سورة البقرة الآية ٢٥٦
سورة البقرة الآية ٢٥٦
لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ قَد تَّبَیَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَیِّۚ فَمَن یَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَیُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ ﴿٢٥٦﴾
تفسير السعدي
هذا بيان لكمال هذا الدين الإسلامي, وأنه - لكمال براهينه, واتضاح آياته, وكونه هو دين العقل والعلم, ودين الفطرة والحكمة, ودين الصلاح والإصلاح, ودين الحق والرشد, فلكماله وقبول الفطر له - لا يحتاج إلى الإكراه عليه. لأن الإكراه, إنما يقع على ما تنفر عنه القلوب, ويتنافى مع الحقيقة والحق, أو لما تخفى براهينه وآياته. وإلا فمن جاءه هذا الدين, ورده ولم يقبله, فإنه لعناده. فإنه قد تبين الرشد من الغي, فلم يبق لأحد عذر ولا حجة, إذا رده ولم يقبله. ولا منافاة بين هذا المعنى, وبين الآيات الكثيرة الموجبة للجهاد. فإن الله أمر بالقتال, ليكون الدين كله لله, ولدفع اعتداء المعتدين على الدين. وأجمع المسلمون على أن الجهاد, ماض مع البر والفاجر, وأنه من الفروض المستمرة, الجهاد القولي الفعلي. فمن ظن من المفسرين أن هذه الآية, تنافي آيات الجهاد, فجزم بأنها منسوخة - فقوله ضعيف, لفظا ومعنى, كما هو واضح بين, لمن تدبر الآية الكريمة, كما نبهنا عليه. ثم ذكر الله انقسام الناس إلى قسمين: قسم آمن بالله وحده لا شريك له, وكفر بالطاغوت - وهو كل ما ينافي الإيمان بالله من الشرك وغيره - فهذا قد استمسك بالعروة الوثقى, التي لا انفصام لها, بل هو مستقيم على الدين الصحيح, حتى يصل به إلى الله; وإلى دار كرامته. ويؤخذ القسم الثاني, من مفهوم الآية, أن من لم يؤمن بالله, بل كفر به, وآمن بالطاغوت, فإنه هالك هلاكا أبديا, ومعذب عذابا سرمديا. وقوله: " وَاللَّهُ سَمِيعٌ " أي: لجميع الأصوات, باختلاف اللغات, على تفنن الحاجات, وسميع لدعاء الداعين, وخضوع المتضرعين. " عَلِيمٌ " بما أكنته الصدور, وما خفي من خفايا الأمور. فيجازي كل أحد, بحسب ما يعلمه, من نياته وعمله.
التفسير الميسر
لكمال هذا الدين واتضاح آياته لا يُحتاج إلى الإكراه عليه لمن تُقبل منهم الجزية، فالدلائل بينة يتضح بها الحق من الباطل، والهدى من الضلال. فَمَن يكفر بكل ما عُبِد من دون الله ويؤمن بالله، فقد ثبت واستقام على الطريقة المثلى، واستمسك من الدين بأقوى سبب لا انقطاع له. والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم ونياتهم، وسيجازيهم على ذلك.
تفسير الجلالين
"لَا إكْرَاه فِي الدِّين" عَلَى الدُّخُول فِيهِ "قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْد مِنْ الْغَيّ" أَيْ ظَهَرَ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَات أَنَّ الْإِيمَان رُشْد وَالْكُفْر غَيّ نَزَلَتْ فِيمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَنْصَار أَوْلَاد أَرَادَ أَنْ يُكْرِههُمْ عَلَى الْإِسْلَام "فَمَنْ يَكْفُر بِالطَّاغُوتِ" الشَّيْطَان أَوْ الْأَصْنَام وَهُوَ يُطْلَق عَلَى الْمُفْرَد وَالْجَمْع "وَيُؤْمِن بِاَللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ" تَمَسَّكَ "بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى" بِالْعَقْدِ الْمُحْكَم "لَا انْفِصَام" انْقِطَاع "لَهَا وَاَللَّه سَمِيع" لِمَا يُقَال "عَلِيم" بِمَا يَفْعَل
تفسير ابن كثير
يَقُول تَعَالَى " لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين " أَيْ لَا تُكْرِهُوا أَحَدًا عَلَى الدُّخُول فِي دِين الْإِسْلَام فَإِنَّهُ بَيِّنٌ وَاضِحٌ جَلِيٌّ دَلَائِله وَبَرَاهِينه لَا يَحْتَاج إِلَى أَنْ يُكْرَه أَحَد عَلَى الدُّخُول فِيهِ بَلْ مَنْ هَدَاهُ اللَّه لِلْإِسْلَامِ وَشَرَحَ صَدْره وَنَوَّرَ بَصِيرَته دَخَلَ فِيهِ عَلَى بَيِّنَة وَمَنْ أَعْمَى اللَّه قَلْبه وَخَتَمَ عَلَى سَمْعه وَبَصَره فَإِنَّهُ لَا يُفِيدهُ الدُّخُول فِي الدِّين مُكْرَهًا مَقْسُورًا وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة فِي قَوْم مِنْ الْأَنْصَار وَإِنْ كَانَ حُكْمهَا عَامًّا وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا اِبْن يَسَار حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ عَنْ شُعْبَة عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَتْ الْمَرْأَة تَكُون مِقْلَاة فَتَجْعَل عَلَى نَفْسهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَد أَنْ تُهَوِّدَهُ فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِير كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاء الْأَنْصَار فَقَالُوا : لَا نَدَع أَبْنَاءَنَا فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْد مِنْ الْغَيّ " وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا عَنْ بُنْدَار بِهِ وَمِنْ وُجُوه أُخَر عَنْ شُعْبَة بِهِ نَحْوه وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث شُعْبَة بِهِ وَهَكَذَا ذَكَرَ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالشَّعْبِيّ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَغَيْرهمْ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد الْجُرَشِيّ عَنْ زَيْد بْن ثَابِت عَنْ عِكْرِمَة أَوْ عَنْ سَعِيد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله " لَا إِكْرَاه فِي الدِّين" قَالَ : نَزَلَتْ فِي رَجُل مِنْ الْأَنْصَار مِنْ بَنِي سَالِم بْن عَوْف يُقَال لَهُ الْحُصَيْنِيّ كَانَ لَهُ اِبْنَانِ نَصْرَانِيَّانِ وَكَانَ هُوَ رَجُلًا مُسْلِمًا فَقَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلَا أَسْتَكْرِههُمَا فَإِنَّهُمَا قَدْ أَبَيَا إِلَّا النَّصْرَانِيَّة فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِ ذَلِكَ رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَرَوَى السُّدِّيّ نَحْو ذَلِكَ وَزَادَ وَكَانَا قَدْ تَنَصَّرَا عَلَى أَيْدِي تُجَّار قَدِمُوا مِنْ الشَّام يَحْمِلُونَ زَبِيبًا فَلَمَّا عَزَمَا عَلَى الذَّهَاب مَعَهُمْ أَرَادَ أَبُوهُمَا أَنْ يَسْتَكْرِههُمَا وَطَلَبَ مِنْ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبْعَث فِي آثَارهمَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَوْف أَخْبَرَنَا شَرِيك عَنْ أَبِي هِلَال عَنْ أَسْبَق قَالَ : كُنْت فِي دِينهمْ مَمْلُوكًا نَصْرَانِيًّا لِعُمَر بْن الْخَطَّاب فَكَانَ يَعْرِض عَلَيَّ الْإِسْلَام فَآبَى فَيَقُول " لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " وَيَقُول يَا أَسْبَق لَوْ أَسْلَمْت لَاسْتَعَنَّا بِك عَلَى بَعْض أُمُور الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَة كَثِيرَة مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّ هَذِهِ مَحْمُولَة عَلَى أَهْل الْكِتَاب وَمَنْ دَخَلَ فِي دِينهمْ قَبْل النَّسْخ وَالتَّبْدِيل إِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَة وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ مَنْسُوخَة بِآيَةِ الْقِتَال وَأَنَّهُ يَجِب أَنْ يُدْعَى جَمِيع الْأُمَم إِلَى الدُّخُول فِي الدِّين الْحَنِيف دِين الْإِسْلَام فَإِنْ أَبَى أَحَد مِنْهُمْ الدُّخُول وَلَمْ يَنْقَدْ لَهُ أَوْ يَبْذُل الْجِزْيَة قُوتِلَ حَتَّى يُقْتَل وَهَذَا مَعْنَى لَا إِكْرَاه قَالَ اللَّه تَعَالَى" سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْس شَدِيد تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ " وَقَالَ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ " وَقَالَ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّار وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مَعَ الْمُتَّقِينَ" وَفِي الصَّحِيح عَجِبَ رَبُّك مِنْ قَوْم يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّة فِي السَّلَاسِل يَعْنِي الْأُسَارَى الَّذِينَ يُقْدَم بِهِمْ بِلَاد الْإِسْلَام فِي الْوَثَائِق وَالْأَغْلَال وَالْقُيُود وَالْأَكْبَال ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ يُسْلِمُونَ وَتَصْلُح أَعْمَالهمْ وَسَرَائِرهمْ فَيَكُونُوا مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ حُمَيْد عَنْ أَنَس أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ أَسْلِمْ قَالَ إِنِّي أَجِدُنِي كَارِهًا قَالَ وَإِنْ كُنْت كَارِهًا فَإِنَّهُ ثُلَاثِيّ صَحِيح وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيل فَإِنَّهُ لَمْ يُكْرِههُ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْإِسْلَام بَلْ دَعَاهُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ نَفْسه لَيْسَتْ قَابِلَة لَهُ بَلْ هِيَ كَارِهَة فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ وَإِنْ كُنْت كَارِهًا فَإِنَّ اللَّه سَيَرْزُقُك حُسْن النِّيَّة وَالْإِخْلَاص. وَقَوْله " فَمَنْ يَكْفُر بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاَللَّهِ فَقَدْ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا اِنْفِصَامَ لَهَا وَاَللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " أَيْ مَنْ خَلَعَ الْأَنْدَاد وَالْأَوْثَان وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ الشَّيْطَان مِنْ عِبَادَة كُلّ مَا يُعْبَد مِنْ دُون اللَّه وَوَحَّدَ اللَّه فَعَبَدَهُ وَحْدَهُ وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ " فَقَدْ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " أَيْ فَقَدْ ثَبَتَ فِي أَمْره وَاسْتَقَامَ عَلَى الطَّرِيقَة الْمُثْلَى وَالصِّرَاط الْمُسْتَقِيم قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْح الْبَلَدِيّ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص سَلَّام بْن سَلِيم عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ حَسَّان هُوَ اِبْن قَائِد الْعَبْسِيّ قَالَ : قَالَ عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - إِنَّ الْجِبْتَ السِّحْرُ وَالطَّاغُوتَ الشَّيْطَانُ وَإِنَّ الشُّجَاعَةَ وَالْجُبْنَ غَرَائِزُ تَكُون فِي الرِّجَال يُقَاتِل الشُّجَاع عَمَّنْ لَا يَعْرِف وَيَفِرُّ الْجَبَانُ مِنْ أُمّه وَإِنَّ كَرَمَ الرَّجُلِ دِينُهُ وَحَسَبَهُ خُلُقُهُ وَإِنْ كَانَ فَارِسِيًّا أَوْ نَبَطِيًّا وَهَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ حَسَّان بْن قَائِد الْعَبْسِيّ عَنْ عُمَر فَذَكَرَهُ وَمَعْنَى قَوْله فِي الطَّاغُوت إِنَّهُ الشَّيْطَان قَوِيّ جِدًّا فَإِنَّهُ يَشْمَل كُلّ شَرّ كَانَ عَلَيْهِ أَهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان وَالتَّحَاكُم إِلَيْهَا وَالِاسْتِنْصَار بِهَا . وَقَوْله " فَقَدْ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا اِنْفِصَام لَهَا " أَيْ فَقَدْ اِسْتَمْسَكَ مِنْ الدِّين بِأَقْوَى سَبَب وَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الَّتِي لَا تَنْفَصِم هِيَ فِي نَفْسهَا مُحْكَمَة مُبْرَمَة قَوِيَّة وَرَبْطهَا قَوِيّ شَدِيد وَلِهَذَا قَالَ " فَقَدْ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا اِنْفِصَام لَهَا " الْآيَة قَالَ مُجَاهِد : الْعُرْوَة الْوُثْقَى يَعْنِي الْإِيمَان وَقَالَ السُّدِّيّ : هُوَ الْإِسْلَام وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَالضَّحَّاك : يَعْنِي لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَعَنْ أَنَس بْن مَالِك الْعُرْوَة الْوُثْقَى الْقُرْآن وَعَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد قَالَ هُوَ الْحُبّ فِي اللَّه وَالْبُغْض فِي اللَّه وَكُلّ هَذِهِ الْأَقْوَال صَحِيحَة وَلَا تَنَافِي بَيْنهَا وَقَالَ مُعَاذ بْن جَبَل فِي قَوْله " لَا اِنْفِصَام لَهَا " دُون دُخُول الْجَنَّة وَقَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر " فَقَدْ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا اِنْفِصَام لَهَا " ثُمَّ قَرَأَ " إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ " وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : أَنْبَأَنَا إِسْحَاق بْن يُوسُف حَدَّثَنَا اِبْن عَوْف عَنْ مُحَمَّد بْن قَيْس بْن عُبَادَة قَالَ : كُنْت فِي الْمَسْجِد فَجَاءَ رَجُل فِي وَجْهه أَثَر مِنْ خُشُوع فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْجَزَ فِيهِمَا فَقَالَ الْقَوْم هَذَا رَجُل مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَلَمَّا خَرَجَ اِتَّبَعْته حَتَّى دَخَلَ مَنْزِله فَدَخَلْت مَعَهُ فَحَدَّثْته فَلَمَّا اِسْتَأْنَسَ قُلْت لَهُ إِنَّ الْقَوْم لَمَّا دَخَلْت الْمَسْجِد قَالُوا كَذَا وَكَذَا قَالَ سُبْحَان اللَّه مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُول مَا لَا يَعْلَم وَسَأُحَدِّثُك لِمَ : إِنِّي رَأَيْت رُؤْيَا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَصَصْتهَا عَلَيْهِ رَأَيْت كَأَنِّي فِي رَوْضَة خَضْرَاء - قَالَ اِبْن عَوْن فَذَكَرَ مِنْ خُضْرَتهَا وَسَعَتهَا - وَفِي وَسَطهَا عَمُود حَدِيد أَسْفَله فِي الْأَرْض وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاء فِي أَعْلَاهُ عُرْوَة فَقِيلَ لِي اِصْعَدْ عَلَيْهِ فَقُلْت لَا أَسْتَطِيع فَجَاءَنِي مُنْصِف - قَالَ اِبْن عَوْن هُوَ الْوَصِيف - فَرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي فَقَالَ اِصْعَدْ فَصَعِدْت حَتَّى أَخَذْت بِالْعُرْوَةِ فَقَالَ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ فَاسْتَيْقَظْت وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي فَأَتَيْت رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَصَصْتهَا عَلَيْهِ فَقَالَ أَمَّا الرَّوْضَة فَرَوْضَة الْإِسْلَام وَأَمَّا الْعَمُود فَعَمُود الْإِسْلَام وَأَمَّا الْعُرْوَة فَهِيَ الْعُرْوَة الْوُثْقَى أَنْتَ عَلَى الْإِسْلَام حَتَّى تَمُوت قَالَ وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَوْن فَقُمْت إِلَيْهِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ بِهِ . " طَرِيق أُخْرَى وَسِيَاق آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : أَنْبَأَنَا حَسَن بْن مُوسَى وَعُثْمَان قَالَا : أَنْبَأَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ الْمُسَيِّب بْن رَافِع عَنْ خَرَشَة بْن الْحُرّ قَالَ : قَدِمْت الْمَدِينَة فَجَلَسْت إِلَى مَشْيَخَة فِي مَسْجِد النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ شَيْخ يَتَوَكَّأ عَلَى عَصًا لَهُ فَقَالَ الْقَوْم : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُر إِلَى رَجُل مِنْ أَهْل الْجَنَّة فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا فَقَامَ خَلْف سَارِيَة فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقُلْت لَهُ : قَالَ بَعْض الْقَوْم كَذَا وَكَذَا فَقَالَ : الْجَنَّة لِلَّهِ يُدْخِلهَا مَنْ يَشَاء وَإِنِّي رَأَيْت عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُؤْيَا كَأَنَّ رَجُلًا أَتَانِي فَقَالَ اِنْطَلِقْ فَذَهَبْت مَعَهُ فَسَلَكَ بِي مَنْهَجًا عَظِيمًا فَعَرَضَتْ لِي طَرِيق عَنْ يَسَارِي فَأَرَدْت أَنْ أَسْلُكهَا فَقَالَ : إِنَّك لَسْت مِنْ أَهْلهَا ثُمَّ عَرَضَتْ لِي طَرِيق عَنْ يَمِينِي فَسَلَكْتهَا حَتَّى اِنْتَهَتْ إِلَى جَبَل زَلِق فَأَخَذَ بِيَدَيَّ فَدَحَا بِي فَإِذَا أَنَا عَلَى ذُرْوَته فَلَمْ أَتَقَارّ وَلَمْ أَتَمَاسَك فَإِذَا عَمُود حَدِيد فِي ذُرْوَته حَلْقَة مِنْ ذَهَب فَأَخَذَ بِيَدَيَّ فَدَحَا بِي حَتَّى أَخَذْت بِالْعُرْوَةِ فَقَالَ : اِسْتَمْسِكْ فَقُلْت نَعَمْ فَضَرَبَ الْعَمُود بِرِجْلِهِ فَاسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ فَقَصَصْتهَا عَلَى رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَأَيْت خَيْرًا أَمَّا الْمَنْهَج الْعَظِيم فَالْمَحْشَر وَأَمَّا الطَّرِيق الَّتِي عَرَضَتْ عَنْ يَسَارك فَطَرِيق أَهْل النَّار وَلَسْت مِنْ أَهْلهَا وَأَمَّا الطَّرِيق الَّتِي عَرَضَتْ عَنْ يَمِينك فَطَرِيق أَهْل الْجَنَّة وَأَمَّا الْجَبَل الزَّلِق فَمَنْزِل الشُّهَدَاء وَأَمَّا الْعُرْوَة الَّتِي اِسْتَمْسَكْت بِهَا فَعُرْوَة الْإِسْلَام فَاسْتَمْسِكْ بِهَا حَتَّى تَمُوت قَالَ فَإِنَّمَا أَرْجُو أَنْ أَكُون مِنْ أَهْل الْجَنَّة . قَالَ : وَإِذَا هُوَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ أَحْمَد بْن سُلَيْمَان عَنْ عَفَّان وَابْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ الْحَسَن بْن مُوسَى الْأَشْيَب كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة بِهِ نَحْوه وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث الْأَعْمَش عَنْ سُلَيْمَان بْن مُسْهِر عَنْ خَرَشَة بْن الْحُرّ الْفَزَارِيّ بِهِ .
تفسير القرطبي
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " لَا إِكْرَاه فِي الدِّين " الدِّين فِي هَذِهِ الْآيَة الْمُعْتَقَد وَالْمِلَّة بِقَرِينَةِ قَوْله : " قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْد مِنْ الْغَيّ " . وَالْإِكْرَاه الَّذِي فِي الْأَحْكَام مِنْ الْإِيمَان وَالْبُيُوع وَالْهِبَات وَغَيْرهَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه , وَإِنَّمَا يَجِيء فِي تَفْسِير قَوْله : " إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ " [ النَّحْل : 106 ] . وَقَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن " قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْد مِنْ الْغَيّ " وَكَذَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَن وَالشَّعْبِيّ , يُقَال : رَشَدَ يَرْشُد رُشْدًا , وَرَشِدَ يَرْشَد رَشَدًا : إِذَا بَلَغَ مَا يُحِبّ . وَغَوَى ضِدّه , عَنْ النَّحَّاس . وَحَكَى اِبْن عَطِيَّة عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ أَنَّهُ قَرَأَ " الرَّشَاد " بِالْأَلِفِ . وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن أَيْضًا " الرُّشُد " بِضَمِّ الرَّاء وَالشِّين . " الْغَيّ " مَصْدَر مِنْ غَوَى يَغْوِي إِذَا ضَلَّ فِي مُعْتَقَد أَوْ رَأْي , وَلَا يُقَال الْغَيّ فِي الضَّلَال عَلَى الْإِطْلَاق . الثَّانِيَة : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة عَلَى سِتَّة أَقْوَال : [ الْأَوَّل ] قِيلَ إِنَّهَا مَنْسُوخَة ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَكْرَهَ الْعَرَب عَلَى دِين الْإِسْلَام وَقَاتَلَهُمْ وَلَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ إِلَّا بِالْإِسْلَامِ , قَالَهُ سُلَيْمَان بْن مُوسَى , قَالَ : نَسَخَتْهَا " يَا أَيّهَا النَّبِيّ جَاهِدْ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ " [ التَّوْبَة : 73 ] . وَرُوِيَ هَذَا عَنْ اِبْن مَسْعُود وَكَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِينَ . [ الثَّانِي ] لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِي أَهْل الْكِتَاب خَاصَّة , وَأَنَّهُمْ لَا يُكْرَهُونَ عَلَى الْإِسْلَام إِذَا أَدَّوْا الْجِزْيَة , وَاَلَّذِينَ يُكْرَهُونَ أَهْل الْأَوْثَان فَلَا يُقْبَل مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَام فَهُمْ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ " يَا أَيّهَا النَّبِيّ جَاهِدْ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ " . هَذَا قَوْل الشَّعْبِيّ وَقَتَادَة وَالْحَسَن وَالضَّحَّاك . وَالْحُجَّة لِهَذَا الْقَوْل مَا رَوَاهُ زَيْد بْن أَسْلَم عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْت عُمَر بْن الْخَطَّاب يَقُول لِعَجُوزٍ نَصْرَانِيَّة : أَسْلِمِي أَيَّتهَا الْعَجُوز تَسْلَمِي , إِنَّ اللَّه بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ . قَالَتْ : أَنَا عَجُوز كَبِيرَة وَالْمَوْت إِلَيَّ قَرِيب ! فَقَالَ عُمَر : اللَّهُمَّ اِشْهَدْ , وَتَلَا " لَا إِكْرَاه فِي الدِّين " . [ الثَّالِث ] مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ فِي الْأَنْصَار , كَانَتْ تَكُون الْمَرْأَة مِقْلَاتًا فَتَجْعَل عَلَى نَفْسهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَد أَنْ تُهَوِّدهُ , فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِير كَانَ فِيهِمْ كَثِير مِنْ أَبْنَاء الْأَنْصَار فَقَالُوا : لَا نَدَع أَبْنَاءَنَا فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " لَا إِكْرَاه فِي الدِّين قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْد مِنْ الْغَيّ " . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَالْمِقْلَات الَّتِي لَا يَعِيش لَهَا وَلَد . فِي رِوَايَة : إِنَّمَا فَعَلْنَا مَا فَعَلْنَا وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ دِينهمْ أَفْضَل مِمَّا نَحْنُ عَلَيْهِ , وَأَمَّا إِذَا جَاءَ اللَّه بِالْإِسْلَامِ فَنُكْرِههُمْ عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ : " لَا إِكْرَاه فِي الدِّين " مَنْ شَاءَ اِلْتَحَقَ بِهِمْ وَمَنْ شَاءَ دَخَلَ فِي الْإِسْلَام . وَهَذَا قَوْل سَعِيد بْن جُبَيْر وَالشَّعْبِيّ وَمُجَاهِد إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : كَانَ سَبَب كَوْنهمْ فِي بَنِي النَّضِير الِاسْتِرْضَاع . قَالَ النَّحَّاس : قَوْل اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة أَوْلَى الْأَقْوَال لِصِحَّةِ إِسْنَاده , وَأَنَّ مِثْله لَا يُؤْخَذ بِالرَّأْيِ . [ الرَّابِع ] قَالَ السُّدِّيّ : نَزَلَتْ الْآيَة فِي رَجُل مِنْ الْأَنْصَار يُقَال لَهُ أَبُو حُصَيْن كَانَ لَهُ اِبْنَانِ , فَقَدِمَ تُجَّار مِنْ الشَّام إِلَى الْمَدِينَة يَحْمِلُونَ الزَّيْت , فَلَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوج أَتَاهُمْ اِبْنَا الْحُصَيْن فَدَعَوْهُمَا إِلَى النَّصْرَانِيَّة فَتَنَصَّرَا وَمَضَيَا مَعَهُمْ إِلَى الشَّام , فَأَتَى أَبُوهُمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشْتَكِيًا أَمْرهمَا , وَرَغِبَ فِي أَنْ يَبْعَث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَرُدّهُمَا فَنَزَلَتْ : " لَا إِكْرَاه فِي الدِّين " وَلَمْ يُؤْمَر يَوْمئِذٍ بِقِتَالِ أَهْل الْكِتَاب , وَقَالَ : ( أَبْعَدَهُمَا اللَّه هُمَا أَوَّل مَنْ كَفَرَ ) فَوَجَدَ أَبُو الْحُصَيْن فِي نَفْسه عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين لَمْ يَبْعَث فِي طَلَبهمَا فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ " فَلَا وَرَبّك لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنهمْ " [ النِّسَاء : 65 ] الْآيَة ثُمَّ إِنَّهُ نَسَخَ " لَا إِكْرَاه فِي الدِّين " فَأُمِرَ بِقِتَالِ أَهْل الْكِتَاب فِي سُورَة [ بَرَاءَة ] . وَالصَّحِيح فِي سَبَب قَوْله تَعَالَى : " فَلَا وَرَبّك لَا يُؤْمِنُونَ " حَدِيث الزُّبَيْر مَعَ جَاره الْأَنْصَارِيّ فِي السَّقْي , عَلَى مَا يَأْتِي فِي [ النِّسَاء ] بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . [ وَقِيلَ ] مَعْنَاهَا لَا تَقُولُوا لِمَنْ أَسْلَمَ تَحْت السَّيْف مُجْبَرًا مُكْرَهًا , وَهُوَ الْقَوْل الْخَامِس . [ وَقَوْل سَادِس ] وَهُوَ أَنَّهَا وَرَدَتْ فِي السَّبْي مَتَى كَانُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب لَمْ يُجْبَرُوا إِذَا كَانُوا كِبَارًا , وَإِنْ كَانُوا مَجُوسًا صِغَارًا أَوْ كِبَارًا أَوْ وَثَنِيِّينَ فَإِنَّهُمْ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَام ; لِأَنَّ مَنْ سَبَاهُمْ لَا يَنْتَفِع بِهِمْ مَعَ كَوْنهمْ وَثَنِيِّينَ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تُؤْكَل ذَبَائِحهمْ وَلَا تُوطَأ نِسَاؤُهُمْ , وَيَدِينُونَ بِأَكْلِ الْمَيْتَة وَالنَّجَاسَات وَغَيْرهمَا , وَيَسْتَقْذِرهُمْ الْمَالِك لَهُمْ وَيَتَعَذَّر عَلَيْهِ الِانْتِفَاع بِهِمْ مِنْ جِهَة الْمِلْك فَجَازَ لَهُ الْإِجْبَار . وَنَحْو هَذَا رَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك . وَأَمَّا أَشْهَب فَإِنَّهُ قَالَ : هُمْ عَلَى دِين مَنْ سَبَاهُمْ , فَإِذَا اِمْتَنَعُوا أُجْبِرُوا عَلَى الْإِسْلَام , وَالصِّغَار لَا دِين لَهُمْ فَلِذَلِكَ أُجْبِرُوا عَلَى الدُّخُول فِي دِين الْإِسْلَام لِئَلَّا يَذْهَبُوا إِلَى دِين بَاطِل . فَأَمَّا سَائِر أَنْوَاع الْكُفْر مَتَى بَذَلُوا الْجِزْيَة لَمْ نُكْرِههُمْ عَلَى الْإِسْلَام سَوَاء كَانُوا عَرَبًا أَمْ عَجَمًا قُرَيْشًا أَوْ غَيْرهمْ . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي الْجِزْيَة وَمَنْ تُقْبَل مِنْهُ فِي [ بَرَاءَة ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . " فَمَنْ يَكْفُر بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاَللَّهِ " جَزْم بِالشَّرْطِ . وَالطَّاغُوت مُؤَنَّثَة مِنْ طَغَى يَطْغَى . - وَحَكَى الطَّبَرِيّ يَطْغُو - إِذَا جَاوَزَ الْحَدّ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ . وَوَزْنه فَعَلُوت , وَمَذْهَب سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ اِسْم مُذَكَّر مُفْرَد كَأَنَّهُ اِسْم جِنْس يَقَع لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِير . وَمَذْهَب أَبِي عَلِيّ أَنَّهُ مَصْدَر كَرَهَبُوتٍ وَجَبَرُوت , وَهُوَ يُوصَف بِهِ الْوَاحِد وَالْجَمْع , وَقُلِبَتْ لَامه إِلَى مَوْضِع الْعَيْن وَعَيْنه مَوْضِع اللَّام كَجَبَذَ وَجَذَبَ , فَقُلِبَتْ الْوَاو أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَتَحَرُّك مَا قَبْلهَا فَقِيلَ طَاغُوت , وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل النَّحَّاس . وَقِيلَ : أَصْل طَاغُوت فِي اللُّغَة مَأْخُوذَة مِنْ الطُّغْيَان يُؤَدِّي مَعْنَاهُ مِنْ غَيْر اِشْتِقَاق , كَمَا قِيلَ : لَآلٍ مِنْ اللُّؤْلُؤ . وَقَالَ الْمُبَرِّد : هُوَ جَمْع . وَقَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَذَلِكَ مَرْدُود . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَالطَّاغُوت الْكَاهِن وَالشَّيْطَان وَكُلّه رَأْس فِي الضَّلَال , وَقَدْ يَكُون وَاحِدًا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوت وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ " [ النِّسَاء : 60 ] . وَقَدْ يَكُون جَمْعًا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت " [ الْبَقَرَة 257 ] وَالْجَمْع الطَّوَاغِيت . " وَيُؤْمِن بِاَللَّهِ " عَطْف . " فَقَدْ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " جَوَاب الشَّرْط , وَجَمْع الْوُثْقَى الْوُثْق مِثْل الْفُضْلَى وَالْفُضْل , فَالْوُثْقَى فُعْلَى مِنْ الْوَثَاقَة , وَهَذِهِ الْآيَة تَشْبِيه . وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَة الْمُفَسِّرِينَ فِي الشَّيْء الْمُشَبَّه بِهِ , فَقَالَ مُجَاهِد : الْعُرْوَة الْإِيمَان . وَقَالَ السُّدِّيّ : الْإِسْلَام . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالضَّحَّاك , لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَهَذِهِ عِبَارَات تَرْجِع إِلَى مَعْنًى وَاحِد . ثُمَّ قَالَ : " لَا اِنْفِصَام لَهَا " قَالَ مُجَاهِد : أَيْ لَا يُغَيِّر مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ , أَيْ لَا يُزِيل عَنْهُمْ اِسْم الْإِيمَان حَتَّى يَكْفُرُوا . وَالِانْفِصَام : الِانْكِسَار مِنْ غَيْر بَيْنُونَة . وَالْقَصْم : كَسْر بِبَيْنُونَةٍ , وَفِي صَحِيح الْحَدِيث ( فَيَفْصِم عَنْهُ الْوَحْي وَإِنَّ جَبِينه لَيَتَفَصَّد عَرَقًا ) أَيْ يُقْلِع . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : فَصْم الشَّيْء كَسْره مِنْ غَيْر أَنْ يَبِين , تَقُول : فَصَمْته فَانْفَصَمَ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : لَا اِنْفِصَام لَهَا " وَتُفْصَم مِثْله , قَالَهُ ذُو الرُّمَّة يَذْكُر غَزَالًا يُشَبِّههُ بِدُمْلُجِ فِضَّة : كَأَنَّهُ دُمْلُج مِنْ فِضَّة نَبَه فِي مَلْعَب مِنْ جَوَارِي الْحَيّ مَفْصُوم وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مَفْصُومًا لِتَثَنِّيه وَانْحِنَائِهِ إِذَا نَامَ . وَلَمْ يَقُلْ " مَقْصُوم " بِالْقَافِ فَيَكُون بَائِنًا بِاثْنَيْنِ . وَأفْصَمَ الْمَطَر : أَقْلَعَ . وَأَفْصَمَتْ عَنْهُ الْحُمَّى . لَمَّا كَانَ الْكُفْر بِالطَّاغُوتِ وَالْإِيمَان بِاَللَّهِ مِمَّا يَنْطِق بِهِ اللِّسَان وَيَعْتَقِدهُ الْقَلْب حَسُنَ فِي الصِّفَات " سَمِيع " مِنْ أَجْل النُّطْق " عَلِيم " مِنْ أَجْل الْمُعْتَقَد .
| لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ | لاتُكْرِهُوا أحداً على الدُّخولِ في دينِ الإسلامِ. |
|---|---|
| ٱلرُّشۡدُ | الحقُّ أو الإيمانُ. |
| ٱلۡغَیِّۚ | الباطِلُ أو الكفرُ. |
| بِٱلطَّـٰغُوتِ | بكلِّ ما عُبِدَ من دونِ اللهِ. |
| بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ | الطريقةِ المثلى، أو الإسلامِ. |
| لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ | لا انقطاعَ، ولا انكسارَ لها. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian