سورة البقرة الآية ٢٣٠
سورة البقرة الآية ٢٣٠
فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَیۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِمَاۤ أَن یَتَرَاجَعَاۤ إِن ظَنَّاۤ أَن یُقِیمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ یُبَیِّنُهَا لِقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ ﴿٢٣٠﴾
تفسير السعدي
يقول تعالى: " فَإِنْ طَلَّقَهَا " أي: الطلقة الثالثة " فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ " أي: نكاحا صحيحا ويطأها, لأن النكاح الشرعي لا يكون صحيحا, ويدخل فبه العقد والوطء, وهذا بالاتفاق. ويتعين أن يكون نكاح الثاني, نكاح رغبة. فإن قصد به تحليلها للأول, فليس بنكاح, ولا يفيد التحليل. ولا يفيد وطء السيد, لأنه ليس بزوج. فإذا تزوجها الثاني راغبا ووطئها, ثم فارقها وانقضت عدتها " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا " أي: على الزوج الأول والزوجة " أَنْ يَتَرَاجَعَا " أي: يجددا عقدا جديدا بينهما, لإضافته التراجع إليهما, فدل على اعتبار التراضي. ولكن يشترط في التراجع أن يظنا " أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ " بأن يقوم كل منهما, بحق صاحبه. وذلك إذا ندما على عشرتهما السابقة الموجبة للفراق, وعزما أن يبدلاها بعشرة حسنة, فهنا لا جناح عليهما في التراجع. ومفهوم الآية الكريمة, أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله, بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية, والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحا, لأن جميع الأمور, إن لم يقم فيها أمر الله, ويسلك بها طاعته, لم يحل الإقدام عليها. وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان, إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور, خصوصا الولايات, الصغار, والكبار, أن ينظر في نفسه. فإن رأى من نفسه قوة على ذلك, ووثق بها, أقدم, وإلا أحجم. ولما بين تعالى هذه الأحكام العظيمة قال: " وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ " أي: شرائعه التي حددها وبينها ووضحها. " يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " لأنهم المنتفعون بها, النافعون لغيرهم. وفي هذا من فضيلة أهل العلم, ما لا يخفى, لأن الله تعالى جعل تبيينه لحدوده, خاصا بهم, وأنهم المقصودون بذلك. وفيه أن الله تعالى يحب من عباده, معرفة حدود ما أنزل على رسوله والتفقه بها.
التفسير الميسر
فإن طلَّق الرجل زوجته الطلقة الثالثة، فلا تحلُّ له إلا إذا تزوجت رجلا غيره زواجًا صحيحًا وجامعها فيه ويكون الزواج عن رغبة، لا بنية تحليل المرأة لزوجها الأول، فإن طلقها الزوج الآخر أو مات عنها وانقضت عدتها، فلا إثم على المرأة وزوجها الأول أن يتزوجا بعقد جديد، ومهر جديد، إن غلب على ظنهما أن يقيما أحكام الله التي شرعها للزوجين. وتلك أحكام الله المحددة يبينها لقوم يعلمون أحكامه وحدوده؛ لأنهم المنتفعون بها.
تفسير الجلالين
"فَإِنْ طَلَّقَهَا" الزَّوْج بَعْد الثِّنْتَيْنِ "فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْد" بَعْد الطَّلْقَة الثَّالِثَة "حَتَّى تَنْكِح" تَتَزَوَّج "زَوْجًا غَيْره" وَيَطَأهَا كَمَا فِي الْحَدِيث رَوَاهُ الشَّيْخَانِ "فَإِنْ طَلَّقَهَا" أَيْ الزَّوْج الثَّانِي "فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا" أَيْ الزَّوْجَة وَالزَّوْج الْأَوَّل "أَنْ يَتَرَاجَعَا" إلَى النِّكَاح بَعْد انْقِضَاء الْعِدَّة "إنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُود اللَّه وَتِلْكَ" الْمَذْكُورَات "حُدُود اللَّه يُبَيِّنهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" يَتَدَبَّرُونَ
تفسير ابن كثير
وَقَوْله تَعَالَى " فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْد حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره" أَيْ أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُل اِمْرَأَته طَلْقَة ثَالِثَة بَعْد مَا أَرْسَلَ عَلَيْهَا الطَّلَاق مَرَّتَيْنِ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ " حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره " أَيْ حَتَّى يَطَأَهَا زَوْجٌ آخَر فِي نِكَاح صَحِيح فَلَوْ وَطِئَهَا وَاطِئٌ فِي غَيْر نِكَاح وَلَوْ فِي مِلْك الْيَمِين لَمْ تَحِلَّ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ وَهَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَتْ وَلَكِنْ لَمْ يَدْخُل بِهَا الزَّوْج لَمْ تَحِلّ لِلْأَوَّلِ وَاشْتَهَرَ بَيْن كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء أَنَّ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب رَحِمَهُ اللَّه أَنَّهُ يَقُول : يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ تَحْلِيلهَا لِلْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْد عَلَى الثَّانِي وَفِي صِحَّته عَنْهُ نَظَرٌ عَلَى أَنَّ الشَّيْخ أَبَا عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ قَدْ حَكَاهُ عَنْهُ فِي الِاسْتِذْكَار وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير رَحِمَهُ اللَّه : حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر عَنْ شُعْبَة عَنْ عَلْقَمَة بْن مَرْثَد عَنْ سَالِم بْن رَزِين عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّجُل يَتَزَوَّج الْمَرْأَة فَيُطَلِّقهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا الْبَتَّة فَيَتَزَوَّجهَا زَوْج آخَر فَيُطَلِّقهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا أَتَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّل ؟ قَالَ " لَا حَتَّى تَذُوق عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتهَا " هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن جَرِير وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد فَقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ عَلْقَمَة بْن مَرْثَد قَالَ : سَمِعْت سَالِم بْن رَزِين يُحَدِّث عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّجُل تَكُون لَهُ الْمَرْأَة فَيُطَلِّقهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجهَا رَجُل فَيُطَلِّقهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا فَتَرْجِع إِلَى زَوْجهَا الْأَوَّل فَقَالَ : رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ " حَتَّى تَذُوق الْعُسَيْلَة" وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ الْفَلَّاس وَابْن مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّد بْن بَشَّار بُنْدَار كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر غُنْدَر عَنْ شُعْبَة بِهِ كَذَلِكَ فَهَذَا مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا عَلَى خِلَاف مَا يُحْكَى عَنْهُ فَبَعِيدٌ أَنْ يُخَالِف مَا رَوَاهُ بِغَيْرِ مُسْتَنَد وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ رَوَى أَحْمَد أَيْضًا وَالنَّسَائِيّ وَابْن جَرِير هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ عَلْقَمَة بْن مَرْثَد عَنْ رَزِين بْن سُلَيْمَان الْأَحْمَدِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : سُئِلَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرَّجُل يُطَلِّق اِمْرَأَته ثَلَاثًا فَيَتَزَوَّجهَا آخَر فَيُغْلِق الْبَاب وَيُرْخِي السِّتْر ثُمَّ يُطَلِّقهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا هَلْ تَحِلّ لِلْأَوَّلِ ؟ قَالَ : " لَا حَتَّى تَذُوق الْعُسَيْلَة " وَهَذَا لَفْظ أَحْمَد وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد سُلَيْمَان بْن رَزِين " حَدِيثٌ آخَرُ " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَفَّان حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن دِينَار حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَزِيد الْهُنَائِيّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ رَجُل كَانَتْ تَحْته اِمْرَأَة فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَتْ بَعْده رَجُلًا فَطَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا أَتَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّل ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا حَتَّى يَكُون الْآخَر قَدْ ذَاقَ مِنْ عُسَيْلَتهَا وَذَاقَتْ مِنْ عُسَيْلَته " . وَهَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الْأَنْمَاطِيّ عَنْ هِشَام بْن عَبْد الْمَلِك حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن دِينَار فَذَكَرَهُ . " قُلْت " وَمُحَمَّد بْن دِينَار بْن صَنْدَل أَبُو بَكْر الْأَزْدِيّ ثُمَّ الطَّائِيّ الْبَصْرِيّ وَيُقَال لَهُ اِبْن أَبِي الْفُرَات اِخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ ضَعَّفَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَوَّاهُ وَقَبِلَهُ. وَحَسَّنَ لَهُ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ تَغَيَّرَ قَبْل مَوْته فَاَللَّه أَعْلَم . " حَدِيثٌ آخَرُ " قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا عُبَيْد بْن آدَم بْن أَبِي إِيَاس الْعَسْقَلَانِيّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شَيْبَان حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي الْحَارِث الْغِفَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَرْأَة يُطَلِّقهَا زَوْجهَا ثَلَاثًا فَتَتَزَوَّج غَيْره فَيُطَلِّقهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا فَيُرِيد الْأَوَّل أَنْ يُرَاجِعهَا قَالَ : " لَا حَتَّى يَذُوق الْآخَر عُسَيْلَتهَا " . ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ شَيْبَان وَهُوَ اِبْن عَبْد الرَّحْمَن بِهِ وَأَبُو الْحَارِث غَيْر مَعْرُوف . " حَدِيثٌ آخَرُ " قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْد اللَّه حَدَّثَنَا الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا فَطَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يَمَسّهَا فَسُئِلَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَحِلُّ لِلْأَوَّلِ ؟ فَقَالَ " لَا حَتَّى يَذُوق مِنْ عُسَيْلَتهَا كَمَا ذَاقَ الْأَوَّل" أَخْرَجَهُ الْبُخَارَيْ وَمُسْلِم وَالنَّسَائِيّ مِنْ طُرُق عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر الْعُمَرِيّ عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بُكَيْر عَنْ عَمَّته عَائِشَة بِهِ " طَرِيقٌ أُخْرَى " قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن إِسْمَاعِيل الْهَبَّارِيّ وَسُفْيَان بْن وَكِيع وَأَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ الْأَسْوَد عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : سُئِلَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَجُل طَلَّقَ اِمْرَأَته فَتَزَوَّجَتْ رَجُلًا غَيْره فَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يُوَاقِعهَا أَتَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّل ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَحِلّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّل حَتَّى يَذُوق الْآخَرُ عُسَيْلَتَهَا وَتَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ " . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ مُسَدَّد وَالنَّسَائِيّ عَنْ أَبِي كُرَيْب كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة وَهُوَ مُحَمَّد بْن حَازِم الضَّرِير بِهِ " طَرِيقٌ أُخْرَى " قَالَ مُسْلِم فِي صَحِيحه : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَلَاء الْهَمْدَانِيّ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَة يَتَزَوَّجهَا الرَّجُل فَيُطَلِّقهَا فَتَتَزَوَّج رَجُلًا آخَر فَيُطَلِّقهَا قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا أَتَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّل ؟ قَالَ : " لَا حَتَّى يَذُوق عُسَيْلَتهَا " قَالَ مُسْلِم : وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا أَبُو فُضَيْل وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة جَمِيعًا عَنْ هِشَام بِهَذَا الْإِسْنَاد وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة مُحَمَّد بْن حَازِم عَنْ هِشَام بِهِ وَتَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِم مِنْ الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ . وَهَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ هِشَام بُنّ عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ أَوْ مِثْله وَهَذَا إِسْنَاد جَيِّد وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير أَيْضًا مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن زَيْد بْن جَدِعَانِ عَنْ اِمْرَأَة أَبِيهِ أَمِينَة أُمّ مُحَمَّد عَنْ عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ وَهَذَا السِّيَاق مُخْتَصَر مِنْ الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدَّثْنَا عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا عَبْدَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة أَنَّ رِفَاعَة الْقُرَظِيّ تَزَوَّجَ اِمْرَأَة ثُمَّ طَلَّقَهَا فَأَتَتْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا مِثْل هُدْبَة الثَّوْب فَقَالَ : " لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك " تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْه " طَرِيق أُخْرَى " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْد الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : دَخَلَتْ اِمْرَأَة رُفَاعَة الْقُرَظِيّ وَأَنَا وَأَبُو بَكْر عِنْد النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنَّ رُفَاعَة طَلَّقَنِي الْبَتَّة وَإِنَّ عَبْد الرَّحْمَن بْن الزُّبَيْر تَزَوَّجَنِي وَإِنَّمَا عِنْده مِثْل الْهُدْبَة وَأَخَذَتْ هُدْبَة مِنْ جِلْبَابهَا وَخَالِد بْن سَعِيد بْن الْعَاص بِالْبَابِ لَمْ يُؤْذَن لَهُ فَقَالَ أَبُو بَكْر : أَلَا تَنْهِي هَذِهِ عَمَّا تَجْهَر بِهِ بَيْن يَدَيْ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا زَادَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّبَسُّم فَقَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَأَنَّك تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَة لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك " . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك وَمُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّزَّاق وَالنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث يَزِيد بْن زُرَيْع ثَلَاثَتهمْ عَنْ مَعْمَر بِهِ وَفِي حَدِيث عَبْد الرَّزَّاق عِنْد مُسْلِم أَنَّ رِفَاعَة طَلَّقَهَا آخِر ثَلَاث تَطْلِيقَات . وَقَدْ رَوَاهُ الْجَمَاعَة إِلَّا أَبَا دَاوُد مِنْ طَرِيق سُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَالْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيق عُقَيْل وَمُسْلِم مِنْ طَرِيق يُونُس بْن يَزِيد وَعِنْده آخِر ثَلَاث تَطْلِيقَات وَالنَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق أَيُّوب بْن مُوسَى وَرَوَاهُ صَالِح بْن أَبِي الْأَخْضَر كُلّهمْ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة بِهِ . وَقَالَ مَالِك عَنْ الْمِسْوَر بْن رِفَاعَة الْقُرَظِيّ عَنْ الزُّبَيْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الزُّبَيْر أَنَّ رُفَاعَة بْن سَمَوْأَل طَلَّقَ اِمْرَأَته تَمِيمَة بِنْت وَهْب فِي عَهْد رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَة فَنَكَحَتْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الزُّبَيْر فَاعْتُرِضَ عَنْهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسّهَا فَفَارَقَهَا فَأَرَادَ رِفَاعَة بْن سَمَوْأَل أَنْ يَنْكِحهَا وَهُوَ زَوْجهَا الْأَوَّل الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَهَاهُ عَنْ تَزْوِيجهَا وَقَالَ " لَا تَحِلّ لَك حَتَّى يَذُوق الْعُسَيْلَة " . هَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب الْمُوَطَّأ عَنْ مَالِك وَفِيهِ اِنْقِطَاع وَقَدْ رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان وَعَبْد اللَّه بْن وَهْب عَنْ مَالِك عَنْ رِفَاعَة عَنْ الزُّبَيْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الزُّبَيْر عَنْ أَبِيهِ فَوَصَلَهُ . " فَصْلٌ " وَالْمَقْصُود مِنْ الزَّوْج الثَّانِي أَنْ يَكُون رَاغِبًا فِي الْمَرْأَة قَاصِدًا لِدَوَامِ عِشْرَتهَا كَمَا هُوَ الْمَشْرُوع مِنْ التَّزْوِيج وَاشْتَرَطَ الْإِمَام مَالِك مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَطَأهَا الثَّانِي وَطْئًا مُبَاحًا فَلَوْ وَطْأَهَا وَهِيَ مُحْرِمَة أَوْ صَائِمَة أَوْ مُعْتَكِفَة أَوْ حَائِض أَوْ نُفَسَاء أَوْ الزَّوْج صَائِم أَوْ مُحْرِم أَوْ مُعْتَكِف لَمْ تَحِلّ لِلْأَوَّلِ بِهَذَا الْوَطْء وَكَذَا لَوْ كَانَ الزَّوْج الثَّانِي ذِمِّيًّا لَمْ تَحِلّ لِلْمُسْلِمِ بِنِكَاحِهِ لِأَنَّ أَنْكِحَة الْكُفَّار بَاطِلَة عِنْده وَاشْتَرَطَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الشَّيْخ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ أَنْ يُنْزِلَ الزَّوْجُ الثَّانِي وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِمَا فَهِمَهُ مِنْ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك " وَيَلْزَم عَلَى هَذَا أَنْ تُنْزِلَ الْمَرْأَةُ أَيْضًا وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالْعُسَيْلَةِ الْمَنِيّ لِمَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَالنَّسَائِيّ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ " أَلَا إِنَّ الْعُسَيْلَة الْجِمَاع " فَأَمَّا إِذَا كَانَ الثَّانِي إِنَّمَا قَصَدَهُ أَنْ يُحِلّهَا لِلْأَوَّلِ فَهَذَا هُوَ الْمُحَلِّل الَّذِي وَرَدَتْ الْأَحَادِيث بِذَمِّهِ وَلَعْنه وَمَتَى صَرَّحَ بِمَقْصُودِهِ فِي الْعَقْد بَطَلَ النِّكَاحُ عِنْد جُمْهُور الْأَئِمَّة . ذِكْرُ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ " الْحَدِيث الْأَوَّل " عَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن دُكَيْن حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ أَبِي قَيْس عَنْ الْهُذَيْل عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَاشِمَة وَالْمُسْتَوْشِمَة وَالْوَاصِلَة وَالْمُسْتَوْصِلَة وَالْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ وَآكِل الرِّبَا وَمُوكِله . ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ سُفْيَان وَهُوَ الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي قَيْس وَاسْمه عَبْد الرَّحْمَن بْن ثَرْوَان الْأَوْدِيّ عَنْ هُذَيْل بْن شُرَحْبِيل الْأَوْدِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح قَالَ : وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَهْل الْعِلْم مِنْ الصَّحَابَة مِنْهُمْ عُمَر وَعُثْمَان وَابْن عُمَر وَهُوَ قَوْل الْفُقَهَاء مِنْ التَّابِعِينَ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس " طَرِيقٌ أُخْرَى" عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْن عَدِيّ حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه عَنْ عَبْد الْكَرِيم عَنْ أَبِي الْوَاصِل عَنْ اِبْن مَسْعُود عَنْ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ " لَعَنَ اللَّه الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ "" طَرِيق أُخْرَى " . رَوَى الْإِمَام أَحْمَد وَالنَّسَائِيّ عَنْ حَدِيث الْأَعْمَش عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُرَّة عَنْ الْحَارِث الْأَعْوَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : آكِل الرِّبَا وَمُوكِله وَشَاهِدَاهُ وَكَاتِبه إِذَا عَلِمُوا بِهِ وَالْوَاصِلَة وَالْمُسْتَوْصِلَة وَلَاوِي الصَّدَقَة وَالْمُتَعَدِّي فِيهَا وَالْمُرْتَدّ عَنْ عَقِبَيْهِ أَعْرَابِيًّا بَعْد هِجْرَته وَالْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَان مُحَمَّد - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْم الْقِيَامَة. " الْحَدِيث الثَّانِي " عَنْ عَلِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا سُفْيَان عَنْ جَابِر عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الْحَارِث عَنْ عَلِيّ قَالَ : لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِل الرِّبَا وَمُوكِله وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبه وَالْوَاشِمَة وَالْمُسْتَوْشِمَة لِلْحُسْنِ وَمَانِع الصَّدَقَة وَالْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ وَكَانَ يَنْهَى عَنْ النَّوْح وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَة عَنْ جَابِر وَهُوَ اِبْن يَزِيد الْجُعْفِيّ عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الْحَارِث عَنْ عَلِيّ بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيث إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد وَحُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن وَمُجَالِد بْن سَعِيد وَابْن عَوْن عَنْ عَامِر الشَّعْبِيّ بِهِ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث الشَّعْبِيّ بِهِ . ثُمَّ قَالَ أَحْمَد أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْحَارِث عَنْ عَلِيّ : قَالَ لَعَنَ رَسُول اللَّه صَاحِب الرِّبَا وَآكِله وَكَاتِبه وَشَاهِده وَالْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ . " الْحَدِيث الثَّالِث " عَنْ جَابِر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - قَالَ التِّرْمِذِيّ : أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ أَخْبَرَنَا أَشْعَث بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد الْإِيَامِيّ حَدَّثَنَا مُجَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه وَعَنْ الْحَارِث عَنْ عَلِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ ثُمَّ قَالَ : وَلَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَائِمِ وَمُجَالِد ضَعَّفَهُ غَيْر وَاحِد مِنْ أَهْل الْعِلْم مِنْهُمْ أَحْمَد بْن حَنْبَل قَالَ : وَرَوَاهُ اِبْن نُمَيْر عَنْ مُجَالِد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه عَنْ عَلِيّ قَالَ : وَهَذَا وَهْم مِنْ اِبْن نُمَيْر وَالْحَدِيث الْأَوَّل أَصَحّ . " الْحَدِيث الرَّابِع" عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن يَزِيد بْن مَاجَهْ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن عُثْمَان بْن صَالِح الْمِصْرِيّ أَخْبَرَنَا أَبِي سَمِعْت اللَّيْث بْن سَعْد يَقُول قَالَ أَبُو الْمُصْعَب مُشَرِّح هُوَ اِبْن عَاهَان قَالَ عُقْبَة بْن عَامِر : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَلَا أُخْبِركُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَار " قَالُوا : بَلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ " هُوَ الْمُحَلِّل لَعَنَ اللَّه الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ " تَفَرَّدَ بِهِ اِبْن مَاجَهْ وَكَذَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بْن يَعْقُوب الْجَوْزَجَانِيّ عَنْ عُثْمَان بْن صَالِح عَنْ اللَّيْث بِهِ ثُمَّ قَالَ : كَانُوا يُنْكِرُونَ عَلَى عُثْمَان فِي هَذَا الْحَدِيث إِنْكَارًا شَدِيدًا . " قُلْت " عُثْمَان هَذَا أَحَد الثِّقَات رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه ثُمَّ قَدْ تَابَعَهُ غَيْره فَرَوَاهُ جَعْفَر الْفِرْيَابِيّ عَنْ الْعَبَّاس الْمَعْرُوف بِابْنِ فَرِيق عَنْ أَبِي صَالِح عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ اللَّيْث بِهِ فَبَرِئَ مِنْ عُهْدَته وَاَللَّه أَعْلَم . " الْحَدِيث الْخَامِس" عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ اِبْن مَاجَهْ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر عَنْ زَمْعَة بْن صَالِح عَنْ سَلَمَة بْن وَهْرَام عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَعَنَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ " طَرِيق أُخْرَى " قَالَ الْإِمَام الْحَافِظ خَطِيب دِمَشْق أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن يَعْقُوب الْجَوْزَجَانِيّ السَّعْدِيّ حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَم حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْن أَبِي حَنِيفَة عَنْ دَاوُد بْن الْحُصَيْن عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِكَاح الْمُحَلِّل قَالَ " لَا إِلَّا نِكَاح رَغْبَة لَا نِكَاح دُلْسَة وَلَا اِسْتِهْزَاء بِكِتَابِ اللَّه ثُمَّ يَذُوق عُسَيْلَتهَا " وَيَتَقَوَّى هَذَانِ الْإِسْنَادَانِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ مُوسَى بْن أَبِي الْفُرَات عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا فَيَتَقَوَّى كُلّ مِنْ هَذَا الْمُرْسَل وَاَلَّذِي قَبْله بِالْآخَرِ وَاَللَّه أَعْلَم . " الْحَدِيث السَّادِس " عَنْ أَبِي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن جَعْفَر عَنْ عُثْمَان بْن مُحَمَّد الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : لَعَنَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَالْجَوْزَجَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيق عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر الْقُرَشِيّ وَقَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَعَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ وَيَحْيَى بْن مَعِين وَغَيْرهمْ . وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ عُثْمَان بْن مُحَمَّد الْأَخْنَسِيّ وَثَّقَهُ اِبْن مَعِين عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيّ وَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ . " الْحَدِيث السَّابِع " عَنْ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس الْأَصَمّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الصَّنْعَانِيّ حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم حَدَّثَنَا أَبُو يَمَان مُحَمَّد بْن مُطَرِّف الْمَدَنِيّ عَنْ عُمَر بْن نَافِع عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى اِبْن عُمَر فَسَأَلَهُ عَنْ رَجُل طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا أَخ لَهُ مِنْ غَيْر مُؤَامَرَة مِنْهُ لِيُحِلّهَا لِأَخِيهِ هَلْ تَحِلّ لِلْأَوَّلِ فَقَالَ : لَا إِلَّا نِكَاح رَغْبَة كُنَّا نَعُدّ هَذَا سِفَاحًا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن نَافِع عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر بِهِ وَهَذِهِ الصِّيغَة مُشْعِرَة بِالرَّفْعِ وَهَكَذَا رَوَى أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَالْجَوْزَجَانِيّ وَحَرْب الْكَرْمَانِيّ وَأَبُو بَكْر الْأَثْرَم مِنْ حَدِيث الْأَعْمَش عَنْ الْمُسَيِّب بْن رَافِع عَنْ قَبِيصَة بْن جَابِر عَنْ عُمَر أَنَّهُ قَالَ : لَا أُوتَى بِمُحَلِّلٍ وَلَا مُحَلَّل لَهُ إِلَّا رَجَمْتهمَا . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن لَهِيعَة عَنْ بُكَيْر بْن الْأَشَجّ عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار أَنَّ عُثْمَان بْن عَفَّان رَفَعَ إِلَيْهِ رَجُل تَزَوَّجَ اِمْرَأَة لِيُحِلّهَا لِزَوْجِهَا فَفَرَّقَ بَيْنهمَا وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَغَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَقَوْله" فَإِنْ طَلَّقَهَا " أَيْ الزَّوْج الثَّانِي بَعْد الدُّخُول بِهَا" فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا " أَيْ الْمَرْأَة وَالزَّوْج الْأَوَّل " إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُود اللَّه " أَيْ يَتَعَاشَرَا بِالْمَعْرُوفِ . قَالَ مُجَاهِد : إِنْ ظَنَّا أَنَّ نِكَاحهمَا عَلَى غَيْر دُلْسَة " وَتِلْكَ حُدُود اللَّه " أَيْ شَرَائِعه وَأَحْكَامه" يُبَيِّنُهَا " أَيْ يُوَضِّحُهَا " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ رَحِمَهُمْ اللَّه فِيمَا إِذَا طَلَّقَ الرَّجُل اِمْرَأَته طَلْقَة أَوْ طَلْقَتَيْنِ وَتَرَكَهَا حَتَّى اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِآخَر فَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَانْقَضَتْ عِدَّتهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الْأَوَّل هَلْ تَعُود إِلَيْهِ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثَّلَاث كَمَا هُوَ مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل وَهُوَ قَوْل طَائِفَة مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَنْ يَكُون الزَّوْج الثَّانِي قَدْ هَدَمَ مَا قَبْله مِنْ الطَّلَاق فَإِذَا عَادَتْ إِلَى الْأَوَّل تَعُود بِمَجْمُوعِ الثَّلَاث كَمَا هُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه رَحِمَهُمْ اللَّه وَحُجَّتهمْ أَنَّ الزَّوْج الثَّانِي إِذَا هَدَمَ الثَّلَاث فَلَأَنْ يَهْدِم مَا دُونهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى وَاَللَّه أَعْلَم .
تفسير القرطبي
فِيهِ إِحْدَى عَشْرَة مَسْأَلَة : الْأُولَى : اِحْتَجَّ بَعْض مَشَايِخ خُرَاسَان مِنْ الْحَنَفِيَّة بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ الْمُخْتَلِعَة يَلْحَقهَا الطَّلَاق , قَالُوا : فَشَرَعَ اللَّه سُبْحَانه صَرِيح الطَّلَاق بَعْد الْمُفَادَاة بِالطَّلَاقِ ; لِأَنَّ الْفَاء حَرْف تَعْقِيب , فَيَبْعُد أَنْ يَرْجِع إِلَى قَوْله : " الطَّلَاق مَرَّتَانِ " لِأَنَّ الَّذِي تَخَلَّلَ مِنْ الْكَلَام يَمْنَع بِنَاء قَوْله " فَإِنْ طَلَّقَهَا " عَلَى قَوْله " الطَّلَاق مَرَّتَانِ " بَلْ الْأَقْرَب عَوْده عَلَى مَا يَلِيه كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاء وَلَا يَعُود إِلَى مَا تَقَدَّمَهُ إِلَّا بِدَلَالَةٍ , كَمَا أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " وَرَبَائِبكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُوركُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ " [ النِّسَاء : 23 ] فَصَارَ مَقْصُورًا عَلَى مَا يَلِيه غَيْر عَائِد عَلَى مَا تَقَدَّمَهُ حَتَّى لَا يُشْتَرَط الدُّخُول فِي أُمَّهَات النِّسَاء . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الطَّلَاق بَعْد الْخُلْع فِي الْعِدَّة , فَقَالَتْ طَائِفَة : إِذَا خَالَعَ الرَّجُل زَوْجَته ثُمَّ طَلَّقَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّة لَحِقَهَا الطَّلَاق مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّة , كَذَلِكَ قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَشُرَيْح وَطَاوُس وَالنَّخَعِيّ وَالزُّهْرِيّ وَالْحَكَم وَحَمَّاد وَالثَّوْرِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي . وَفِيهِ قَوْل ثَانٍ وَهُوَ ( أَنَّ الطَّلَاق لَا يَلْزَمهَا ) , وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَابْن الزُّبَيْر وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَجَابِر بْن زَيْد وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر , وَهُوَ قَوْل مَالِك إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : إِنْ اِفْتَدَتْ مِنْهُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقهَا ثَلَاثًا مُتَتَابِعًا نَسَقًا حِين طَلَّقَهَا فَذَلِكَ ثَابِت عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ بَيْن ذَلِكَ صُمَات فَمَا أَتْبَعَهُ بَعْد الصُّمَات فَلَيْسَ بِشَيْءٍ , وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ نَسَق الْكَلَام بَعْضه عَلَى بَعْض مُتَّصِلًا يُوجِب لَهُ حُكْمًا وَاحِدًا , وَكَذَلِكَ إِذَا اِتَّصَلَ الِاسْتِثْنَاء بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَثَّر وَثَبَتَ لَهُ حُكْم الِاسْتِثْنَاء , وَإِذَا اِنْفَصَلَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّق بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَام . الثَّانِيَة : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِنْ طَلَّقَهَا " الطَّلْقَة الثَّالِثَة " فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْد حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره " . وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ لَا خِلَاف فِيهِ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَكْفِي مِنْ النِّكَاح , وَمَا الَّذِي يُبِيح التَّحْلِيل , فَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَمَنْ وَافَقَهُ : مُجَرَّد الْعَقْد كَافٍ . وَقَالَ الْحَسَن بْن أَبِي الْحَسَن : لَا يَكْفِي مُجَرَّد الْوَطْء حَتَّى يَكُون إِنْزَال . وَذَهَبَ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء وَالْكَافَّة مِنْ الْفُقَهَاء إِلَى أَنَّ الْوَطْء كَافٍ فِي ذَلِكَ , وَهُوَ اِلْتِقَاء الْخِتَانَيْنِ الَّذِي يُوجِب الْحَدّ وَالْغُسْل , وَيُفْسِد الصَّوْم وَالْحَجّ وَيُحْصِن الزَّوْجَيْنِ وَيُوجِب كَمَال الصَّدَاق . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : مَا مَرَّتْ بِي فِي الْفِقْه مَسْأَلَة أَعْسَر مِنْهَا , وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ أُصُول الْفِقْه أَنَّ الْحُكْم هَلْ يَتَعَلَّق بِأَوَائِل الْأَسْمَاء أَوْ بِأَوَاخِرِهَا ؟ فَإِنْ قُلْنَا : إِنَّ الْحُكْم يَتَعَلَّق بِأَوَائِل الْأَسْمَاء لَزِمَنَا أَنْ نَقُول بِقَوْلِ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب . وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّ الْحُكْم يَتَعَلَّق بِأَوَاخِر الْأَسْمَاء لَزِمَنَا أَنْ نَشْتَرِط الْإِنْزَال مَعَ مَغِيب الْحَشَفَة فِي الْإِحْلَال , لِأَنَّهُ آخِر ذَوْق الْعُسَيْلَة عَلَى مَا قَالَهُ الْحَسَن . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَمَعْنَى ذَوْق الْعُسَيْلَة هُوَ الْوَطْء , وَعَلَى هَذَا جَمَاعَة الْعُلَمَاء إِلَّا سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : أَمَّا النَّاس فَيَقُولُونَ : لَا تَحِلّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى يُجَامِعهَا الثَّانِي , وَأَنَا أَقُول : إِذَا تَزَوَّجَهَا زَوَاجًا صَحِيحًا لَا يُرِيد بِذَلِكَ إِحْلَالهَا فَلَا بَأْس أَنْ يَتَزَوَّجهَا الْأَوَّل . وَهَذَا قَوْل لَا نَعْلَم أَحَدًا وَافَقَهُ عَلَيْهِ إِلَّا طَائِفَة مِنْ الْخَوَارِج , وَالسُّنَّة مُسْتَغْنًى بِهَا عَمَّا سِوَاهَا . قُلْت : وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب سَعِيد بْن جُبَيْر , ذَكَرَهُ النَّحَّاس فِي كِتَاب " مَعَانِي الْقُرْآن " لَهُ . قَالَ : وَأَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ النِّكَاح هَاهُنَا الْجِمَاع ; لِأَنَّهُ قَالَ : " زَوْجًا غَيْره " فَقَدْ تَقَدَّمَتْ الزَّوْجِيَّة فَصَارَ النِّكَاح الْجِمَاع , إِلَّا سَعِيد بْن جُبَيْر فَإِنَّهُ قَالَ : النِّكَاح هَاهُنَا التَّزَوُّج الصَّحِيح إِذَا لَمْ يُرِدْ إِحْلَالهَا . قُلْت : وَأَظُنّهُمَا لَمْ يَبْلُغهُمَا حَدِيث الْعُسَيْلَة أَوْ لَمْ يَصِحّ عِنْدهمَا فَأَخَذَا بِظَاهِرِ الْقُرْآن , وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : " حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره " وَاَللَّه أَعْلَم . رَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِلدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا طَلَّقَ الرَّجُل اِمْرَأَته ثَلَاثًا لَا تَحِلّ لَهُ حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره وَيَذُوق كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عُسَيْلَة صَاحِبه ) . قَالَ بَعْض عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة : مَنْ عَقَدَ عَلَى مَذْهَب سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فَلِلْقَاضِي أَنْ يَفْسَخهُ , وَلَا يُعْتَبَر فِيهِ خِلَافه لِأَنَّهُ خَارِج عَنْ إِجْمَاع الْعُلَمَاء . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَيُفْهَم مِنْ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( حَتَّى يَذُوق كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عُسَيْلَة صَاحِبه ) اِسْتِوَاؤُهُمَا فِي إِدْرَاك لَذَّة الْجِمَاع , وَهُوَ حُجَّة لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدنَا فِي أَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا نَائِمَة أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا لَمْ تَحِلّ لِمُطَلِّقِهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تُذَقْ الْعُسَيْلَة إِذْ لَمْ تُدْرِكهَا . الثَّالِثَة : رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : ( لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَاشِمَة وَالْمُسْتَوْشِمَة وَالْوَاصِلَة وَالْمُسْتَوْصِلَة وَآكِل الرِّبَا وَمُؤَكِّله وَالْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ ) . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : ( لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ ) . وَقَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْر وَجْه . وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَهْل الْعِلْم مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِنْهُمْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعُثْمَان بْن عَفَّان وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَغَيْرهمْ , وَهُوَ قَوْل الْفُقَهَاء مِنْ التَّابِعِينَ , وَبِهِ يَقُول سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَابْن الْمُبَارَك وَالشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَسَمِعْت الْجَارُود يَذْكُر عَنْ وَكِيع أَنَّهُ قَالَ بِهَذَا , وَقَالَ : يَنْبَغِي أَنْ يُرْمَى بِهَذَا الْبَاب مِنْ قَوْل أَصْحَاب الرَّأْي . وَقَالَ سُفْيَان : إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُل الْمَرْأَة لِيُحِلّهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُمْسِكهَا فَلَا تَحِلّ لَهُ حَتَّى يُزَوِّجهَا بِنِكَاحٍ جَدِيد . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي نِكَاح الْمُحَلِّل , فَقَالَ مَالِك , الْمُحَلِّل لَا يُقِيم عَلَى نِكَاحه حَتَّى يَسْتَقْبِل نِكَاحًا جَدِيدًا , فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْر مِثْلهَا , وَلَا تَحِلّهَا إِصَابَته لِزَوْجِهَا الْأَوَّل , وَسَوَاء عَلِمَا أَوْ لَمْ يَعْلَمَا إِذَا تَزَوَّجَهَا لِيُحِلّهَا , وَلَا يَقَرّ عَلَى نِكَاحه وَيُفْسَخ , وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ . وَفِيهِ قَوْل ثَانٍ رُوِيَ عَنْ الثَّوْرِيّ فِي نِكَاح الْخِيَار وَالْمُحَلِّل أَنَّ النِّكَاح جَائِز وَالشَّرْط بَاطِل , وَهُوَ قَوْل اِبْن أَبِي لَيْلَى فِي ذَلِكَ وَفِي نِكَاح الْمُتْعَة . وَرُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ فِي نِكَاح الْمُحَلِّل : بِئْسَ مَا صَنَعَ وَالنِّكَاح جَائِز . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد : النِّكَاح جَائِز إِنْ دَخَلَ بِهَا , وَلَهُ أَنْ يُمْسِكهَا إِنْ شَاءَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة مَرَّة هُوَ وَأَصْحَابه : لَا تَحِلّ لِلْأَوَّلِ إِنْ تَزَوَّجَهَا لِيُحِلّهَا , وَمَرَّة قَالُوا : تَحِلّ لَهُ بِهَذَا النِّكَاح إِذَا جَامَعَهَا وَطَلَّقَهَا . وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ نِكَاح هَذَا الزَّوْج صَحِيح , وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُقِيم عَلَيْهِ . وَفِيهِ قَوْل ثَالِث - قَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا قَالَ أَتَزَوَّجك لِأُحِلّك ثُمَّ لَا نِكَاح بَيْننَا بَعْد ذَلِكَ فَهَذَا ضَرْب مِنْ نِكَاح الْمُتْعَة , وَهُوَ فَاسِد لَا يَقَرّ عَلَيْهِ وَيُفْسَخ , وَلَوْ وَطِئَ عَلَى هَذَا لَمْ يَكُنْ تَحْلِيلًا . فَإِنْ تَزَوَّجَهَا تَزَوُّجًا مُطْلَقًا لَمْ يَشْتَرِط وَلَا اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ التَّحْلِيل فَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ فِي كِتَابه الْقَدِيم : أَحَدهمَا مِثْل قَوْل مَالِك , وَالْآخَر مِثْل قَوْل أَبِي حَنِيفَة . وَلَمْ يَخْتَلِف قَوْله فِي كِتَابه الْجَدِيد الْمِصْرِيّ أَنَّ النِّكَاح صَحِيح إِذَا لَمْ يُشْتَرَط , وَهُوَ قَوْل دَاوُد . قُلْت : وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ إِنْ شَرَطَ التَّحْلِيل قَبْل الْعَقْد صَحَّ النِّكَاح وَأَحَلَّهَا لِلْأَوَّلِ , وَإِنْ شَرَطَاهُ فِي الْعَقْد بَطَلَ النِّكَاح وَلَمْ يُحِلّهَا لِلْأَوَّلِ , قَالَ : وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ . وَقَالَ الْحَسَن وَإِبْرَاهِيم : إِذَا هَمَّ أَحَد الثَّلَاثَة بِالتَّحْلِيلِ فَسَدَ النِّكَاح , وَهَذَا تَشْدِيد . وَقَالَ سَالِم وَالْقَاسِم : لَا بَأْس أَنْ يَتَزَوَّجهَا لِيُحِلّهَا إِذَا لَمْ يَعْلَم الزَّوْجَانِ وَهُوَ مَأْجُور , وَبِهِ قَالَ رَبِيعَة وَيَحْيَى بْن سَعِيد , وَقَالَهُ دَاوُد بْن عَلِيّ لَمْ يَظْهَر ذَلِكَ فِي اِشْتِرَاطه فِي حِين الْعَقْد . الرَّابِعَة : مَدَار جَوَاز نِكَاح التَّحْلِيل عِنْد عُلَمَائِنَا عَلَى الزَّوْج النَّاكِح , وَسَوَاء شَرَطَ ذَلِكَ أَوْ نَوَاهُ , وَمَتَى كَانَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ فَسَدَ نِكَاحه وَلَمْ يُقَرّ عَلَيْهِ , وَلَمْ يَحْلِلْ وَطْؤُهُ الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا . وَعِلْمُ الزَّوْج الْمُطَلِّق وَجَهْله فِي ذَلِكَ سَوَاء . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ النَّاكِح لَهَا لِذَلِكَ تَزَوَّجَهَا أَنْ يَتَنَزَّه عَنْ مُرَاجَعَتهَا , وَلَا يُحِلّهَا عِنْد مَالِك إِلَّا نِكَاح رَغْبَة لِحَاجَتِهِ إِلَيْهَا , وَلَا يُقْصَد بِهِ التَّحْلِيل , وَيَكُون وَطْؤُهُ لَهَا وَطْئًا مُبَاحًا : لَا تَكُون صَائِمَة وَلَا مُحْرِمَة وَلَا فِي حَيْضَتهَا , وَيَكُون الزَّوْج بَالِغًا مُسْلِمًا . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ صَحِيح وَغَيَّبَ الْحَشَفَة فِي فَرْجهَا فَقَدْ ذَاقَا الْعُسَيْلَة , وَسَوَاء فِي ذَلِكَ قَوِيّ النِّكَاح وَضَعِيفه , وَسَوَاء أَدْخَلَهُ بِيَدِهِ أَمْ بِيَدِهَا , وَكَانَ مِنْ صَبِيّ أَوْ مُرَاهِق أَوْ مَجْبُوب بَقِيَ لَهُ مَا يُغَيِّبهُ كَمَا يُغَيِّب غَيْر الْخَصِيّ , وَسَوَاء أَصَابَهَا الزَّوْج مُحْرِمَة أَوْ صَائِمَة , وَهَذَا كُلّه - عَلَى مَا وَصَفَ الشَّافِعِيّ - قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحَسَن بْن صَالِح , وَقَوْل بَعْض أَصْحَاب مَالِك . الْخَامِسَة : قَالَ اِبْن حَبِيب : وَإِنْ تَزَوَّجَهَا فَإِنْ أَعْجَبَتْهُ أَمْسَكَهَا , وَإِلَّا كَانَ قَدْ اِحْتَسَبَ فِي تَحْلِيلهَا الْأَجْر لَمْ يَجُزْ , لِمَا خَالَطَ نِكَاحه مِنْ نِيَّة التَّحْلِيل , وَلَا تَحِلّ بِذَلِكَ لِلْأَوَّلِ . السَّادِسَة : وَطْء السَّيِّد لِأَمَتِهِ الَّتِي قَدْ بَتَّ زَوْجهَا طَلَاقهَا لَا يُحِلّهَا , إِذْ لَيْسَ بِزَوْجٍ , رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , وَهُوَ قَوْل عُبَيْدَة وَمَسْرُوق وَالشَّعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم وَجَابِر بْن زَيْد وَسُلَيْمَان بْن يَسَار وَحَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان وَأَبِي الزِّنَاد , وَعَلَيْهِ جَمَاعَة فُقَهَاء الْأَمْصَار . وَيُرْوَى عَنْ عُثْمَان وَزَيْد بْن ثَابِت وَالزُّبَيْر خِلَاف ذَلِكَ , وَأَنَّهُ يُحِلّهَا إِذَا غَشِيَهَا سَيِّدهَا غَشَيَانًا لَا يُرِيد بِذَلِكَ مُخَادَعَة وَلَا إِحْلَالًا , وَتَرْجِع إِلَى زَوْجهَا بِخِطْبَةٍ وَصَدَاق . وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره " وَالسَّيِّد إِنَّمَا تَسَلَّطَ بِمِلْكِ الْيَمِين وَهَذَا وَاضِح . السَّابِعَة : فِي مُوَطَّإِ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَسُلَيْمَان بْن يَسَار سُئِلَا عَنْ رَجُل زَوَّجَ عَبْدًا لَهُ جَارِيَة لَهُ فَطَلَّقَهَا الْعَبْد الْبَتَّة ثُمَّ وَهَبَهَا سَيِّدهَا لَهُ هَلْ تَحِلّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِين ؟ فَقَالَا : لَا تَحِلّ لَهُ حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره . الثَّامِنَة : رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن شِهَاب عَنْ رَجُل كَانَتْ تَحْته أَمَة مَمْلُوكَة فَاشْتَرَاهَا وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا وَاحِدَة , فَقَالَ : تَحِلّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينه مَا لَمْ يَبِتّ طَلَاقهَا , فَإِنْ بَتَّ طَلَاقهَا فَلَا تَحِلّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينه حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره . قَالَ أَبُو عُمَر : وَعَلَى هَذَا جَمَاعَة الْعُلَمَاء وَأَئِمَّة الْفَتْوَى : مَالِك وَالثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر . وَكَانَ اِبْن عَبَّاس وَعَطَاء وَطَاوُس وَالْحَسَن يَقُولُونَ : ( إِذَا اِشْتَرَاهَا الَّذِي بَتَّ طَلَاقهَا حَلَّتْ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِين ) , عَلَى عُمُوم قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ " [ النِّسَاء : 3 ] . قَالَ أَبُو عُمَر : وَهَذَا خَطَأ مِنْ الْقَوْل ; لِأَنَّ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ " لَا يُبِيح الْأُمَّهَات وَلَا الْأَخَوَات , فَكَذَلِكَ سَائِر الْمُحَرَّمَات . التَّاسِعَة : إِذَا طَلَّقَ الْمُسْلِم زَوْجَته الذِّمِّيَّة ثَلَاثًا فَنَكَحَهَا ذِمِّيّ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا , فَقَالَتْ طَائِفَة : الذِّمِّيّ زَوْج لَهَا , وَلَهَا أَنْ تَرْجِع إِلَى الْأَوَّل , هَكَذَا قَالَ الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو عُبَيْد وَأَصْحَاب الرَّأْي . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَكَذَلِكَ نَقُول ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره " وَالنَّصْرَانِيّ زَوْج . وَقَالَ مَالِك وَرَبِيعَة : لَا يُحِلّهَا . الْعَاشِرَة : النِّكَاح الْفَاسِد لَا يُحِلّ الْمُطَلَّقَة ثَلَاثًا فِي قَوْل الْجُمْهُور . مَالِك وَالثَّوْرِيّ . وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي عُبَيْد , كُلّهمْ يَقُولُونَ : لَا تَحِلّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّل إِلَّا بِنِكَاحٍ صَحِيح , وَكَانَ الْحَكَم يَقُول : هُوَ زَوْج . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَيْسَ بِزَوْجٍ ; لِأَنَّ أَحْكَام الْأَزْوَاج فِي الظِّهَار وَالْإِيلَاء وَاللِّعَان غَيْر ثَابِتَة بَيْنهمَا . وَأَجْمَعَ كُلّ مَنْ يُحْفَظ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْمَرْأَة إِذَا قَالَتْ لِلزَّوْجِ الْأَوَّل : قَدْ تَزَوَّجْت وَدَخَلَ عَلَيَّ زَوْجِي وَصَدَّقَهَا أَنَّهَا تَحِلّ لِلْأَوَّلِ . قَالَ الشَّافِعِيّ : وَالْوَرَع أَلَّا يَفْعَل إِذَا وَقَعَ فِي نَفْسه أَنَّهَا كَذَبَتْهُ . الْحَادِيَة عَشْرَة : جَاءَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب فِي هَذَا الْبَاب تَغْلِيظ شَدِيد وَهُوَ قَوْله : ( لَا أَوُتَى بِمُحَلِّلٍ وَلَا مُحَلَّل لَهُ إِلَّا رَجَمْتهمَا ) . وَقَالَ اِبْن عُمَر : التَّحْلِيل سِفَاح , وَلَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ وَلَوْ أَقَامَا عِشْرِينَ سَنَة . قَالَ أَبُو عُمَر : لَا يَحْتَمِل قَوْل عُمَر إِلَّا التَّغْلِيظ ; لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ وَضَعَ الْحَدّ عَنْ الْوَاطِئ فَرْجًا حَرَامًا قَدْ جَهِلَ تَحْرِيمه وَعَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ , فَالتَّأْوِيل أَوْلَى بِذَلِكَ وَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَا رَجْم عَلَيْهِ . قَوْله تَعَالَى : " فَإِنْ طَلَّقَهَا " يُرِيد الزَّوْج الثَّانِي . " فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا " أَيْ الْمَرْأَة وَالزَّوْج الْأَوَّل , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَلَا خِلَاف فِيهِ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ الْحُرّ إِذَا طَلَّقَ زَوْجَته ثَلَاثًا ثُمَّ اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا وَنَكَحَتْ زَوْجًا آخَر وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ فَارَقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتهَا ثُمَّ نَكَحَتْ زَوْجهَا الْأَوَّل أَنَّهَا تَكُون عِنْده عَلَى ثَلَاث تَطْلِيقَات . وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُل يُطَلِّق اِمْرَأَته تَطْلِيقَة أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ تَتَزَوَّج غَيْره ثُمَّ تَرْجِع إِلَى زَوْجهَا الْأَوَّل , فَقَالَتْ طَائِفَة : تَكُون عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقهَا , وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَكَابِر مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَأُبَيّ بْن كَعْب وَعِمْرَان بْن حُصَيْن وَأَبُو هُرَيْرَة . وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ زَيْد بْن ثَابِت وَمُعَاذ بْن جَبَل وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص , وَبِهِ قَالَ عُبَيْدَة السَّلْمَانِيّ وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَمَالِك وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَابْن أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد وَأَبُو ثَوْر وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن وَابْن نَصْر . وَفِيهِ قَوْل ثَانٍ وَهُوَ ( أَنَّ النِّكَاح جَدِيد وَالطَّلَاق جَدِيد ) , هَذَا قَوْل اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس , وَبِهِ قَالَ عَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَشُرَيْح وَالنُّعْمَان وَيَعْقُوب . وَذَكَرَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة وَوَكِيع عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم قَالَ : كَانَ أَصْحَاب عَبْد اللَّه يَقُولُونَ : أَيَهْدِمُ الزَّوْج الثَّلَاث , وَلَا يَهْدِم الْوَاحِدَة وَالِاثْنَتَيْنِ ! قَالَ : وَحَدَّثَنَا حَفْص عَنْ حَجَّاج عَنْ طَلْحَة عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّ أَصْحَاب عَبْد اللَّه كَانُوا يَقُولُونَ : يَهْدِم الزَّوْج الْوَاحِدَة وَالِاثْنَتَيْنِ كَمَا يَهْدِم الثَّلَاث , إِلَّا عُبَيْدَة فَإِنَّهُ قَالَ : هِيَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقهَا , ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّل أَقُول . وَفِيهِ قَوْل ثَالِث وَهُوَ : إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا الْأَخِير فَطَلَاق جَدِيد وَنِكَاح جَدِيد , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَعَلَى مَا بَقِيَ , هَذَا قَوْل إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ . شَرْط . قَالَ طَاوُس : إِنْ ظَنَّا أَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا يُحْسِن عِشْرَة صَاحِبه . وَقِيلَ : حُدُود اللَّه فَرَائِضه , أَيْ إِذَا عَلِمَا أَنَّهُ يَكُون بَيْنهمَا الصَّلَاح بِالنِّكَاحِ الثَّانِي , فَمَتَى عَلِمَ الزَّوْج أَنَّهُ يَعْجِز عَنْ نَفَقَة زَوْجَته أَوْ صَدَاقهَا أَوْ شَيْء مِنْ حُقُوقهَا الْوَاجِبَة عَلَيْهِ فَلَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجهَا حَتَّى يُبَيِّنْ لَهَا , أَوْ يَعْلَم مِنْ نَفْسه الْقُدْرَة عَلَى أَدَاء حُقُوقهَا , وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ بِهِ عِلَّة تَمْنَعهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاع كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّن , كَيْلَا يَغُرّ الْمَرْأَة مِنْ نَفْسه . وَكَذَلِكَ لَا يَجُوز أَنْ يَغُرّهَا بِنَسَبٍ يَدَّعِيه وَلَا مَال لَهُ وَلَا صِنَاعَة يَذْكُرهَا وَهُوَ كَاذِب فِيهَا . وَكَذَلِكَ يَجِب عَلَى الْمَرْأَة إِذَا عَلِمَتْ مِنْ نَفْسهَا الْعَجْز عَنْ قِيَامهَا بِحُقُوقِ الزَّوْج , أَوْ كَانَ بِهَا عِلَّة تَمْنَع الِاسْتِمْتَاع مِنْ جُنُون أَوْ جُذَام أَوْ بَرَص أَوْ دَاء فِي الْفَرْج لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تَغُرّهُ , وَعَلَيْهَا أَنْ تُبَيِّن لَهُ مَا بِهَا مِنْ ذَلِكَ , كَمَا يَجِب عَلَى بَائِع السِّلْعَة أَنْ يُبَيِّن مَا بِسِلْعَتِهِ مِنْ الْعُيُوب , وَمَتَى وَجَدَ أَحَد الزَّوْجَيْنِ بِصَاحِبِهِ عَيْبًا فَلَهُ الرَّدّ , فَإِنْ كَانَ الْعَيْب بِالرَّجُلِ فَلَهَا الصَّدَاق إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا , وَإِنْ لَمْ يَدْخُل بِهَا فَلَهَا نِصْفه . وَإِنْ كَانَ الْعَيْب بِالْمَرْأَةِ رَدَّهَا الزَّوْج وَأَخَذَ مَا كَانَ أَعْطَاهَا مِنْ الصَّدَاق , وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ اِمْرَأَة مِنْ بَنِي بَيَاضَة فَوَجَدَ بِكَشْحِهَا بَرَصًا فَرَدَّهَا وَقَالَ : ( دَلَّسْتُمْ عَلَيَّ ) . وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي اِمْرَأَة الْعِنِّين إِذَا سَلَّمَتْ نَفْسهَا ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنهمَا بِالْعُنَّةِ , فَقَالَ مَرَّة : لَهَا جَمِيع الصَّدَاق , وَقَالَ مَرَّة : لَهَا نِصْف الصَّدَاق , وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى اِخْتِلَاف قَوْله : بِمَ تَسْتَحِقّ الصَّدَاق بِالتَّسْلِيمِ أَوْ الدُّخُول ؟ قَوْلَانِ . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا هَلْ عَلَى الزَّوْجَة خِدْمَة أَوْ لَا ؟ فَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : لَيْسَ عَلَى الزَّوْجَة خِدْمَة , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَقْد يَتَنَاوَل الِاسْتِمْتَاع لَا الْخِدْمَة , أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدِ إِجَارَة وَلَا تَمَلّك رَقَبَة , وَإِنَّمَا هُوَ عَقْد عَلَى الِاسْتِمْتَاع , وَالْمُسْتَحَقّ بِالْعَقْدِ هُوَ الِاسْتِمْتَاع دُون غَيْره , فَلَا تُطَالَب بِأَكْثَر مِنْهُ , أَلَا تَرَى إِلَى قَوْله تَعَالَى : " فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا " [ النِّسَاء : 34 ] . وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : عَلَيْهَا خِدْمَة مِثْلهَا , فَإِنْ كَانَتْ شَرِيفَة الْمَحَلّ لِيَسَارِ أُبُوَّة أَوْ تَرَفُّه فَعَلَيْهَا التَّدْبِير لِلْمَنْزِلِ وَأَمْر الْخَادِم , وَإِنْ كَانَتْ مُتَوَسِّطَة الْحَال فَعَلَيْهَا أَنْ تَفْرِش الْفِرَاش وَنَحْو ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَتْ دُون ذَلِكَ فَعَلَيْهَا أَنْ تَقُمّ الْبَيْت وَتَطْبُخ وَتَغْسِل . وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نِسَاء الْكُرْد وَالدَّيْلَم وَالْجَبَل فِي بَلَدهنَّ كُلِّفَتْ مَا يُكَلَّفهُ نِسَاؤُهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " وَلَهُنَّ مِثْل الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ " [ الْبَقَرَة : 228 ] . وَقَدْ جَرَى عُرْف الْمُسْلِمِينَ فِي بُلْدَانهمْ فِي قَدِيم الْأَمْر وَحَدِيثه بِمَا ذَكَرْنَا , أَلَا تَرَى أَنَّ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه كَانُوا يَتَكَلَّفُونَ الطَّحِين وَالْخَبِيز وَالطَّبْخ وَفَرْش الْفِرَاش وَتَقْرِيب الطَّعَام وَأَشْبَاه ذَلِكَ , وَلَا نَعْلَم اِمْرَأَة اِمْتَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ , وَلَا يَسُوغ لَهَا الِامْتِنَاع , بَلْ كَانُوا يَضْرِبُونَ نِسَاءَهُمْ إِذَا قَصَّرْنَ فِي ذَلِكَ , وَيَأْخُذُونَهُنَّ بِالْخِدْمَةِ , فَلَوْلَا أَنَّهَا مُسْتَحِقَّة لَمَا طَالَبُوهُنَّ ذَلِكَ . حُدُود اللَّه : مَا مَنَعَ مِنْهُ , وَالْحَدّ مَانِع مِنْ الِاجْتِزَاء عَلَى الْفَوَاحِش , وَأَحَدَّتْ الْمَرْأَة : اِمْتَنَعَتْ مِنْ الزِّينَة , وَرَجُل مَحْدُود : مَمْنُوع مِنْ الْخَيْر , وَالْبَوَّاب حَدَّاد أَيْ مَانِع . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا مُسْتَوْفًى . وَإِنَّمَا قَالَ : " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " لِأَنَّ الْجَاهِل إِذَا كَثُرَ لَهُ أَمْره وَنَهْيه فَإِنَّهُ لَا يَحْفَظهُ وَلَا يَتَعَاهَدهُ . وَالْعَالِم يَحْفَظ وَيَتَعَاهَد , فَلِهَذَا الْمَعْنَى خَاطَبَ الْعُلَمَاء وَلَمْ يُخَاطِب الْجُهَّال .
| فَلَا جُنَاحَ | فلا حَرَجَ ولا إثمَ، بل يجبُ السَّعْيُ. |
|---|---|
| فَإِن طَلَّقَهَا | أي الطَّلْقَةَ الثالثةَ. |
| نكِحَ | بزَواجٍ صَحيحٍ وجِماعٍ. |
| فَإِن طَلَّقَهَا | أي الزوجُ الثاني. |
| فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِمَاۤ | أي على الزوجِ الأولِ والمرأةِ. |
| أَن یَتَرَاجَعَاۤ | أن يتزوَّجا بعَقْدٍ جديدٍ، ومَهْرٍ جديدٍ. |
| فَلَا جُنَاحَ | فلا إثمَ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian