سورة البقرة الآية ٢٦٦
سورة البقرة الآية ٢٦٦
أَیَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةࣱ مِّن نَّخِیلࣲ وَأَعۡنَابࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ لَهُۥ فِیهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَ ٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّیَّةࣱ ضُعَفَاۤءُ فَأَصَابَهَاۤ إِعۡصَارࣱ فِیهِ نَارࣱ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَ ٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ﴿٢٦٦﴾
تفسير السعدي
وأما من أنفق لله, ثم أتبع نفقته منا وأذى, أو عمل عملا, فأتى بمبطل لذلك العمل, فهذا مثله مثال صاحب هذه الجنة, لكن سلط عليها " إِعْصَارٌ " وهو الريح الشديدة " فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ " وله ذرية ضعفاء, وهو ضعيف قد أصابه الكبر. فهذه الحال من أفظع الأحوال, ولهذا صدر هذا المثل بقوله: " أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ " إلى آخرها بالاستفهام المتقرر عند المخاطبين فظاعته. فإن تلفها دفعة واحدة, بعد زهاء أشجارها, وإيناع ثمارها, مصيبة كبرى. ثم حصول هذه الفاجعة - وصاحبها كبير قد ضعف عن العمل, وله ذرية ضعفاء, لا مساعدة منهم له, ومؤنتهم عليه - فاجعة أخرى, فصار صاحب هذا المثل, الذي عمل لله, ثم أبطل عمله بمناف له, يشبه حال صاحب الجنة, التي جرى عليها ما جرى, حين اشتدت ضرورته إليها. المثل الثالث: الذي يرائي الناس, وليس معه إيمان بالله, ولا احتساب لثوابه, حيث شبه قلبه بالصفوان, وهو: الحجر الأملس. عليه تراب يظن الرائي, أنه إذا أصابه المطر, أنبت كما تنبت الأراضي الطيبة. ولكنه كالحجر, الذي أصابه الوابل الشديد, فأذهب ما عليه من التراب, وتركه صلدا. وهذا مثل مطابق لقلب المرائي, الذي ليس فيه إيمان, بل هو قاس لا يلين ولا يخشع. فهذا, أعماله ونفقاته, لا أصل لها, تؤسس عليه, ولا غاية لها, تنتهي إليه, بل ما عمله, فهو باطل, لعدم شرطه. والذي قبله بطل بعد وجود الشرط, لوجود المانع. والأول, مقبول مضاعف, لوجود شرطه الذي هو الإيمان والإخلاص والثبات, وانتفاء الموانع المفسدة. وهذه الأمثال الثلاثة, تنطبق على جميع العاملين. فليزن العبد نفسه وغيره, بهذه الموازين العادلة, والأمثال المطابقة. " وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ " .
التفسير الميسر
أيرغب الواحد منكم أن يكون له بستان فيه النخيل والأعناب، تجري من تحت أشجارِه المياه العذبة، وله فيه من كل ألوان الثمرات، وقد بلغ الكِبَر، ولا يستطيع أن يغرس مثل هذا الغرس، وله أولاد صغار في حاجة إلى هذا البستان وفي هذه الحالة هبَّت عليه ريح شديدة، فيها نار محرقة فأحرقته؛ وهكذا حال غير المخلصين في نفقاتهم، يأتون يوم القيامة ولا حسنة لهم. وبمثل هذا البيان يبيِّن الله لكم ما ينفعكم؛ كي تتأملوا، فتخلصوا نفقاتكم لله.
تفسير الجلالين
"أَيَوَدُّ" أَيُحِبُّ "أَحَدكُمْ أَنْ تَكُون لَهُ جَنَّة" بُسْتَان "مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار لَهُ فِيهَا" لَهُ فِيهَا ثَمَر "مِنْ كُلّ الثَّمَرَات وَ" وَقَدْ "أَصَابَهُ الْكِبَر" فَضَعَفَ مِنْ الْكِبَر عَنْ الْكَسْب "وَلَهُ ذُرِّيَّة ضُعَفَاء" أَوْلَاد صِغَار لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ "فَأَصَابَهَا إعْصَار" رِيح شَدِيدَة "فِيهِ نَار فَاحْتَرَقَتْ" فَفَقَدَهَا أَحْوَج مَا كَانَ إلَيْهَا وَبَقِيَ هُوَ وَأَوْلَاده عَجَزَة مُتَحَيِّرِينَ لَا حِيلَة لَهُمْ وَهَذَا تَمْثِيل لِنَفَقَةِ الْمُرَائِي وَالْمَانّ فِي ذَهَابهَا وَعَدَم نَفْعهَا أَحْوَج مَا يَكُون إلَيْهَا فِي الْآخِرَة وَالِاسْتِفْهَام بِمَعْنَى النَّفْي وَعَنْ ابْن عَبَّاس هُوَ الرَّجُل عَمِلَ بِالطَّاعَاتِ ثُمَّ بَعَثَ لَهُ الشَّيْطَان فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَحْرَقَ أَعْمَاله "كَذَلِكَ" كَمَا بُيِّنَ مَا ذُكِرَ "يُبَيِّن اللَّه لَكُمْ الْآيَات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ" فَتَعْتَبِرُونَ
تفسير ابن كثير
قَالَ الْبُخَارِيّ عِنْد تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى حَدَّثَنَا هِشَام هُوَ اِبْن يُوسُف عَنْ اِبْن جُرَيْج سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن أَبِي مُلَيْكَة يُحَدِّث عَنْ اِبْن عَبَّاس وَسَمِعْت أَخَاهُ أَبَا بَكْر بْن أَبِي مُلَيْكَة يُحَدِّث عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ : قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب يَوْمًا لِأَصْحَابِ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَنْ تَرَوْنَ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ ؟ " أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُون لَهُ جَنَّة مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب " قَالُوا : اللَّه أَعْلَم فَغَضِبَ عُمَر فَقَالَ : قُولُوا نَعْلَم أَوْ لَا نَعْلَم فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْء يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ عُمَر : يَا اِبْن أَخِي قُلْ وَلَا تَحْقِر نَفْسك فَقَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ضُرِبَتْ مَثَلًا بِعَمَلٍ قَالَ عُمَر : أَيّ عَمَل ؟ قَالَ اِبْن عَبَّاس لِرَجُلٍ غَنِيّ يَعْمَل بِطَاعَةِ اللَّه ثُمَّ بَعَثَ اللَّه لَهُ الشَّيْطَان فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَاله ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ الْحَسَن بْن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِيّ عَنْ حَجَّاج بْن مُحَمَّد الْأَعْوَر عَنْ اِبْن جُرَيْج فَذَكَرَهُ وَهُوَ مِنْ أَفْرَاد الْبُخَارِيّ رَحِمَهُ اللَّه وَفِي هَذَا الْحَدِيث كِفَايَة فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة وَتَبْيِين مَا فِيهَا مِنْ الْمَثَل بِعَمَلِ مَنْ أَحْسَن الْعَمَل أَوَّلًا ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ اِنْعَكَسَ سَيْره فَبَدَّلَ الْحَسَنَات بِالسَّيِّئَاتِ عِيَاذًا بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ فَأَبْطَلَ بِعَمَلِهِ الثَّانِي مَا أَسْلَفَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الصَّالِح وَاحْتَاجَ إِلَى شَيْء مِنْ الْأَوَّل فِي أَضْيَق الْأَحْوَال فَلَمْ يَحْصُل مِنْهُ شَيْء وَخَانَهُ أَحْوَج مَا كَانَ إِلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَأَصَابَهُ الْكِبَر وَلَهُ ذُرِّيَّة ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَار " وَهُوَ الرِّيح الشَّدِيد " فِيهِ نَار فَاحْتَرَقَتْ " أَيْ أَحْرَقَ ثِمَارهَا وَأَبَادَ أَشْجَارهَا فَأَيّ حَال يَكُون حَاله ؟ وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا حَسَنًا وَكُلّ أَمْثَاله حَسَن قَالَ " أَيَوَدُّ أَحَدكُمْ أَنْ تَكُون لَهُ جَنَّة مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار لَهُ فِيهَا مِنْ كُلّ الثَّمَرَات" يَقُول ضَيْعَة فِي شَيْبَته " وَأَصَابَهُ الْكِبَر " وَوَلَده وَذُرِّيَّته ضِعَاف عِنْد آخِر عُمُره فَجَاءَهُ " إِعْصَار فِيهِ نَار " فَاحْتَرَقَ بُسْتَانه فَلَمْ يَكُنْ عِنْده قُوَّة أَنْ يَغْرِس مِثْله وَلَمْ يَكُنْ عِنْد نَسْله خَيْر يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْكَافِر يَكُون يَوْم الْقِيَامَة إِذْ رُدَّ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ لَهُ خَيْر فَيُسْتَعْتَب كَمَا لَيْسَ لِهَذَا قُوَّة فَيَغْرِس مِثْل بُسْتَانه وَلَا يَجِدهُ قَدَّمَ لِنَفْسِهِ خَيْرًا يَعُود عَلَيْهِ كَمَا لَمْ يُغْنِ عَنْ هَذَا وَلَده وَحُرِمَ أَجْره عِنْد أَفْقَرَ مَا كَانَ إِلَيْهِ حُرِمَ هَذَا جَنَّته عِنْدَمَا كَانَ أَفْقَرَ مَا كَانَ إِلَيْهَا عِنْد كِبَره وَضَعْف ذُرِّيَّته وَهَكَذَا رَوَى الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ اِجْعَلْ أَوْسَع رِزْقك عَلَيَّ عِنْد كِبَر سِنِّي وَانْقِضَاء عُمْرِي وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ " أَيْ تَعْتَبِرُونَ وَتَفْهَمُونَ الْأَمْثَال وَالْمَعَانِي وَتُنْزِلُونَهَا عَلَى الْمُرَاد مِنْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ " .
تفسير القرطبي
حَكَى الطَّبَرِيّ عَنْ السُّدِّيّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مَثَل آخَر لِنَفَقَةِ الرِّيَاء , وَرَجَّحَ هُوَ هَذَا الْقَوْل . قُلْت وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا قَالَ : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْمُرَائِينَ بِالْأَعْمَالِ يُبْطِلهَا يَوْم الْقِيَامَة أَحْوَج مَا كَانَ إِلَيْهَا , كَمَثَلِ رَجُل كَانَتْ لَهُ جَنَّة وَلَهُ أَطْفَال لَا يَنْفَعُونَهُ فَكَبِرَ وَأَصَابَ الْجَنَّة إِعْصَار أَيْ رِيح عَاصِف فِيهِ نَار فَاحْتَرَقَتْ فَفَقَدَهَا أَحْوَج مَا كَانَ إِلَيْهَا . وَحُكِيَ عَنْ اِبْن زَيْد أَنَّهُ قَرَأَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى " [ الْبَقَرَة : 264 ] الْآيَة , قَالَ : ثُمَّ ضَرَبَ فِي ذَلِكَ مَثَلًا فَقَالَ : " أَيَوَدُّ أَحَدكُمْ " الْآيَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا أَبْيَن مِنْ الَّذِي رَجَّحَ الطَّبَرِيّ , وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَة بِمَثَلٍ آخَر لِنَفَقَةِ الرِّيَاء , هَذَا هُوَ مُقْتَضَى سِيَاق الْكَلَام . وَأَمَّا بِالْمَعْنَى فِي غَيْر هَذَا السِّيَاق فَتُشْبِه حَال كُلّ مُنَافِق أَوْ كَافِر عَمِلَ عَمَلًا وَهُوَ يَحْسَب أَنَّهُ يُحْسِن صُنْعًا فَلَمَّا جَاءَ إِلَى وَقْت الْحَاجَة لَمْ يَجِد شَيْئًا . قُلْت : قَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهَا مَثَل لِمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّه مِنْ مُنَافِق وَكَافِر عَلَى مَا يَأْتِي , إِلَّا أَنَّ الَّذِي ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيّ عَنْهُ خِلَاف هَذَا . خَرَّجَ الْبُخَارِيّ عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر قَالَ : قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب يَوْمًا لِأَصْحَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ " أَيَوَدُّ أَحَدكُمْ أَنْ تَكُون لَهُ جَنَّة مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب " ؟ قَالُوا : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم , فَغَضِبَ عُمَر وَقَالَ : قُولُوا : نَعْلَم أَوْ لَا نَعْلَم ! فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْء يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , قَالَ : يَا اِبْن أَخِي قُلْ وَلَا تُحَقِّر نَفْسك , قَالَ اِبْن عَبَّاس : ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ . قَالَ عُمَر : أَيّ عَمَل ؟ قَالَ اِبْن عَبَّاس : لِعَمَلِ رَجُل غَنِيّ يَعْمَل بِطَاعَةِ اللَّه ثُمَّ بَعَثَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ الشَّيْطَان فَعَمِلَ فِي الْمَعَاصِي حَتَّى أَحْرَقَ عَمَله . فِي رِوَايَة : فَإِذَا فَنِيَ عُمُره وَاقْتَرَبَ أَجَله خَتَمَ ذَلِكَ بِعَمَلٍ مِنْ أَعْمَال الشَّقَاء , فَرَضِيَ ذَلِكَ عُمَر . وَرَوَى اِبْن أَبِي مُلَيْكَة أَنَّ عُمَر تَلَا هَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ : هَذَا مَثَل ضُرِبَ لِلْإِنْسَانِ يَعْمَل عَمَلًا صَالِحًا حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْد آخِر عُمُره أَحْوَج مَا يَكُون إِلَيْهِ عَمِلَ عَمَل السُّوء . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : فَهَذَا نَظَر يَحْمِل الْآيَة عَلَى كُلّ مَا يَدْخُل تَحْت أَلْفَاظهَا , وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَالرَّبِيع وَغَيْرهمْ . وَخَصَّ النَّخِيل وَالْأَعْنَاب بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِمَا وَفَضْلهمَا عَلَى سَائِر الشَّجَر . وَقَرَأَ الْحَسَن " جَنَّات " بِالْجَمْعِ . " تَجْرِي " فِي مَوْضِع النَّعْت لِجَنَّة وَهُوَ مَرْفُوع لِأَنَّهُ فِعْل مُسْتَقْبَل فَحُذِفَتْ الضَّمَّة مِنْ الْيَاء لِثِقَلِهَا مَعَهَا " مِنْ تَحْتهَا " أَيْ مِنْ تَحْت أَشْجَارهَا وَلَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر ; لِأَنَّ الْجَنَّات دَالَّة عَلَيْهَا . " الْأَنْهَار " أَيْ مَاء الْأَنْهَار فَنُسِبَ الْجَرْي إِلَى الْأَنْهَار تَوَسُّعًا وَإِنَّمَا يَجْرِي الْمَاء وَحْده فَحُذِفَ اخْتِصَارًا كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " [ يُوسُف : 82 ] أَيْ أَهْلهَا وَقَالَ الشَّاعِر : نُبِّئْت أَنَّ النَّار بَعْدك أُوقِدَتْ وَاسْتُبَّ بَعْدك يَا كُلَيْب الْمَجْلِس أَرَادَ : أَهْل الْمَجْلِس , فَحُذِفَ . وَالنَّهَر : مَأْخُوذ مِنْ أَنْهَرْت , أَيْ وَسَّعْت وَمِنْهُ قَوْل قَيْس بْن الْخَطِيم : مَلَكْت بِهَا كَفِّي فَأَنْهَرْت فَتْقهَا يَرَى قَائِم مِنْ دُونهَا مَا وَرَاءَهَا أَيْ وَسَّعْتهَا يَصِف طَعْنَة وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا أَنْهَرَ الدَّم وَذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلُوهُ ) مَعْنَاهُ مَا وَسَّعَ الذَّبْح حَتَّى يَجْرِي الدَّم كَالنَّهَرِ وَجَمْع النَّهَر نُهُر وَأَنْهَار , وَنَهَر نِهَر كَثِير الْمَاء , قَالَ أَبُو ذُؤَيْب : أَقَامَتْ بِهِ فَابْتَنَتْ خَيْمَة عَلَى قَصَب وَفُرَات نَهَر يُرِيد لَيْسَ شَيْء مِنْ الثِّمَار إِلَّا وَهُوَ فِيهَا نَابِت . عَطَفَ مَاضِيًا عَلَى مُسْتَقْبَل وَهُوَ " تَكُون " وَقِيلَ : " يَوَدّ " فَقِيلَ : التَّقْدِير وَقَدْ أَصَابَهُ الْكِبَر . وَقِيلَ إِنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَعْنَى أَيَوَدُّ أَحَدكُمْ أَنْ لَوْ كَانَتْ لَهُ جَنَّة . وَقِيلَ : الْوَاو وَاو الْحَال , وَكَذَا فِي قَوْله تَعَالَى " وَلَهُ " . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : ( إِنَّ هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِلْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ , كَهَيْئَةِ رَجُل غَرَسَ بُسْتَانًا فَأَكْثَرَ فِيهِ مِنْ الثَّمَر فَأَصَابَهُ الْكِبَر وَلَهُ ذُرِّيَّة ضُعَفَاء - يُرِيد صِبْيَانًا بَنَات وَغِلْمَانًا - فَكَانَتْ مَعِيشَته وَمَعِيشَة ذُرِّيَّته مِنْ ذَلِكَ الْبُسْتَان , فَأَرْسَلَ اللَّه عَلَى بُسْتَانه رِيحًا فِيهَا نَار فَأَحْرَقَتْهُ , وَلَمْ يَكُنْ عِنْده قُوَّة فَيَغْرِسهُ ثَانِيَة , وَلَمْ يَكُنْ عِنْد بَنِيهِ خَيْر فَيَعُودُونَ عَلَى أَبِيهِمْ . وَكَذَلِكَ الْكَافِر وَالْمُنَافِق إِذَا وَرَدَ إِلَى اللَّه تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة لَيْسَتْ لَهُ كَرَّة يُبْعَث فَيُرَدّ ثَانِيَة , كَمَا لَيْسَتْ عِنْد هَذَا قُوَّة فَيَغْرِس بُسْتَانه ثَانِيَة , وَلَمْ يَكُنْ عِنْده مَنْ اِفْتَقَرَ إِلَيْهِ عِنْد كِبَر سِنّه وَضَعْف ذُرِّيَّته غِنًى عَنْهُ ) قَالَ الْحَسَن : " إِعْصَار فِيهِ نَار " رِيح فِيهَا بَرْد شَدِيد . الزَّجَّاج : الْإِعْصَار فِي اللُّغَة الرِّيح الشَّدِيدَة الَّتِي تَهُبّ مِنْ الْأَرْض إِلَى السَّمَاء كَالْعَمُودِ , وَهِيَ الَّتِي يُقَال لَهَا : الزَّوْبَعَة . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الزَّوْبَعَة رَئِيس مِنْ رُؤَسَاء الْجِنّ , وَمِنْهُ سُمِّيَ الْإِعْصَار زَوْبَعَة . وَيُقَال : أُمّ زَوْبَعَة , وَهِيَ رِيح تُثِير الْغُبَار وَتَرْتَفِع إِلَى السَّمَاء كَأَنَّهَا عَمُود . وَقِيلَ : الْإِعْصَار رِيح تُثِير سَحَابًا ذَا رَعْد وَبَرْق . الْمَهْدَوِيّ : قِيلَ لَهَا إِعْصَار لِأَنَّهَا تَلْتَفّ كَالثَّوْبِ إِذَا عُصِرَ . اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا ضَعِيف . قُلْت : بَلْ هُوَ صَحِيح ; لِأَنَّهُ الْمُشَاهَد الْمَحْسُوس , فَإِنَّهُ يَصْعَد عَمُودًا مُلْتَفًّا . وَقِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ لِلرِّيحِ إِعْصَار ; لِأَنَّهُ يَعْصِر السَّحَاب , وَالسَّحَاب مُعْصِرَات إِمَّا لِأَنَّهَا حَوَامِل فَهِيَ كَالْمُعْصِرِ مِنْ النِّسَاء . وَإِمَّا لِأَنَّهَا تَنْعَصِر بِالرِّيَاحِ . وَحَكَى اِبْن سِيدَه : إِنَّ الْمُعْصِرَات فَسَّرَهَا قَوْم بِالرِّيَاحِ لَا بِالسَّحَابِ . اِبْن زَيْد : الْإِعْصَار رِيح عَاصِف وَسَمُوم شَدِيدَة , وَكَذَلِكَ قَالَ السُّدِّيّ : الْإِعْصَار الرِّيح وَالنَّار السَّمُوم . اِبْن عَبَّاس : رِيح فِيهَا سَمُوم شَدِيدَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَيَكُون ذَلِكَ فِي شِدَّة الْحَرّ وَيَكُون فِي شِدَّة الْبَرْد , وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ فَيْح جَهَنَّم وَنَفَسِهَا , كَمَا تَضَمَّنَ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا اِشْتَدَّ الْحَرّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاة فَإِنَّ شِدَّة الْحَرّ مِنْ فَيْح جَهَنَّم ) /و ( إِنَّ النَّار اِشْتَكَتْ إِلَى رَبّهَا ) الْحَدِيث . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : ( إِنَّ هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِلْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ , كَهَيْئَةِ رَجُل غَرَسَ بُسْتَانًا فَأَكْثَرَ فِيهِ مِنْ الثَّمَر فَأَصَابَهُ الْكِبَر وَلَهُ ذُرِّيَّة ضُعَفَاء - يُرِيد صِبْيَانًا بَنَات وَغِلْمَانًا - فَكَانَتْ مَعِيشَته وَمَعِيشَة ذُرِّيَّته مِنْ ذَلِكَ الْبُسْتَان , فَأَرْسَلَ اللَّه عَلَى بُسْتَانه رِيحًا فِيهَا نَار فَأَحْرَقَتْهُ , وَلَمْ يَكُنْ عِنْده قُوَّة فَيَغْرِسهُ ثَانِيَة , وَلَمْ يَكُنْ عِنْد بَنِيهِ خَيْر فَيَعُودُونَ عَلَى أَبِيهِمْ . وَكَذَلِكَ الْكَافِر وَالْمُنَافِق إِذَا وَرَدَ إِلَى اللَّه تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة لَيْسَتْ لَهُ كَرَّة يُبْعَث فَيُرَدّ ثَانِيَة , كَمَا لَيْسَتْ عِنْد هَذَا قُوَّة فَيَغْرِس بُسْتَانه ثَانِيَة , وَلَمْ يَكُنْ عِنْده مَنْ اِفْتَقَرَ إِلَيْهِ عِنْد كِبَر سِنّه وَضَعْف ذُرِّيَّته غِنًى عَنْهُ . يُرِيد كَيْ تَرْجِعُوا إِلَى عَظَمَتِي وَرُبُوبِيَّتِي وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي أَوْلِيَاء . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : تَتَفَكَّرُونَ فِي زَوَال الدُّنْيَا وَفَنَائِهَا وَإِقْبَال الْآخِرَة وَبَقَائِهَا .
| مِن تَحۡتِهَا | من تحتِ قُصُورِ الجنَّاتِ العاليةِ وأشجارِها الظَّليلةِ. |
|---|---|
| كَذَ ٰلِكَ | أي: كما أراهم عذاَبه، يُريهم أعمالَهم الفاسدةَ. |
| ذَ ٰلِكَ | أي بالهَدْيِ وما تَرَتَّبَ عليه من الصِّيامِ. |
| أَیَوَدُّ أَحَدُكُمۡ | نَزَلَتِ الآيةُ في رجلٍ غنيٍّ يعملُ بطاعةِ اللهِ، ثم يعملُ بالمعاصي. |
| إِعۡصَارࣱ | ريحٌ شديدةٌ فيها نارٌ مُحرقةٌ. |
| كَذَ ٰلِكَ | هكذا حالُ غيرِ المخلصينَ في نفقاتِهم. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian