سورة البقرة الآية ١٩٦
سورة البقرة الآية ١٩٦
وَأَتِمُّوا۟ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَیۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡیِۖ وَلَا تَحۡلِقُوا۟ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ یَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡیُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِیضًا أَوۡ بِهِۦۤ أَذࣰى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡیَةࣱ مِّن صِیَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكࣲۚ فَإِذَاۤ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَیۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡیِۚ فَمَن لَّمۡ یَجِدۡ فَصِیَامُ ثَلَـٰثَةِ أَیَّامࣲ فِی ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةࣱ كَامِلَةࣱۗ ذَ ٰلِكَ لِمَن لَّمۡ یَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِی ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ ﴿١٩٦﴾
تفسير السعدي
ولما فرغ تعالى من ذكر أحكام الصيام والجهاد, ذكر أحكام الحج فقال: " وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ " الآية. يستدل بقوله " وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ " على أمور: أحدها, وجوب الحج والعمرة, وفرضيتهما. الثاني: وجوب إتمامهما, بأركانهما, وواجباتهما, التي قد دل عليها فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله " خذوا عني مناسككم " . الثالث: أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة الرابع: أن الحج والعمرة, يجب إتمامهما بالشروع فيهما, ولو كانا نقلا. الخامس: الأمر بإتقانهما وإحسانهما, وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما. السادس: وفيه الأمر بإخلاصهما " لِلَّهِ " تعالى. السابع: أنه لا يخرج المحرم بهما, بشيء من الأشياء حتى يكملهما, إلا بما استثناه الله, وهو الحصر, فلهذا قال: " فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ " أي: منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما, بمرض, أو ضلالة, أو عدو, ونحو ذلك من أنواع الحصر, الذي هو المنع. " فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ " أي: فاذبحوا ما استيسر من الهدي, وهو سبع بدنة, أو سبع بقرة, أو شاة يذبحها المحصر, ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, لما صدهم المشركون عام الحديبية. فإن لم يجد الهدي, فليصم بدله, عشرة أيام كما في المتمتع ثم يحل. ثم قال تعالى " وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ " . وهذا من محظورات الإحرام, إزالة الشعر, بحلق أو غيره, لأن المعنى واحد من الرأس, أو من البدن, لأن المقصود من ذلك, حصول الشعث والمنع من الترفه بإزالته, وهو موجود في بقية الشعر. وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر, تقليم الأظفار بجامع الترفه. ويستمر المنع مما ذكر, حتى يبلغ الهدي محله, وهو يوم النحر. والأفضل, أن يكون الحلق بعد النحر, كما تدل عليه الآية. ويستدل بهذه الآية, على أن المتمتع إذا ساق الهدي, لم يتحلل من عمرته قبل يوم النحر. فإذا طاف وسعى للعمرة, أحرم بالحج, ولم يكن له إحلال بسبب سوق الهدي. وإنما منع تبارك وتعالى من ذلك, لما فيه من الذل والخضوع لله, والانكسار له, والتواضع الذي هو عين مصلحة العبد, وليس عليه في ذلك من ضرر. فإذا حصل الضرر بأن كان به أذى من مرض, ينتفع بحلق رأسه له, أو قروح, أو قمل ونحو ذلك فإنه يحل له أن يحلق رأسه, ولكن يكون عليه فدية, من صيام ثلاثة أيام, أو إطعام ستة مساكين, أو نسك ما يجزى في أضحية, فهو مخير. والنسك أفضل, فالصدقة, فالصيام. ومثل هذا, كل ما كان في معنى ذلك, من تقليم الأظفار, أو تغطية الرأس, أو لبس المخيط, أو الطيب, فإنه يجوز عند الضرورة, مع وجوب الفدية المذكورة لأن القصد من الجميع, إزالة ما به يترفه. ثم قال تعالى " فَإِذَا أَمِنْتُمْ " أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره. " فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ " بأن توصل بها إليه, وانتفع بتمتعه بعد الفراغ منها. " فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ " أي: فعليه ما تيسر من الهدي, وهو ما يجزى في أضحية. وهذا دم نسك, مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة, ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة, بعد فراغ العمرة, وقبل الشروع في الحج. ومثلها, القرآن لحصول النسكين له. ويدل مفهوم الآية, على أن المفرد للحج, ليس عليه هدي. ودلت الآية, على جواز, بل فضيلة المتعة, وعلى جواز فعلها في أشهر الحج. " فَمَنْ لَمْ يَجِدْ " أي الهدي أو ثمنه " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ " . أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة, وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر, أيام رمي الجمار, والمبيت بـ " منى " . ولكن الأفضل منها, أن يصوم السابع, والثامن, والتاسع. " وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ " أي: فرغتم من أعمال الحج, فيجوز فعلها في مكة, وفي الطريق, وعند وصوله إلى أهله. " ذَلِكَ " المذكور من وجوب الهدي على المتمتع. " لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " بأن كان عند مسافة قصر فأكثر, أو بعيدا عند عرفات, فهذا الذي يجب عليه الهدي, لحصول النسكين له في سفر واحد. وأما من كان أهله من حاضري المسجد الحرام, فليس عليه هدي, لعدم الموجب لذلك. " وَاتَّقُوا اللَّهَ " أي: في جميع أموركم, بامتثال أوامره, واجتناب نواهيه. ومن ذلك, امتثالكم, لهذه المأمورات, واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية. " وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " أي: لمن عصاه, وهذا هو الموجب للتقوى, فإن من خاف عقاب الله, انكف عما يوجب العقاب. كما أن من رجا ثواب الله, عمل لما يوصله إلى الثواب. ومن لم يخف العقاب, ولم يرج الثواب, اقتحم المحارم, وتجرأ على ترك الواجبات.
التفسير الميسر
وأدُّوا الحج والعمرة تامَّيْنِ، خالصين لوجه الله تعالى. فإن منعكم عن الذهاب لإتمامهما بعد الإحرام بهما مانع كالعدو والمرض، فالواجب عليكم ذَبْحُ ما تيسر لكم من الإبل أو البقر أو الغنم تقربًا إلى الله تعالى؛ لكي تَخْرُجوا من إحرامكم بحلق شعر الرأس أو تقصيره، ولا تحلقوا رؤوسكم إذا كنتم محصرين حتى ينحر المحصر هديه في الموضع الذي حُصر فيه ثم يحل من إحرامه، كما نحر النبي صلى الله عليه وسلم في "الحديبية" ثم حلق رأسه، وغير المحصر لا ينحر الهدي إلا في الحرم، الذي هو محله في يوم العيد، اليوم العاشر وما بعده من أيام التشريق. فمن كان منكم مريضًا، أو به أذى من رأسه يحتاج معه إلى الحلق -وهو مُحْرِم- حَلَق، وعليه فدية: بأن يصوم ثلاثة أيام، أو يتصدق على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، أو يذبح شاة لفقراء الحرم. فإذا كنتم في أمن وصحَّة: فمن استمتع بالعمرة إلى الحج وذلك باستباحة ما حُرِّم عليه بسبب الإحرام بعد انتهاء عمرته، فعليه ذبح ما تيسر من الهدي، فمن لم يجد هَدْيًا يذبحه فعليه صيام ثلاثة أيام في أشهر الحج، وسبعة إذا فرغتم من أعمال الحج ورجعتم إلى أهليكم، تلك عشرة كاملة لا بد من صيامها. ذلك الهَدْيُ وما ترتب عليه من الصيام لمن لم يكن أهله من ساكني أرض الحرم، وخافوا الله تعالى وحافظوا على امتثال أوامره واجتناب نواهيه، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره، وارتكب ما عنه زجر.
تفسير الجلالين
"وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ" أَدُّوهُمَا بِحُقُوقِهِمَا "فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ" مُنِعْتُمْ عَنْ إتْمَامهَا بِعَدُوٍّ "فَمَا اسْتَيْسَرَ" تَيَسَّرَ "مِنْ الْهَدْي" عَلَيْكُمْ وَهُوَ شَاة "وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسكُمْ" أَيْ لَا تَتَحَلَّلُوا "حَتَّى يَبْلُغ الْهَدْي" الْمَذْكُور "مَحِلّه" حَيْثُ يَحِلّ ذَبْحه وَهُوَ مَكَان الْإِحْصَار عِنْد الشَّافِعِيّ فَيَذْبَح فِيهِ بِنِيَّةِ التَّحَلُّل وَيُفَرِّق عَلَى مَسَاكِينه وَيَحْلِق وَبِهِ يَحْصُل التَّحَلُّل "فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسه" كَقَمْلٍ وَصُدَاع فَحَلَقَ فِي الْإِحْرَام "فَفِدْيَة" عَلَيْهِ "مِنْ صِيَام" ثَلَاثَة أَيَّام "أَوْ صَدَقَة" بِثَلَاثَةِ أَصْوُع مِنْ غَالِب قُوت الْبَلَد عَلَى سِتَّة مَسَاكِين "أَوْ نُسُك" أَيْ ذَبَحَ شَاة وَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ وَأُلْحِقَ بِهِ مَنْ حَلَقَ لِغَيْرِ عُذْر لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْكَفَّارَةِ وَكَذَا مَنْ اسْتَمْتَعَ بِغَيْرِ الْحَلْق كَالطِّيبِ وَاللُّبْس وَالدَّهْن لِعُذْرٍ أَوْ غَيْره "فَإِذَا أَمِنْتُمْ" الْعَدُوّ بِأَنْ ذَهَبَ أَوْ لَمْ يَكُنْ "فَمَنْ تَمَتَّعَ" اسْتَمْتَعَ "بِالْعُمْرَةِ" أَيْ بِسَبَبِ فَرَاغه مِنْهَا بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَام "إلَى الْحَجّ" أَيْ إلَى الْإِحْرَام بِهِ بِأَنْ يَكُون أَحْرَمَ بِهَا فِي أَشْهُره "فَمَا اسْتَيْسَرَ" تَيَسَّرَ "مِنْ الْهَدْي" عَلَيْهِ وَهُوَ شَاة يَذْبَحهَا بَعْد الْإِحْرَام بِهِ وَالْأَفْضَل يَوْم النَّحْر "فَمَنْ لَمْ يَجِد" الْهَدْي لِفَقْدِهِ أَوْ فَقْد ثَمَنه "فَصِيَام" أَيْ فَعَلَيْهِ صِيَام "ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ" أَيْ فِي حَال الْإِحْرَام بِهِ فَيَجِب حِينَئِذٍ أَنْ يُحْرِم قَبْل السَّابِع مِنْ ذِي الْحِجَّة وَالْأَفْضَل قَبْل السَّادِس لِكَرَاهَةِ صَوْم يَوْم عَرَفَة وَلَا يَجُوز صَوْمهَا أَيَّام التَّشْرِيق عَلَى أَصَحّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ "وَسَبْعَة إذَا رَجَعْتُمْ" إلَى وَطَنكُمْ مَكَّة أَوْ غَيْرهَا وَقِيلَ إذَا فَرَغْتُمْ مِنْ أَعْمَال الْحَجّ وَفِيهِ الْتِفَات عَنْ الْغِيبَة "تِلْكَ عَشَرَة كَامِلَة" جُمْلَة تَأْكِيد لِمَا قَبْلهَا "ذَلِكَ" الْحُكْم الْمَذْكُور مِنْ وُجُوب الْهَدْي أَوْ الصِّيَام عَلَى مَنْ تَمَتَّعَ "لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْله حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام" بِأَنْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى دُون مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ الْحَرَام عِنْد الشَّافِعِيّ فَإِنْ كَانَ فَلَا دَم عَلَيْهِ وَلَا صِيَام وَإِنْ تَمَتَّعَ فَعَلَيْهِ ذَلِكَ وَهُوَ أَحَد وَجْهَيْنِ عِنْد الشَّافِعِيّ وَالثَّانِي لَا وَالْأَهْل كِنَايَة عَنْ النَّفْس وَأُلْحِقَ بِالْمُتَمَتِّعِ فِيمَا ذُكِرَ بِالسُّنَّةِ الْقَارِن وَهُوَ مَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجّ مَعًا أَوْ يَدْخُل الْحَجّ عَلَيْهَا قَبْل الطَّوَاف "وَاتَّقُوا اللَّه" فِيمَا يَأْمُركُمْ بِهِ وَيَنْهَاكُمْ عَنْهُ "وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيد الْعِقَاب" لِمَنْ خَالَفَهُ
تفسير ابن كثير
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَحْكَام الصِّيَام وَعَطَفَ بِذِكْرِ الْجِهَاد شَرَعَ فِي بَيَان الْمَنَاسِك فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجّ وَالْعُمْرَة وَظَاهِر السِّيَاق إِكْمَال أَفْعَالهمَا بَعْد الشُّرُوع فِيهِمَا . وَلِهَذَا قَالَ بَعْده فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ أَيْ صُدِدْتُمْ عَنْ الْوُصُول إِلَى الْبَيْت وَمُنِعْتُمْ مِنْ إِتْمَامهمَا وَلِهَذَا اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الشُّرُوع فِي الْحَجّ وَالْعُمْرَة مُلْزِمٌ سَوَاء قِيلَ بِوُجُوبِ الْعُمْرَة أَوْ بِاسْتِحْبَابِهَا كَمَا هُمَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا بِدَلَائِلِهِمَا فِي كِتَابنَا الْأَحْكَام مُسْتَقْصًى وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة . وَقَالَ شُعْبَة عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَمَة عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة " وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ" قَالَ : أَنْ تُحْرِم مِنْ دُوَيْرَة أَهْلك . وَكَذَا قَالَ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَطَاوُس وَعَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : إِتْمَامهمَا أَنْ تُحْرِم مِنْ أَهْلك لَا تُرِيد إِلَّا الْحَجّ وَالْعُمْرَة وَتُهِلّ مِنْ الْمِيقَات لَيْسَ أَنْ تَخْرُج لِتِجَارَةٍ وَلَا لِحَاجَةٍ حَتَّى إِذَا كُنْت قَرِيبًا مِنْ مَكَّة قُلْت لَوْ حَجَجْت أَوْ اِعْتَمَرْت وَذَلِكَ يُجْزِئُ وَلَكِنَّ التَّمَام أَنْ تَخْرُج لَهُ وَلَا تَخْرُج لِغَيْرِهِ. وَقَالَ مَكْحُول : إِتْمَامهمَا إِنْشَاؤُهُمَا جَمِيعًا مِنْ الْمِيقَات. وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ بَلَغَنَا أَنَّ عُمَر قَالَ فِي قَوْل اللَّه " وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ " مِنْ تَمَامهمَا أَنْ تُفْرِد كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ الْآخَر وَأَنْ تَعْتَمِر فِي غَيْر أَشْهُر الْحَجّ إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول " الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَات " . وَقَالَ هِشَام عَنْ اِبْن عَوْن : سَمِعْت الْقَاسِم بْن مُحَمَّد يَقُول إِنَّ الْعُمْرَة فِي أَشْهُر الْحَجّ لَيْسَتْ بِتَمَامِهِ فَقِيلَ لَهُ فَالْعُمْرَة فِي الْمُحَرَّم ؟ قَالَ : كَانُوا يَرَوْنَهَا تَامَّة . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَة بْن دِعَامَة رَحِمَهُمَا اللَّه وَهَذَا الْقَوْل فِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اِعْتَمَرَ أَرْبَع عُمَر كُلّهَا فِي ذِي الْقَعْدَة عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة سِتّ وَعُمْرَة الْقَضَاء فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة سَبْع وَعُمْرَة الْجِعْرَانَة فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة ثَمَان وَعُمْرَته الَّتِي مَعَ حَجَّته أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة عَشْر وَمَا اِعْتَمَرَ فِي غَيْر ذَلِكَ بَعْد هِجْرَته وَلَكِنْ قَالَ لِأُمِّ هَانِئ " عُمْرَة فِي رَمَضَان تَعْدِل حَجَّة مَعِي " وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهَا قَدْ عَزَمَتْ عَلَى الْحَجّ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلَام فَاعْتَاقَتْ عَنْ ذَلِكَ بِسَبَبِ الطُّهْر كَمَا هُوَ مَبْسُوط فِي الْحَدِيث عِنْد الْبُخَارِيّ وَنَصَّ سَعِيد بْن جُبَيْر عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصهَا وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ السُّدِّيّ فِي قَوْله " وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ " أَيْ أَقِيمُوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ" يَقُول مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحِلَّ حَتَّى يُتِمَّهُمَا تَمَام الْحَجّ يَوْم النَّحْر إِذَا رَمَى جَمْرَة الْعَقَبَة وَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَة فَقَدْ حَلَّ . وَقَالَ قَتَادَة عَنْ زُرَارَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الْحَجّ عَرَفَة وَالْعُمْرَة الطَّوَاف . وَكَذَا رَوَى الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة فِي قَوْله " وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ " قَالَ هِيَ قِرَاءَة عَبْد اللَّه وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة إِلَى الْبَيْت لَا يُجَاوِز بِالْعُمْرَةِ الْبَيْت . قَالَ إِبْرَاهِيم : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْن جُبَيْر فَقَالَ : كَذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة أَنَّهُ قَالَ : وَأَقِيمُوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة إِلَى الْبَيْت . وَكَذَا رَوَى الثَّوْرِيّ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّهُ قَرَأَ : وَأَقِيمُوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة إِلَى الْبَيْت . وَقَرَأَ الشَّعْبِيّ " وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَةُ لِلَّهِ " بِرَفْعِ الْعُمْرَة وَقَالَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ . وَرُوِيَ عَنْهُ خِلَاف ذَلِكَ . وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيث كَثِيرَة مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة عَنْ أَنَس وَجَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ فِي إِحْرَامه بِحَجٍّ وَعُمْرَة . وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيح أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : " مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْي فَلْيُهْلِلْ بِحَجٍّ وَعُمْرَة " . وَقَالَ فِي الصَّحِيح أَيْضًا " دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " . وَقَدْ رَوَى الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي حَاتِم فِي سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة حَدِيثًا غَرِيبًا فَقَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحُسَيْن حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه الْهَرَوِيّ حَدَّثَنَا غَسَّان الْهَرَوِيّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان عَنْ عَطَاء عَنْ صَفْوَان بْن أُمَيَّة أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَضَمِّخ بِالزَّعْفَرَانِ عَلَيْهِ جُبَّة فَقَالَ : كَيْف تَأْمُرُنِى يَا رَسُول اللَّه فِي عُمْرَتِي ؟ قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّه " وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ" فَقَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَيْنَ السَّائِل عَنْ الْعُمْرَة " فَقَالَ هَا أَنَا ذَا . فَقَالَ لَهُ " أَلْقِ عَنْك ثِيَابك ثُمَّ اِغْتَسِلْ اِسْتَنْشِقْ مَا اِسْتَطَعْت ثُمَّ مَا كُنْت صَانِعًا فِي حَجّك فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتك " هَذَا حَدِيث غَرِيب وَسِيَاق عَجِيب وَاَلَّذِي وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ يَعْلَى بْن أُمَيَّة فِي قِصَّة الرَّجُل الَّذِي سَأَلَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ فَقَالَ كَيْف تَرَى فِي رَجُل أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَعَلَيْهِ جُبَّة وَخَلُوق فَسَكَتَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ جَاءَهُ الْوَحْي ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه فَقَالَ : " أَيْنَ السَّائِل ؟ " فَقَالَ : هَا أَنَا ذَا فَقَالَ " أَمَّا الْجُبَّة فَانْزِعْهَا وَأَمَّا الطِّيب الَّذِي بِك فَاغْسِلْهُ ثُمَّ مَا كُنْت صَانِعًا فِي حَجّك فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتك " وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ الْغُسْل وَالِاسْتِنْشَاق وَلَا ذَكَرَ نُزُول هَذِهِ الْآيَة وَهُوَ عَنْ يَعْلَى بْن أُمَيَّة لَا صَفْوَان بْن أُمَيَّة فَاَللَّه أَعْلَم . وَقَوْله فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ذَكَرُوا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي سَنَة سِتّ أَيْ عَام الْحُدَيْبِيَة حِين حَال الْمُشْرِكُونَ بَيْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَبَيْن الْوُصُول إِلَى الْبَيْت وَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ سُورَة الْفَتْح بِكَمَالِهَا وَأَنْزَلَ لَهُمْ رُخْصَة أَنْ يَذْبَحُوا مَا مَعَهُمْ مِنْ الْهَدْي وَكَانَ سَبْعِينَ بَدَنَة وَأَنْ يَحْلِقُوا رُءُوسهمْ وَأَنْ يَتَحَلَّلُوا مِنْ إِحْرَامهمْ فَعِنْد ذَلِكَ أَمَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَام بِأَنْ يَحْلِقُوا رُءُوسهمْ وَأَنْ يَتَحَلَّلُوا فَلَمْ يَفْعَلُوا اِنْتِظَارًا لِلنَّسْخِ حَتَّى خَرَجَ فَحَلَقَ رَأْسه فَفَعَلَ النَّاس وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَّرَ رَأْسه وَلَمْ يَحْلِقهُ فَلِذَلِكَ قَالَ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " رَحِمَ اللَّه الْمُحَلِّقِينَ " قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُول اللَّه ؟ فَقَالَ : فِي الثَّالِثَة " وَالْمُقَصِّرِينَ " وَقَدْ كَانُوا اِشْتَرَكُوا فِي هَدْيهمْ ذَلِكَ كُلّ سَبْعَة فِي بَدَنَة وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَةِ وَكَانَ مَنْزِلهمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ خَارِج الْحَرَم وَقِيلَ بَلْ كَانُوا عَلَى طَرَف الْحَرَم فَاَللَّه أَعْلَم . وَلِهَذَا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ يَخْتَصّ الْحَصْر بِالْعَدُوِّ فَلَا يَتَحَلَّل إِلَّا مَنْ حَصَرَهُ عَدُوّ لَا مَرَض وَلَا غَيْره عَلَى قَوْلَيْنِ . فَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن يَزِيد الْمُقْرِي حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن طَاوُس عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن أَبِي نَجِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : لَا حَصْر إِلَّا حَصْر الْعَدُوّ فَأَمَّا مَنْ أَصَابَهُ مَرَض أَوْ وَجَع أَوْ ضَلَال فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء إِنَّمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَلَيْسَ الْأَمْن حَصْرًا قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر وَطَاوُس وَالزُّهْرِيّ وَزَيْد بْن أَسْلَمَ نَحْو ذَلِكَ . وَالْقَوْل الثَّانِي : أَنَّ الْحَصْر أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَض أَوْ ضَلَال وَهُوَ التَّوَهَان عَنْ الطَّرِيق أَوْ نَحْو ذَلِكَ . قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن الصَّوَافّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ عِكْرِمَة عَنْ الْحَجَّاج بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول " مَنْ كُسِرَ أَوْ وُجِعَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّة أُخْرَى " قَالَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة فَقَالَا : صَدَقَ . وَأَخْرَجَهُ أَصْحَاب الْكُتُب الْأَرْبَعَة مِنْ حَدِيث يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير بِهِ وَفِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُد وَابْن مَاجَهْ " مَنْ عَرِجَ أَوْ كُسِرَ أَوْ مَرِضَ " فَذَكَر مَعْنَاهُ. وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ الْحَسَن بْن عَرَفَة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ الْحَجَّاج بْن أَبِي عُثْمَان الصَّوَافّ بِهِ ثُمَّ قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَابْن الزُّبَيْر وَعَلْقَمَة وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَمُجَاهِد وَالنَّخَعِيّ وَعَطَاء وَمُقَاتِل بْن حَيَّان أَنَّهُمْ قَالُوا : الْإِحْصَار مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مَرَض أَوْ كَسْر وَقَالَ الثَّوْرِيّ : الْإِحْصَار مِنْ كُلّ شَيْء آذَاهُ . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى ضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر بْن عَبْد الْمُطَّلِب فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أُرِيد الْحَجّ وَأَنَا شَاكِيَة فَقَالَ " حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي " وَرَوَاهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس بِمِثْلِهِ فَذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى صِحَّة الِاشْتِرَاط فِي الْحَجّ لِهَذَا الْحَدِيث وَقَدْ عَلَّقَ الْإِمَام مُحَمَّد بْن إِدْرِيس الشَّافِعِيّ الْقَوْل بِصِحَّةِ هَذَا الْمَذْهَب عَلَى صِحَّة هَذَا الْحَدِيث قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْره مِنْ الْحُفَّاظ وَقَدْ صَحَّ وَلِلَّهِ الْحَمْد . وَقَوْله " فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي" قَالَ الْإِمَام مَالِك عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَنَّهُ كَانَ يَقُول " فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " شَاة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس الْهَدْي مِنْ الْأَزْوَاج الثَّمَانِيَة مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْمَعْز وَالضَّأْن . وَقَالَ الثَّوْرِيّ عَنْ حَبِيب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " قَالَ شَاة . وَكَذَا قَالَ عَطَاء وَمُجَاهِد وَطَاوُس وَأَبُو الْعَالِيَة وَمُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن وَعَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم وَالشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَغَيْرهمْ مِثْل ذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة : وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة وَابْن عُمَر أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ مَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي إِلَّا مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر قَالَ وَرُوِيَ عَنْ سَالِم وَالْقَاسِم وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَسَعِيد بْن جُبَيْر نَحْو ذَلِكَ " قُلْت " وَالظَّاهِر أَنَّ مُسْتَنَد هَؤُلَاءِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ قِصَّة الْحُدَيْبِيَة فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَد مِنْهُمْ أَنَّهُ ذَبَحَ فِي تَحَلُّله ذَلِكَ شَاة وَإِنَّمَا ذَبَحُوا الْإِبِل وَالْبَقَر فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِر قَالَ : أَمَرَنَا رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَشْتَرِك فِي الْإِبِل وَالْبَقَر كُلّ سَبْعَة مِنَّا فِي بَقَرَة وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ اِبْن طَاوُس عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " قَالَ بِقَدْرِ يَسَارَته وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : إِنْ كَانَ مُوسِرًا فَمِنْ الْإِبِل وَإِلَّا فَمِنْ الْبَقَر وَإِلَّا فَمِنْ الْغَنَم وَقَالَ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ " فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي" قَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا بَيْن الرُّخْص وَالْغَلَاء وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّة قَوْل الْجُمْهُور فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ إِجْزَاء ذَبْح الشَّاة فِي الْإِحْصَار أَنَّ اللَّه أَوْجَبَ ذَبْح مَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي أَيْ مَهْمَا تَيَسَّرَ مِمَّا يُسَمَّى هَدْيًا وَالْهَدْي مِنْ بَهِيمَة الْأَنْعَام وَهِيَ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم . كَمَا قَالَهُ الْحَبْر الْبَحْر تُرْجُمَان الْقُرْآن وَابْن عَمّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عَنْ عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : أَهْدَى النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّة غَنَمًا. وَقَوْله " وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيَ مَحِلَّهُ " مَعْطُوف عَلَى قَوْله " وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ " وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْله " فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " كَمَا زَعَمَهُ اِبْن جَرِير رَحِمَهُ اللَّه لِأَنَّ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابه عَام الْحُدَيْبِيَة لَمَّا حَصَرَهُمْ كُفَّار قُرَيْش عَنْ الدُّخُول إِلَى الْحَرَم حَلَقُوا وَذَبَحُوا هَدْيهمْ خَارِج الْحَرَم فَأَمَّا فِي حَال الْأَمْن وَالْوُصُول إِلَى الْحَرَم فَلَا يَجُوز الْحَلْق" حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ " وَيَفْرُغ النَّاسِك مِنْ أَفْعَال الْحَجّ وَالْعُمْرَة إِنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مِنْ فِعْل أَحَدهمَا إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ مُتَمَتِّعًا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَفْصَة أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه مَا شَأْن النَّاس حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَة وَلَمْ تُحِلّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتك ؟ فَقَالَ : " إِنِّي لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي فَلَا أُحِلّ حَتَّى أَنْحَر " . وَقَوْله " فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسه فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ " . قَالَ الْبُخَارِيّ : حَدَّثَنَا آدَم حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَصْبَهَانِيّ سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن مَعْقِل قَالَ : قَعَدْت إِلَى كَعْب بْن عُجْرَة فِي هَذَا الْمَسْجِد يَعْنِي مَسْجِد الْكُوفَة فَسَأَلْته عَنْ فِدْيَة مِنْ صِيَام فَقَالَ : حُمِلْت إِلَى النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقَمْل يَتَنَاثَر عَلَى وَجْهِي فَقَالَ " مَا كُنْت أَرَى أَنَّ الْجَهْد قَدْ بَلَغَ بِك هَذَا أَمَا تَجِد شَاة " قُلْت : لَا . قَالَ : " صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام أَوْ أَطْعِمْ سِتَّة مَسَاكِين لِكُلِّ مِسْكِين نِصْف صَاع مِنْ طَعَام وَاحْلِقْ رَأْسك " فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّة وَهِيَ لَكُمْ عَامَّة . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا أَيُّوب عَنْ مُجَاهِد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة قَالَ : أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُوقِد تَحْت قَدْر وَالْقَمْل يَتَنَاثَر عَلَى وَجْهِي أَوْ قَالَ حَاجِبِي فَقَالَ " يُؤْذِيك هَوَامُّ رَأْسك ؟ " قُلْت نَعَمْ. قَالَ : " فَاحْلِقْهُ وَصُمْ ثَلَاثَة أَيَّام أَوْ أَطْعِمْ سِتَّة مَسَاكِين أَوْ اُنْسُكْ نَسِيكَة " قَالَ أَيُّوب : لَا أَدْرِي بِأَيَّتِهِنَّ بَدَأَ . وَقَالَ أَحْمَد أَيْضًا : حَدَّثَنَا هِشَام حَدَّثَنَا أَبُو بِشْر عَنْ مُجَاهِد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُدَيْبِيَةِ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ وَقَدْ حَصَرَهُ الْمُشْرِكُونَ وَكَانَتْ لِي وَفْرَة فَجَعَلَتْ الْهَوَامّ تَسَاقَطَ عَلَى وَجْهِي فَمَرَّ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " أَيُؤْذِيك هَوَامّ رَأْسك " فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِق قَالَ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسه فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك . وَكَذَا رَوَاهُ عُثْمَان عَنْ شُعْبَة عَنْ أَبِي بِشْر وَهُوَ جَعْفَر بْن إِيَاس بِهِ وَعَنْ شُعْبَة عَنْ الْحَكَم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى بِهِ وَعَنْ شُعْبَة عَنْ دَاوُد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة نَحْوه وَرَوَاهُ الْإِمَام مَالِك عَنْ حُمَيْد بْن قَيْس عَنْ مُجَاهِد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة فَذَكَرَ نَحْوه . وَقَالَ سَعْد بْن إِسْحَاق بْن كَعْب بْن عُجْرَة عَنْ أَبَان بْن صَالِح عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ سَمِعَ كَعْب بْن عُجْرَة يَقُول : فَذَبَحْت شَاة وَرَوَاهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيث عُمَر بْن قَيْس وَهُوَ ضَعِيف عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " النُّسُك شَاة وَالصِّيَام ثَلَاثَة أَيَّام وَالطَّعَام فَرَق بَيْن سِتَّة " وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَعَلْقَمَة وَإِبْرَاهِيم وَمُجَاهِد وَعَطَاء وَالسُّدِّيّ وَالرَّبِيع بْن أَنَس . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : أَخْبَرَنَا يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن وَهْب أَنَّ مَالِك بْن أَنَس حَدَّثَهُ عَنْ عَبْد الْكَرِيم بْن مَالِك الْجَزَرِيّ عَنْ مُجَاهِد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَذَاهُ الْقَمْل فِي رَأْسه فَأَمَرَهُ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحْلِق رَأْسه وَقَالَ" صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام أَوْ أَطْعِمْ سِتَّة مَسَاكِين مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ إِنْسَان أَوْ اُنْسُكْ شَاة أَيْ ذَلِكَ فَعَلْت أَجْزَأَ عَنْك" وَهَكَذَا رَوَى اِبْن أَبِي سُلَيْم عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " فَفِدْيَة مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك " قَالَ إِذَا كَانَ أَوْ فَأَيّها أَخَذْت أَجْزَأَ عَنْك . قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَعَطَاء وَطَاوُس وَالْحَسَن وَحُمَيْد الْأَعْرَج وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَالضَّحَّاك نَحْو ذَلِكَ " قُلْت " وَهُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَعَامَّة الْعُلَمَاء أَنَّهُ يُخَيَّر فِي هَذَا الْمَقَام إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِفَرَقٍ وَهُوَ ثَلَاثَة آصُع لِكُلِّ مِسْكِين نِصْف صَاع وَهُوَ مُدَّانِ وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ شَاة وَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاء أَيّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ وَلَمَّا كَانَ لَفْظ الْقُرْآن فِي بَيَان الرُّخْصَة بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَل " فَفِدْيَة مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك " وَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَعْب بْن عُجْرَة بِذَلِكَ أَرْشَدَهُ إِلَى الْأَفْضَل فَالْأَفْضَل فَقَالَ : " اُنْسُكْ شَاة أَوْ أَطْعِمْ سِتَّة مَسَاكِين أَوْ صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام " فَكُلٌّ حَسَنٌ فِي مَقَامه وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة . وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش قَالَ : ذَكَرَ الْأَعْمَش قَالَ : سَأَلَ إِبْرَاهِيم سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ هَذِهِ الْآيَة" فَفِدْيَة مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك " فَأَجَابَهُ بِقَوْلِ يَحْكُم عَلَيْهِ طَعَام فَإِنْ كَانَ عِنْده اِشْتَرَى شَاة وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُوِّمَتْ الشَّاة دَرَاهِم وَجُعِلَ مَكَانهَا طَعَام فَتَصَدَّقَ وَإِلَّا صَامَ لِكُلِّ نِصْف صَاع يَوْمًا . قَالَ إِبْرَاهِيم كَذَلِكَ سَمِعْت عَلْقَمَة يَذْكُر قَالَ : لَمَّا قَالَ لِي سَعِيد بْن جُبَيْر مِنْ هَذَا مَا أَظْرَفه ؟ قَالَ : قُلْت هَذَا إِبْرَاهِيم فَقَالَ مَا أَظْرَفه كَانَ يُجَالِسنَا قَالَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيم قَالَ : فَلَمَّا قُلْت يُجَالِسنَا اِنْتَفَضَ مِنْهَا . وَقَالَ اِبْن جَرِير أَيْضًا : حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عِمْرَان حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَشْعَث عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله" فَفِدْيَة مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك " قَالَ : إِذَا كَانَ بِالْمُحْرِمِ أَذًى مِنْ رَأْسه حَلَقَ وَافْتَدَى بِأَيِّ هَذِهِ الثَّلَاثَة شَاءَ وَالصِّيَام عَشَرَة أَيَّام وَالصَّدَقَة عَلَى عَشَرَة مَسَاكِين كُلّ مِسْكِين مَكُّوكَيْنِ مَكُّوكًا مِنْ تَمْر وَمَكُّوكًا مِنْ بُرّ وَالنُّسُك شَاة . وَقَالَ قَتَادَة عَنْ الْحَسَن وَعِكْرِمَة فِي قَوْله" فَفِدْيَة مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك " قَالَ : إِطْعَام عَشَرَة مَسَاكِين . وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مِنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعَلْقَمَة وَالْحَسَن وَعِكْرِمَة قَوْلَانِ غَرِيبَانِ فِيهِمَا نَظَر لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ السُّنَّة فِي حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة الصِّيَام ثَلَاثَة أَيَّام لَا سِتَّة أَوْ إِطْعَام سِتَّة مَسَاكِين أَوْ نُسُك شَاة وَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِير كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاق الْقُرْآن وَأَمَّا هَذَا التَّرْتِيب فَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوف فِي قَتْل الصَّيْد كَمَا هُوَ نَصّ الْقُرْآن وَعَلَيْهِ أَجْمَع الْفُقَهَاء هُنَاكَ بِخِلَافِ هَذَا وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ هِشَام : أَخْبَرَنَا لَيْث عَنْ طَاوُس أَنَّهُ كَانَ يَقُول : مَا كَانَ مِنْ دَم أَوْ طَعَام فَبِمَكَّة وَمَا كَانَ مِنْ صِيَام فَحَيْثُ شَاءَ وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَعَطَاء وَالْحَسَن وَقَالَ هِشَام : أَخْبَرَنَا حَجَّاج وَعَبْد الْمَلِك وَغَيْرهمَا عَنْ عَطَاء أَنَّهُ كَانَ يَقُول : مَا كَانَ مِنْ دَم فَبِمَكَّة وَمَا كَانَ مِنْ طَعَام وَصِيَام فَحَيْثُ شَاءَ . وَقَالَ هُشَيْم : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ يَعْقُوب بْن خَالِد أَخْبَرَنَا أَبُو أَسْمَاء مَوْلَى اِبْن جَعْفَر قَالَ : حَجَّ عُثْمَان بْن عَفَّان وَمَعَهُ عَلِيّ وَالْحُسَيْن بْن عَلِيّ فَارْتَحَلَ عُثْمَان. قَالَ أَبُو أَسْمَاء : وَكُنْت مَعَ اِبْن جَعْفَر فَإِذَا نَحْنُ بِرَجُلٍ نَائِم وَنَاقَته عِنْد رَأْسه قَالَ : فَقُلْت أَيّهَا النَّائِم ! فَاسْتَيْقَظَ فَإِذَا الْحُسَيْن بْن عَلِيّ قَالَ فَحَمَلَهُ اِبْن جَعْفَر حَتَّى أَتَيْنَا بِهِ السُّقْيَا قَالَ : فَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيّ وَمَعَهُ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْس قَالَ : فَمَرَّضْنَاهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَة قَالَ : قَالَ عَلِيّ لِلْحُسَيْنِ مَا الَّذِي تَجِد ؟ قَالَ : فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رَأْسه قَالَ : فَأَمَرَ بِهِ عَلِيّ فَحُلِقَ رَأْسه ثُمَّ دَعَا بِبَدَنَةِ فَنَحَرَهَا فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ النَّاقَة عَنْ الْحَلْق فَفِيهِ أَنَّهُ نَحَرَهَا دُون مَكَّة . وَإِنْ كَانَتْ عَنْ التَّحَلُّل فَوَاضِحٌ . وَقَوْله " فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " أَيْ فَإِذَا تَمَكَّنْتُمْ مِنْ أَدَاء الْمَنَاسِك فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ وَهُوَ يَشْمَل مَنْ أَحْرَمَ بِهِمَا أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَهَذَا هُوَ التَّمَتُّع الْخَاصّ وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي كَلَام الْفُقَهَاء وَالتَّمَتُّع الْعَامّ يَشْمَل الْقِسْمَيْنِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيث الصِّحَاح فَإِنَّ مِنْ الرُّوَاة مَنْ يَقُول : تَمَتَّعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآخَر يَقُول : قَرَنَ وَلَا خِلَاف أَنَّهُ سَاقَ هَدْيًا وَقَالَ تَعَالَى " فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " أَيْ فَلْيَذْبَحْ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْهَدْي وَأَقَلّه شَاة وَلَهُ أَنْ يَذْبَح الْبَقَر لِأَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَبَحَ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَر وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَبَحَ الْبَقَر عَنْ نِسَائِهِ وَكُنَّ مُتَمَتِّعَات رَوَاهُ أَبُو بَكْر بْن مَرْدَوَيْهِ وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى مَشْرُوعِيَّة التَّمَتُّع كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن قَالَ : نَزَلَتْ آيَة الْمُتْعَة فِي كِتَاب اللَّه وَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَمْ يَنْزِل قُرْآن يُحَرِّمهَا وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ قَالَ رَجُل بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ . قَالَ الْبُخَارِيّ : يُقَال إِنَّهُ عُمَر وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبُخَارِيّ قَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ أَنَّ عُمَر كَانَ يَنْهَى النَّاس عَنْ التَّمَتُّع وَيَقُول إِنْ نَأْخُذ بِكِتَابِ اللَّه فَإِنَّ اللَّه يَأْمُر بِالتَّمَامِ يَعْنِي قَوْله " وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ " وَفِي نَفْس الْأَمْر لَمْ يَكُنْ عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - يَنْهَى عَنْهَا مُحَرِّمًا لَهَا إِنَّمَا كَانَ يَنْهَى عَنْهَا لِيَكْثُر قَصْد النَّاس لِلْبَيْتِ حَاجِّينَ وَمُعْتَمِرِينَ كَمَا قَدْ صَرَّحَ بِهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. وَقَوْله " فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَة كَامِلَة " يَقُول تَعَالَى : فَمَنْ لَمْ يَجِد هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ أَيْ فِي أَيَّام الْمَنَاسِك . قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْأَوْلَى أَنْ يَصُومهَا قَبْل يَوْم عَرَفَة فِي الْعَشْر قَالَهُ عَطَاء أَوْ مِنْ حِين يُحْرِم قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره لِقَوْلِهِ فِي الْحَجّ وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّز صِيَامهَا مِنْ أَوَّل شَوَّال قَالَهُ طَاوُس وَمُجَاهِد وَغَيْر وَاحِد وَجَوَّزَ الشَّعْبِيّ صِيَام يَوْم عَرَفَة وَقَبْله يَوْمَيْنِ وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالسُّدِّيّ وَعَطَاء وَطَاوُس وَالْحَكَم وَالْحَسَن وَحَمَّاد وَإِبْرَاهِيم أَبُو جَعْفَر الْبَاقِر وَالرَّبِيع وَمُقَاتِل بْن حَيَّان . وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : إِذَا لَمْ يَجِد هَدْيًا فَعَلَيْهِ صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ قَبْل يَوْم عَرَفَة فَإِذَا كَانَ يَوْم عَرَفَة الثَّالِث فَقَدْ تَمَّ صَوْمه وَسَبْعَة إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْله وَكَذَا رَوَى اِبْن إِسْحَاق عَنْ وَبَرَة عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : يَصُوم يَوْمًا قَبْل يَوْم التَّرْوِيَة وَيَوْم التَّرْوِيَة وَيَوْم عَرَفَة وَكَذَا رَوَى جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ أَيْضًا فَلَوْ لَمْ يَصُمْهَا أَوْ بَعْضهَا قَبْل الْعِيد فَهَلْ يَجُوز أَنْ يَصُومهَا فِي أَيَّام التَّشْرِيق ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمَا لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيّ أَيْضًا الْقَدِيم مِنْهُمَا أَنَّهُ يَجُوز لَهُ صِيَامهَا لِقَوْلِ عَائِشَة وَابْن عُمَر فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ لَمْ يُرَخِّص فِي أَيَّام التَّشْرِيق أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَا يَجِد الْهَدْي هَكَذَا رَوَاهُ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة وَعَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْهُمَا . وَرَوَاهُ سُفْيَان عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : مَنْ فَاتَهُ صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ صَامَهُنَّ أَيَّام التَّشْرِيق وَبِهَذَا يَقُول عُبَيْد بْن عُمَيْر اللَّيْثِيّ عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْله" فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ " وَالْجَدِيد مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوز صِيَامهَا أَيَّام التَّشْرِيق لِمَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ نُبَيْشَة الْهُذَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " وَقَوْله " وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ " فِيهِ قَوْلَانِ : " أَحَدهمَا " إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى رِحَالكُمْ . وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِد هِيَ رُخْصَة إِذَا شَاءَ صَامَهَا فِي الطَّرِيق وَكَذَا قَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالْقَوْل" الثَّانِي " إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَوْطَانكُمْ . قَالَ عَبْد الرَّزَّاق : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَالِم سَمِعْت اِبْن عُمَر قَالَ : " فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ " قَالَ : إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْله . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبِي الْعَالِيَة وَمُجَاهِد وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالزُّهْرِيّ وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَحَكَى عَلَى ذَلِكَ أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير الْإِجْمَاعَ وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بُكَيْر حَدَّثَنَا اللَّيْث عَنْ عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه أَنَّ اِبْن عُمَر قَالَ : تَمَتَّعَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْي مِنْ ذِي الْحُلَيْفَة فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاس مَعَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَدَأَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَكَانَ مِنْ النَّاس مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْي وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّة قَالَ لِلنَّاسِ : " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يُحِلّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِي حَجّه وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَة وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لْيُهِلّ بِالْحَجِّ فَمَنْ لَمْ يَجِد هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْله ". وَذَكَرَ تَمَام الْحَدِيث قَالَ الزُّهْرِيّ : وَأَخْبَرَنِي عُرْوَة عَنْ عَائِشَة بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَنِي سَالِم عَنْ أَبِيهِ وَالْحَدِيث مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيّ بِهِ وَقَوْله" تِلْكَ عَشَرَة كَامِلَة " قِيلَ : تَأْكِيد كَمَا تَقُول الْعَرَب رَأَيْت بِعَيْنَيَّ وَسَمِعْت بِأُذُنَيَّ وَكَتَبْت بِيَدَيَّ وَقَالَ اللَّه تَعَالَى " وَلَا طَائِر يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ " وَقَالَ " وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِك " وَقَالَ " وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَة" وَقِيلَ مَعْنَى كَامِلَة الْأَمْر بِإِكْمَالِهَا وَإِتْمَامهَا . اِخْتَارَهُ اِبْن جَرِير وَقِيلَ مَعْنَى كَامِلَة أَيْ مُجْزِئَةٌ عَنْ الْهَدْي قَالَ هِشَام عَنْ عَبَّاد بْن رَاشِد عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله " تِلْكَ عَشَرَة كَامِلَة " قَالَ : مِنْ الْهَدْي . وَقَوْله" ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْله حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام " قَالَ اِبْن جَرِير : وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عَنَي بِقَوْلِهِ" لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْله حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام " بَعْد إِجْمَاع جَمِيعهمْ عَلَى أَنَّ أَهْل الْحَرَم مَعْنِيُّونَ بِهِ وَأَنَّهُ لَا مُتْعَة لَهُمْ فَقَالَ بَعْضهمْ عَنَي بِذَلِكَ أَهْل الْحَرَم خَاصَّة دُون غَيْرهمْ . حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنَا سُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيّ قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُمْ أَهْل الْحَرَم وَكَذَا رَوَى اِبْن الْمُبَارَك عَنْ الثَّوْرِيّ وَزَادَ الْجَمَاعَة عَلَيْهِ وَقَالَ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ يَقُول : يَا أَهْل مَكَّة لَا مُتْعَة لَكُمْ أُحِلَّتْ لِأَهْلِ الْآفَاق وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا يَقْطَع أَحَدكُمْ وَادِيًا أَوْ قَالَ يَجْعَل بَيْنه وَبَيْن الْحَرَم وَادِيًا ثُمَّ يُهِلّ بِعُمْرَةٍ . وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق : حَدَّثَنَا مَعْمَر عَنْ اِبْن طَاوُس عَنْ أَبِيهِ قَالَ : الْمُتْعَة لِلنَّاسِ لَا لِأَهْلِ مَكَّة مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْله مِنْ الْحَرَم . وَكَذَا قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام " قَالَ : وَبَلَغَنِي عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْل قَوْل طَاوُس . وَقَالَ آخَرُونَ : هُمْ أَهْل الْحَرَم وَمَنْ بَيْنه وَبَيْن الْمَوَاقِيت كَمَا قَالَ عَبْد الرَّزَّاق : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ عَطَاء قَالَ : مَنْ كَانَ أَهْله دُون الْمَوَاقِيت فَهُوَ كَأَهْلِ مَكَّة لَا يَتَمَتَّع وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد عَنْ جَابِر عَنْ مَكْحُول فِي قَوْله " ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْله حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام " قَالَ : مَنْ كَانَ دُون الْمِيقَات . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ عَطَاء : ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْله حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام . قَالَ : عَرَفَة وَمُزْدَلِفَة وَعُرَنَة وَالرَّجِيع . وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق : حَدَّثَنَا مَعْمَر سَمِعْت الزُّهْرِيّ يَقُول : مَنْ كَانَ أَهْله عَلَى يَوْم أَوْ نَحْوه تَمَتَّعَ . وَفِي رِوَايَة عَنْهُ الْيَوْم وَالْيَوْمَيْنِ . وَاخْتَارَ اِبْن جَرِير فِي ذَلِكَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ أَنَّهُمْ أَهْل الْحَرَم وَمَنْ كَانَ مِنْهُ عَلَى مَسَافَة لَا يَقْصُر فِيهَا الصَّلَاة لِأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ يُعَدّ حَاضِرًا لَا مُسَافِرًا وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَوْله " وَاتَّقُوا اللَّه " أَيْ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ " وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيد الْعِقَاب " أَيْ لِمَنْ خَالَفَ أَمْره وَارْتَكَبَ مَا عَنْهُ زَجَرَهُ .
تفسير القرطبي
فِيهَا سَبْعَة مَسَائِل الْأُولَى : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمَعْنَى الْمُرَاد بِإِتْمَامِ الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ , فَقِيلَ : أَدَاؤُهُمَا وَالْإِتْيَان بِهِمَا , كَقَوْلِهِ : " فَأَتِمهنَّ " [ الْبَقَرَة : 124 ] وَقَوْله : " ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَام إِلَى اللَّيْل " [ الْبَقَرَة : 187 ] أَيْ اِئْتُوا بِالصِّيَامِ , وَهَذَا عَلَى مَذْهَب مَنْ أَوْجَبَ الْعُمْرَة , عَلَى مَا يَأْتِي , وَمَنْ لَمْ يُوجِبهَا قَالَ : الْمُرَاد تَمَامهمَا بَعْد الشُّرُوع فِيهِمَا , فَإِنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُضِيّ فِيهِ وَلَا يَفْسَخهُ , قَالَ مَعْنَاهُ الشَّعْبِيّ وَابْن زَيْد , وَعَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِتْمَامهمَا أَنْ تُحْرِم بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَة أَهْلك , وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , وَفَعَلَهُ عِمْرَان بْن حُصَيْن , وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : إِتْمَامهمَا أَنْ تَخْرُج قَاصِدًا لَهُمَا لَا لِتِجَارَةٍ وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ , وَيُقَوِّي هَذَا قَوْله " لِلَّهِ " . وَقَالَ عُمَر : إِتْمَامهمَا أَنْ يُفْرِد كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ غَيْر تَمَتُّع وَقِرَان , وَقَالَهُ اِبْن حَبِيب , وَقَالَ مُقَاتِل : إِتْمَامهمَا أَلَّا تَسْتَحِلُّوا فِيهِمَا مَا لَا يَنْبَغِي لَكُمْ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُشْرِكُونَ فِي إِحْرَامهمْ فَيَقُولُونَ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ , لَا شَرِيك لَك إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَك , تَمْلِكهُ وَمَا مَلَكَ , فَقَالَ : فَأَتِمُّوهُمَا وَلَا تَخْلِطُوهُمَا بِشَيْءٍ آخَر . قُلْت : أَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَفَعَلَهُ عِمْرَان بْن حُصَيْن فِي الْإِحْرَام قَبْل الْمَوَاقِيت الَّتِي وَقَّتَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ قَالَ بِهِ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف , وَثَبَتَ أَنَّ عُمَر أَهَلَّ مِنْ إِيلِيَاء , وَكَانَ الْأَسْوَد وَعَلْقَمَة وَعَبْد الرَّحْمَن وَأَبُو إِسْحَاق يُحْرِمُونَ مِنْ بُيُوتهمْ , وَرَخَّصَ فِيهِ الشَّافِعِيّ , وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَحْرَمَ مِنْ بَيْت الْمَقْدِس بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة كَانَ مِنْ ذُنُوبه كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّه ) فِي رِوَايَة ( غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه وَمَا تَأَخَّرَ ) , وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ : " يَرْحَم اللَّه وَكِيعًا أَحْرَمَ مِنْ بَيْت الْمَقْدِس , يَعْنِي إِلَى مَكَّة " , فَفِي هَذَا إِجَازَة الْإِحْرَام قَبْل الْمِيقَات , وَكَرِهَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه أَنْ يُحْرِم أَحَد قَبْل الْمِيقَات , وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَأَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عِمْرَان بْن حُصَيْن إِحْرَامه مِنْ الْبَصْرَة , وَأَنْكَرَ عُثْمَان عَلَى اِبْن عُمَر إِحْرَامه قَبْل الْمِيقَات , وَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق : وَجْه الْعَمَل الْمَوَاقِيت , وَمِنْ الْحُجَّة لِهَذَا الْقَوْل أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ الْمَوَاقِيت وَعَيَّنَهَا , فَصَارَتْ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْحَجّ , وَلَمْ يُحْرِم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْته لِحَجَّتِهِ , بَلْ أَحْرَمَ مِنْ مِيقَاته الَّذِي وَقَّتَهُ لِأُمَّتِهِ , وَمَا فَعَلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ الْأَفْضَل إِنْ شَاءَ اللَّه , وَكَذَلِكَ صَنَعَ جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بَعْدهمْ , وَاحْتَجَّ أَهْل الْمَقَالَة الْأُولَى بِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَل بِقَوْلِ عَائِشَة : مَا خُيِّرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَمْرَيْنِ إِلَّا اِخْتَارَ أَيْسَرهمَا , وَبِحَدِيثِ أُمّ سَلَمَة مَعَ مَا ذُكِرَ عَنْ الصَّحَابَة فِي ذَلِكَ , وَقَدْ شَهِدُوا إِحْرَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّته مِنْ مِيقَاته , وَعَرَفُوا مَغْزَاهُ وَمُرَاده , وَعَلِمُوا أَنَّ إِحْرَامه مِنْ مِيقَاته كَانَ تَيْسِيرًا عَلَى أُمَّته . الثَّانِيَة : رَوَى الْأَئِمَّة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَة ذَا الْحُلَيْفَة , وَلِأَهْلِ الشَّام الْجُحْفَة , وَلِأَهْلِ نَجْد قَرْن , وَلِأَهْلِ الْيَمَن يَلَمْلَم , هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْر أَهْلهنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجّ وَالْعُمْرَة , وَمَنْ كَانَ دُون ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ , حَتَّى أَهْل مَكَّة مِنْ مَكَّة يُهِلُّونَ مِنْهَا , وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى الْقَوْل بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث وَاسْتِعْمَاله , لَا يُخَالِفُونَ شَيْئًا مِنْهُ , وَاخْتَلَفُوا فِي مِيقَات أَهْل الْعِرَاق وَفِيمَنْ وَقَّتَهُ , فَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِق الْعَقِيق . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حَسَن , وَرُوِيَ أَنَّ عُمَر وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاق ذَات عِرْق , وَفِي كِتَاب أَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاق ذَات عِرْق , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَمَنْ رَوَى أَنَّ عُمَر وَقَّتَهُ لِأَنَّ الْعِرَاق فِي وَقْته وَقَدْ اُفْتُتِحَتْ , فَغَفْلَة مِنْهُ , بَلْ وَقَّتَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا وَقَّتَ لِأَهْلِ الشَّام الْجُحْفَة , وَالشَّام كُلّهَا يَوْمئِذٍ دَار كُفْر كَمَا كَانَتْ الْعِرَاق وَغَيْرهَا يَوْمئِذٍ مِنْ الْبُلْدَان , وَلَمْ تُفْتَح الْعِرَاق وَلَا الشَّام إِلَّا عَلَى عَهْد عُمَر , وَهَذَا مَا لَا خِلَاف فِيهِ بَيْن أَهْل السِّيَر . قَالَ أَبُو عُمَر : كُلّ عِرَاقِيّ أَوْ مَشْرِقِيّ أَحْرَمَ مِنْ ذَات عِرْق فَقَدْ أَحْرَمَ عِنْد الْجَمِيع مِنْ مِيقَاته , وَالْعَقِيق أَحْوَط عِنْدهمْ وَأَوْلَى مِنْ ذَات عِرْق , وَذَات عِرْق مِيقَاتهمْ أَيْضًا بِإِجْمَاعٍ . الثَّالِثَة : أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْل أَنْ يَأْتِي الْمِيقَات أَنَّهُ مُحْرِم , وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَأَى الْإِحْرَام عِنْد الْمِيقَات أَفْضَل , كَرَاهِيَة أَنْ يُضَيِّق الْمَرْء عَلَى نَفْسه مَا قَدْ وَسَّعَ اللَّه عَلَيْهِ , وَأَنْ يَتَعَرَّض بِمَا لَا يُؤْمَن أَنْ يَحْدُث فِي إِحْرَامه , وَكُلّهمْ أَلْزَمَهُ الْإِحْرَام إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ زَادَ وَلَمْ يَنْقُص . الرَّابِعَة : فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى وُجُوب الْعُمْرَة ; لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِإِتْمَامِهَا كَمَا أَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجّ . قَالَ الصُّبَيّ بْن مَعْبَد : أَتَيْت عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقُلْت إِنِّي كُنْت نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمْت , وَإِنِّي وَجَدْت الْحَجّ وَالْعُمْرَة مَكْتُوبَتَيْنِ عَلَيَّ , وَإِنِّي أَهْلَلْت بِهِمَا جَمِيعًا , فَقَالَ لَهُ عُمَر هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيّك قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ قَوْله : " وَجَدْت الْحَجّ وَالْعُمْرَة مَكْتُوبَتَيْنِ عَلَيَّ " , وَبِوُجُوبِهِمَا قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَابْن عُمَر وَابْن عَبَّاس , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ اِبْن جُرَيْج قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِع أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر كَانَ يَقُول : لَيْسَ مِنْ خَلْق اللَّه أَحَد إِلَّا عَلَيْهِ حَجَّة وَعُمْرَة وَاجِبَتَانِ مَنْ اِسْتَطَاعَ ذَلِكَ سَبِيلًا , فَمَنْ زَادَ بَعْدهَا شَيْئًا فَهُوَ خَيْر وَتَطَوُّع . قَالَ : وَلَمْ أَسْمَعهُ يَقُول فِي أَهْل مَكَّة شَيْئًا . قَالَ اِبْن جُرَيْج : وَأُخْبِرْت عَنْ عِكْرِمَة أَنَّ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْعُمْرَة وَاجِبَة كَوُجُوبِ الْحَجّ مَنْ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا , وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبهَا مِنْ التَّابِعِينَ عَطَاء وَطَاوُس وَمُجَاهِد وَالْحَسَن وَابْن سِيرِينَ وَالشَّعْبِيّ وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبُو بُرْدَة وَمَسْرُوق وَعَبْد اللَّه بْن شَدَّاد وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد وَابْن الْجَهْم مِنْ الْمَالِكِيِّينَ . وَقَالَ الثَّوْرِيّ : سَمِعْنَا أَنَّهَا وَاجِبَة , وَسُئِلَ زَيْد بْن ثَابِت عَنْ الْعُمْرَة قَبْل الْحَجّ , فَقَالَ : صَلَاتَانِ لَا يَضُرّك بِأَيِّهِمَا بَدَأْت , ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ , وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ زَيْد بْن ثَابِت قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْحَجّ وَالْعُمْرَة فَرِيضَتَانِ لَا يَضُرّك بِأَيِّهِمَا بَدَأْت ) وَكَانَ مَالِك يَقُول : الْعُمْرَة سُنَّة وَلَا نَعْلَم أَحَدًا أَرْخَصَ فِي تَرْكهَا , وَهُوَ قَوْل النَّخَعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي فِيمَا حَكَى اِبْن الْمُنْذِر , وَحَكَى بَعْض الْقَزْوِينِيِّينَ وَالْبَغْدَادِيِّينَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة أَنَّهُ كَانَ يُوجِبهَا كَالْحَجِّ , وَبِأَنَّهَا سُنَّة ثَابِتَة , قَالَ اِبْن مَسْعُود وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه . رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَلَاء أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحِيم بْن سُلَيْمَان عَنْ حَجَّاج عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : سَأَلَ رَجُل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحَجّ : أَوَاجِب هُوَ ؟ قَالَ : ( نَعَمْ ) فَسَأَلَهُ عَنْ الْعُمْرَة : أَوَاجِبَة هِيَ ؟ قَالَ : ( لَا وَأَنْ تَعْتَمِر خَيْر لَك ) . رَوَاهُ يَحْيَى بْن أَيُّوب عَنْ حَجَّاج وَابْن جُرَيْج عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر مَوْقُوفًا مِنْ قَوْل جَابِر فَهَذِهِ حَجَّة مَنْ لَمْ يُوجِبهَا مِنْ السُّنَّة قَالُوا : وَأَمَّا الْآيَة فَلَا حُجَّة فِيهَا لِلْوُجُوبِ ; لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه إِنَّمَا قَرَنَهَا فِي وُجُوب الْإِتْمَام لَا فِي الِابْتِدَاء , فَإِنَّهُ اِبْتَدَأَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة فَقَالَ " وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة " [ الْمُزَّمِّل : 20 ] , وَابْتَدَأَ بِإِيجَابِ الْحَجّ فَقَالَ : " وَلِلَّهِ عَلَى النَّاس حَجّ الْبَيْت " [ آل عِمْرَان : 97 ] وَلَمَّا ذَكَرَ الْعُمْرَة أَمَرَ بِإِتْمَامِهَا لَا بِابْتِدَائِهَا , فَلَوْ حَجَّ عَشْر حِجَج , أَوْ اِعْتَمَرَ عَشْر عُمَر لَزِمَ الْإِتْمَام فِي جَمِيعهَا , فَإِنَّمَا جَاءَتْ الْآيَة لِإِلْزَامِ الْإِتْمَام لَا لِإِلْزَامِ الِابْتِدَاء , وَاَللَّه أَعْلَم , وَاحْتَجَّ الْمُخَالِف مِنْ جِهَة النَّظَر عَلَى وُجُوبهَا بِأَنْ قَالَ : عِمَاد الْحَجّ الْوُقُوف بِعَرَفَة , وَلَيْسَ فِي الْعُمْرَة وُقُوف , فَلَوْ كَانَتْ كَسُنَّةِ الْحَجّ لَوَجَبَ أَنْ تُسَاوِيه فِي أَفْعَاله , كَمَا أَنَّ سُنَّة الصَّلَاة تُسَاوِي فَرِيضَتهَا فِي أَفْعَالهَا . الْخَامِسَة : قَرَأَ الشَّعْبِيّ وَأَبُو حَيْوَة بِرَفْعِ التَّاء فِي " الْعُمْرَة " , وَهِيَ تَدُلّ عَلَى عَدَم الْوُجُوب , وَقَرَأَ الْجَمَاعَة " الْعُمْرَة " بِنَصْبِ التَّاء , وَهِيَ تَدُلّ عَلَى الْوُجُوب , وَفِي مُصْحَف اِبْن مَسْعُود " وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة إِلَى الْبَيْت لِلَّهِ " وَرُوِيَ عَنْهُ " وَأَقِيمُوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة إِلَى الْبَيْت " , وَفَائِدَة التَّخْصِيص بِذِكْرِ اللَّه هُنَا أَنَّ الْعَرَب كَانَتْ تَقْصِد الْحَجّ لِلِاجْتِمَاعِ وَالتَّظَاهُر وَالتَّنَاضُل وَالتَّنَافُر وَقَضَاء الْحَاجَة وَحُضُور الْأَسْوَاق , وَكُلّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ طَاعَة , وَلَا حَظّ بِقَصْدٍ , وَلَا قُرْبَة بِمُعْتَقَدٍ , فَأَمَرَ اللَّه سُبْحَانه بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ لِأَدَاءِ فَرْضه وَقَضَاء حَقّه , ثُمَّ سَامَحَ فِي التِّجَارَة , عَلَى مَا يَأْتِي . السَّادِسَة : لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء فِيمَنْ شَهِدَ مَنَاسِك الْحَجّ وَهُوَ لَا يَنْوِي حَجًّا وَلَا عُمْرَة وَالْقَلَم جَارٍ لَهُ وَعَلَيْهِ أَنَّ شُهُودهَا بِغَيْرِ نِيَّة وَلَا قَصْد غَيْر مُغْنٍ عَنْهُ , وَأَنَّ النِّيَّة تَجِب فَرْضًا , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا } وَمِنْ تَمَام الْعِبَادَة حُضُور النِّيَّة , وَهِيَ فَرْض كَالْإِحْرَامِ عِنْد الْإِحْرَام , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا رَكِبَ رَاحِلَته : ( لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَة مَعًا ) عَلَى مَا يَأْتِي , وَذَكَرَ الرَّبِيع فِي كِتَاب الْبُوَيْطِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ قَالَ : وَلَوْ لَبَّى رَجُل وَلَمْ يَنْوِ حَجًّا وَلَا عُمْرَة لَمْ يَكُنْ حَاجًّا وَلَا مُعْتَمِرًا , وَلَوْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ حَتَّى قَضَى الْمَنَاسِك كَانَ حَجّه تَامًّا , وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ) . قَالَ : وَمَنْ فَعَلَ مِثْل مَا فَعَلَ عَلِيّ حِين أَهَلَّ عَلَى إِهْلَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْزَتْهُ تِلْكَ النِّيَّة ; لِأَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى نِيَّة لِغَيْرِهِ قَدْ تَقَدَّمَتْ , بِخِلَافِ الصَّلَاة . السَّابِعَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاهِق وَالْعَبْد يُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ ثُمَّ يَحْتَلِم هَذَا وَيَعْتِق هَذَا قَبْل الْوُقُوف بِعَرَفَة , فَقَالَ مَالِك : لَا سَبِيل لَهُمَا إِلَى رَفْض الْإِحْرَام وَلَا لِأَحَدٍ مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ } وَمَنْ رَفَضَ إِحْرَامه فَلَا يَتِمّ حَجّه وَلَا عُمْرَته , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : جَائِز لِلصَّبِيِّ إِذَا بَلَغَ قَبْل الْوُقُوف بِعَرَفَة أَنْ يُجَدِّد إِحْرَامًا , فَإِنْ تَمَادَى عَلَى حَجّه ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ حَجَّة الْإِسْلَام , وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْحَجّ يَجْزِي عَنْهُ , وَلَمْ يَكُنْ الْفَرْض لَازِمًا لَهُ حِين أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ لَزِمَهُ حِين بَلَغَ اِسْتَحَالَ أَنْ يُشْغَل عَنْ فَرْض قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِنَافِلَةٍ وَيُعَطَّل فَرْضه , كَمَنْ دَخَلَ فِي نَافِلَة وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْمَكْتُوبَة وَخَشِيَ فَوْتهَا قَطَعَ النَّافِلَة وَدَخَلَ فِي الْمَكْتُوبَة , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا أَحْرَمَ الصَّبِيّ ثُمَّ بَلَغَ قَبْل الْوُقُوف بِعَرَفَة فَوَقَفَ بِهَا مُحْرِمًا أَجْزَأَهُ مِنْ حَجَّة الْإِسْلَام , وَكَذَلِكَ الْعَبْد . قَالَ : وَلَوْ عَتَقَ بِمُزْدَلِفَة وَبَلَغَ الصَّبِيّ بِهَا فَرَجَعَا إِلَى عَرَفَة بَعْد الْعِتْق وَالْبُلُوغ فَأَدْرَكَا الْوُقُوف بِهَا قَبْل طُلُوع الْفَجْر أَجْزَتْ عَنْهُمَا مِنْ حَجَّة الْإِسْلَام , وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا دَم , وَلَوْ اِحْتَاطَا فَأَهْرَاقَا دَمًا كَانَ أَحَبّ إِلَيَّ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنِ عِنْدِي , وَاحْتُجَّ فِي إِسْقَاط تَجْدِيد الْإِحْرَام بِحَدِيثِ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِذْ قَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَقْبَلَ مِنْ الْيَمَن مُهِلًّا بِالْحَجِّ : ( بِمَ أَهْلَلْت ) قَالَ قُلْت : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ نَبِيّك , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنِّي أَهْلَلْت بِالْحَجِّ وَسُقْت الْهَدْي ) . قَالَ الشَّافِعِيّ : وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَته , وَلَا أَمَرَهُ بِتَجْدِيدِ نِيَّة لِإِفْرَادٍ أَوْ تَمَتُّع أَوْ قِرَان , وَقَالَ مَالِك فِي النَّصْرَانِيّ يُسْلِم عَشِيَّة عَرَفَة فَيُحْرِم بِالْحَجِّ : أَجْزَأَهُ مِنْ حَجَّة الْإِسْلَام , وَكَذَلِكَ الْعَبْد يَعْتِق , وَالصَّبِيّ يَبْلُغ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مُحْرِمِينَ وَلَا دَم عَلَى وَاحِد مِنْهُمْ , وَإِنَّمَا يَلْزَم الدَّم مَنْ أَرَادَ الْحَجّ وَلَمْ يُحْرِم مِنْ الْمِيقَات . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَلْزَم الْعَبْد الدَّم , وَهُوَ كَالْحُرِّ عِنْدهمْ فِي تَجَاوُز الْمِيقَات , بِخِلَافِ الصَّبِيّ وَالنَّصْرَانِيّ فَإِنَّهُمَا لَا يَلْزَمهُمَا الْإِحْرَام لِدُخُولِ مَكَّة لِسُقُوطِ الْفَرْض عَنْهُمَا , فَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِر وَبَلَغَ الصَّبِيّ كَانَ حُكْمهمَا حُكْم الْمَكِّيّ , وَلَا شَيْء عَلَيْهِمَا فِي تَرْك الْمِيقَات . فِيهَا إِحْدَى عَشْرَة مَسْأَلَة الْأُولَى : قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هَذِهِ آيَة مُشْكِلَة , عُضْلَة مِنْ الْعُضَل . قُلْت : لَا إِشْكَال فِيهَا , وَنَحْنُ نُبَيِّنهَا غَايَة الْبَيَان فَنَقُول : الْإِحْصَار هُوَ الْمَنْع مِنْ الْوَجْه الَّذِي تَقْصِدهُ بِالْعَوَائِقِ جُمْلَة , " فَجُمْلَة " أَيْ بِأَيِّ عُذْر كَانَ , كَانَ حَصْر عَدُوّ أَوْ جَوْر سُلْطَان أَوْ مَرَض أَوْ مَا كَانَ , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَعْيِين الْمَانِع هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ : الْأَوَّل : قَالَ عَلْقَمَة وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَغَيْرهمَا : هُوَ الْمَرَض لَا الْعَدُوّ . وَقِيلَ : الْعَدُوّ خَاصَّة , قَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَأَنْسَ وَالشَّافِعِيّ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ اِخْتِيَار عُلَمَائِنَا , وَرَأَى أَكْثَر أَهْل اللُّغَة وَمُحَصِّلِيهَا عَلَى أَنَّ " أُحْصِرَ " عُرِّضَ لِلْمَرَضِ , و " حُصِرَ " نَزَلَ بِهِ الْعَدُوّ . قُلْت : مَا حَكَاهُ اِبْن الْعَرَبِيّ مِنْ أَنَّهُ اِخْتِيَار عُلَمَائِنَا فَلَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا أَشْهَب وَحْده , وَخَالَفَهُ سَائِر أَصْحَاب مَالِك فِي هَذَا وَقَالُوا : الْإِحْصَار إِنَّمَا هُوَ الْمَرَض , وَأَمَّا الْعَدُوّ فَإِنَّمَا يُقَال فِيهِ : حَصِرَ حَصْرًا فَهُوَ مَحْصُور , قَالَهُ الْبَاجِيّ فِي الْمُنْتَقَى . وَحَكَى أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج أَنَّهُ كَذَلِكَ عِنْد جَمِيع أَهْل اللُّغَة , عَلَى مَا يَأْتِي , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْكِسَائِيّ : " أُحْصِرَ " بِالْمَرَضِ , و " حُصِرَ " بِالْعَدُوِّ , وَفِي الْمُجْمَل لِابْنِ فَارِس عَلَى الْعَكْس , فَحُصِرَ بِالْمَرَضِ , وَأُحْصِرَ بِالْعَدُوِّ , وَقَالَتْ طَائِفَة : يُقَال أُحْصِرَ فِيهِمَا جَمِيعًا مِنْ الرُّبَاعِيّ , حَكَاهُ أَبُو عُمَر . قُلْت : وَهُوَ يُشْبِه قَوْل مَالِك حَيْثُ تَرْجَمَ فِي مُوَطَّئِهِ " أُحْصِرَ " فِيهِمَا , فَتَأَمَّلْهُ , وَقَالَ الْفَرَّاء : هُمَا بِمَعْنًى وَاحِد فِي الْمَرَض وَالْعَدُوّ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر : وَادَّعَتْ الشَّافِعِيَّة أَنَّ الْإِحْصَار يُسْتَعْمَل فِي الْعَدُوّ , فَأَمَّا الْمَرَض فَيُسْتَعْمَل فِيهِ الْحَصْر , وَالصَّحِيح أَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِيهِمَا . قُلْت : مَا اِدَّعَتْهُ الشَّافِعِيَّة قَدْ نَصَّ الْخَلِيل بْن أَحْمَد وَغَيْره عَلَى خِلَافه . قَالَ الْخَلِيل : حَصَرْت الرَّجُل حَصْرًا مَنَعْته وَحَبَسْته , وَأُحْصِرَ الْحَاجّ عَنْ بُلُوغ الْمَنَاسِك مِنْ مَرَض أَوْ نَحْوه , هَكَذَا قَالَ , جُعِلَ الْأَوَّل ثُلَاثِيًّا مِنْ حَصَرْت , وَالثَّانِي فِي الْمَرَض رُبَاعِيًّا , وَعَلَى هَذَا خَرَجَ قَوْل اِبْن عَبَّاس : لَا حَصْر إِلَّا حَصْر الْعَدُوّ , وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت : أَحْصَرَهُ الْمَرَض إِذَا مَنَعَهُ مِنْ السَّفَر أَوْ مِنْ حَاجَة يُرِيدهَا , وَقَدْ حَصَرَهُ الْعَدُوّ يَحْصُرُونَهُ إِذَا ضَيَّقُوا عَلَيْهِ فَأَطَافُوا بِهِ , وَحَاصَرُوهُ مُحَاصَرَة وَحِصَارًا . قَالَ الْأَخْفَش : حَصَرْت الرَّجُل فَهُوَ مَحْصُور , أَيْ حَبَسْته . قَالَ : وَأَحْصَرَنِي بِوَلِيٍّ , وَأَحْصَرَنِي مَرَضِي , أَيْ جَعَلَنِي أَحْصُر نَفْسِي . قَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ : حَصَرَنِي الشَّيْء وَأَحْصَرَنِي , أَيْ حَبَسَنِي . قُلْت : فَالْأَكْثَر مِنْ أَهْل اللُّغَة عَلَى أَنَّ " حُصِرَ " فِي الْعَدُوّ , و " أُحْصِرَ " فِي الْمَرَض , وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : " لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه " [ الْبَقَرَة : 273 ] , وَقَالَ اِبْن مَيَّادَة : وَمَا هَجْر لَيْلَى أَنْ تَكُون تَبَاعَدَتْ عَلَيْك وَلَا أَنْ أَحْصَرَتْك شُغُول وَقَالَ الزَّجَّاج : الْإِحْصَار عِنْد جَمِيع أَهْل اللُّغَة إِنَّمَا هُوَ مِنْ الْمَرَض , فَأَمَّا مِنْ الْعَدُوّ فَلَا يُقَال فِيهِ إِلَّا حُصِرَ , يُقَال : حُصِرَ حَصْرًا , وَفِي الْأَوَّل أُحْصِرَ إِحْصَارًا , فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . وَأَصْل الْكَلِمَة مِنْ الْحَبْس , وَمِنْهُ الْحَصِير لِلَّذِي يَحْبِس نَفْسه عَنْ الْبَوْح بِسِرِّهِ , وَالْحَصِير : الْمَلِك لِأَنَّهُ كَالْمَحْبُوسِ مِنْ وَرَاء الْحِجَاب . وَالْحَصِير الَّذِي يُجْلَس عَلَيْهِ لِانْضِمَامِ بَعْض طَاقَات الْبَرْدِيّ إِلَى بَعْض , كَحَبْسِ الشَّيْء مَعَ غَيْره . الثَّانِيَة : وَلَمَّا كَانَ أَصْل الْحَصْر الْحَبْس قَالَتْ الْحَنَفِيَّة : الْمُحْصَر مَنْ يَصِير مَمْنُوعًا مِنْ مَكَّة بَعْد الْإِحْرَام بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوّ أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَاحْتَجُّوا بِمُقْتَضَى الْإِحْصَار مُطْلَقًا , قَالُوا : وَذِكْر الْأَمْن فِي آخِر الْآيَة لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُون مِنْ الْمَرَض , قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الزُّكَام أَمَان مِنْ الْجُذَام ) وَقَالَ : ( مَنْ سَبَقَ الْعَاطِس بِالْحَمْدِ أَمِنَ مِنْ الشَّوْص وَاللَّوْص وَالْعِلَّوْص ) . الشَّوْص : وَجَع السِّنّ , وَاللَّوْص : وَجَع الْأُذُن . وَالْعِلَّوْص : وَجَع الْبَطْن . أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه . قَالُوا : وَإِنَّمَا جَعَلْنَا حَبْس الْعَدُوّ حِصَارًا قِيَاسًا عَلَى الْمَرَض إِذَا كَانَ فِي حُكْمه , لَا بِدَلَالَةِ الظَّاهِر , وَقَالَ اِبْن عُمَر وَابْن الزُّبَيْر وَابْن عَبَّاس وَالشَّافِعِيّ وَأَهْل الْمَدِينَة : الْمُرَاد بِالْآيَةِ حَصْر الْعَدُوّ ; لِأَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي سَنَة سِتّ فِي عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة حِين صَدَّ الْمُشْرِكُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَكَّة . قَالَ اِبْن عُمَر : خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَالَ كُفَّار قُرَيْش دُون الْبَيْت فَنَحَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدْيه وَحَلَقَ رَأْسه , وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى : " فَإِذَا أَمِنْتُمْ " , وَلَمْ يَقُلْ : بَرَأْتُمْ , وَاَللَّه أَعْلَم . الثَّالِثَة : جُمْهُور النَّاس عَلَى أَنَّ الْمُحْصَر بِعَدُوٍّ يَحِلّ حَيْثُ أُحْصِرَ وَيَنْحَر هَدْيه إِنْ كَانَ ثَمَّ هَدْي وَيَحْلِق رَأْسه , وَقَالَ قَتَادَة وَإِبْرَاهِيم : يَبْعَث بِهَدْيِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ , فَإِذَا بَلَغَ مَحِلّه صَارَ حَلَالًا , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : دَم الْإِحْصَار لَا يَتَوَقَّف عَلَى يَوْم النَّحْر , بَلْ يَجُوز ذَبْحه قَبْل يَوْم النَّحْر إِذَا بَلَغَ مَحِلّه , وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَا : يَتَوَقَّف عَلَى يَوْم النَّحْر , وَإِنْ نَحَرَ قَبْله لَمْ يُجْزِهِ , وَسَيَأْتِي لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة زِيَادَة بَيَان . الرَّابِعَة : الْأَكْثَر مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ كَافِر أَوْ مُسْلِم أَوْ سُلْطَان حَبَسَهُ فِي سِجْن أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْي , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ , وَبِهِ قَالَ أَشْهَب , وَكَانَ اِبْن الْقَاسِم يَقُول : لَيْسَ عَلَى مَنْ صُدَّ عَنْ الْبَيْت فِي حَجّ أَوْ عُمْرَة هَدْي إِلَّا أَنْ يَكُون سَاقَهُ مَعَهُ , وَهُوَ قَوْل مَالِك , وَمِنْ حُجَّتهمَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا نَحَرَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة هَدْيًا قَدْ كَانَ أَشْعَرَهُ وَقَلَّدَهُ حِين أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ , فَلَمَّا لَمْ يَبْلُغ ذَلِكَ الْهَدْي مَحِلّه لِلصَّدِّ أَمَرَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَحَرَ ; لِأَنَّهُ كَانَ هَدْيًا وَجَبَ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَار , وَخَرَجَ لِلَّهِ فَلَمْ يَجُزْ الرُّجُوع فِيهِ , وَلَمْ يَنْحَرهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْل الصَّدّ , فَلِذَلِكَ لَا يَجِب عَلَى مَنْ صُدَّ عَنْ الْبَيْت هَدْي , وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحِلّ يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَلَمْ يَحْلِق رَأْسه حَتَّى نَحَرَ الْهَدْي , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْط إِحْلَال الْمُحْصَر ذَبْح هَدْي إِنْ كَانَ عِنْده , وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَمَتَى وَجَدَهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ لَا يَحِلّ إِلَّا بِهِ , وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْله : " فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " , وَقَدْ قِيلَ : يَحِلّ وَيُهْدِي إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ , وَالْقَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ , وَكَذَلِكَ مَنْ لَا يَجِد هَدْيًا يَشْتَرِيه , قَوْلَانِ . الْخَامِسَة : قَالَ عَطَاء وَغَيْره : الْمُحْصَر بِمَرَضٍ كَالْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ , وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابهمَا : مَنْ أَحْصَرَهُ الْمَرَض فَلَا يُحِلّهُ إِلَّا الطَّوَاف بِالْبَيْتِ وَإِنْ أَقَامَ سِنِينَ حَتَّى يُفِيق , وَكَذَلِكَ مَنْ أَخْطَأَ الْعَدَد أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْهِلَال . قَالَ مَالِك : وَأَهْل مَكَّة فِي ذَلِكَ كَأَهْلِ الْآفَاق . قَالَ : وَإِنْ اِحْتَاجَ الْمَرِيض إِلَى دَوَاء تَدَاوَى بِهِ وَافْتَدَى وَبَقِيَ عَلَى إِحْرَامه لَا يَحِلّ مِنْ شَيْء حَتَّى يَبْرَأ مِنْ مَرَضه , فَإِذَا بَرِئَ مِنْ مَرَضه مَضَى إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ سَبْعًا , وَسَعَى بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة , وَحَلَّ مِنْ حَجَّته أَوْ عُمْرَته , وَهَذَا كُلّه قَوْل الشَّافِعِيّ , وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَابْن عُمَر وَابْن الزُّبَيْر أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمُحْصَر بِمَرَضٍ أَوْ خَطَأ الْعَدَد : إِنَّهُ لَا يُحِلّهُ إِلَّا الطَّوَاف بِالْبَيْتِ . وَكَذَلِكَ مَنْ أَصَابَهُ كَسْر أَوْ بَطْن مُنْخَرِق , وَحُكْم مَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَاله عِنْد مَالِك وَأَصْحَابه أَنْ يَكُون بِالْخِيَارِ إِذَا خَافَ فَوْت الْوُقُوف بِعَرَفَة لِمَرَضِهِ , إِنْ شَاءَ مَضَى إِذَا أَفَاقَ إِلَى الْبَيْت فَطَافَ وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ , وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ عَلَى إِحْرَامه إِلَى قَابِل , وَإِنْ أَقَامَ عَلَى إِحْرَامه وَلَمْ يُوَاقِع شَيْئًا مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ الْحَاجّ فَلَا هَدْي عَلَيْهِ , وَمِنْ حُجَّته فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاع مِنْ الصَّحَابَة عَلَى أَنَّ مَنْ أَخْطَأَ الْعَدَد أَنَّ هَذَا حُكْمه لَا يُحِلّهُ إِلَّا الطَّوَاف بِالْبَيْتِ . وَقَالَ فِي الْمَكِّيّ إِذَا بَقِيَ مَحْصُورًا حَتَّى فَرَغَ النَّاس مِنْ حَجّهمْ : فَإِنَّهُ يَخْرُج إِلَى الْحِلّ فَيُلَبِّي وَيَفْعَل مَا يَفْعَلهُ الْمُعْتَمِر وَيَحِلّ , فَإِذَا كَانَ قَابِل حَجَّ وَأَهْدَى . وَقَالَ اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيّ فِي إِحْصَار مَنْ أُحْصِرَ بِمَكَّة مِنْ أَهْلهَا : لَا بُدّ لَهُ مِنْ أَنْ يَقِف بِعَرَفَة وَإِنْ نُعِشَ نَعْشًا , وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن بُكَيْر الْمَالِكِيّ فَقَالَ : قَوْل مَالِك فِي الْمُحْصَر الْمَكِّيّ أَنَّ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْآفَاق مِنْ إِعَادَة الْحَجّ وَالْهَدْي خِلَاف ظَاهِر الْكِتَاب , لِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْله حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام " . قَالَ : وَالْقَوْل عِنْدِي فِي هَذَا قَوْل الزُّهْرِيّ فِي أَنَّ الْإِبَاحَة مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْله حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام أَنْ يُقِيم لِبُعْدِ الْمَسَافَة يَتَعَالَج وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجّ , فَأَمَّا مَنْ كَانَ بَيْنه وَبَيْن الْمَسْجِد الْحَرَام مَا لَا تُقْصَر فِي مِثْله الصَّلَاة فَإِنَّهُ يَحْضُر الْمَشَاهِد وَإِنْ نُعِشَ نَعْشًا لِقُرْبِ الْمَسَافَة بِالْبَيْتِ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : كُلّ مَنْ مَنَعَ مِنْ الْوُصُول إِلَى الْبَيْت بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَض أَوْ ذَهَاب نَفَقَة أَوْ إِضْلَال رَاحِلَة أَوْ لَدْغ هَامَة فَإِنَّهُ يَقِف مَكَانه عَلَى إِحْرَامه وَيَبْعَث بِهَدْيِهِ أَوْ بِثَمَنِ هَدْيه , فَإِذَا نَحَرَ فَقَدْ حَلَّ مِنْ إِحْرَامه . كَذَلِكَ قَالَ عُرْوَة وَقَتَادَة وَالْحَسَن وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَمُجَاهِد وَأَهْل الْعِرَاق , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " الْآيَة . السَّادِسَة : قَالَ مَالِك وَأَصْحَابه : لَا يَنْفَع الْمُحْرِم الِاشْتِرَاط فِي الْحَجّ إِذَا خَافَ الْحَصْر بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوّ , وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابهمْ , وَالِاشْتِرَاط أَنْ يَقُول إِذَا أَهَلَّ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ , وَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي مِنْ الْأَرْض , وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَأَبُو ثَوْر : لَا بَأْس أَنْ يَشْتَرِط وَلَهُ شَرْطه , وَقَالَهُ غَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَحُجَّتهمْ حَدِيث ضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر بْن عَبْد الْمُطَّلِب أَنَّهَا أَتَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه , إِنِّي أَرَدْت الْحَجّ , أَأَشْتَرِطُ ؟ قَالَ : ( نَعَمْ ) . قَالَتْ : فَكَيْف أَقُول ؟ قَالَ : ( قُولِي لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَمَحِلِّي مِنْ الْأَرْض حَيْثُ حَبَسْتنِي ) . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرهمَا . قَالَ الشَّافِعِيّ : لَوْ ثَبَتَ حَدِيث ضُبَاعَة لَمْ أَعُدّهُ , وَكَانَ مَحِلّه حَيْثُ حَبَسَهُ اللَّه . قُلْت : قَدْ صَحَّحَهُ غَيْر وَاحِد , مِنْهُمْ أَبُو حَاتِم الْبُسْتِيّ وَابْن الْمُنْذِر , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : ثَبَتَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر : ( حُجِّي وَاشْتَرِطِي ) , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ إِذْ هُوَ بِالْعِرَاقِ , ثُمَّ وَقَفَ عَنْهُ بِمِصْر . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّل أَقُول , وَذَكَرَهُ عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْر أَنَّ طَاوُسًا وَعِكْرِمَة أَخْبَرَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : جَاءَتْ ضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنِّي اِمْرَأَة ثَقِيلَة وَإِنِّي أُرِيد الْحَجّ , فَكَيْف تَأْمُرنِي أَنْ أُهِلّ ؟ قَالَ : ( أَهِلِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي ) . قَالَ : فَأَدْرَكَتْ , وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح . السَّابِعَة : وَاخْتَلَفَتْ الْعُلَمَاء أَيْضًا فِي وُجُوب الْقَضَاء عَلَى مَنْ أُحْصِرَ , فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ : مَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ بِحَجِّهِ وَلَا عُمْرَته , إِلَّا أَنْ يَكُون ضَرُورَة لَمْ يَكُنْ حَجّ , فَيَكُون عَلَيْهِ الْحَجّ عَلَى حَسَب وُجُوبه عَلَيْهِ , وَكَذَلِكَ الْعُمْرَة عِنْد مَنْ أَوْجَبَهَا فَرْضًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : الْمُحْصَر بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوّ عَلَيْهِ حَجَّة وَعُمْرَة , وَهُوَ قَوْل الطَّبَرِيّ . قَالَ أَصْحَاب الرَّأْي : إِنْ كَانَ مُهِلًّا بِحَجٍّ قَضَى حَجَّة وَعُمْرَة ; لِأَنَّ إِحْرَامه بِالْحَجِّ صَارَ عُمْرَة . وَإِنْ كَانَ قَارِنًا قَضَى حَجَّة وَعُمْرَتَيْنِ , وَإِنْ كَانَ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ قَضَى عُمْرَة , وَسَوَاء عِنْدهمْ الْمُحْصَر بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوّ , عَلَى مَا تَقَدَّمَ , وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ مَيْمُون اِبْن مَهْرَان قَالَ : خَرَجْت مُعْتَمِرًا عَام حَاصَرَ أَهْل الشَّام اِبْن الزُّبَيْر بِمَكَّة وَبَعَثَ مَعِي رِجَال مِنْ قَوْمِي بِهَدْيٍ , فَلَمَّا اِنْتَهَيْت إِلَى أَهْل الشَّام مَنَعُونِي أَنْ أَدْخُل الْحَرَم , فَنَحَرْت الْهَدْي مَكَانِي ثُمَّ حَلَلْت ثُمَّ رَجَعْت , فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعَام الْمُقْبِل خَرَجْت لِأَقْضِيَ عُمْرَتِي , فَأَتَيْت اِبْن عَبَّاس فَسَأَلْته , فَقَالَ : أَبْدِلْ الْهَدْي , فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابه أَنْ يُبْدِلُوا الْهَدْي الَّذِي نَحَرُوا عَام الْحُدَيْبِيَة فِي عُمْرَة الْقَضَاء , وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّة أُخْرَى أَوْ عُمْرَة أُخْرَى ) . رَوَاهُ عِكْرِمَة عَنْ الْحَجَّاج بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَنْ عَرَجَ أَوْ كُسِرَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّة أُخْرَى ) . قَالُوا : فَاعْتِمَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فِي الْعَام الْمُقْبِل مِنْ عَام الْحُدَيْبِيَة إِنَّمَا كَانَ قَضَاء لِتِلْكَ الْعُمْرَة , قَالُوا : وَلِذَلِكَ قِيلَ لَهَا عُمْرَة الْقَضَاء . وَاحْتَجَّ مَالِك بِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُر أَحَدًا مِنْ أَصْحَابه وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا وَلَا أَنْ يَعُودُوا لِشَيْءٍ , وَلَا حُفِظَ ذَلِكَ عَنْهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه , وَلَا قَالَ فِي الْعَام الْمُقْبِل : إِنَّ عُمْرَتِي هَذِهِ قَضَاء عَنْ الْعُمْرَة الَّتِي حُصِرْت فِيهَا , وَلَمْ يُنْقَل ذَلِكَ عَنْهُ . قَالُوا : وَعُمْرَة الْقَضَاء وَعُمْرَة الْقَضِيَّة سَوَاء , وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاضَى قُرَيْشًا وَصَالَحَهُمْ فِي ذَلِكَ الْعَام عَلَى الرُّجُوع عَنْ الْبَيْت وَقَصْده مِنْ قَابِل , فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ عُمْرَة الْقَضِيَّة . الثَّامِنَة : لَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ الْفُقَهَاء فِيمَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ أَنَّهُ يَحِلّ مَكَانه بِنَفْسِ الْكَسْر غَيْر أَبِي ثَوْر عَلَى ظَاهِر حَدِيث الْحَجَّاج بْن عَمْرو , وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ دَاوُد بْن عَلِيّ وَأَصْحَابه , وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ يَحِلّ مَنْ كُسِرَ , وَلَكِنْ اِخْتَلَفُوا فِيمَا بِهِ يَحِلّ , فَقَالَ مَالِك وَغَيْره : يَحِلّ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ لَا يَحِلّهُ غَيْره , وَمَنْ خَالَفَهُ مِنْ الْكُوفِيِّينَ يَقُول : يَحِلّ بِالنِّيَّةِ وَفِعْل مَا يَتَحَلَّل بِهِ , عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبه . التَّاسِعَة : لَا خِلَاف بَيْن عُلَمَاء الْأَمْصَار أَنَّ الْإِحْصَار عَامّ فِي الْحَجّ وَالْعُمْرَة , وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ : لَا إِحْصَار فِي الْعُمْرَة ; لِأَنَّهَا غَيْر مُؤَقَّتَة , وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْر مُؤَقَّتَة لَكِنْ فِي الصَّبْر إِلَى زَوَال الْعُذْر ضَرَر , وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ الْآيَة , وَحُكِيَ عَنْ اِبْن الزُّبَيْر أَنَّ مَنْ أَحْصَرَهُ الْعَدُوّ أَوْ الْمَرَض فَلَا يَحِلّهُ إِلَّا الطَّوَاف بِالْبَيْتِ , وَهَذَا أَيْضًا مُخَالِف لِنَصِّ الْخَبَر عَام الْحُدَيْبِيَة . الْعَاشِرَة : الْحَاصِر لَا يَخْلُو أَنْ يَكُون كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا , فَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يَجُزْ قِتَاله وَلَوْ وَثِقَ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ , وَيَتَحَلَّل بِمَوْضِعِهِ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام " كَمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ سَأَلَ الْكَافِر جُعْلًا لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ وَهْن فِي الْإِسْلَام , فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَمْ يَجُزْ قِتَاله بِحَالٍ , وَوَجَبَ التَّحَلُّل , فَإِنْ طَلَبَ شَيْئًا وَيَتَخَلَّى عَنْ الطَّرِيق جَازَ دَفْعه , وَلَمْ يَجُزْ الْقِتَال لِمَا فِيهِ مِنْ إِتْلَاف الْمُهَج , وَذَلِكَ لَا يَلْزَم فِي أَدَاء الْعِبَادَات , فَإِنَّ الدِّين أَسْمَح . وَأَمَّا بَذْل الْجُعْل فَلِمَا فِيهِ مِنْ دَفْع أَعْظَم الضَّرَرَيْنِ بِأَهْوَنِهِمَا ; وَلِأَنَّ الْحَجّ مِمَّا يُنْفَق فِيهِ الْمَال , فَيُعَدّ هَذَا مِنْ النَّفَقَة . الْحَادِيَة عَشْرَة : وَالْعَدُوّ الْحَاصِر لَا يَخْلُو أَنْ يُتَيَقَّن بَقَاؤُهُ وَاسْتِيطَانه لِقُوَّتِهِ وَكَثْرَته أَوَّلًا , فَإِنْ كَانَ الْأَوَّل حَلَّ الْمُحْصَر مَكَانه مِنْ سَاعَته , وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ مِمَّا يُرْجَى زَوَاله فَهَذَا لَا يَكُون مَحْصُورًا حَتَّى يَبْقَى بَيْنه وَبَيْن الْحَجّ مِقْدَار مَا يُعْلَم أَنَّهُ إِنْ زَالَ الْعَدُوّ لَا يُدْرِك فِيهِ الْحَجّ , فَيَحِلّ حِينَئِذٍ عِنْد اِبْن الْقَاسِم وَابْن الْمَاجِشُونِ , وَقَالَ أَشْهَب : لَا يَحِلّ مَنْ حُصِرَ عَنْ الْحَجّ بِعَدُوٍّ حَتَّى يَوْم النَّحْر , وَلَا يَقْطَع التَّلْبِيَة حَتَّى يَرُوح النَّاس إِلَى عَرَفَة , وَجْه قَوْل اِبْن الْقَاسِم : أَنَّ هَذَا وَقْت يَأْس مِنْ إِكْمَال حَجّه لِعَدُوٍّ غَالِب , فَجَازَ لَهُ أَنْ يَحِلّ فِيهِ , أَصْل ذَلِكَ يَوْم عَرَفَة , وَوَجْه قَوْل أَشْهَب أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِي مِنْ حُكْم الْإِحْرَام بِمَا يُمْكِنهُ وَالْتِزَامه لَهُ إِلَى يَوْم النَّحْر , الْوَقْت الَّذِي يَجُوز لِلْحَاجِّ التَّحَلُّل بِمَا يُمْكِنهُ الْإِتْيَان بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ . " مَا " فِي مَوْضِع رَفْع , أَيْ فَالْوَاجِب أَوْ فَعَلَيْكُمْ مَا اِسْتَيْسَرَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ فَانْحَرُوا أَوْ فَاهْدُوا . و " مَا اِسْتَيْسَرَ " عِنْد جُمْهُور أَهْل الْعِلْم شَاة , وَقَالَ اِبْن عُمَر وَعَائِشَة وَابْن الزُّبَيْر : " مَا اِسْتَيْسَرَ " جَمَل دُون جَمَل , وَبَقَرَة دُون بَقَرَة لَا يَكُون مِنْ غَيْرهمَا , وَقَالَ الْحَسَن : أَعْلَى الْهَدْي بَدَنَة , وَأَوْسَطه بَقَرَة , وَأَخَسّه شَاة , وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِك مِنْ أَنَّ الْمُحْصَر بِعَدُوٍّ لَا يَجِب عَلَيْهِ الْقَضَاء , لِقَوْلِهِ : " فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " وَلَمْ يَذْكُر قَضَاء , وَاَللَّه أَعْلَم . "مِنْ الْهَدْي " الْهَدْي وَالْهَدِيّ لُغَتَانِ . وَهُوَ مَا يُهْدَى إِلَى بَيْت اللَّه مِنْ بَدَنَة أَوْ غَيْرهَا , وَالْعَرَب تَقُول : كَمْ هَدِيّ بَنِي فُلَان , أَيْ كَمْ إِبِلهمْ . وَقَالَ أَبُو بَكْر : سُمِّيَتْ هَدْيًا لِأَنَّ مِنْهَا مَا يُهْدَى إِلَى بَيْت اللَّه , فَسُمِّيَتْ بِمَا يَلْحَق بَعْضهَا , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْف مَا عَلَى الْمُحْصَنَات مِنْ الْعَذَاب " [ النِّسَاء : 25 ] . أَرَادَ فَإِنْ زَنَى الْإِمَاء فَعَلَى الْأَمَة مِنْهُنَّ إِذَا زَنَتْ نِصْف مَا عَلَى الْحُرَّة الْبِكْر إِذَا زَنَتْ , فَذَكَرَ اللَّه الْمُحْصَنَات وَهُوَ يُرِيد الْأَبْكَار ; لِأَنَّ الْإِحْصَان يَكُون فِي أَكْثَرهنَّ فَسُمِّينَ بِأَمْرٍ يُوجَد فِي بَعْضهنَّ , وَالْمُحْصَنَة مِنْ الْحَرَائِر هِيَ ذَات الزَّوْج , يَجِب عَلَيْهَا الرَّجْم إِذَا زَنَتْ , وَالرَّجْم لَا يَتَبَعَّض , فَيَكُون عَلَى الْأَمَة نِصْفه , فَانْكَشَفَ بِهَذَا أَنَّ الْمُحْصَنَات يُرَاد بِهِنَّ الْأَبْكَار لَا أُولَات الْأَزْوَاج , وَقَالَ الْفَرَّاء : أَهْل الْحِجَاز وَبَنُو أَسَد يُخَفِّفُونَ الْهَدْي , قَالَ : وَتَمِيم وَسُفْلَى قَيْس يُثَقِّلُونَ فَيَقُولُونَ : هَدِيّ . قَالَ الشَّاعِر : حَلَفْت بِرَبِّ مَكَّة وَالْمُصَلَّى وَأَعْنَاق الْهَدْي مُقَلَّدَات قَالَ : وَوَاحِد الْهَدْي هَدْيَة , وَيُقَال فِي جَمْع الْهَدْي : أَهْدَاء . فِيهَا سَبْع مَسَائِل الْأُولَى : الْخِطَاب لِجَمِيعِ الْأُمَّة مُحْصَر وَمُخَلًّى , وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ يَرَاهَا لِلْمُحْصَرِينَ خَاصَّة , أَيْ لَا تَتَحَلَّلُوا مِنْ الْإِحْرَام حَتَّى يُنْحَر الْهَدْي . وَالْمَحِلّ : الْمَوْضِع الَّذِي يَحِلّ فِيهِ ذَبْحه , فَالْمَحِلّ فِي حَصْر الْعَدُوّ عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ : مَوْضِع الْحَصْر , اِقْتِدَاء بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَن الْحُدَيْبِيَة , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَالْهَدْي مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه " [ الْفَتْح : 25 ] قِيلَ : مَحْبُوسًا إِذَا كَانَ مُحْصَرًا مَمْنُوعًا مِنْ الْوُصُول إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق , وَعِنْد أَبِي حَنِيفَة مَحِلّ الْهَدْي فِي الْإِحْصَار : الْحَرَم , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " ثُمَّ مَحِلّهَا إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق " [ الْحَجّ : 33 ] , وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمُخَاطَب بِهِ الْآمِن الَّذِي يَجِد الْوُصُول إِلَى الْبَيْت , فَأَمَّا الْمُحْصَر فَخَارِج مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى : " ثُمَّ مَحِلّهَا إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق " بِدَلِيلِ نَحْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه هَدْيهمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ الْحَرَم , وَاحْتَجُّوا مِنْ السُّنَّة بِحَدِيثِ نَاجِيَة بْن جُنْدُب صَاحِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِبْعَثْ مَعِي الْهَدْي فَأَنْحَرهُ بِالْحَرَمِ . قَالَ : ( فَكَيْف تَصْنَع بِهِ ) قَالَ : أَخْرَجَهُ فِي الْأَوْدِيَة لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ , فَأَنْطَلِق بِهِ حَتَّى أَنْحَرهُ فِي الْحَرَم , وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا لَا يَصِحّ , وَإِنَّمَا يَنْحَر حَيْثُ حَلَّ , اِقْتِدَاء بِفِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام بِالْحُدَيْبِيَةِ , وَهُوَ الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ الْأَئِمَّة ; وَلِأَنَّ الْهَدْي تَابِع لِلْمُهْدِي , وَالْمُهْدِي حَلَّ بِمَوْضِعِهِ , فَالْمُهْدَى أَيْضًا يَحِلّ مَعَهُ . الثَّانِيَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْمُحْصَر هَلْ لَهُ أَنْ يَحْلِق أَوْ يَحِلّ بِشَيْءٍ مِنْ الْحِلّ قَبْل أَنْ يَنْحَر مَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي , فَقَالَ مَالِك : السُّنَّة الثَّابِتَة الَّتِي لَا اِخْتِلَاف فِيهَا عِنْدنَا أَنَّهُ لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذ مِنْ شَعْره حَتَّى يَنْحَر هَدْيه , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسكُمْ حَتَّى يَبْلُغ الْهَدْي مَحِلّه " , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : إِذَا حَلَّ الْمُحْصَر قَبْل أَنْ يَنْحَر هَدْيه فَعَلَيْهِ دَم , وَيَعُود حَرَمًا كَمَا كَانَ حَتَّى يَنْحَر هَدْيه , وَإِنْ أَصَابَ صَيْدًا قَبْل أَنْ يَنْحَر الْهَدْي فَعَلَيْهِ الْجَزَاء , وَسَوَاء فِي ذَلِكَ الْمُوسِر وَالْمُعْسِر لَا يَحِلّ أَبَدًا حَتَّى يَنْحَر أَوْ يُنْحَر عَنْهُ . قَالُوا : وَأَقَلّ مَا يُهْدِيه شَاة , لَا عَمْيَاء وَلَا مَقْطُوعَة الْأُذُنَيْنِ , وَلَيْسَ هَذَا عِنْدهمْ مَوْضِع صِيَام . قَالَ أَبُو عُمَر : قَوْل الْكُوفِيِّينَ فِيهِ ضَعْف وَتَنَاقُض ; لِأَنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ لِمُحْصَرٍ بِعَدُوٍّ وَلَا مَرَض أَنْ يَحِلّ حَتَّى يَنْحَر هَدْيه فِي الْحَرَم . وَإِذَا أَجَازُوا لِلْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ أَنْ يَبْعَث بِهَدْيٍ وَيُوَاعِد حَامِله يَوْمًا يَنْحَرهُ فِيهِ فَيَحِلّ وَيَحْلِق فَقَدْ أَجَازُوا لَهُ أَنْ يَحِلّ عَلَى غَيْر يَقِين مِنْ نَحْر الْهَدْي وَبُلُوغه , وَحَمَلُوهُ عَلَى الْإِحْلَال بِالظُّنُونِ , وَالْعُلَمَاء مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز لِمَنْ لَزِمَهُ شَيْء مِنْ فَرَائِضه أَنْ يَخْرُج مِنْهُ بِالظَّنِّ , وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ظَنّ قَوْلهمْ : لَوْ عَطِبَ ذَلِكَ الْهَدْي أَوْ ضَلَّ أَوْ سُرِقَ فَحَلَّ مُرْسِله وَأَصَابَ النِّسَاء وَصَادَ أَنَّهُ يَعُود حَرَامًا وَعَلَيْهِ جَزَاء مَا صَادَ , فَأَبَاحُوا لَهُ فَسَاد الْحَجّ وَأَلْزَمُوهُ مَا يَلْزَم مَنْ لَمْ يَحِلّ مِنْ إِحْرَامه , وَهَذَا مَا لَا خَفَاء فِيهِ مِنْ التَّنَاقُض وَضَعْف الْمَذَاهِب , وَإِنَّمَا بَنَوْا مَذْهَبهمْ هَذَا كُلّه عَلَى قَوْل اِبْن مَسْعُود وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي خِلَاف غَيْره لَهُ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْمُحْصَر إِذَا أَعْسَرَ بِالْهَدْيِ : فِيهِ قَوْلَانِ : لَا يَحِلّ أَبَدًا إِلَّا بِهَدْيٍ , وَالْقَوْل الْآخَر : أَنَّهُ مَأْمُور أَنْ يَأْتِي بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ , فَإِنْ لَمْ يَقْدِر عَلَى شَيْء كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِي بِهِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ . قَالَ الشَّافِعِيّ : وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ : يَحِلّ مَكَانه وَيَذْبَح إِذَا قَدَرَ , فَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَكُون الذَّبْح بِمَكَّة لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَذْبَح إِلَّا بِهَا , وَإِنْ لَمْ يَقْدِر ذَبَحَ حَيْثُ قَدَرَ . قَالَ وَيُقَال : لَا يُجْزِيه إِلَّا هَدْي , وَيُقَال : إِذَا لَمْ يَجِد هَدْيًا كَانَ عَلَيْهِ الْإِطْعَام أَوْ الصِّيَام , وَإِنْ لَمْ يَجِد وَاحِدًا مِنْ الثَّلَاثَة أَتَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا إِذَا قَدَرَ , وَقَالَ فِي الْعَبْد : لَا يُجْزِيه إِلَّا الصَّوْم , تَقُوم لَهُ الشَّاة دَرَاهِم ثُمَّ الدَّرَاهِم طَعَامًا ثُمَّ يَصُوم عَنْ كُلّ مُدّ يَوْمًا . الثَّالِثَة : وَاخْتَلَفُوا إِذَا نَحَرَ الْمُحْصَر هَدْيه هَلْ لَهُ أَنْ يَحْلِق أَوْ لَا , فَقَالَتْ طَائِفَة : لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِق رَأْسه ; لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ النُّسُك , وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ عَنْهُ بِالْإِحْصَارِ جَمِيع الْمَنَاسِك كَالطَّوَافِ وَالسَّعْي - وَذَلِكَ مِمَّا يَحِلّ بِهِ الْمُحْرِم مِنْ إِحْرَامه - سَقَطَ عَنْهُ سَائِر مَا يَحِلّ بِهِ الْمُحْرِم مِنْ أَجْل أَنَّهُ مُحْصَر , وَمِمَّنْ اِحْتَجَّ بِهَذَا وَقَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَة وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن قَالَا : لَيْسَ عَلَى الْمُحْصَر تَقْصِير وَلَا حِلَاق . وَقَالَ أَبُو يُوسُف : يَحْلِق الْمُقَصِّر , فَإِنْ لَمْ يَحْلِق فَلَا شَيْء عَلَيْهِ , وَقَدْ حَكَى اِبْن أَبِي عِمْرَان عَنْ اِبْن سِمَاعَة عَنْ أَبِي يُوسُف فِي نَوَادِره أَنَّ عَلَيْهِ الْحِلَاق , وَالتَّقْصِير لَا بُدّ لَهُ مِنْهُ وَاخْتَلَفَ قَوْل الشَّافِعِيّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ الْحِلَاق لِلْمُحْصَرِ مِنْ النُّسُك , وَهُوَ قَوْل مَالِك , وَالْآخَر لَيْسَ مِنْ النُّسُك كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة , وَالْحُجَّة لِمَالِك أَنَّ الطَّوَاف بِالْبَيْتِ وَالسَّعْي بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة قَدْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ كُلّه الْمُحْصَر وَقَدْ صُدَّ عَنْهُ , فَسَقَطَ عَنْهُ مَا قَدْ حِيلَ بَيْنه وَبَيْنه , وَأَمَّا الْحِلَاق فَلَمْ يَحُلْ بَيْنه وَبَيْنه , وَهُوَ قَادِر عَلَى أَنْ يَفْعَلهُ , وَمَا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَفْعَلهُ فَهُوَ غَيْر سَاقِط عَنْهُ وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحِلَاق بَاقٍ عَلَى الْمُحْصَر كَمَا هُوَ بَاقٍ عَلَى مَنْ قَدْ وَصَلَ إِلَى الْبَيْت سَوَاء قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسكُمْ حَتَّى يَبْلُغ الْهَدْي مَحِلّه " , وَمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة مِنْ دُعَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ وَاحِدَة , وَهُوَ الْحُجَّة الْقَاطِعَة وَالنَّظَر الصَّحِيح فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة , وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِك وَأَصْحَابه , وَالْحِلَاق عِنْدهمْ نُسُك عَلَى الْحَاجّ الَّذِي قَدْ أَتَمَّ حَجّه , وَعَلَى مَنْ فَاتَهُ الْحَجّ , وَالْمُحْصَر بِعَدُوٍّ وَالْمُحْصَر بِمَرَضٍ . الرَّابِعَة : رَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِمَالِكٍ عَنْ نَافِع عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : ( اللَّهُمَّ اِرْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ ) قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : ( اللَّهُمَّ اِرْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ ) قَالُوا : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : ( وَالْمُقَصِّرِينَ ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَفِي دُعَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْحَلْق فِي الْحَجّ وَالْعُمْرَة أَفْضَل مِنْ التَّقْصِير , وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسكُمْ " الْآيَة , وَلَمْ يَقُلْ تُقَصِّرُوا , وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ التَّقْصِير يُجْزِئ عَنْ الرِّجَال , إِلَّا شَيْء ذُكِرَ عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ يُوجِب الْحَلْق فِي أَوَّل حَجَّة يَحُجّهَا الْإِنْسَان . الْخَامِسَة : لَمْ تَدْخُل النِّسَاء فِي الْحَلْق , وَأَنَّ سُنَّتهنَّ التَّقْصِير , لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَيْسَ عَلَى النِّسَاء حَلْق إِنَّمَا عَلَيْهِنَّ التَّقْصِير ) . خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى الْقَوْل بِهِ . وَرَأَتْ جَمَاعَة أَنَّ حَلْقهَا رَأْسهَا مِنْ الْمُثْلَة , وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْر مَا تُقَصِّر مِنْ رَأْسهَا , فَكَانَ اِبْن عُمَر وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق يَقُولُونَ : تُقَصِّر مِنْ كُلّ قَرْن مِثْل الْأُنْمُلَة . وَقَالَ عَطَاء : قَدْر ثَلَاث أَصَابِع مَقْبُوضَة , وَقَالَ قَتَادَة : تُقَصِّر الثُّلُث أَوْ الرُّبُع , وَفَرَّقَتْ حَفْصَة بِنْت سِيرِينَ بَيْن الْمَرْأَة الَّتِي قَعَدَتْ فَتَأْخُذ الرُّبُع , وَفِي الشَّابَّة أَشَارَتْ بِأُنْمُلَتِهَا تَأْخُذ وَتُقَلِّل , وَقَالَ مَالِك : تَأْخُذ مِنْ جَمِيع قُرُون رَأْسهَا , وَمَا أَخَذَتْ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ يَكْفِيهَا , وَلَا يُجْزِي عِنْده أَنْ تَأْخُذ مِنْ بَعْض الْقُرُون وَتُبْقِي بَعْضًا . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : يُجْزِي مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اِسْم تَقْصِير , وَأَحْوَط أَنْ تَأْخُذ مِنْ جَمِيع الْقُرُون قَدْر أُنْمُلَة . السَّادِسَة : لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَحْلِق رَأْسه حَتَّى يَنْحَر هَدْيه , وَذَلِكَ أَنَّ سُنَّة الذَّبْح قَبْل الْحِلَاق , وَالْأَصْل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسكُمْ حَتَّى يَبْلُغ الْهَدْي مَحِلّه " وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ سَلَّمَ , بَدَأَ فَنَحَرَ هَدْيه ثُمَّ حَلَقَ بَعْد ذَلِكَ , فَمَنْ خَالَفَ هَذَا فَقَدَّمَ الْحِلَاق قَبْل النَّحْر فَلَا يَخْلُو أَنْ يُقَدِّمهُ خَطَأ وَجَهْلًا أَوْ عَمْدًا وَقَصْدًا , فَإِنْ كَانَ الْأَوَّل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ , رَوَاهُ اِبْن حَبِيب عَنْ اِبْن الْقَاسِم , وَهُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك , وَقَالَ اِبْن الْمَاجِشُونِ : عَلَيْهِ الْهَدْي , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة . وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَن أَنَّهُ يَجُوز تَقْدِيم الْحَلْق عَلَى النَّحْر , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ . وَالظَّاهِر مِنْ الْمَذْهَب الْمَنْع , وَالصَّحِيح الْجَوَاز , لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْح وَالْحَلْق وَالرَّمْي وَالتَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فَقَالَ : ( لَا حَرَج ) رَوَاهُ مُسْلِم , وَخَرَّجَ اِبْن مَاجَهْ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَمَّنْ ذَبَحَ قَبْل أَنْ يَحْلِق , أَوْ حَلَقَ قَبْل أَنْ يَذْبَح فَقَالَ : ( لَا حَرَج ) . السَّابِعَة : لَا خِلَاف أَنَّ حَلْق الرَّأْس فِي الْحَجّ نُسُك مَنْدُوب إِلَيْهِ وَفِي غَيْر الْحَجّ جَائِز , خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : إِنَّهُ مُثْلَة , وَلَوْ كَانَ مُثْلَة مَا جَازَ فِي الْحَجّ وَلَا غَيْره ; لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُثْلَة , وَقَدْ حَلَقَ رُءُوس بَنِي جَعْفَر بَعْد أَنْ أَتَاهُ قَتْله بِثَلَاثَةِ أَيَّام , وَلَوْ لَمْ يَجُزْ الْحَلْق مَا حَلَقَهُمْ , وَكَانَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَحْلِق رَأْسه . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى حَبْس الشَّعْر وَعَلَى إِبَاحَة الْحَلْق . وَكَفَى بِهَذَا حُجَّة , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . فِيهَا تِسْع مَسَائِل الْأُولَى : " فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا " اِسْتَدَلَّ بَعْض عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ الْمُحْصَر فِي أَوَّل الْآيَة الْعَدُوّ لَا الْمَرَض , وَهَذَا لَا يَلْزَم , فَإِنَّ مَعْنَى قَوْله : " فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسه " فَحَلَقَ " فَفِدْيَة " أَيْ فَعَلَيْهِ فِدْيَة , وَإِذَا كَانَ وَارِدًا فِي الْمَرَض بِلَا خِلَاف كَانَ الظَّاهِر أَنَّ أَوَّل الْآيَة وَرَدَ فِيمَنْ وَرَدَ فِيهِ وَسَطهَا وَآخِرهَا , لِاتِّسَاقِ الْكَلَام بَعْضه عَلَى بَعْض , وَانْتِظَام بَعْضه بِبَعْضٍ , وَرُجُوع الْإِضْمَار فِي آخِر الْآيَة إِلَى مَنْ خُوطِبَ فِي أَوَّلهَا , فَيَجِب حَمْل ذَلِكَ عَلَى ظَاهِره حَتَّى يَدُلّ الدَّلِيل عَلَى الْعُدُول عَنْهُ , وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة , رَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِلدَّارَقُطْنِيّ : عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ وَقَمْله يَتَسَاقَط عَلَى وَجْهه فَقَالَ : ( أَيُؤْذِيك هَوَامّك ) قَالَ نَعَمْ . ( فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِق وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ , وَلَمْ يُبَيِّن لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا وَهُمْ عَلَى طَمَع أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّة , فَأَنْزَلَ اللَّه الْفِدْيَة , فَأَمَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطْعِم فَرَقًا بَيْن سِتَّة مَسَاكِين , أَوْ يُهْدِي شَاة , أَوْ يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام ) . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ بِهَذَا اللَّفْظ أَيْضًا , فَقَوْله : وَلَمْ يُبَيِّن لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا , يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ مَا كَانُوا عَلَى يَقِين مِنْ حَصْر الْعَدُوّ لَهُمْ , فَإِذَا الْمُوجِب لِلْفِدْيَةِ الْحَلْق لِلْأَذَى وَالْمَرَض , وَاَللَّه أَعْلَم . الثَّانِيَة : قَالَ الْأَوْزَاعِيّ فِي الْمُحْرِم يُصِيبهُ أَذًى فِي رَأْسه : إِنَّهُ يُجْزِيه أَنْ يُكَفِّر بِالْفِدْيَةِ قَبْل الْحَلْق . قُلْت : فَعَلَى هَذَا يَكُون الْمَعْنَى " فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسه فَفِدْيَة مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك " إِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِق , وَمَنْ قَدَرَ فَحَلَقَ فَفِدْيَة , فَلَا يَفْتَدِي حَتَّى يَحْلِق , وَاَللَّه أَعْلَم . الثَّالِثَة : قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : كُلّ مَنْ ذَكَرَ النُّسُك فِي هَذَا الْحَدِيث مُفَسَّرًا فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِشَاةٍ , وَهُوَ أَمْر لَا خِلَاف فِيهِ بَيْن الْعُلَمَاء , وَأَمَّا الصَّوْم وَالْإِطْعَام فَاخْتَلَفُوا فِيهِ , فَجُمْهُور فُقَهَاء الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الصَّوْم ثَلَاثَة أَيَّام , وَهُوَ مَحْفُوظ صَحِيح فِي حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة . وَجَاءَ عَنْ الْحَسَن وَعِكْرِمَة وَنَافِع قَالُوا : الصَّوْم فِي فِدْيَة الْأَذَى عَشْرَة أَيَّام , وَالْإِطْعَام عَشْرَة مَسَاكِين , وَلَمْ يَقُلْ أَحَد بِهَذَا مِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار وَلَا أَئِمَّة الْحَدِيث , وَقَدْ جَاءَ مِنْ رِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ مُجَاهِد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ أَهَلَّ فِي ذِي الْقَعْدَة , وَأَنَّهُ قَمِلَ رَأْسه فَأَتَى عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوقِد تَحْت قِدْر لَهُ , فَقَالَ لَهُ : ( كَأَنَّك يُؤْذِيك هَوَامّ رَأْسك ) , فَقَالَ أَجَل . قَالَ : ( اِحْلِقْ وَاهْدِ هَدْيًا ) , فَقَالَ : مَا أَجِد هَدْيًا . قَالَ : ( فَأَطْعِمْ سِتَّة مَسَاكِين ) , فَقَالَ : مَا أَجِد . قَالَ : ( صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام ) . قَالَ أَبُو عُمَر : كَانَ ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث عَلَى التَّرْتِيب وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَلَوْ صَحَّ هَذَا كَانَ مَعْنَاهُ الِاخْتِيَار أَوَّلًا فَأَوَّلًا , وَعَامَّة الْآثَار عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة وَرَدَتْ بِلَفْظِ التَّخْيِير , وَهُوَ نَصّ الْقُرْآن , وَعَلَيْهِ مَضَى عَمَل الْعُلَمَاء فِي كُلّ الْأَمْصَار وَفَتْوَاهُمْ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . الرَّابِعَة : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْإِطْعَام فِي فِدْيَة الْأَذَى , فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمْ : الْإِطْعَام فِي ذَلِكَ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْر وَدَاوُد , وَرُوِيَ عَنْ الثَّوْرِيّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْفِدْيَة : مِنْ الْبُرّ نِصْف صَاع , وَمِنْ التَّمْر وَالشَّعِير وَالزَّبِيب صَاع . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة أَيْضًا مِثْله , جَعَلَ نِصْف صَاع بُرّ عَدْل صَاع تَمْر . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَهَذَا غَلَط ; لِأَنَّ فِي بَعْض أَخْبَار كَعْب أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : ( أَنْ تَصَّدَّق بِثَلَاثَةِ أُصُوع مِنْ تَمْر عَلَى سِتَّة مَسَاكِين ) , وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل مَرَّة كَمَا قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ , وَمَرَّة قَالَ : إِنْ أَطْعَمَ بُرًّا فَمُدّ لِكُلِّ مِسْكِين , وَإِنْ أَطْعَمَ تَمْرًا فَنِصْف صَاع . الْخَامِسَة : وَلَا يُجْزِي أَنْ يُغَدِّي الْمَسَاكِين وَيُعَشِّيهِمْ فِي كَفَّارَة الْأَذَى حَتَّى يُعْطِي كُلّ مِسْكِين مُدَّيْنِ بِمُدِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِك وَالثَّوْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن , وَقَالَ أَبُو يُوسُف : يُجْزِيه أَنْ يُغَدِّيهِمْ وَيُعَشِّيهِمْ . السَّادِسَة : أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ الْمُحْرِم مَمْنُوع مِنْ حَلْق شَعْره وَجَزّه وَإِتْلَافه بِحَلْقٍ أَوْ نَوْرَة أَوْ غَيْر ذَلِكَ إِلَّا فِي حَالَة الْعِلَّة كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآن , وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوب الْفِدْيَة عَلَى مَنْ حَلَقَ وَهُوَ مُحْرِم بِغَيْرِ عِلَّة , وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ , أَوْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ بِغَيْرِ عُذْر عَامِدًا , فَقَالَ مَالِك : بِئْسَ مَا فَعَلَ ! وَعَلَيْهِ الْفِدْيَة , وَهُوَ مُخَيَّر فِيهَا , وَسَوَاء عِنْده الْعَمْد فِي ذَلِكَ وَالْخَطَأ , لِضَرُورَةٍ وَغَيْر ضَرُورَة , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابهمَا وَأَبُو ثَوْر : لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ إِلَّا فِي الضَّرُورَة ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسه " فَإِذَا حَلَقَ رَأْسه عَامِدًا أَوْ لَبِسَ عَامِدًا لِغَيْرِ عُذْر فَلَيْسَ بِمُخَيَّرٍ وَعَلَيْهِ دَم لَا غَيْر . السَّابِعَة : وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاسِيًا , فَقَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه : الْعَامِد وَالنَّاسِي فِي ذَلِكَ سَوَاء فِي وُجُوب الْفِدْيَة , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ وَاللَّيْث , وَلِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : لَا فِدْيَة عَلَيْهِ , وَهُوَ قَوْل دَاوُد وَإِسْحَاق , وَالثَّانِي : عَلَيْهِ الْفِدْيَة , وَأَكْثَر الْعُلَمَاء يُوجِبُونَ الْفِدْيَة عَلَى الْمُحْرِم بِلُبْسِ الْمَخِيط وَتَغْطِيَة الرَّأْس أَوْ بَعْضه , وَلُبْس الْخُفَّيْنِ وَتَقْلِيم الْأَظَافِر وَمَسّ الطِّيب وَإِمَاطَة الْأَذَى , وَكَذَلِكَ إِذَا حَلَقَ شَعْر جَسَده أَوْ اِطَّلَى , أَوْ حَلَقَ مَوَاضِع الْمَحَاجِم , وَالْمَرْأَة كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ , وَعَلَيْهَا الْفِدْيَة فِي الْكُحْل وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيب , وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَكْتَحِل بِمَا لَا طِيب فِيهِ , وَعَلَى الْمَرْأَة الْفِدْيَة إِذَا غَطَّتْ وَجْههَا أَوْ لَبِسَتْ الْقُفَّازَيْنِ , وَالْعَمْد وَالسَّهْو وَالْجَهْل فِي ذَلِكَ سَوَاء , وَبَعْضهمْ يَجْعَل عَلَيْهِمَا دَمًا فِي كُلّ شَيْء مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ دَاوُد : لَا شَيْء عَلَيْهِمَا فِي حَلْق شَعْر الْجَسَد . الثَّامِنَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَوْضِع الْفِدْيَة الْمَذْكُورَة , فَقَالَ عَطَاء : مَا كَانَ مِنْ دَم فَبِمَكَّة , وَمَا كَانَ مِنْ طَعَام أَوْ صِيَام فَحَيْثُ شَاءَ , وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ أَصْحَاب الرَّأْي , وَعَنْ الْحَسَن أَنَّ الدَّم بِمَكَّة , وَقَالَ طَاوُس وَالشَّافِعِيّ : الْإِطْعَام وَالدَّم لَا يَكُونَانِ إِلَّا بِمَكَّة , وَالصَّوْم حَيْثُ شَاءَ ; لِأَنَّ الصِّيَام لَا مَنْفَعَة فِيهِ لِأَهْلِ الْحَرَم , وَقَدْ قَالَ اللَّه سُبْحَانه " هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة " [ الْمَائِدَة : 95 ] رِفْقًا لِمَسَاكِين جِيرَان بَيْته , فَالْإِطْعَام فِيهِ مَنْفَعَة بِخِلَافِ الصِّيَام , وَاَللَّه أَعْلَم , وَقَالَ مَالِك : يَفْعَل ذَلِكَ أَيْنَ شَاءَ , وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ الْقَوْل , وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد , وَالذَّبْح هُنَا عِنْد مَالِك نُسُك وَلَيْسَ بِهَدْيٍ لِنَصِّ الْقُرْآن وَالسُّنَّة , وَالنُّسُك يَكُون حَيْثُ شَاءَ , وَالْهَدْي لَا يَكُون إِلَّا بِمَكَّة , وَمِنْ حُجَّته أَيْضًا مَا رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد فِي مُوَطَّئِهِ , وَفِيهِ : فَأَمَرَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِرَأْسِهِ - يَعْنِي رَأْس حُسَيْن - فَحَلَقَ ثُمَّ نَسَكَ عَنْهُ بِالسُّقْيَا فَنَحَرَ عَنْهُ بَعِيرًا . قَالَ مَالِك قَالَ يَحْيَى بْن سَعِيد : وَكَانَ حُسَيْن خَرَجَ مَعَ عُثْمَان فِي سَفَره ذَلِكَ إِلَى مَكَّة , فَفِي هَذَا أَوْضَح دَلِيل عَلَى أَنَّ فِدْيَة الْأَذَى جَائِز أَنْ تَكُون بِغَيْرِ مَكَّة , وَجَائِز عِنْد مَالِك فِي الْهَدْي إِذَا نَحَرَ فِي الْحَرَم أَنْ يُعْطَاهُ غَيْر أَهْل الْحَرَم ; لِأَنَّ الْبُغْيَة فِيهِ إِطْعَام مَسَاكِين الْمُسْلِمِينَ . قَالَ مَالِك : وَلَمَّا جَازَ الصَّوْم أَنْ يُؤْتَى بِهِ بِغَيْرِ الْحَرَم جَازَ إِطْعَام غَيْر أَهْل الْحَرَم , ثُمَّ إِنَّ قَوْله تَعَالَى : " فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا " الْآيَة , أَوْضَحَ الدَّلَالَة عَلَى مَا قُلْنَاهُ , فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ : " فَفِدْيَة مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك " لَمْ يَقُلْ فِي مَوْضِع دُون مَوْضِع , فَالظَّاهِر أَنَّهُ حَيْثُمَا فَعَلَ أَجْزَأَهُ . وَقَالَ : " أَوْ نُسُك " فَسَمَّى مَا يُذْبَح نُسُكًا , وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ وَلَمْ يُسَمِّهِ هَدْيًا , فَلَا يَلْزَمنَا أَنْ نَرُدّهُ قِيَاسًا عَلَى الْهَدْي , وَلَا أَنْ نَعْتَبِرهُ بِالْهَدْيِ مَعَ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيّ , وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَ كَعْبًا بِالْفِدْيَةِ مَا كَانَ فِي الْحَرَم , فَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كُلّه يَكُون خَارِج الْحَرَم , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيّ مِثْل هَذَا فِي وَجْه بَعِيد . التَّاسِعَة : " أَوْ نُسُك " النُّسُك : جَمْع نَسِيكَة , وَهِيَ الذَّبِيحَة يَنْسُكهَا الْعَبْد لِلَّهِ تَعَالَى , وَيُجْمَع أَيْضًا عَلَى نِسَائِك , وَالنُّسُك : الْعِبَادَة فِي الْأَصْل , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا " [ الْبَقَرَة : 128 ] أَيْ مُتَعَبَّدَاتنَا , وَقِيلَ : إِنَّ أَصْل النُّسُك فِي اللُّغَة الْغُسْل , وَمِنْهُ نَسَكَ ثَوْبه إِذَا غَسَلَهُ , فَكَأَنَّ الْعَابِد غَسَلَ نَفْسه مِنْ أَدْرَان الذُّنُوب بِالْعِبَادَةِ . وَقِيلَ : النُّسُك سَبَائِك الْفِضَّة , كُلّ سَبِيكَة مِنْهَا نَسِيكَة , فَكَأَنَّ الْعَابِد خَلَّصَ نَفْسه مِنْ دَنَس الْآثَام وَسَبَكَهَا . قِيلَ : مَعْنَاهُ بَرَأْتُمْ مِنْ الْمَرَض , وَقِيلَ : مِنْ خَوْفكُمْ مِنْ الْعَدُوّ الْمُحْصِر , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة , وَهُوَ أَشْبَه بِاللَّفْظِ إِلَّا أَنْ يَتَخَيَّل الْخَوْف مِنْ الْمَرَض فَيَكُون الْأَمْن مِنْهُ , كَمَا تَقَدَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم . فِيهَا إِحْدَى عَشْرَة مَسْأَلَة الْأُولَى : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مَنْ الْمُخَاطَب بِهَذَا ؟ فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَعَلْقَمَة وَإِبْرَاهِيم : الْآيَة فِي الْمُحْصَرِينَ دُون الْمُخَلَّى سَبِيلهمْ . وَصُورَة الْمُتَمَتِّع عِنْد اِبْن الزُّبَيْر : أَنْ يُحْصَر الرَّجُل حَتَّى يَفُوتهُ الْحَجّ , ثُمَّ يَصِل إِلَى الْبَيْت فَيَحِلّ بِعُمْرَةٍ , ثُمَّ يَقْضِي الْحَجّ مِنْ قَابِل , فَهَذَا قَدْ تَمَتَّعَ بِمَا بَيْن الْعُمْرَة إِلَى حَجّ الْقَضَاء , وَصُورَة الْمُتَمَتِّع الْمُحْصَر عِنْد غَيْره : أَنْ يُحْصَر فَيَحِلّ دُون عُمْرَة وَيُؤَخِّرهَا حَتَّى يَأْتِي مِنْ قَابِل فَيَعْتَمِر فِي أَشْهُر الْحَجّ وَيَحُجّ مِنْ عَامه , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَجَمَاعَة : الْآيَة فِي الْمُحْصَرِينَ وَغَيْرهمْ مِمَّنْ خُلِّيَ سَبِيله . الثَّانِيَة : لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء فِي أَنَّ التَّمَتُّع جَائِز عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيله , وَأَنَّ الْإِفْرَاد جَائِز وَأَنَّ الْقُرْآن جَائِز ; لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَضِيَ كُلًّا وَلَمْ يُنْكِرهُ فِي حَجَّته عَلَى أَحَد مِنْ أَصْحَابه , بَلْ أَجَازَهُ لَهُمْ وَرَضِيَهُ مِنْهُمْ , صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَإِنَّمَا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَا كَانَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمًا فِي حَجَّته وَفِي الْأَفْضَل مِنْ ذَلِكَ , لِاخْتِلَافِ الْآثَار الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ , فَقَالَ قَائِلُونَ مِنْهُمْ مَالِك : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُفْرِدًا , وَالْإِفْرَاد أَفْضَل مِنْ الْقِرَان . قَالَ : وَالْقِرَان أَفْضَل مِنْ التَّمَتُّع , وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلّ بِحَجٍّ وَعُمْرَة فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أُرَاد أَنْ يُهِلّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلّ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلّ ) قَالَتْ عَائِشَة : فَأَهَلَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَجٍّ , وَأَهَلَّ بِهِ نَاس مَعَهُ , وَأَهَلَّ نَاس بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجّ , وَأَهَلَّ نَاس بِعُمْرَةٍ , وَكُنْت فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ , رَوَاهُ جَمَاعَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة , وَقَالَ بَعْضهمْ فِيهِ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَمَّا أَنَا فَأُهِلّ بِالْحَجِّ ) وَهَذَا نَصّ فِي مَوْضِع الْخِلَاف , وَهُوَ حُجَّة مَنْ قَالَ بِالْإِفْرَادِ وَفَضْله , وَحَكَى مُحَمَّد بْن الْحَسَن عَنْ مَالِك أَنَّهُ قَالَ : إِذَا جَاءَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَر عَمِلَا بِأَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ وَتَرَكَا الْآخَر كَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْحَقّ فِيمَا عَمِلَا بِهِ , وَاسْتَحَبَّ أَبُو ثَوْر الْإِفْرَاد أَيْضًا وَفَضَّلَهُ عَلَى التَّمَتُّع وَالْقِرَان , وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ فِي الْمَشْهُور عَنْهُ . وَاسْتَحَبَّ آخَرُونَ التَّمَتُّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ , قَالُوا : وَذَلِكَ أَفْضَل . وَهُوَ مَذْهَب عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَعَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل , وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ الشَّافِعِيّ : اِخْتَرْت الْإِفْرَاد , وَالتَّمَتُّع حَسَن لَا نَكْرَههُ . اِحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ التَّمَتُّع بِمَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن قَالَ : نَزَلَتْ آيَة الْمُتْعَة فِي كِتَاب اللَّه - يَعْنِي مُتْعَة الْحَجّ - وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَمْ تَنْزِل آيَة تَنْسَخ آيَة مُتْعَة الْحَجّ , وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَاتَ , قَالَ رَجُل بِرَأْيِهِ بَعْد مَا شَاءَ , وَرَوَى التِّرْمِذِيّ حَدَّثَنَا قُتَيْبَة بْن سَعِيد عَنْ مَالِك بْن أَنَس عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن نَوْفَل أَنَّهُ سَمِعَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَالضَّحَّاك بْن قَيْس عَام حَجَّ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ , فَقَالَ الضَّحَّاك بْن قَيْس : لَا يَصْنَع ذَلِكَ إِلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْر اللَّه تَعَالَى , فَقَالَ سَعْد : بِئْسَ مَا قُلْت يَا بْن أَخِي ! فَقَالَ الضَّحَّاك : فَإِنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ , فَقَالَ سَعْد : قَدْ صَنَعَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ , هَذَا حَدِيث صَحِيح , وَرَوَى اِبْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم قَالَ : إِنِّي لَجَالِس مَعَ اِبْن عُمَر فِي الْمَسْجِد إِذْ جَاءَهُ رَجُل مِنْ أَهْل الشَّام فَسَأَلَهُ عَنْ التَّمَتُّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ , فَقَالَ اِبْن عُمَر : ( حَسَن جَمِيل . قَالَ : فَإِنَّ أَبَاك كَانَ يَنْهَى عَنْهَا , فَقَالَ : وَيْلك ! فَإِنْ كَانَ أَبِي نَهَى عَنْهَا وَقَدْ فَعَلَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ بِهِ , أَفَبِقَوْلِ أَبِي آخُذ , أَمْ بِأَمْرِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! ؟ قُمْ عَنِّي ) . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ , وَأَخْرَجَهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث صَالِح بْن كَيْسَان عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم , وَرُوِيَ عَنْ لَيْث عَنْ طَاوُس عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( تَمَتَّعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان , وَأَوَّل مَنْ نَهَى عَنْهَا مُعَاوِيَة ) حَدِيث حَسَن . قَالَ أَبُو عُمَر : حَدِيث لَيْث هَذَا حَدِيث مُنْكَر , وَهُوَ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم ضَعِيف , وَالْمَشْهُور عَنْ عُمَر وَعُثْمَان أَنَّهُمَا كَانَا يَنْهَيَانِ عَنْ التَّمَتُّع , وَإِنْ كَانَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم قَدْ زَعَمُوا أَنَّ الْمُتْعَة الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُمَر وَضَرَبَ عَلَيْهَا فَسْخ الْحَجّ فِي الْعُمْرَة , فَأَمَّا التَّمَتُّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَلَا . وَزَعَمَ مَنْ صَحَّحَ نَهْي عُمَر عَنْ التَّمَتُّع أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِيُنْتَجَع الْبَيْت مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَر فِي الْعَام حَتَّى تَكْثُر عِمَارَته بِكَثْرَةِ الزُّوَّار لَهُ فِي غَيْر الْمَوْسِم , وَأَرَادَ إِدْخَال الرِّفْق عَلَى أَهْل الْحَرَم بِدُخُولِ النَّاس تَحْقِيقًا لِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيم : " فَاجْعَلْ أَفْئِدَة مِنْ النَّاس تَهْوِي إِلَيْهِمْ " [ إِبْرَاهِيم : 37 ] , وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِأَنَّهُ رَأَى النَّاس مَالُوا إِلَى التَّمَتُّع لِيَسَارَتِهِ وَخِفَّته , فَخَشِيَ أَنْ يَضِيع الْإِفْرَاد وَالْقِرَان وَهُمَا سُنَّتَانِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاحْتَجَّ أَحْمَد فِي اِخْتِيَاره التَّمَتُّع بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ اِسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اِسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْي وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَة ) . أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّة , وَقَالَ آخَرُونَ : الْقِرَان أَفْضَل , مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ , وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيّ قَالَ : لِأَنَّهُ يَكُون مُؤَدِّيًا لِلْفَرْضَيْنِ جَمِيعًا , وَهُوَ قَوْل إِسْحَاق . قَالَ إِسْحَاق : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَارِنًا , وَهُوَ قَوْل عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَاحْتَجَّ مَنْ اِسْتَحَبَّ الْقِرَان وَفَضَّلَهُ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَادِي الْعَقِيق يَقُول : ( أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَك وَقُلْ عُمْرَة فِي حَجَّة ) , وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أَنَس قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّة ) , وَقَالَ : حَدِيث حَسَن صَحِيح . قَالَ أَبُو عُمَر : وَالْإِفْرَاد إِنْ شَاءَ اللَّه أَفْضَل ; لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُفْرِدًا , فَلِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّهُ أَفْضَل ; لِأَنَّ الْآثَار أَصَحّ عَنْهُ فِي إِفْرَاده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَلِأَنَّ الْإِفْرَاد أَكْثَر عَمَلًا ثُمَّ الْعُمْرَة عَمَل آخَر . وَذَلِكَ كُلّه طَاعَة وَالْأَكْثَر مِنْهَا أَفْضَل , وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : الْمُفْرِد أَكْثَر تَعَبًا مِنْ الْمُتَمَتِّع , لِإِقَامَتِهِ عَلَى الْإِحْرَام وَذَلِكَ أَعْظَم لِثَوَابِهِ , وَالْوَجْه فِي اِتِّفَاق الْأَحَادِيث أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَنَا بِالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَان جَازَ أَنْ يُقَال : تَمَتَّعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ : " وَنَادَى فِرْعَوْن فِي قَوْمه " [ الزُّخْرُف : 51 ] , وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : رَجَمْنَا وَرَجَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالرَّجْمِ . قُلْت : الْأَظْهَر فِي حَجَّته عَلَيْهِ السَّلَام الْقِرَان , وَأَنَّهُ كَانَ قَارِنًا , لِحَدِيثِ عُمَر وَأَنْسَ الْمَذْكُورَيْنِ , وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ بَكْر عَنْ أَنَس قَالَ : ( سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَة مَعًا ) . قَالَ بَكْر : فَحَدَّثْت بِذَلِكَ اِبْن عُمَر فَقَالَ : لَبِّي بِالْحَجِّ وَحْده , فَلَقِيت أَنَسًا فَحَدَّثْته بِقَوْلِ اِبْن عُمَر , فَقَالَ أَنَس : مَا تَعُدُّونَنَا إِلَّا صِبْيَانًا ! سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( لَبَّيْكَ عُمْرَة وَحَجًّا ) , وَفِي صَحِيح مُسْلِم أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أَهَلَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ أَصْحَابه بِحَجٍّ , فَلَمْ يَحِلّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مَنْ سَاقَ الْهَدْي مِنْ أَصْحَابه , وَحَلَّ بَقِيَّتهمْ . قَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَارِنًا , وَإِذَا كَانَ قَارِنًا فَقَدْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ , وَاتَّفَقَتْ الْأَحَادِيث , وَقَالَ النَّحَّاس : وَمِنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِي هَذَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ , فَقَالَ مَنْ رَآهُ : تَمَتَّعَ ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ , فَقَالَ مَنْ رَآهُ : أَفْرَدَ ثُمَّ قَالَ : ( لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَة ) . فَقَالَ مَنْ سَمِعَهُ : قَرَنَ , فَاتَّفَقَتْ الْأَحَادِيث , وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ أَحَد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : أَفْرَدْت الْحَجّ وَلَا تَمَتَّعْت , وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : ( قَرَنْت ) كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ قَالَ : أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : ( كَيْف صَنَعْت ) قُلْت : أَهْلَلْت بِإِهْلَالِك . قَالَ ( فَإِنِّي سُقْت الْهَدْي وَقَرَنْت ) . قَالَ وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : ( لَوْ اِسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي كَمَا اِسْتَدْبَرْت لَفَعَلْت كَمَا فَعَلْتُمْ وَلَكِنِّي سُقْت الْهَدْي وَقَرَنْت ) . وَثَبَتَ عَنْ حَفْصَة قَالَتْ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه , مَا بَال النَّاس قَدْ حَلُّوا مِنْ عُمْرَتهمْ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ ؟ قَالَ : ( إِنِّي لَبَّدْت رَأْسِي وَسُقْت هَدْيِي فَلَا أَحِلّ حَتَّى أَنْحَر ) , وَهَذَا يُبَيِّن أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ مُفْرِدًا لَمْ يَمْتَنِع مِنْ نَحْر الْهَدْي . قُلْت : مَا ذَكَرَهُ النَّحَّاس أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ أَحَد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَفْرَدْت الْحَجّ ) فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة عَائِشَة أَنَّهُ قَالَ : ( وَأَمَّا أَنَا فَأُهِلّ بِالْحَجِّ ) , وَهَذَا مَعْنَاهُ : فَأَنَا أُفْرِد الْحَجّ , إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَدْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ , ثُمَّ قَالَ : فَأَنَا أُهِلّ بِالْحَجِّ , وَمِمَّا يُبَيِّن هَذَا مَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن عُمَر , وَفِيهِ : وَبَدَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ , فَلَمْ يَبْقَ فِي قَوْله : ( فَأَنَا أُهِلّ بِالْحَجِّ ) دَلِيل عَلَى الْإِفْرَاد , وَبَقِيَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَإِنِّي قَرَنْت ) , وَقَوْل أَنَس خَادِمه إِنَّهُ سَمِعَهُ يَقُول : ( لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَة مَعًا ) نَصّ صَرِيح فِي الْقِرَان لَا يَحْتَمِل التَّأْوِيل , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَتَادَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : إِنَّمَا جَمَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَاجٍّ بَعْدهَا . الثَّالِثَة : وَإِذَا مَضَى الْقَوْل فِي الْإِفْرَاد وَالتَّمَتُّع وَالْقِرَان وَأَنَّ كُلّ ذَلِكَ جَائِز بِإِجْمَاعٍ فَالتَّمَتُّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ عِنْد الْعُلَمَاء عَلَى أَرْبَعَة أَوْجُه , مِنْهَا وَجْه وَاحِد مُجْتَمَع عَلَيْهِ , وَالثَّلَاثَة مُخْتَلَف فِيهَا . فَأَمَّا الْوَجْه الْمُجْتَمَع عَلَيْهِ فَهُوَ التَّمَتُّع الْمُرَاد بِقَوْلِ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : " فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " وَذَلِكَ أَنْ يُحْرِم الرَّجُل بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُر الْحَجّ - عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانهَا - وَأَنْ يَكُون مِنْ أَهْل الْآفَاق , وَقَدِمَ مَكَّة فَفَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ أَقَامَ حَلَالًا بِمَكَّة إِلَى أَنْ أَنْشَأَ الْحَجّ مِنْهَا فِي عَامه ذَلِكَ قَبْل رُجُوعه إِلَى بَلَده , أَوْ قَبْل خُرُوجه إِلَى مِيقَات أَهْل نَاحِيَته , فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مُتَمَتِّعًا وَعَلَيْهِ مَا أَوْجَبَ اللَّه عَلَى الْمُتَمَتِّع , وَذَلِكَ مَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي , يَذْبَحهُ وَيُعْطِيه لِلْمَسَاكِينِ بِمِنًى أَوْ بِمَكَّة , فَإِنْ لَمْ يَجِد صَامَ ثَلَاثَة أَيَّام , وَسَبْعَة إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَده - عَلَى مَا يَأْتِي - وَلَيْسَ لَهُ صِيَام يَوْم النَّحْر بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَاخْتُلِفَ فِي صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق عَلَى مَا يَأْتِي . فَهَذَا إِجْمَاع مِنْ أَهْل الْعِلْم قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الْمُتْعَة , وَرَابِطهَا ثَمَانِيَة شُرُوط : الْأَوَّل : أَنْ يَجْمَع بَيْن الْحَجّ وَالْعُمْرَة . الثَّانِي : فِي سَفَر وَاحِد . الثَّالِث : فِي عَام وَاحِد . الرَّابِع : فِي أَشْهُر الْحَجّ . الْخَامِس : تَقْدِيم الْعُمْرَة . السَّادِس : أَلَّا يَمْزُجهَا , بَلْ يَكُون إِحْرَام الْحَجّ بَعْد الْفَرَاغ مِنْ الْعُمْرَة . السَّابِع : أَنْ تَكُون الْعُمْرَة وَالْحَجّ عَنْ شَخْص وَاحِد . الثَّامِن : أَنْ يَكُون مِنْ غَيْر أَهْل مَكَّة . وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الشُّرُوط فِيمَا وَصَفْنَا مِنْ حُكْم التَّمَتُّع تَجِدهَا . وَالْوَجْه الثَّانِي مِنْ وُجُوه التَّمَتُّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ : الْقِرَان , وَهُوَ أَنْ يَجْمَع بَيْنهمَا فِي إِحْرَام وَاحِد فَيُهِلّ بِهِمَا جَمِيعًا فِي أَشْهُر الْحَجّ أَوْ غَيْرهَا , يَقُول : لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَة مَعًا , فَإِذَا قَدِمَ مَكَّة طَافَ لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَته طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعَى سَعْيًا وَاحِدًا , عِنْد مَنْ رَأَى ذَلِكَ , وَهُمْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابهمَا وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر , وَهُوَ مَذْهَب عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالْحَسَن وَمُجَاهِد وَطَاوُس , لِحَدِيثِ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : ( خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ . .. ) الْحَدِيث . وَفِيهِ : ( وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْن الْحَجّ وَالْعُمْرَة فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ , وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَة يَوْم النَّفْر وَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَحَاضَتْ : ( يَسَعك طَوَافك لِحَجِّك وَعُمْرَتك ) فِي رِوَايَة : ( يُجْزِئ عَنْك طَوَافك بِالصَّفَا وَالْمَرْوَة عَنْ حَجّك وَعُمْرَتك ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِم - أَوْ طَافَ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ , عِنْد مَنْ رَأَى ذَلِكَ , وَهُوَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحَسَن بْن صَالِح وَابْن أَبِي لَيْلَى , وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود , وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيّ وَجَابِر بْن زَيْد , وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيث عَنْ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ جَمَعَ بَيْن الْحَجّ وَالْعُمْرَة فَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ , ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ . أَخْرَجَهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنه وَضَعَّفَهَا كُلّهَا , وَإِنَّمَا جُعِلَ الْقِرَان مِنْ بَاب التَّمَتُّع ; لِأَنَّ الْقَارِن يَتَمَتَّع بِتَرْكِ النَّصَب فِي السَّفَر إِلَى الْعُمْرَة مَرَّة وَإِلَى الْحَجّ أُخْرَى , وَيَتَمَتَّع بِجَمْعِهِمَا , وَلَمْ يُحْرِم لِكُلِّ وَاحِد مِنْ مِيقَاته , وَضَمَّ الْحَجّ إِلَى الْعُمْرَة , فَدَخَلَ تَحْت قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " , وَهَذَا وَجْه مِنْ التَّمَتُّع لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء فِي جَوَازه . وَأَهْل الْمَدِينَة لَا يُجِيزُونَ الْجَمْع بَيْن الْعُمْرَة وَالْحَجّ إِلَّا بِسِيَاقِ الْهَدْي , وَهُوَ عِنْدهمْ بَدَنَة لَا يَجُوز دُونهَا . وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقِرَان تَمَتُّع قَوْل اِبْن عُمَر : إِنَّمَا جُعِلَ الْقِرَان لِأَهْلِ الْآفَاق , وَتَلَا قَوْل اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : " ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْله حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام " فَمَنْ كَانَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَتَمَتَّعَ أَوْ قَرَنَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَم قِرَان وَلَا تَمَتُّع . قَالَ مَالِك : وَمَا سَمِعْت أَنَّ مَكِّيًّا قَرَنَ , فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ هَدْي وَلَا صِيَام , وَعَلَى قَوْل مَالِك جُمْهُور الْفُقَهَاء فِي ذَلِكَ , وَقَالَ عَبْد الْمَلِك بْن الْمَاجِشُونِ : إِذَا قَرَنَ الْمَكِّيّ الْحَجّ مَعَ الْعُمْرَة كَانَ عَلَيْهِ دَم الْقِرَان مِنْ أَجْل أَنَّ اللَّه إِنَّمَا أَسْقَطَ عَنْ أَهْل مَكَّة الدَّم وَالصِّيَام فِي التَّمَتُّع . وَالْوَجْه الثَّالِث مِنْ التَّمَتُّع : هُوَ الَّذِي تَوَعَّدَ عَلَيْهِ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَقَالَ : ( مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِب عَلَيْهِمَا : مُتْعَة النِّسَاء وَمُتْعَة الْحَجّ ) وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاء فِي جَوَاز هَذَا بَعْد هَلُمَّ جَرَّا , وَذَلِكَ أَنْ يُحْرِم الرَّجُل بِالْحَجِّ حَتَّى إِذَا دَخَلَ مَكَّة فَسَخَ حَجّه فِي عُمْرَة , ثُمَّ حَلَّ وَأَقَامَ حَلَالًا حَتَّى يُهِلّ بِالْحَجِّ يَوْم التَّرْوِيَة , فَهَذَا هُوَ الْوَجْه الَّذِي تَوَارَدَتْ بِهِ الْآثَار عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابه فِي حَجَّته مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْي وَلَمْ يَسُقْهُ وَقَدْ كَانَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَنْ يَجْعَلهَا عُمْرَة ) وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى تَصْحِيح الْآثَار بِذَلِكَ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَدْفَعُوا شَيْئًا مِنْهَا , إِلَّا أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي الْقَوْل بِهَا وَالْعَمَل لِعِلَلٍ فَجُمْهُورهمْ عَلَى تَرْك الْعَمَل بِهَا ; لِأَنَّهَا عِنْدهمْ خُصُوص خَصَّ بِهَا رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابه فِي حَجَّته تِلْكَ . قَالَ أَبُو ذَرّ : ( كَانَتْ الْمُتْعَة لَنَا فِي الْحَجّ خَاصَّة ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَفِي رِوَايَة عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا تَصْلُح الْمُتْعَتَانِ إِلَّا لَنَا خَاصَّة , يَعْنِي مُتْعَة النِّسَاء وَمُتْعَة الْحَجّ ) وَالْعِلَّة فِي الْخُصُوصِيَّة وَوَجْه الْفَائِدَة فِيهَا مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : ( كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَة فِي أَشْهُر الْحَجّ مِنْ أَفْجَر الْفُجُور فِي الْأَرْض وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّم صَفَرًا وَيَقُولُونَ : إِذَا بَرَأَ الدَّبَر , وَعَفَا الْأَثَر , وَانْسَلَخَ صَفَر , حَلَّتْ الْعُمْرَة لِمَنْ اِعْتَمَرَ , فَقَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه صَبِيحَة رَابِعَة مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ , فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَة , فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدهمْ فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , أَيّ الْحِلّ ؟ قَالَ : ( الْحِلّ كُلّه ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَفِي الْمُسْنَد الصَّحِيح لِأَبِي حَاتِم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( وَاَللَّه مَا أَعْمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَة فِي ذِي الْحَجَّة إِلَّا لِيَقْطَع بِذَلِكَ أَمْر أَهْل الشِّرْك , فَإِنَّ هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْش وَمَنْ دَانَ دِينهمْ كَانُوا يَقُولُونَ : إِذَا عَفَا الْوَبَر , وَبَرَّأَ الدَّبَر , وَانْسَلَخَ صَفَر , حَلَّتْ الْعُمْرَة لِمَنْ اِعْتَمَرَ , فَقَدْ كَانُوا يُحْرِمُونَ الْعُمْرَة حَتَّى يَنْسَلِخ ذُو الْحَجَّة , فَمَا أَعْمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَة إِلَّا لِيُنْقَض ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ ) فَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا فَسَخَ الْحَجّ فِي الْعُمْرَة لِيُرِيَهُمْ أَنَّ الْعُمْرَة فِي أَشْهُر الْحَجّ لَا بَأْس بِهَا , وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ خَاصَّة ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجّ وَالْعُمْرَة كُلّ مَنْ دَخَلَ فِيهَا أَمْرًا مُطْلَقًا , وَلَا يَجِب أَنْ يُخَالِف ظَاهِر كِتَاب اللَّه إِلَّا إِلَى مَا لَا إِشْكَال فِيهِ مِنْ كِتَاب نَاسِخ أَوْ سُنَّة مُبَيَّنَة . وَاحْتَجُّوا بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي ذَرّ وَبِحَدِيثِ الْحَارِث بْن بِلَال عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه , فُسِخَ الْحَجّ لَنَا خَاصَّة أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّة ؟ قَالَ : ( بَلْ لَنَا خَاصَّة ) , وَعَلَى هَذَا جَمَاعَة فُقَهَاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق وَالشَّام , إِلَّا شَيْء يُرْوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَالسُّدِّيّ , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل . قَالَ أَحْمَد : لَا أَرُدّ تِلْكَ الْآثَار الْوَارِدَة الْمُتَوَاتِرَة الصِّحَاح فِي فَسْخ الْحَجّ فِي الْعُمْرَة بِحَدِيثِ الْحَارِث بْن بِلَال عَنْ أَبِيهِ وَبِقَوْلِ أَبِي ذَرّ . قَالَ : وَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَى مَا قَالَ أَبُو ذَرّ , وَلَوْ أَجْمَعُوا كَانَ حُجَّة , قَالَ : وَقَدْ خَالَفَ اِبْن عَبَّاس أَبَا ذَرّ وَلَمْ يَجْعَلهُ خُصُوصًا , وَاحْتَجَّ أَحْمَد بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح , حَدِيث جَابِر الطَّوِيل فِي الْحَجّ , وَفِيهِ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَوْ أَنِّي اِسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اِسْتَدْبَرْت لَمْ أَسُقْ الْهَدْي وَجَعَلْتهَا عُمْرَة ) فَقَامَ سُرَاقَة بْن مَالِك بْن جُعْشُم فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ ؟ فَشَبَّكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابِعه وَاحِدَة فِي الْأُخْرَى وَقَالَ : ( دَخَلَتْ الْعُمْرَة فِي الْحَجّ - مَرَّتَيْنِ - لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَد ) لَفْظ مُسْلِم , وَإِلَى هَذَا وَاَللَّه أَعْلَم مَالَ الْبُخَارِيّ حَيْثُ تَرْجَمَ [ بَاب مَنْ لَبَّى بِالْحَجِّ وَسَمَّاهُ ] وَسَاقَ حَدِيث جَابِر بْن عَبْد اللَّه : قَدِمْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَقُول : لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ , فَأَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَة , وَقَالَ قَوْم : إِنَّ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِحْلَالِ كَانَ عَلَى وَجْه آخَر , وَذَكَرَ مُجَاهِد ذَلِكَ الْوَجْه , وَهُوَ أَنَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانُوا فَرَضُوا الْحَجّ أَوَّلًا , بَلْ أَمَرَهُمْ أَنْ يُهِلُّوا مُطْلَقًا وَيَنْتَظِرُوا مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ , وَكَذَلِكَ أَهَلَّ عَلِيّ بِالْيَمَنِ , وَكَذَلِكَ كَانَ إِحْرَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَوْ اِسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اِسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْي وَجَعَلْتهَا عُمْرَة ) فَكَأَنَّهُ خَرَجَ يَنْتَظِر مَا يُؤْمَر بِهِ وَيَأْمُر أَصْحَابه بِذَلِكَ , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَك وَقَالَ قُلْ حَجَّة فِي عُمْرَة ) . وَالْوَجْه الرَّابِع مِنْ الْمُتْعَة : مُتْعَة الْمُحْصَر وَمَنْ صُدَّ عَنْ الْبَيْت , ذَكَرَ يَعْقُوب بْن شَيْبَة قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَة التَّبُوذَكِيّ حَدَّثَنَا وُهَيْب حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن سُوَيْد قَالَ سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَهُوَ يَخْطُب يَقُول : أَيّهَا النَّاس , إِنَّهُ وَاَللَّه لَيْسَ التَّمَتُّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ كَمَا تَصْنَعُونَ , وَلَكِنْ التَّمَتُّع أَنْ يَخْرُج الرَّجُل حَاجًّا فَيَحْبِسهُ عَدُوّ أَوْ أَمْر يُعْذَر بِهِ حَتَّى تَذْهَب أَيَّام الْحَجّ , فَيَأْتِي الْبَيْت فَيَطُوف وَيَسْعَى بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة , ثُمَّ يَتَمَتَّع بِحِلِّهِ إِلَى الْعَام الْمُسْتَقْبِل ثُمَّ يَحُجّ وَيُهْدِي . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي حُكْم الْمُحْصَر وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مُبَيِّنًا , وَالْحَمْد لِلَّهِ , فَكَانَ مِنْ مَذْهَبه أَنَّ الْمُحْصَر لَا يَحِلّ وَلَكِنَّهُ يَبْقَى عَلَى إِحْرَامه حَتَّى يُذْبَح عَنْهُ الْهَدْي يَوْم النَّحْر , ثُمَّ يَحْلِق وَيَبْقَى عَلَى إِحْرَامه حَتَّى يَقْدَم مَكَّة فَيَتَحَلَّل مِنْ حَجّه بِعَمَلِ عُمْرَة , وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن الزُّبَيْر خِلَاف عُمُوم قَوْله تَعَالَى : " فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " بَعْد قَوْله : " وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ " وَلَمْ يَفْصِل فِي حُكْم الْإِحْصَار بَيْن الْحَجّ وَالْعُمْرَة , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه حِين أُحْصِرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ حَلُّوا وَحَلَّ , وَأَمَرَهُمْ بِالْإِحْلَالِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء أَيْضًا لِمَ سُمِّيَ الْمُتَمَتِّع مُتَمَتِّعًا , فَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : لِأَنَّهُ تَمَتَّعَ بِكُلِّ مَا لَا يَجُوز لِلْمُحْرِمِ فِعْله مِنْ وَقْت حِلّه فِي الْعُمْرَة إِلَى وَقْت إِنْشَائِهِ الْحَجّ . وَقَالَ غَيْره : سُمِّيَ مُتَمَتِّعًا لِأَنَّهُ تَمَتَّعَ بِإِسْقَاطِ أَحَد السَّفَرَيْنِ , وَذَلِكَ أَنَّ حَقّ الْعُمْرَة أَنْ تُقْصَد بِسَفَرٍ , وَحَقّ الْحَجّ كَذَلِكَ , فَلَمَّا تَمَتَّعَ بِإِسْقَاطِ أَحَدهمَا أَلْزَمَهُ اللَّه هَدْيًا , كَالْقَارِنِ الَّذِي يَجْمَع بَيْن الْحَجّ وَالْعُمْرَة فِي سَفَر وَاحِد , وَالْوَجْه الْأَوَّل أَعَمّ , فَإِنَّهُ يَتَمَتَّع بِكُلِّ مَا يَجُوز لِلْحَلَالِ أَنْ يَفْعَلهُ , وَسَقَطَ عَنْهُ السَّفَر بِحَجِّهِ مِنْ بَلَده , وَسَقَطَ عَنْهُ الْإِحْرَام مِنْ مِيقَاته فِي الْحَجّ , وَهَذَا هُوَ الْوَجْه الَّذِي كَرِهَهُ عُمَر وَابْن مَسْعُود , وَقَالَا أَوْ قَالَ أَحَدهمَا : يَأْتِي أَحَدكُمْ مِنًى وَذَكَرَهُ يَقْطر مَنِيًّا , وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَاز هَذَا , وَقَدْ قَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا كَرِهَهُ عُمَر لِأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُزَارَ الْبَيْت فِي الْعَام مَرَّتَيْنِ : مَرَّة فِي الْحَجّ , وَمَرَّة فِي الْعُمْرَة , وَرَأَى الْإِفْرَاد أَفْضَل , فَكَانَ يَأْمُر بِهِ وَيَمِيل إِلَيْهِ وَيَنْهَى عَنْ غَيْره اِسْتِحْبَابًا , وَلِذَلِكَ قَالَ : ( اِفْصِلُوا بَيْن حَجّكُمْ وَعُمْرَتكُمْ , فَإِنَّهُ أَتَمّ لِحَجِّ أَحَدكُمْ وَأَتَمّ لِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِر فِي غَيْر أَشْهُر الْحَجّ ) الرَّابِعَة : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ اِعْتَمَرَ فِي أَشْهُر الْحَجّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَده وَمَنْزِله ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامه , فَقَالَ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء : لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ , وَلَا هَدْي عَلَيْهِ وَلَا صِيَام , وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : هُوَ مُتَمَتِّع وَإِنْ رَجَعَ إِلَى أَهْله , حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجّ . قَالَ لِأَنَّهُ كَانَ يُقَال : عُمْرَة فِي أَشْهُر الْحَجّ مُتْعَة , رَوَاهُ هُشَيْم عَنْ يُونُس عَنْ الْحَسَن , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يُونُس عَنْ الْحَسَن : لَيْسَ عَلَيْهِ هَدْي . وَالصَّحِيح الْقَوْل الْأَوَّل , هَكَذَا ذَكَرَ أَبُو عُمَر " حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجّ " وَلَمْ يَذْكُرهُ اِبْن الْمُنْذِر . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَحَجَّته ظَاهِر الْكِتَاب قَوْل عَزَّ وَجَلَّ : " فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ " وَلَمْ يَسْتَثْنِ : رَاجِعًا إِلَى أَهْله وَغَيْر رَاجِع , وَلَوْ كَانَ لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي ذَلِكَ مُرَاد لَبَيَّنَهُ فِي كِتَابه أَوْ عَلَى لِسَان رَسُوله اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب مِثْل قَوْل الْحَسَن . قَالَ أَبُو عُمَر : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَن أَيْضًا فِي هَذَا الْبَاب قَوْل لَمْ يُتَابَع عَلَيْهِ أَيْضًا , وَلَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحَد مِنْ أَهْل الْعِلْم , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ اِعْتَمَرَ بَعْد يَوْم النَّحْر فَهِيَ مُتْعَة , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُس قَوْلَانِ هُمَا أَشَدّ شُذُوذًا مِمَّا ذَكَرْنَا عَنْ الْحَسَن , أَحَدهمَا : أَنَّ مَنْ اِعْتَمَرَ فِي غَيْر أَشْهُر الْحَجّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى دَخَلَ وَقْت الْحَجّ , ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامه أَنَّهُ مُتَمَتِّع . هَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء غَيْره , وَلَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحَد مِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار , وَذَلِكَ - وَاَللَّه أَعْلَم - أَنَّ شُهُور الْحَجّ أَحَقّ بِالْحَجِّ مِنْ الْعُمْرَة ; لِأَنَّ الْعُمْرَة جَائِزَة فِي السَّنَة كُلّهَا , وَالْحَجّ إِنَّمَا مَوْضِعه شُهُور مَعْلُومَة , فَإِذَا جَعَلَ أَحَد الْعُمْرَة فِي أَشْهُر الْحَجّ فَقَدْ جَعَلَهَا فِي مَوْضِع كَانَ الْحَجّ أَوْلَى بِهِ , إِلَّا أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ رَخَّصَ فِي كِتَابه وَعَلَى لِسَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَمَل الْعُمْرَة فِي أَشْهُر الْحَجّ لِلْمُتَمَتِّعِ وَلِلْقَارِنِ وَلِمَنْ شَاءَ أَنْ يُفْرِدهَا , رَحْمَة مِنْهُ , وَجَعَلَ فِيهِ مَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي , وَالْوَجْه الْآخَر قَالَهُ فِي الْمَكِّيّ إِذَا تَمَتَّعَ مِنْ مِصْر مِنْ الْأَمْصَار فَعَلَيْهِ الْهَدْي , وَهَذَا لَمْ يُعَرَّج عَلَيْهِ , لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى : " ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْله حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام " وَالتَّمَتُّع الْجَائِز عِنْد جَمَاعَة الْعُلَمَاء مَا أَوْضَحْنَاهُ بِالشَّرَائِطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا , وَبِاَللَّهِ تَوْفِيقنَا . الْخَامِسَة : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ رَجُلًا مِنْ غَيْر أَهْل مَكَّة لَوْ قَدِمَ مَكَّة مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُر الْحَجّ عَازِمًا عَلَى الْإِقَامَة بِهَا ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجّ مِنْ عَامه فَحَجَّ أَنَّهُ مُتَمَتِّع , عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُتَمَتِّع , وَأَجْمَعُوا فِي الْمَكِّيّ يَجِيء مِنْ وَرَاء الْمِيقَات مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ , ثُمَّ يُنْشِئ الْحَجّ مِنْ مَكَّة وَأَهْله بِمَكَّة وَلَمْ يَسْكُن سِوَاهَا أَنَّهُ لَا دَم عَلَيْهِ , وَكَذَلِكَ إِذَا سَكَنَ غَيْرهَا وَسَكَنَهَا وَكَانَ لَهُ فِيهَا أَهْل وَفِي غَيْرهَا , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ اِنْتَقَلَ مِنْ مَكَّة بِأَهْلِهِ ثُمَّ قَدِمَهَا فِي أَشْهُر الْحَجّ مُعْتَمِرًا فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامه أَنَّهُ مُتَمَتِّع . السَّادِسَة : وَاتَّفَقَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمْ وَالثَّوْرِيّ وَأَبُو ثَوْر عَلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّع يَطُوف لِعُمْرَتِهِ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة , وَعَلَيْهِ بَعْد أَيْضًا طَوَاف آخَر لِحَجِّهِ وَسَعْي بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة , وَرُوِيَ عَنْ عَطَاء وَطَاوُس أَنَّهُ يَكْفِيه سَعْي وَاحِد بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة , وَالْأَوَّل الْمَشْهُور , وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور , وَأَمَّا طَوَاف الْقَارِن فَقَدْ تَقَدَّمَ . السَّابِعَة : وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَنْشَأَ عُمْرَة فِي غَيْر أَشْهُر الْحَجّ ثُمَّ عَمِلَ لَهَا فِي أَشْهُر الْحَجّ , فَقَالَ مَالِك : عُمْرَته فِي الشَّهْر الَّذِي حَلَّ فِيهِ , يُرِيد إِنْ كَانَ حَلَّ مِنْهَا فِي غَيْر أَشْهُر الْحَجّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ , وَإِنْ كَانَ حَلَّ مِنْهَا فِي أَشْهُر الْحَجّ فَهُوَ مُتَمَتِّع إِنْ حَجَّ مِنْ عَامه , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ فِي الْأَشْهُر الْحُرُم لِلْعُمْرَةِ فَهُوَ مُتَمَتِّع إِنْ حَجَّ مِنْ عَامه , وَذَلِكَ أَنَّ الْعُمْرَة إِنَّمَا تَكْمُل بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ , وَإِنَّمَا يُنْظَر إِلَى كَمَالِهَا , وَهُوَ قَوْل الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَة وَابْن شُبْرُمَة وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ , وَقَالَ قَتَادَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق : عُمْرَته لِلشَّهْرِ الَّذِي أَهَلَّ فِيهِ , وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه , وَقَالَ طَاوُس : عُمْرَته لِلشَّهْرِ الَّذِي يَدْخُل فِيهِ الْحَرَم , وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي : إِنْ طَافَ لَهَا ثَلَاثَة أَشْوَاط فِي رَمَضَان , وَأَرْبَعَة أَشْوَاط فِي شَوَّال فَحَجَّ مِنْ عَامه أَنَّهُ مُتَمَتِّع , وَإِنْ طَافَ فِي رَمَضَان أَرْبَعَة أَشْوَاط , وَفِي شَوَّال ثَلَاثَة أَشْوَاط لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا , وَقَالَ أَبُو ثَوْر : إِذَا دَخَلَ فِي الْعُمْرَة فِي غَيْر أَشْهُر الْحَجّ فَسَوَاء أَطَافَ لَهَا فِي رَمَضَان أَوْ فِي شَوَّال لَا يَكُون بِهَذِهِ الْعُمْرَة مُتَمَتِّعًا , وَهُوَ مَعْنَى قَوْل أَحْمَد وَإِسْحَاق : عُمْرَته لِلشَّهْرِ الَّذِي أَهَلَّ فِيهِ . الثَّامِنَة : أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ لِمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُر الْحَجّ أَنْ يَدْخُل عَلَيْهَا الْحَجّ مَا لَمْ يَفْتَتِح الطَّوَاف بِالْبَيْتِ , وَيَكُون قَارِنًا بِذَلِكَ , يَلْزَمهُ مَا يَلْزَم الْقَارِن الَّذِي أَنْشَأَ الْحَجّ وَالْعُمْرَة مَعًا . وَاخْتَلَفُوا فِي إِدْخَال الْحَجّ عَلَى الْعُمْرَة بَعْد أَنْ اِفْتَتَحَ الطَّوَاف , فَقَالَ مَالِك : يَلْزَمهُ ذَلِكَ وَيَصِير قَارِنًا مَا لَمْ يُتِمّ طَوَافه , وَرُوِيَ مِثْله عَنْ أَبِي حَنِيفَة , وَالْمَشْهُور عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوز إِلَّا قَبْل الْأَخْذ فِي الطَّوَاف , وَقَدْ قِيلَ : لَهُ أَنْ يُدْخِل الْحَجّ عَلَى الْعُمْرَة مَا لَمْ يَرْكَع رَكْعَتَيْ الطَّوَاف , وَكُلّ ذَلِكَ قَوْل مَالِك وَأَصْحَابه , فَإِذَا طَافَ الْمُعْتَمِر شَوْطًا وَاحِدًا لِعُمْرَتِهِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ صَارَ قَارِنًا , وَسَقَطَ عَنْهُ بَاقِي عُمْرَته وَلَزِمَهُ دَم الْقِرَان , وَكَذَلِكَ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي أَضْعَاف طَوَافه أَوْ بَعْد فَرَاغه مِنْهُ قَبْل رُكُوعه , وَقَالَ بَعْضهمْ : لَهُ أَنْ يُدْخِل الْحَجّ عَلَى الْعُمْرَة مَا لَمْ يُكْمِل السَّعْي بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة . قَالَ أَبُو عُمَر : وَهَذَا كُلّه شُذُوذ عِنْد أَهْل الْعِلْم , وَقَالَ أَشْهَب : إِذَا طَافَ لِعُمْرَتِهِ شَوْطًا وَاحِدًا لَمْ يَلْزَمهُ الْإِحْرَام بِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَارِنًا , وَمَضَى عَلَى عُمْرَته حَتَّى يُتِمّهَا ثُمَّ يُحْرِم بِالْحَجِّ , وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ وَعَطَاء , وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْر . التَّاسِعَة : وَاخْتَلَفُوا فِي إِدْخَال الْعُمْرَة عَلَى الْحَجّ , فَقَالَ مَالِك وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق : لَا تَدْخُل الْعُمْرَة عَلَى الْحَجّ , وَمَنْ أَضَافَ الْعُمْرَة إِلَى الْحَجّ فَلَيْسَتْ الْعُمْرَة بِشَيْءٍ , قَالَهُ مَالِك , وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ , وَهُوَ الْمَشْهُور عَنْهُ بِمِصْر , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم : يَصِير قَارِنًا , وَيَكُون عَلَيْهِ مَا عَلَى الْقَارِن مَا لَمْ يَطُفْ بِحَجَّتِهِ شَوْطًا وَاحِدًا , فَإِنْ طَافَ لَمْ يَلْزَمهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ فِي الْحَجّ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَبِقَوْلِ مَالِك أَقُول فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة . الْعَاشِرَة : قَالَ مَالِك : مَنْ أَهْدَى هَدْيًا لِلْعُمْرَةِ وَهُوَ مُتَمَتِّع لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ , وَعَلَيْهِ هَدْي آخَر لِمُتْعَتِهِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِير مُتَمَتِّعًا إِذَا أَنْشَأَ الْحَجّ بَعْد أَنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَته , وَحِينَئِذٍ يَجِب عَلَيْهِ الْهَدْي , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق : لَا يَنْحَر هَدْيه إِلَّا يَوْم النَّحْر , وَقَالَ أَحْمَد : إِنْ قَدِمَ الْمُتَمَتِّع قَبْل الْعَشْر طَافَ وَسَعَى وَنَحَرَ هَدْيه , وَإِنْ قَدِمَ فِي الْعَشْر لَمْ يَنْحَر إِلَّا يَوْم النَّحْر , وَقَالَهُ عَطَاء , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَحِلّ مِنْ عُمْرَته إِذَا طَافَ وَسَعَى , سَاقَ هَدْيًا أَوْ لَمْ يَسُقْهُ . الْحَادِيَة عَشْرَة : وَاخْتَلَفَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي الْمُتَمَتِّع يَمُوت , فَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَجَبَ عَلَيْهِ دَم الْمُتْعَة إِذَا كَانَ وَاجِدًا لِذَلِكَ , حَكَاهُ الزَّعْفَرَانِيّ عَنْهُ , وَرَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُتَمَتِّع يَمُوت بَعْد مَا يُحْرِم بِالْحَجِّ بِعَرَفَة أَوْ غَيْرهَا , أَتَرَى عَلَيْهِ هَدْيًا ؟ قَالَ : مَنْ مَاتَ مِنْ أُولَئِكَ قَبْل أَنْ يَرْمِي جَمْرَة الْعَقَبَة فَلَا أَرَى عَلَيْهِ هَدْيًا , وَمَنْ رَمَى الْجَمْرَة ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ الْهَدْي . قِيلَ لَهُ : مِنْ رَأْس الْمَال أَوْ مِنْ الثُّلُث ؟ قَالَ : بَلْ مِنْ رَأْس الْمَال . " مَا " فِي مَوْضِع رَفْع , أَيْ فَالْوَاجِب أَوْ فَعَلَيْكُمْ مَا اِسْتَيْسَرَ . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ فَانْحَرُوا أَوْ فَاهْدُوا . و " مَا اِسْتَيْسَرَ " عِنْد جُمْهُور أَهْل الْعِلْم شَاة , وَقَالَ اِبْن عُمَر وَعَائِشَة وَابْن الزُّبَيْر : " مَا اِسْتَيْسَرَ " جَمَل دُون جَمَل , وَبَقَرَة دُون بَقَرَة لَا يَكُون مِنْ غَيْرهمَا , وَقَالَ الْحَسَن : أَعْلَى الْهَدْي بَدَنَة , وَأَوْسَطه بَقَرَة , وَأَخَسّه شَاة , وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِك مِنْ أَنَّ الْمُحْصَر بِعَدُوٍّ لَا يَجِب عَلَيْهِ الْقَضَاء , لِقَوْلِهِ : " فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي " وَلَمْ يَذْكُر قَضَاء , وَاَللَّه أَعْلَم . " مِنْ الْهَدْي " الْهَدْي وَالْهَدِيّ لُغَتَانِ , وَهُوَ مَا يُهْدَى إِلَى بَيْت اللَّه مِنْ بَدَنَة أَوْ غَيْرهَا , وَالْعَرَب تَقُول : كَمْ هَدِيّ بَنِي فُلَان , أَيْ كَمْ إِبِلهمْ , وَقَالَ أَبُو بَكْر : سُمِّيَتْ هَدْيًا لِأَنَّ مِنْهَا مَا يُهْدَى إِلَى بَيْت اللَّه , فَسُمِّيَتْ بِمَا يَلْحَق بَعْضهَا , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْف مَا عَلَى الْمُحْصَنَات مِنْ الْعَذَاب " [ النِّسَاء : 25 ] . أَرَادَ فَإِنْ زَنَى الْإِمَاء فَعَلَى الْأَمَة مِنْهُنَّ إِذَا زَنَتْ نِصْف مَا عَلَى الْحُرَّة الْبِكْر إِذَا زَنَتْ , فَذَكَرَ اللَّه الْمُحْصَنَات وَهُوَ يُرِيد الْأَبْكَار ; لِأَنَّ الْإِحْصَان يَكُون فِي أَكْثَرهنَّ فَسُمِّينَ بِأَمْرٍ يُوجَد فِي بَعْضهنَّ , وَالْمُحْصَنَة مِنْ الْحَرَائِر هِيَ ذَات الزَّوْج , يَجِب عَلَيْهَا الرَّجْم إِذَا زَنَتْ , وَالرَّجْم لَا يَتَبَعَّض , فَيَكُون عَلَى الْأَمَة نِصْفه , فَانْكَشَفَ بِهَذَا أَنَّ الْمُحْصَنَات يُرَاد بِهِنَّ الْأَبْكَار لَا أُولَات الْأَزْوَاج . وَقَالَ الْفَرَّاء : أَهْل الْحِجَاز وَبَنُو أَسَد يُخَفِّفُونَ الْهَدْي , قَالَ : وَتَمِيم وَسُفْلَى قَيْس يُثَقِّلُونَ فَيَقُولُونَ : هَدْي . قَالَ الشَّاعِر : حَلَفْت بِرَبِّ مَكَّة وَالْمُصَلَّى وَأَعْنَاق الْهَدْي مُقَلَّدَات قَالَ : وَوَاحِد الْهَدْي هَدْيَة , وَيُقَال فِي جَمْع الْهَدْي : أَهْدَاء . " فَمَنْ لَمْ يَجِد " يَعْنِي الْهَدْي , إِمَّا لِعَدَمِ الْمَال أَوْ لِعَدَمِ الْحَيَوَان , صَامَ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَده , وَالثَّلَاثَة الْأَيَّام فِي الْحَجّ آخِرهَا يَوْم عَرَفَة , هَذَا قَوْل طَاوُس , وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيّ وَعَطَاء وَمُجَاهِد وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعَلْقَمَة وَعَمْرو بْن دِينَار وَأَصْحَاب الرَّأْي , حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر . وَحَكَى أَبُو ثَوْر عَنْ أَبِي حَنِيفَة يَصُومهَا فِي إِحْرَامه بِالْعُمْرَةِ ; لِأَنَّهُ أَحَد إِحْرَامَيْ التَّمَتُّع , فَجَازَ صَوْم الْأَيَّام فِيهِ كَإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة أَيْضًا وَأَصْحَابه : يَصُوم قَبْل يَوْم التَّرْوِيَة يَوْمًا , وَيَوْم التَّرْوِيَة وَيَوْم عَرَفَة , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَمَالِك بْن أَنَس : لَهُ أَنْ يَصُومهَا مُنْذُ يُحْرِم بِالْحَجِّ إِلَى يَوْم النَّحْر ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ " فَإِذَا صَامَهَا فِي الْعُمْرَة فَقَدْ أَتَاهُ قَبْل وَقْته فَلَمْ يُجْزِهِ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل : يَصُومهُنَّ مَا بَيْن أَنْ يُهِلّ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْم عَرَفَة , وَهُوَ قَوْل اِبْن عُمَر وَعَائِشَة , وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِك , وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْله فِي مُوَطَّئِهِ , لِيَكُونَ يَوْم عَرَفَة مُفْطِرًا , فَذَلِكَ أَتْبَع لِلسُّنَّةِ , وَأَقْوَى عَلَى الْعِبَادَة , وَسَيَأْتِي , وَعَنْ أَحْمَد أَيْضًا : جَائِز أَنْ يَصُوم الثَّلَاثَة قَبْل أَنْ يُحْرِم , وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ : يَصُومهُنَّ مِنْ أَوَّل أَيَّام الْعَشْر , وَبِهِ قَالَ عَطَاء , وَقَالَ عُرْوَة : يَصُومهَا مَا دَامَ بِمَكَّة فِي أَيَّام مِنًى , وَقَالَهُ أَيْضًا مَالِك وَجَمَاعَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة . وَأَيَّام مِنًى هِيَ أَيَّام التَّشْرِيق الثَّلَاثَة الَّتِي تَلِي يَوْم النَّحْر . رَوَى مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُول : " الصِّيَام لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ لِمَنْ لَمْ يَجِد هَدْيًا مَا بَيْن أَنْ يُهِلّ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْم عَرَفَة , فَإِنْ لَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّام مِنًى " , وَهَذَا اللَّفْظ يَقْتَضِي صِحَّة الصَّوْم مِنْ وَقْت يُحْرِم بِالْحَجِّ الْمُتَمَتِّع إِلَى يَوْم عَرَفَة , وَأَنَّ ذَلِكَ مَبْدَأ , إِمَّا لِأَنَّهُ وَقْت الْأَدَاء وَمَا بَعْد ذَلِكَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَيَّام مِنًى وَقْت الْقَضَاء , عَلَى مَا يَقُولهُ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ , وَإِمَّا لِأَنَّ فِي تَقْدِيم الصِّيَام قَبْل يَوْم النَّحْر إِبْرَاء لِلذِّمَّةِ , وَذَلِكَ مَأْمُور بِهِ . وَالْأَظْهَر مِنْ الْمَذْهَب أَنَّهَا عَلَى وَجْه الْأَدَاء , وَإِنْ كَانَ الصَّوْم قَبْلهَا أَفْضَل , كَوَقْتِ الصَّلَاة الَّذِي فِيهِ سَعَة لِلْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ أَوَّله أَفْضَل مِنْ آخِره , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَأَنَّهَا أَدَاء لَا قَضَاء , فَإِنَّ قَوْله : " أَيَّام فِي الْحَجّ " يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد مَوْضِع الْحَجّ وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد أَيَّام الْحَجّ , فَإِنْ كَانَ الْمُرَاد أَيَّام الْحَجّ فَهَذَا الْقَوْل صَحِيح ; لِأَنَّ آخِر أَيَّام الْحَجّ يَوْم النَّحْر , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون آخِر أَيَّام الْحَجّ أَيَّام الرَّمْي ; لِأَنَّ الرَّمْي عَمَل مِنْ عَمَل الْحَجّ خَالِصًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَرْكَانه , وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد مَوْضِع الْحَجّ صَامَهُ مَا دَامَ بِمَكَّة فِي أَيَّام مِنًى , كَمَا قَالَ عُرْوَة , وَيَقْوَى جِدًّا , وَقَدْ قَالَ قَوْم : لَهُ أَنْ يُؤَخِّرهَا اِبْتِدَاء إِلَى أَيَّام التَّشْرِيق ; لِأَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِ الصِّيَام إِلَّا بِأَلَّا يَجِد الْهَدْي يَوْم النَّحْر , فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْمَدِينَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد وَعَلَيْهِ أَكْثَر أَصْحَابه إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز صَوْم أَيَّام التَّشْرِيق لِنَهْيِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَام أَيَّام مِنًى , قِيلَ لَهُ : إِنْ ثَبَتَ النَّهْي فَهُوَ عَامّ يُخَصَّص مِنْهُ الْمُتَمَتِّع بِمَا ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيّ أَنَّ عَائِشَة كَانَتْ تَصُومهَا , وَعَنْ اِبْن عُمَر وَعَائِشَة قَالَا : لَمْ يُرَخَّص فِي أَيَّام التَّشْرِيق أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِد الْهَدْي , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِسْنَاده صَحِيح , وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا عَنْ اِبْن عُمَر وَعَائِشَة مِنْ طُرُق ثَلَاثَة ضَعَّفَهَا , وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِي صَوْمهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَيَّامه إِلَّا بِمِقْدَارِهَا , وَبِذَلِكَ يَتَحَقَّق وُجُوب الصَّوْم لِعَدَمِ الْهَدْي . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَقَدْ رُوِينَا عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب أَنَّهُ قَالَ : إِذَا فَاتَهُ الصَّوْم صَامَ بَعْد أَيَّام التَّشْرِيق , وَقَالَ الْحَسَن وَعَطَاء . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَكَذَلِكَ نَقُول , وَقَالَتْ طَائِفَة : إِذَا فَاتَهُ الصَّوْم فِي الْعَشْر لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا الْهَدْي . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَطَاوُس وَمُجَاهِد , وَحَكَاهُ أَبُو عُمَر عَنْ أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه عَنْهُ , فَتَأَمَّلْهُ . أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الصَّوْم لَا سَبِيل لِلْمُتَمَتِّعِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ يَجِد الْهَدْي , وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا كَانَ غَيْر وَاجِد لِلْهَدْيِ فَصَامَ ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْي قَبْل إِكْمَال صَوْمه , فَذَكَرَ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك قَالَ : إِذَا دَخَلَ فِي الصَّوْم ثُمَّ وَجَدَ هَدْيًا فَأَحَبّ إِلَيَّ أَنْ يُهْدِي , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل أَجْزَاهُ الصِّيَام , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَمْضِي فِي صَوْمه وَهُوَ فَرْضه , وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو ثَوْر , وَهُوَ قَوْل الْحَسَن وَقَتَادَة , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِذَا أَيْسَرَ فِي الْيَوْم الثَّالِث مِنْ صَوْمه بَطَلَ الصَّوْم وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْي , وَإِنْ صَامَ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ ثُمَّ أَيْسَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَصُوم السَّبْعَة الْأَيَّام لَا يَرْجِع إِلَى الْهَدْي , وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ وَابْن أَبِي نَجِيح وَحَمَّاد . قِرَاءَة الْجُمْهُور بِالْخَفْضِ عَلَى الْعَطْف , وَقَرَأَ زَيْد بْن عَلِيّ " وَسَبْعَة " بِالنَّصْبِ , عَلَى مَعْنَى : وَصُومُوا سَبْعَة . يَعْنِي إِلَى بِلَادكُمْ , قَالَ اِبْن عُمَر وَقَتَادَة وَالرَّبِيع وَمُجَاهِد وَعَطَاء , وَقَالَهُ مَالِك فِي كِتَاب مُحَمَّد , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ . قَالَ قَتَادَة وَالرَّبِيع : هَذِهِ رُخْصَة مِنْ اللَّه تَعَالَى , فَلَا يَجِب عَلَى أَحَد صَوْم السَّبْعَة إِلَّا إِذَا وَصَلَ وَطَنه , إِلَّا أَنْ يَتَشَدَّد أَحَد , كَمَا يَفْعَل مَنْ يَصُوم فِي السَّفَر فِي رَمَضَان , وَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق : يُجْزِيه الصَّوْم فِي الطَّرِيق , وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَعَطَاء . قَالَ مُجَاهِد : إِنْ شَاءَ صَامَهَا فِي الطَّرِيق , إِنَّمَا هِيَ رُخْصَة , وَكَذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَة وَالْحَسَن . وَالتَّقْدِير عِنْد بَعْض أَهْل اللُّغَة : إِذَا رَجَعْتُمْ مِنْ الْحَجّ , أَيْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْل الْإِحْرَام مِنْ الْحِلّ , وَقَالَ مَالِك فِي الْكِتَاب : إِذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى فَلَا بَأْس أَنْ يَصُوم وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنْ كَانَ تَخْفِيفًا وَرُخْصَة فَيَجُوز تَقْدِيم الرُّخَص وَتَرْك الرِّفْق فِيهَا إِلَى الْعَزِيمَة إِجْمَاعًا . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَوْقِيتًا فَلَيْسَ فِيهِ نَصّ , وَلَا ظَاهِر أَنَّهُ أَرَادَ الْبِلَاد , وَأَنَّهَا الْمُرَاد فِي الْأَغْلَب . قُلْت : بَلْ فِيهِ ظَاهِر يَقْرُب إِلَى النَّصّ , يُبَيِّنهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : تَمَتَّعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ وَأَهْدَى , فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْي مِنْ ذِي الْحُلَيْفَة , وَبَدَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ , وَتَمَتَّعَ النَّاس مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ , فَكَانَ مِنْ النَّاس مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْي , وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ , فَلَمَّا قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة قَالَ لِلنَّاسِ : ( مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلّ مِنْ شَيْء حُرِمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِي حَجّه وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَة وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ فَمَنْ لَمْ يَجِد هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْله ) الْحَدِيث , وَهَذَا كَالنَّصِّ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوز صَوْم السَّبْعَة الْأَيَّام إِلَّا فِي أَهْله وَبَلَده , وَاَللَّه أَعْلَم , وَكَذَا قَالَ الْبُخَارِيّ فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس : ( ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّة التَّرْوِيَة أَنْ نُهِلّ بِالْحَجِّ فَإِذَا فَرَغْنَا مِنْ الْمَنَاسِك جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَة وَقَدْ تَمَّ حَجّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْي , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَمْصَاركُمْ [ الْبَقَرَة 196 ] . .. ) الْحَدِيث وَسَيَأْتِي . قَالَ النَّحَّاس : وَكَانَ هَذَا إِجْمَاعًا . يُقَال : كَمَلَ يَكْمُل , مِثْل نَصَرَ يَنْصُر , وَكَمُلَ يَكْمُل , مِثْل عَظُمَ يَعْظُم , وَكَمِلَ يَكْمَل , مِثْل حَمِدَ يَحْمَد , ثَلَاث لُغَات , وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْله : " تِلْكَ عَشَرَة " وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهَا عَشَرَة , فَقَالَ الزَّجَّاج : لَمَّا جَازَ أَنْ يَتَوَهَّم مُتَوَهِّم التَّخْيِير بَيْن ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ أَوْ سَبْعَة إِذَا رَجَعَ بَدَلًا مِنْهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَسَبْعَة أُخْرَى - أُزِيلَ ذَلِكَ بِالْجُمْلَةِ مِنْ قَوْله " تِلْكَ عَشَرَة " ثُمَّ قَالَ : " كَامِلَة " , وَقَالَ الْحَسَن : " كَامِلَة " فِي الثَّوَاب كَمَنْ أَهْدَى , وَقِيلَ : " كَامِلَة " فِي الْبَدَل عَنْ الْهَدْي , يَعْنِي الْعَشَرَة كُلّهَا بَدَل عَنْ الْهَدْي , وَقِيلَ : " كَامِلَة " فِي الثَّوَاب كَمَنْ لَمْ يَتَمَتَّع , وَقِيلَ : لَفْظهَا لَفْظ الْإِخْبَار وَمَعْنَاهَا الْأَمْر , أَيْ أَكْمِلُوهَا فَذَلِكَ فَرْضهَا , وَقَالَ الْمُبَرِّد : " عَشَرَة " دَلَالَة عَلَى اِنْقِضَاء الْعَدَد , لِئَلَّا يَتَوَهَّم مُتَوَهِّم أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْء بَعْد ذِكْر السَّبْعَة , وَقِيلَ : هُوَ تَوْكِيد , كَمَا تَقُول : كَتَبْت بِيَدَيَّ , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : ثَلَاث وَاثْنَتَانِ فَهُنَّ خَمْس وَسَادِسَة تَمِيل إِلَى شِمَامِي فَقَوْله " خَمْس " تَأْكِيد , وَمِثْله قَوْل الْآخَر : ثَلَاث بِالْغَدَاةِ فَذَاكَ حَسْي وَسِتّ حِين يُدْرِكنِي الْعِشَاء فَذَلِكَ تِسْعَة فِي الْيَوْم رَيِّي وَشُرْب الْمَرْء فَوْق الرَّيّ دَاء وَقَوْله " كَامِلَة " تَأْكِيد آخَر , فِيهِ زِيَادَة تَوْصِيَة بِصِيَامِهَا وَأَلَّا يَنْقُص مِنْ عَدَدهَا , كَمَا تَقُول لِمَنْ تَأْمُرهُ بِأَمْرٍ ذِي بَال : اللَّه اللَّه لَا تُقَصِّر . أَيْ إِنَّمَا يَجِب دَم التَّمَتُّع عَنْ الْغَرِيب الَّذِي لَيْسَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام . خَرَّجَ الْبُخَارِيّ " عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَة الْحَجّ فَقَالَ : أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار وَأَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع وَأَهْلَلْنَا , فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّة قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِجْعَلُوا إِهْلَالكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَة إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْي ) طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَة وَأَتَيْنَا النِّسَاء وَلَبِسْنَا الثِّيَاب , وَقَالَ : ( مَنْ قَلَّدَ الْهَدْي فَإِنَّهُ لَا يَحِلّ حَتَّى يَبْلُغ الْهَدْي مَحِلّه ) ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّة التَّرْوِيَة أَنْ نُهِلّ بِالْحَجِّ , فَإِذَا فَرَغْنَا مِنْ الْمَنَاسِك جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَة فَقَدْ تَمَّ حَجّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْي , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَجّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ " إِلَى أَمْصَاركُمْ , الشَّاة تُجْزِي , فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَام بَيْن الْحَجّ وَالْعُمْرَة فَإِنَّ اللَّه أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه وَسُنَّة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْر أَهْل مَكَّة , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْله حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام " وَأَشْهُر الْحَجّ الَّتِي ذَكَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ شَوَّال وَذُو الْقَعْدَة وَذُو الْحَجَّة , فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الْأَشْهُر فَعَلَيْهِ دَم أَوْ صَوْم , وَالرَّفَث : الْجِمَاع وَالْفُسُوق : الْمَعَاصِي , وَالْجِدَال : الْمِرَاء . اللَّام فِي قَوْله " لِمَنْ " بِمَعْنَى عَلَى , أَيْ وُجُوب الدَّم عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل مَكَّة , كَقَوْلِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( اِشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاء ) , وَقَوْله تَعَالَى : " وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا " [ الْإِسْرَاء : 7 ] أَيْ فَعَلَيْهَا , وَذَلِكَ إِشَارَة إِلَى التَّمَتُّع وَالْقِرَان لِلْغَرِيبِ عِنْد أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه , لَا مُتْعَة وَلَا قِرَان لِحَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام عِنْدهمْ . وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ دَم جِنَايَة لَا يَأْكُل مِنْهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمِ تَمَتُّع . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَهُمْ دَم تَمَتُّع وَقِرَان , وَالْإِشَارَة تَرْجِع إِلَى الْهَدْي وَالصِّيَام , فَلَا هَدْي وَلَا صِيَام عَلَيْهِمْ , وَفَرَّقَ عَبْد الْمَلِك بْن الْمَاجِشُونِ بَيْن التَّمَتُّع وَالْقِرَان , فَأَوْجَبَ الدَّم فِي الْقِرَان وَأَسْقَطَهُ فِي التَّمَتُّع , عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ . وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام - بَعْد الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ أَهْل مَكَّة وَمَا اِتَّصَلَ بِهَا مِنْ حَاضِرِيهِ , وَقَالَ الطَّبَرِيّ : بَعْد الْإِجْمَاع عَلَى أَهْل الْحَرَم . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَلَيْسَ كَمَا قَالَ - فَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : مَنْ كَانَ يَجِب عَلَيْهِ الْجُمُعَة فَهُوَ حَضَرِيّ , وَمَنْ كَانَ أَبْعَد مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَدْوِيّ , فَجَعَلَ اللَّفْظَة مِنْ الْحَضَارَة وَالْبَدَاوَة , وَقَالَ مَالِك وَأَصْحَابه هُمْ أَهْل مَكَّة وَمَا اِتَّصَلَ بِهَا خَاصَّة , وَعِنْد أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه : هُمْ أَهْل الْمَوَاقِيت وَمَنْ وَرَاءَهَا مِنْ كُلّ نَاحِيَة , فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْمَوَاقِيت أَوْ مِنْ أَهْل مَا وَرَاءَهَا فَهُمْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام . وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه : هُمْ مَنْ لَا يَلْزَمهُ تَقْصِير الصَّلَاة مِنْ مَوْضِعه إِلَى مَكَّة , وَذَلِكَ أَقْرَب الْمَوَاقِيت , وَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَال مَذَاهِب السَّلَف فِي تَأْوِيل الْآيَة . أَيْ فِيمَا فَرَضَهُ عَلَيْكُمْ , وَقِيلَ : هُوَ أَمْر بِالتَّقْوَى عَلَى الْعُمُوم , وَتَحْذِير مِنْ شِدَّة عِقَابه .
| أَوۡ | هذا شَبَهُ فريقٍ آخرَ من المنافقين الذين يَظْهَرُ لهم الحقُّ تارةً، ويَشُكُّون فيه تارة. |
|---|---|
| مَن كَانَ | هم اليهودُ الزاعمون أنَّ جبريلَ عَدُوٌّ لهم. |
| وَأَتِمُّوا۟ | أدُّوهما تامَّيْنِ من غيرِ مَحْظورٍ. |
| أُحۡصِرۡتُمۡ | حَبَسَكم حابِسٌ عن إتمامِهما بعد الإحرام بِهما. |
| فَمَا ٱسۡتَیۡسَرَ | فعليكم ذَبْحُ ما تَيَسَّرَ. |
| ٱلۡهَدۡیِۖ | ما يُهدَىٰ إلى البيت من الإبِلِ، أو البقر، أو الغنمِ. |
| وَلَا تَحۡلِقُوا۟ رُءُوسَكُمۡ | لا تُحِلُّوا من الإحرام بالَحلْقِ إن كنتم مُحْصَرِين. |
| مَحِلَّهُۥۚ | الموضع الذي حُصِرْتُم فيه. |
| أَوۡ نُسُكࣲۚ | أو ذبيحةٍ، وهي شاة لفقراءِ الحرمِ. |
| أَمِنتُمۡ | كنتم في أَمْنٍ وصحةٍ. |
| تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ | أحرمَ بعُمْرَةٍ، ثم أقامَ حلالاً بمكةَ إلى أن يُحْرِمَ بالحجِّ. |
| ذَ ٰلِكَ | أي بالهَدْيِ وما تَرَتَّبَ عليه من الصِّيامِ. |
| حَاضِرِی ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ | ساكنِي أرضِ الحَرمِ. |
| أَذࣰى | التطاولَ على المُعْطَى. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian