَاءَتْ قَصْعَتهَا الَّتِي فِي بَيْتهَا , ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى لَفْظ حَدِيث مُسَدِّد وَقَالَ : ( كُلُوا ) وَحَبَسَ الرَّسُول وَالْقَصْعَة حَتَّى فَرَغُوا , فَدَفَعَ الْقَصْعَة الصَّحِيحَة إِلَى الرَّسُول وَحَبَسَ الْمَكْسُورَة فِي بَيْته . حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدِّد حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَان قَالَ وَحَدَّثَنَا فُلَيْت الْعَامِرِيّ - قَالَ أَبُو دَاوُد : وَهُوَ أَفْلَت بْن خَلِيفَة - عَنْ جَسْرَة بِنْت دَجَاجَة قَالَتْ : قَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : مَا رَأَيْت صَانِعًا طَعَامًا مِثْل صَفِيَّة , صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَبَعَثَتْ بِهِ , فَأَخَذَنِي أَفْكَل فَكَسَرْت الْإِنَاء , فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه , مَا كَفَّارَة مَا صَنَعْت ؟ قَالَ : ( إِنَاء مِثْل إِنَاء وَطَعَام مِثْل طَعَام ) . قَالَ مَالِك وَأَصْحَابه : عَلَيْهِ فِي الْحَيَوَان وَالْعُرُوض الَّتِي لَا تُكَال وَلَا تُوزَن الْقِيمَة لَا الْمِثْل , بِدَلِيلِ تَضْمِين النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أَعْتَقَ نِصْف عَبْده قِيمَة نِصْف شَرِيكه , وَلَمْ يُضَمِّنهُ مِثْل نِصْف عَبْده . وَلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء عَلَى تَضْمِين الْمِثْل فِي الْمَطْعُومَات وَالْمَشْرُوبَات وَالْمَوْزُونَات , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( طَعَام بِطَعَامٍ ) . لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ هَذِهِ الْآيَة أَصْل فِي الْمُمَاثَلَة فِي الْقِصَاص , فَمَنْ قَتَلَ بِشَيْءٍ قُتِلَ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ بِهِ , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , مَا لَمْ يَقْتُلهُ بِفِسْقٍ كَاللُّوطِيَّةِ وَإِسْقَاء الْخَمْر فَيُقْتَل بِالسَّيْفِ , وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْل : إِنَّهُ يُقْتَل بِذَلِكَ , فَيُتَّخَذ عُود عَلَى تِلْكَ الصِّفَة وَيُطْعَن بِهِ فِي دُبُره حَتَّى يَمُوت , وَيُسْقَى عَنْ الْخَمْر مَاء حَتَّى يَمُوت . وَقَالَ اِبْن الْمَاجِشُونِ : إِنَّ مَنْ قَتَلَ بِالنَّارِ أَوْ بِالسُّمِّ لَا يُقْتَل بِهِ , لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُعَذِّب بِالنَّارِ , إِلَّا اللَّه ) , وَالسُّمّ نَار بَاطِنَة , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ يُقْتَل بِذَلِكَ , لِعُمُومِ الْآيَة . وَأَمَّا الْقَوَد بِالْعَصَا فَقَالَ مَالِك فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ : إِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي الْقَتْل بِالْعَصَا تَطْوِيل وَتَعْذِيب قُتِلَ بِالسَّيْفِ , رَوَاهُ عَنْهُ اِبْن وَهْب , وَقَالَهُ اِبْن الْقَاسِم , وَفِي الْأُخْرَى : يُقْتَل بِهَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ ذَلِكَ , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ , وَرَوَى أَشْهَب وَابْن نَافِع عَنْ مَالِك فِي الْحَجَر وَالْعَصَا أَنَّهُ يُقْتَل بِهِمَا إِذَا كَانَتْ الضَّرْبَة مُجْهِزَة , فَأَمَّا أَنْ يَضْرِب ضَرَبَات فَلَا , وَعَلَيْهِ لَا يُرْمَى بِالنَّبْلِ وَلَا بِالْحِجَارَةِ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعْذِيب , وَقَالَهُ عَبْد الْمَلِك . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : " وَالصَّحِيح مِنْ أَقْوَال عُلَمَائِنَا أَنَّ الْمُمَاثَلَة وَاجِبَة , إِلَّا أَنْ تَدْخُل فِي حَدّ التَّعْذِيب فَلْتُتْرَكْ إِلَى السَّيْف " , وَاتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَطَعَ يَده وَرِجْله وَفَقَأَ عَيْنه قَصْد التَّعْذِيب فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ , كَمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتَلَةِ الرِّعَاء , وَإِنْ كَانَ فِي مُدَافَعَة أَوْ مُضَارَبَة قُتِلَ بِالسَّيْفِ . وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى خِلَاف هَذَا كُلّه فَقَالُوا : لَا قَوَد إِلَّا بِالسَّيْفِ , وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَالشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ . وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا قَوَد إِلَّا بِحَدِيدَةٍ ) , وَبِالنَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَة , وَقَوْله : ( لَا يُعَذِّب بِالنَّارِ إِلَّا رَبّ النَّار ) . وَالصَّحِيح مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُور , لِمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ جَارِيَة وُجِدَ رَأْسهَا قَدْ رُضَّ بَيْن حَجَرَيْنِ , فَسَأَلُوهَا : مَنْ صَنَعَ هَذَا بِك ! أَفُلَان , أَفُلَان ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا , فَأُخِذَ الْيَهُودِيّ فَأَقَرَّ , فَأَمَرَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُرَضّ رَأْسه بِالْحِجَارَةِ , وَفِي رِوَايَة : فَقَتَلَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن حَجَرَيْنِ , وَهَذَا نَصّ صَرِيح صَحِيح , وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ " [ النَّحْل : 126 ] , وَقَوْله : " فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ " . وَأَمَّا مَا اِسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ حَدِيث جَابِر فَحَدِيث ضَعِيف عِنْد الْمُحَدِّثِينَ , لَا يُرْوَى عَنْ طَرِيق صَحِيح , لَوْ صَحَّ قُلْنَا بِمُوجَبِهِ , وَأَنَّهُ إِذَا قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ قُتِلَ بِهَا , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيث أَنَس : أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْس جَارِيَة بَيْن حَجَرَيْنِ فَرَضَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسه بَيْن حَجَرَيْنِ , وَأَمَّا النَّهْي عَنْ الْمُثْلَة فَنَقُول أَيْضًا بِمُوجِبِهَا إِذَا لَمْ يُمَثِّل , فَإِذَا مَثَّلَ مَثَّلْنَا بِهِ , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيث الْعُرَنِيِّينَ , وَهُوَ صَحِيح أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّة , وَقَوْله : ( لَا يُعَذِّب بِالنَّارِ إِلَّا رَبّ النَّار ) صَحِيح إِذَا لَمْ يُحْرِق , فَإِنْ حَرَقَ حُرِقَ , يَدُلّ عَلَيْهِ عُمُوم الْقُرْآن . قَالَ الشَّافِعِيّ : إِنْ طَرَحَهُ فِي النَّار عَمْدًا طَرَحَهُ فِي النَّار حَتَّى يَمُوت , وَذَكَرَهُ الْوَقَار فِي مُخْتَصَره عَنْ مَالِك , وَهُوَ قَوْل مُحَمَّد بْن عَبْد الْحَكَم . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَقَوْل كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم فِي الرَّجُل يَخْنُق الرَّجُل : عَلَيْهِ الْقَوَد , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن فَقَالَ : لَوْ خَنَقَهُ حَتَّى مَاتَ أَوْ طَرَحَهُ فِي بِئْر فَمَاتَ , أَوْ أَلْقَاهُ مِنْ جَبَل أَوْ سَطْح فَمَاتَ , لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قِصَاص وَكَانَ عَلَى عَاقِلَته الدِّيَة , فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ - قَدْ خَنَقَ غَيْر وَاحِد - فَعَلَيْهِ الْقَتْل . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَلَمَّا أَقَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْيَهُودِيّ الَّذِي رَضَّ رَأْس الْجَارِيَة بِالْحَجَرِ كَانَ هَذَا فِي مَعْنَاهُ , فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ . قُلْت : وَحَكَى هَذَا الْقَوْل غَيْره عَنْ أَبِي حَنِيفَة فَقَالَ : وَقَدْ شَذَّ أَبُو حَنِيفَة فَقَالَ فِيمَنْ قَتَلَ بِخَنْقٍ أَوْ بِسُمٍّ أَوْ تَرْدِيَة مِنْ جَبَل أَوْ بِئْر أَوْ بِخَشَبَةٍ : إِنَّهُ لَا يُقْتَل وَلَا يُقْتَصّ مِنْهُ , إِلَّا إِذَا قَتَلَ بِمُحَدَّدٍ حَدِيد أَوْ حَجَر أَوْ خَشَب أَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْخَنْقِ وَالتَّرْدِيَة وَكَانَ عَلَى عَاقِلَته الدِّيَة , وَهَذَا مِنْهُ رَدّ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّة , وَإِحْدَاث مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَمْر الْأُمَّة , وَذَرِيعَة إِلَى رَفْع الْقِصَاص الَّذِي شَرَعَهُ اللَّه لِلنُّفُوسِ , فَلَيْسَ عَنْهُ مَنَاص . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ حَبَسَ رَجُلًا وَقَتَلَهُ آخَر , فَقَالَ عَطَاء : يُقْتَل الْقَاتِل وَيُحْبَس الْحَابِس حَتَّى يَمُوت , وَقَالَ مَالِك : إِنْ كَانَ حَبَسَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيد قَتْله قُتِلَا جَمِيعًا , وَفِي قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَبِي ثَوْر وَالنُّعْمَان يُعَاقَب الْحَابِس , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر . قُلْت : قَوْل عَطَاء صَحِيح , وَهُوَ مُقْتَضَى التَّنْزِيل , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُل الرَّجُل وَقَتَلَهُ الْآخَر يُقْتَل الْقَاتِل وَيُحْبَس الَّذِي أَمْسَكَهُ ) . رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر , وَرَوَاهُ مَعْمَر وَابْن جُرَيْج عَنْ إِسْمَاعِيل مُرْسَلًا . " فَمَنْ اِعْتَدَى " الِاعْتِدَاء هُوَ التَّجَاوُز , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُود اللَّه " [ الْبَقَرَة : 229 ] أَيْ يَتَجَاوَزهَا , فَمَنْ ظَلَمَك فَخُذْ حَقّك مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتك , وَمَنْ شَتَمَك فَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْل قَوْله , وَمَنْ أَخَذَ عِرْضك فَخُذْ عِرْضه , لَا تَتَعَدَّى إِلَى أَبَوَيْهِ وَلَا إِلَى اِبْنه أَوْ قَرِيبه , وَلَيْسَ لَك أَنْ تَكْذِب عَلَيْهِ وَإِنْ كَذَبَ عَلَيْك , فَإِنَّ الْمَعْصِيَة لَا تُقَابَل بِالْمَعْصِيَةِ , فَلَوْ قَالَ لَك مَثَلًا : يَا كَافِر , جَازَ لَك أَنْ تَقُول لَهُ : أَنْتَ الْكَافِر , وَإِنْ قَالَ لَك : يَا زَانٍ , فَقِصَاصك أَنْ تَقُول لَهُ : يَا كَذَّاب يَا شَاهِد زُور , وَلَوْ قُلْت لَهُ يَا زَانٍ , كُنْت كَاذِبًا وَأَثِمْت فِي الْكَذِب , وَإِنْ مَطَلَك وَهُوَ غَنِيّ دُون عُذْر فَقَالَ : يَا ظَالِم , يَا آكِل أَمْوَال النَّاس , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيّ الْوَاجِد يُحِلّ عِرْضه وَعُقُوبَته ) . أَمَّا عِرْضه فَبِمَا فَسَّرْنَاهُ , وَأَمَّا عُقُوبَته فَالسِّجْن يُحْبَس فِيهِ , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَ هَذَا قَبْل أَنْ يَقْوَى الْإِسْلَام , فَأَمَرَ مَنْ أُوذِيَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجَازِي بِمِثْلِ مَا أُوذِيَ بِهِ , أَوْ يَصْبِر أَوْ يَعْفُو , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : " وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة " [ التَّوْبَة : 36 ] , وَقِيلَ : نُسِخَ ذَلِكَ بِتَصْيِيرِهِ إِلَى السُّلْطَان , وَلَا يَحِلّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَصّ مِنْ أَحَد إِلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَان . {194} الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ يُقَال أَصْلهَا فِي اللُّغَة قِلَّة الْكَلَام , حَكَاهُ اِبْن فَارِس قُلْت وَمِنْهُ الْحَدِيث ( التَّقِيّ مُلْجَم وَالْمُتَّقِي فَوْق الْمُؤْمِن وَالطَّائِع ) وَهُوَ الَّذِي يَتَّقِي بِصَالِحِ عَمَله وَخَالِص دُعَائِهِ عَذَاب اللَّه تَعَالَى , مَأْخُوذ مِنْ اِتِّقَاء الْمَكْرُوه بِمَا تَجْعَلهُ حَاجِزًا بَيْنك وَبَيْنه , كَمَا قَالَ النَّابِغَة : سَقَطَ النَّصِيف وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطه فَتَنَاوَلْته وَاتَّقَتْنَا بِالْيَدِ وَقَالَ آخَر : فَأَلْقَتْ قِنَاعًا دُونه الشَّمْس وَاتَّقَتْ بِأَحْسَن مَوْصُولِينَ كَفّ وَمِعْصَم وَخَرَّجَ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْغَنِيّ الْحَافِظ مِنْ حَدِيث سَعِيد بْن زَرْبِي أَبِي عُبَيْدَة عَنْ عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ زِرّ اِبْن حُبَيْش عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : قَالَ يَوْمًا لِابْنِ أَخِيهِ : يَا بْن أَخِي تَرَى النَّاس مَا أَكْثَرهمْ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : لَا خَيْر فِيهِمْ إِلَّا تَائِب أَوْ تَقِيّ ثُمَّ قَالَ : يَا بْن أَخِي تَرَى النَّاس مَا أَكْثَرهمْ قُلْت : بَلَى , قَالَ : لَا خَيْر فِيهِمْ إِلَّا عَالِم أَوْ مُتَعَلِّم , وَقَالَ أَبُو يَزِيد الْبِسْطَامِيّ : الْمُتَّقِي مَنْ إِذَا قَالَ قَالَ لِلَّهِ , وَمَنْ إِذَا عَمِلَ عَمِلَ لِلَّهِ , وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِيّ : الْمُتَّقُونَ الَّذِينَ نَزَعَ اللَّه عَنْ قُلُوبهمْ حُبّ الشَّهَوَات , وَقِيلَ الْمُتَّقِي الَّذِي اِتَّقَى الشِّرْك وَبَرِئَ مِنْ النِّفَاق . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا فَاسِد ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون كَذَلِكَ وَهُوَ فَاسِق , وَسَأَلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَعْرَابِيًّا عَنْ التَّقْوَى , فَقَالَ : هَلْ أَخَذْت طَرِيقًا ذَا شَوْك قَالَ : نَعَمْ قَالَ فَمَا عَمِلْت فِيهِ قَالَ : تَشَمَّرْت وَحَذِرْت , قَالَ : فَذَاكَ التَّقْوَى , وَأَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى اِبْن الْمُعْتَزّ فَنَظَمَهُ : خَلّ الذُّنُوب صَغِيرهَا وَكَبِيرهَا ذَلِكَ التُّقَى وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْق أَرْض الشَّوْك يَحْذَر مَا يَرَى لَا تُحَقِّرَن صَغِيرَة إِنَّ الْجِبَال مِنْ الْحَصَى التَّقْوَى فِيهَا جِمَاع الْخَيْر كُلّه , وَهَى وَصِيَّة اللَّه فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ , وَهَى خَيْر مَا يَسْتَفِيدهُ الْإِنْسَان , كَمَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء وَقَدْ قِيلَ لَهُ : إِنَّ أَصْحَابك يَقُولُونَ الشِّعْر وَأَنْتَ مَا حُفِظَ عَنْك شَيْء , فَقَالَ : يُرِيد الْمَرْء أَنْ يُؤْتَى مُنَاهُ وَيَأْبَى اللَّه إِلَّا مَا أَرَادَا يَقُول الْمَرْء فَائِدَتِي وَمَالِي وَتَقْوَى اللَّه أَفْضَل مَا اِسْتَفَادَ الْمُؤْمِن وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه عَنْ أَبِي أُمَامَة عَنْ النَّبِيّ ( ص ) أَنَّهُ كَانَ يَقُول : ( مَا اِسْتَفَادَ الْمُؤْمِن بَعْد تَقْوَى اللَّه خَيْر لَهُ مِنْ زَوْجَة صَالِحَة إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسهَا وَمَاله ) . وَالْأَصْل فِي التَّقْوَى : وَقْوَى عَلَى وَزْن فَعْلَى فَقُلِبَتْ الْوَاو تَاء مِنْ وَقَيْته أَقِيه أَيْ مَنَعْته , وَرَجُل تَقِيّ أَيْ خَائِف , أَصْله وَقِيّ , وَكَذَلِكَ تُقَاة كَانَتْ فِي الْأَصْل وُقَاة , كَمَا قَالُوا : تُجَاه وَتُرَاث , وَالْأَصْل وُجَاه وَوُرَاث .

غريب الآية
ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَـٰتُ قِصَاصࣱۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَیۡكُمۡ فَٱعۡتَدُوا۟ عَلَیۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَیۡكُمۡۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِینَ ﴿١٩٤﴾
ٱعۡتَدَىٰتجاوَزَ بعد أَخْذِ الدِّيةِ.
ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُالشهرُ الذي حَرَّمَ اللهُ القتالَ فيه.
بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِإذا قاتَلُوكم فيه قاتَلْتُموهم فيه.
وَٱلۡحُرُمَـٰتُ قِصَاصࣱۚمَنْ هَتَكَ حُرْمَةً عليكم فلكم أن تَهْتِكُوا حُرْمَةً عليه، مُساواةً.
الإعراب
(الشَّهْرُ)
مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْحَرَامُ)
نَعْتٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(بِالشَّهْرِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الشَّهْرِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْحَرَامِ)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ.
(وَالْحُرُمَاتُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْحُرُمَاتُ) : مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(قِصَاصٌ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَمَنِ)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَنْ) : اسْمُ شَرْطٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(اعْتَدَى)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(عَلَيْكُمْ)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(فَاعْتَدُوا)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اعْتَدُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَالشَّرْطُ وَجَوَابُهُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (مَنْ) :.
(عَلَيْهِ)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(بِمِثْلِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(مِثْلِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَا)
حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(اعْتَدَى)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ (مَا اعْتَدَى) : فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(عَلَيْكُمْ)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(وَاتَّقُوا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اتَّقُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَاعْلَمُوا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اعْلَمُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(أَنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ (أَنَّ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَعَ)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْمُتَّقِينَ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (أَنَّ) :، وَ(أَنًّ) : وَمَعْمُولَيْهَا فِي مَحَلِّ نَصْبٍ سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (اعْلَمُوا) :.