سورة البقرة الآية ٦٢
سورة البقرة الآية ٦٢
إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِینَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔینَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ ﴿٦٢﴾
تفسير السعدي
ثم قال تعالى حاكما بين الفرق الكتابية " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " . وهذا الحكم على أهل الكتاب خاصة, لأن الصابئين, الصحيح, أنهم من جملة فرق النصارى. فأخبر الله أن المؤمنين من هذه الأمة, واليهود والنصارى, والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر, وصدقوا رسلهم, فإن لهم الأجر العظيم, والأمن, ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأما من كفر منهم بالله ورسله واليوم الآخر, فهو بضد هذه الحال, فعليه الخوف والحزن. والصحيح أن هذا الحكم بين هذه الطوائف, من حيث هم, لا بالنسبة إلى الإيمان بمحمد, فإن هذا, إخبار عنهم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وأن هذا مضمون أحوالهم. وهذه طريقة القرآن, إذا وقع في بعض النفوس عند سياق الآيات بعض الأوهام, فلا بد أن تجد ما يزيل ذلك الوهم, لأنه تنزيل ممن يعلم الأشياء قبل وجودها, ومن رحمته وسعت كل شيء. وذلك - والله أعلم - أنه ذكر بني إسرائيل وذمهم, وذكر معاصيهم وقبائحهم, ربما وقع في بعض النفوس, أنهم كلهم يشملهم الذم. فأراد الباري تعالى أن يبين من لا يلحقه الذم منهم بوصفه. ولما كان أيضا, ذكر بني إسرائيل خاصة, يوهم الاختصاص بهم, ذكر تعالى حكما عاما يشمل الطوائف كلها, ليتضح الحق, ويزول التوهم والإشكال. فسبحان من أودع في كتابه, ما يبهر عقول العالمين.
التفسير الميسر
إن المؤمنين من هذه الأمة، الذين صدَّقوا بالله ورسله، وعملوا بشرعه، والذين كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من الأمم السالفة من اليهود، والنصارى، والصابئين- وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه- هؤلاء جميعًا إذا صدَّقوا بالله تصديقًا صحيحًا خالصًا، وبيوم البعث والجزاء، وعملوا عملا مرضيًا عند الله، فثوابهم ثابت لهم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا. وأما بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمًا للنبيين والمرسلين إلى الناس كافة، فلا يقبل الله من أحد دينًا غير ما جاء به، وهو الإسلام.
تفسير الجلالين
"إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا" بِالْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْل "وَاَلَّذِينَ هَادُوا" هُمْ الْيَهُود "وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ" طَائِفَة مِنْ الْيَهُود أَوْ النَّصَارَى "مَنْ آمَنَ" مِنْهُمْ "بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر" فِي زَمَن نَبِيّنَا "وَعَمِلَ صَالِحًا" بِشَرِيعَتِهِ "فَلَهُمْ أَجْرهمْ" أَيْ ثَوَاب أَعْمَالهمْ "عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" رُوعِيَ فِي ضَمِير آمَنَ وَعَمَل لَفْظ مَنْ وَفِيمَا بَعْده مَعْنَاهَا
تفسير ابن كثير
لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى حَالَ مَنْ خَالَفَ أَوَامِره وَارْتَكَبَ زَوَاجِره وَتَعَدَّى فِي فِعْل مَا لَا إِذْن فِيهِ وَانْتَهَكَ الْمَحَارِم وَمَا أَحَلَّ بِهِمْ مِنْ النَّكَال نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْسَنَ مِنْ الْأُمَم السَّالِفَة وَأَطَاعَ فَإِنَّ لَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَكَذَلِكَ الْأَمْر إِلَى قِيَام السَّاعَة كُلّ مَنْ اِتَّبَعَ الرَّسُول النَّبِيّ الْأُمِّيّ فَلَهُ السَّعَادَة الْأَبَدِيَّة وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا يَتْرُكُونَهُ وَيُخَلِّفُونَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى " أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " وَكَمَا تَقُول الْمَلَائِكَة لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْد الِاحْتِضَار فِي قَوْله" إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّه ثُمَّ اِسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ " قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عُمَر بْن أَبِي عُمَر الْعَدَوِيّ حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : قَالَ سَلْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ سَأَلْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَهْل دِين كُنْت مَعَهُمْ فَذَكَرْت مِنْ صَلَاتهمْ وَعِبَادَتهمْ فَنَزَلَتْ " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر " الْآيَة وَقَالَ السُّدِّيّ إِنَّ " الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَعَمِلَ صَالِحًا " الْآيَة نَزَلَتْ فِي أَصْحَاب سَلْمَان الْفَارِسِيّ بَيْنَا هُوَ يُحَدِّث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ ذَكَرَ أَصْحَابه فَأَخْبَرَهُ خَبَرهمْ فَقَالَ : كَانُوا يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيُؤْمِنُونَ بِك وَيَشْهَدُونَ أَنَّك سَتُبْعَثُ نَبِيًّا فَلَمَّا فَرَغَ سَلْمَان مِنْ ثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ لَهُ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَا سَلْمَان مِنْ أَهْل النَّار " فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى سَلْمَان فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة فَكَانَ إِيمَان الْيَهُود أَنَّهُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ وَسُنَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى جَاءَ عِيسَى فَلَمَّا جَاءَ عِيسَى كَانَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْرَاةِ وَأَخَذَ بِسُنَّةِ مُوسَى فَلَمْ يَدَعهَا وَلَمْ يَتْبَع عِيسَى كَانَ هَالِكًا وَإِيمَان النَّصَارَى أَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْإِنْجِيلِ مِنْهُمْ وَشَرَائِع عِيسَى كَانَ مُؤْمِنًا مَقْبُولًا مِنْهُ حَتَّى جَاءَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ لَمْ يَتَّبِع مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ وَيَدَع مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سُنَّة عِيسَى وَالْإِنْجِيل كَانَ هَالِكًا . قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : وَرُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر نَحْو هَذَا " قُلْت " هَذَا لَا يُنَافِي مَا رَوَى عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر " - قَالَ - فَأَنْزَلَ اللَّه بَعْد ذَلِكَ " وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْر الْإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة مِنْ الْخَاسِرِينَ " فَإِنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ اِبْن عَبَّاس إِخْبَارٌ عَنْ أَنَّهُ لَا يُقْبَل مِنْ أَحَد طَرِيقَةً وَلَا عَمَلًا إِلَّا مَا كَانَ مُوَافِقًا لِشَرِيعَةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد أَنْ بَعَثَهُ بِهِ فَأَمَّا قَبْل ذَلِكَ فَكُلّ مَنْ اِتَّبَعَ الرَّسُول فِي زَمَانه فَهُوَ عَلَى هُدًى وَسَبِيل وَنَجَاة فَالْيَهُود أَتْبَاع مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَاَلَّذِينَ كَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَى التَّوْرَاة فِي زَمَانهمْ وَالْيَهُود مِنْ الْهَوَادَة وَهِيَ الْمَوَدَّة أَوْ التَّهَوُّد وَهِيَ التَّوْبَة كَقَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام " إِنَّا هُدْنَا إِلَيْك " أَيْ تُبْنَا فَكَأَنَّهُمْ سُمُّوا بِذَلِكَ فِي الْأَصْل لِتَوْبَتِهِمْ وَمَوَدَّتهمْ فِي بَعْضهمْ لِبَعْضٍ وَقِيلَ لِنِسْبَتِهِمْ إِلَى يَهُودَا أَكْبَر أَوْلَاد يَعْقُوب وَقَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء لِأَنَّهُمْ يَتَهَوَّدُونَ أَيْ يَتَحَرَّكُونَ عِنْد قِرَاءَة التَّوْرَاة فَلَمَّا بُعِثَ عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل اِتِّبَاعه وَالِانْقِيَاد لَهُ فَأَصْحَابه وَأَهْل دِينه هُمْ النَّصَارَى وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِتَنَاصُرِهِمْ فِيمَا بَيْنهمْ وَقَدْ يُقَال لَهُمْ أَنْصَار أَيْضًا كَمَا قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام " مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَار اللَّه " وَقِيلَ إِنَّهُمْ سُمُّوا بِذَلِكَ مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَال لَهَا نَاصِرَة قَالَهُ قَتَادَة وَابْن جُرَيْج وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَاَللَّه أَعْلَم . وَالنَّصَارَى جَمَعَ نَصْرَان كَنَشَاوَى جَمْع نَشْوَان وَسُكَارَى جَمْع سَكْرَان وَيُقَال لِلْمَرْأَةِ نَصْرَانَة قَالَ الشَّاعِر : نَصْرَانَة لَمْ تَحْنَف فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا لِلنَّبِيِّينَ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي آدَم عَلَى الْإِطْلَاق وَجَبَ عَلَيْهِمْ تَصْدِيقه فِيمَا أَخْبَرَ وَطَاعَته فِيمَا أَمَرَ وَالِانْكِفَاف عَمَّا عَنْهُ زَجَرَ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا وَسُمِّيَتْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤْمِنِينَ لِكَثْرَةِ إِيمَانهمْ وَشِدَّة إِيقَانهمْ وَلِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاء الْمَاضِيَة وَالْغُيُوب الْآتِيَة وَأَمَّا الصَّابِئِينَ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِمْ فَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم عَنْ مُجَاهِد قَالَ الصَّابِئُونَ قَوْم بَيْن الْمَجُوس وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى لَيْسَ لَهُمْ دِين وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْهُ . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاء وَسَعِيد بْن جُبَيْر نَحْو ذَلِكَ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَالسُّدِّيّ وَأَبُو الشَّعْثَاء جَابِر بْن زَيْد وَالضَّحَّاك وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ الصَّابِئُونَ فِرْقَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب يَقْرَءُونَ الزَّبُور وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَإِسْحَاق لَا بَأْس بِذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَتهمْ. وَقَالَ هُشَيْم عَنْ مُطَرِّف : كُنَّا عِنْد الْحَكَم بْن عُتْبَة فَحَدَّثَهُ رَجُل مِنْ أَهْل الْبَصْرَة عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي الصَّابِئِينَ إِنَّهُمْ كَالْمَجُوسِ فَقَالَ الْحَكَم أَلَمْ أُخْبِركُمْ بِذَلِكَ وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ مُعَاوِيَة بْن عَبْد الْكَرِيم سَمِعْت الْحَسَن ذَكَرَ الصَّابِئِينَ فَقَالَ : هُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة . وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْحَسَن قَالَ : أَخْبَرَ زِيَاد أَنَّ الصَّابِئِينَ يُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَة وَيُصَلُّونَ الْخَمْس قَالَ : فَأَرَادَ أَنْ يَضَع عَنْهُمْ الْجِزْيَة قَالَ فَخُبِّرَ بَعْدُ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ بَلَغَنِي أَنَّ الصَّابِئِينَ قَوْم يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة وَيَقْرَءُونَ الزَّبُور وَيُصَلُّونَ لِلْقِبْلَةِ وَكَذَا قَالَ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي اِبْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ أَبِيهِ قَالَ : الصَّابِئُونَ قَوْم مِمَّا يَلِي الْعِرَاق وَهُمْ بِكُوثَى وَهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّينَ كُلّهمْ وَيَصُومُونَ مِنْ كُلّ سَنَة ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَيُصَلُّونَ إِلَى الْيَمَن كُلّ يَوْم خَمْس صَلَوَات وَسُئِلَ وَهْب بْن مُنَبِّه عَنْ الصَّابِئِينَ فَقَالَ : الَّذِي يَعْرِف اللَّه وَحْده وَلَيْسَتْ لَهُ شَرِيعَة يَعْمَل بِهَا وَلَمْ يُحْدِث كُفْرًا . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن وَهْب : قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد الصَّابِئُونَ أَهْل دِين مِنْ الْأَدْيَان كَانُوا بِجَزِيرَةِ الْمَوْصِل يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَلَيْسَ لَهُمْ عَمَل وَلَا كِتَاب وَلَا نَبِيّ إِلَّا قَوْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه قَالَ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولٍ فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه هَؤُلَاءِ الصَّابِئُونَ يُشَبِّهُونَهُمْ بِهِمْ يَعْنِي فِي قَوْله لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَقَالَ الْخَلِيل : هُمْ قَوْم يُشْبِهُ دِينُهُمْ دِينَ النَّصَارَى إِلَّا أَنَّ قِبْلَتهمْ نَحْو مَهَبّ الْجَنُوب يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى دِين نُوح عَلَيْهِ السَّلَام وَحَكَى الْقُرْطُبِيّ عَنْ مُجَاهِد وَالْحَسَن وَابْن أَبِي نَجِيح أَنَّهُمْ قَوْم تَرَكَّبَ دِينهمْ بَيْن الْيَهُود وَالْمَجُوس وَلَا تُؤْكَل ذَبَائِحهمْ وَلَا تُنْكَح نِسَاؤُهُمْ قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ مَذْهَبهمْ فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ وَيَعْتَقِدُونَ تَأْثِير النُّجُوم وَأَنَّهُمْ فَاعِلَة وَلِهَذَا أَفْتَى أَبُو سَعِيد الْإِصْطَخْرِيّ بِكُفْرِهِمْ لِلْقَادِرِ بِاَللَّهِ حِين سَأَلَهُ عَنْهُمْ وَاخْتَارَ الرَّازِيّ أَنَّ الصَّابِئِينَ قَوْم يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِب بِمَعْنَى أَنَّ اللَّه جَعَلَهَا قِبْلَة لِلْعِبَادَةِ وَالدُّعَاء أَوْ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّه فَوَّضَ تَدْبِير أَمْر هَذَا الْعَالَم إِلَيْهَا قَالَ : وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الْمَنْسُوب إِلَى الكشرانيين الَّذِينَ جَاءَهُمْ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام رَادًّا عَلَيْهِمْ وَمُبْطِلًا لِقَوْلِهِمْ وَأَظْهَرُ الْأَقْوَال - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - قَوْلُ مُجَاهِد وَمُتَابِعِيهِ وَوَهْب بْن مُنَبِّه أَنَّهُمْ قَوْم لَيْسُوا عَلَى دِين الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى وَلَا الْمَجُوس وَلَا الْمُشْرِكِينَ وَإِنَّمَا هُمْ قَوْم بَاقُونَ عَلَى فِطْرَتهمْ وَلَا دِين مُقَرَّر لَهُمْ يَتَّبِعُونَهُ وَيَقْتَفُونَهُ . وَلِهَذَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَنْبِزُونَ مَنْ أَسْلَمَ بِالصَّابِئِ أَيْ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ سَائِر أَدْيَان أَهْل الْأَرْض إِذْ ذَاكَ وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء الصَّابِئُونَ الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغهُمْ دَعْوَة نَبِيّ وَاَللَّه أَعْلَم .
تفسير القرطبي
أَيْ صَدَّقُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ سُفْيَان : الْمُرَاد الْمُنَافِقُونَ . كَأَنَّهُ قَالَ : الَّذِينَ آمَنُوا فِي ظَاهِر أَمْرهمْ , فَلِذَلِكَ قَرَنَهُمْ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ , ثُمَّ بَيَّنَ حُكْم مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر مِنْ جَمِيعهمْ مَعْنَاهُ صَارُوا يَهُودًا , نُسِبُوا إِلَى يَهُوذَا وَهُوَ أَكْبَر وَلَد يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام , فَقَلَبَتْ الْعَرَب الذَّال دَالًا ; لِأَنَّ الْأَعْجَمِيَّة إِذَا عُرِّبَتْ غُيِّرَتْ عَنْ لَفْظهَا . وَقِيلَ : سُمُّوا بِذَلِكَ لِتَوْبَتِهِمْ عَنْ عِبَادَة الْعِجْل . هَادَ : تَابَ . وَالْهَائِد : التَّائِب , قَالَ الشَّاعِر : إِنِّي اِمْرُؤٌ مِنْ حُبّه هَائِد أَيْ تَائِب . وَفِي التَّنْزِيل : " إِنَّا هُدْنَا إِلَيْك " [ الْأَعْرَاف : 156 ] أَيْ تُبْنَا . وَهَادَ الْقَوْم يَهُودُونَ هَوْدًا وَهِيَادَة إِذَا تَابُوا . وَقَالَ اِبْن عَرَفَة : " هُدْنَا إِلَيْك " أَيْ سَكَنَّا إِلَى أَمْرك . وَالْهَوَادَة السُّكُون وَالْمُوَادَعَة . قَالَ : وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا " . وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّال : " هَادُوا " بِفَتْحِ الدَّال . جَمْع وَاحِده نَصْرَانِيّ . وَقِيلَ : نَصْرَان بِإِسْقَاطِ الْيَاء , وَهَذَا قَوْل سِيبَوَيْهِ . وَالْأُنْثَى نَصْرَانَة , كَنَدْمَان وَنَدْمَانَة . وَهُوَ نَكِرَة يُعَرَّف بِالْأَلِفِ وَاللَّام , قَالَ الشَّاعِر : صَدَّتْ كَمَا صَدَّ عَمَّا لَا يَحِلّ لَهُ سَاقِي نَصَارَى قُبَيْل الْفِصْح صُوَّام فَوَصَفَهُ بِالنَّكِرَةِ . وَقَالَ الْخَلِيل : وَاحِد النَّصَارَى نَصْرِي , كَمَهْرِيّ وَمَهَارَى . وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ شَاهِدًا عَلَى قَوْله : تَرَاهُ إِذَا دَار الْعِشَا مُتَحَنِّفًا وَيُضْحِي لَدَيْهِ وَهُوَ نَصْرَان شَامِس وَأُنْشِدَ : فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأُسْجِد رَأْسهَا كَمَا أَسُجِدَتْ نَصْرَانَة لَمْ تَحَنَّف يُقَال : أُسْجِدَ إِذَا مَالَ . وَلَكِنْ لَا يُسْتَعْمَل نَصْرَان وَنَصْرَانَة إِلَّا بِيَاءَيْ النَّسَب ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا : رَجُل نَصْرَانِيّ وَامْرَأَة نَصْرَانِيَّة . وَنَصَّرَهُ : جَعَلَهُ نَصْرَانِيًّا . وَفِي الْحَدِيث : ( فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ) . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَسْمَع بِي أَحَد مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِن بِاَلَّذِي أُرْسِلْت بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَاب النَّار ) . وَقَدْ جَاءَتْ جُمُوع عَلَى غَيْر مَا يُسْتَعْمَل وَاحِدهَا , وَقِيَاسه النَّصْرَانِيُّونَ . ثُمَّ قِيلَ : سُمُوًّا بِذَلِكَ لِقَرْيَةٍ تُسَمَّى " نَاصِرَة " كَانَ يَنْزِلهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَنُسِبَ إِلَيْهَا فَقِيلَ : عِيسَى النَّاصِرِيّ , فَلَمَّا نُسِبَ أَصْحَابه إِلَيْهِ قِيلَ النَّصَارَى , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَنَصْرَان قَرْيَة بِالشَّامِ يُنْسَب إِلَيْهَا النَّصَارَى , وَيُقَال نَاصِرَة . وَقِيلَ : سُمُّوا بِذَلِكَ لِنُصْرَةِ بَعْضهمْ بَعْضًا , قَالَ الشَّاعِر : لَمَّا رَأَيْت نَبَطًا أَنْصَارًا شَمَّرْت عَنْ رُكْبَتِي الْإِزَارَا كُنْت لَهُمْ مِنْ النَّصَارَى جَارَا وَقِيلَ : سُمُّوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ : " مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَار اللَّه " [ آل عِمْرَان : 52 ] . جَمْع صَابِئ , وَقِيلَ : صَابَ , وَلِذَلِكَ اِخْتَلَفُوا فِي هَمْزه , وَهَمَزَهُ الْجُمْهُور إِلَّا نَافِعًا . فَمَنْ هَمَزَهُ جَعَلَهُ مِنْ صَبَأَتْ النُّجُوم إِذَا طَلَعَتْ , وَصَبَأَتْ ثَنِيَّة الْغُلَام إِذَا خَرَجَتْ . وَمَنْ لَمْ يَهْمِز جَعَلَهُ مِنْ صَبَا يَصْبُو إِذَا مَالَ . فَالصَّابِئ فِي اللُّغَة : مَنْ خَرَجَ وَمَالَ مِنْ دِين إِلَى دِين , وَلِهَذَا كَانَتْ الْعَرَب تَقُول لِمَنْ أَسْلَمَ قَدْ صَبَأَ . فَالصَّابِئُونَ قَدْ خَرَجُوا مِنْ دِين أَهْل الْكِتَاب . لَا خِلَاف فِي أَنَّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَهْل كِتَاب وَلِأَجْلِ كِتَابهمْ جَازَ نِكَاح نِسَائِهِمْ وَأَكْل طَعَامهمْ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي الْمَائِدَة وَضَرْب الْجِزْيَة عَلَيْهِمْ , عَلَى مَا يَأْتِي فِي سُورَة " بَرَاءَة " إِنْ شَاءَ اللَّه . وَاخْتُلِفَ فِي الصَّابِئِينَ , فَقَالَ السُّدِّيّ : هُمْ فِرْقَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب , وَقَالَهُ إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَقَالَ إِسْحَاق : لَا بَأْس بِذَبَائِح الصَّابِئِينَ لِأَنَّهُمْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا بَأْس بِذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَة نِسَائِهِمْ . وَقَالَ الْخَلِيل : هُمْ قَوْم يُشْبِه دِينهمْ دِين النَّصَارَى , إِلَّا أَنَّ قِبْلَتهمْ نَحْو مَهَبّ الْجَنُوب , يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى دِين نُوح عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ مُجَاهِد وَالْحَسَن وَابْن أَبِي نَجِيح : هُمْ قَوْم تَرَكَّبَ دِينهمْ بَيْن الْيَهُودِيَّة وَالْمَجُوسِيَّة , لَا تُؤْكَل ذَبَائِحهمْ . اِبْن عَبَّاس : وَلَا تُنْكَح نِسَاؤُهُمْ . وَقَالَ الْحَسَن أَيْضًا وَقَتَادَة هُمْ قَوْم يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة وَيُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَة وَيَقْرَءُونَ الزَّبُور وَيُصَلُّونَ الْخَمْس , رَآهُمْ زِيَاد اِبْن أَبِي سُفْيَان فَأَرَادَ وَضْع الْجِزْيَة عَنْهُمْ حِين عَرَفَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة . وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ مَذْهَبهمْ فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْض عُلَمَائِنَا أَنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ مُعْتَقِدُونَ تَأْثِير النُّجُوم , وَأَنَّهَا فَعَالَة , وَلِهَذَا أَفْتَى أَبُو سَعِيد الْإِصْطَخْرِيّ الْقَادِر بِاَللَّهِ بِكُفْرِهِمْ حِين سَأَلَهُ عَنْهُمْ . أَيْ صَدَّقَ . وَ " مَنْ " فِي قَوْله : " مَنْ آمَنَ " فِي مَوْضِع نَصْب بَدَل مِنْ " الَّذِينَ " . وَالْفَاء فِي قَوْله " فَلَهُمْ " دَاخِلَة بِسَبَبِ الْإِبْهَام الَّذِي فِي " مَنْ " . وَ " لَهُمْ أَجْرهمْ " اِبْتِدَاء وَخَبَر فِي مَوْضِع خَبَر إِنَّ . وَيَحْسُن أَنْ يَكُون " مَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , وَمَعْنَاهَا الشَّرْط . وَ " آمَنَ " فِي مَوْضِع جَزْم بِالشَّرْطِ , وَالْفَاء الْجَوَاب . وَ " لَهُمْ أَجْرهمْ " خَبَر " مَنْ " , وَالْجُمْلَة كُلّهَا خَبَر " إِنَّ " , وَالْعَائِد عَلَى " الَّذِينَ " مَحْذُوف , تَقْدِيره مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ . وَفِي الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر اِنْدِرَاج الْإِيمَان بِالرُّسُلِ وَالْكُتُب وَالْبَعْث . إِنْ قَالَ قَائِل : لِمَ جُمِعَ الضَّمِير فِي قَوْله تَعَالَى : " لَهُمْ أَجْرهمْ " وَ " آمَنَ " لَفْظ مُفْرَد لَيْسَ بِجَمْعٍ , وَإِنَّمَا كَانَ يَسْتَقِيم لَوْ قَالَ : لَهُ أَجْره . فَالْجَوَاب أَنَّ " مَنْ " يَقَع عَلَى الْوَاحِد وَالتَّثْنِيَة وَالْجَمْع , فَجَائِز أَنْ يَرْجِع الضَّمِير مُفْرَدًا وَمُثَنًّى وَمَجْمُوعًا , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْك " [ يُونُس : 42 ] عَلَى الْمَعْنَى . وَقَالَ : " وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِع إِلَيْك " عَلَى اللَّفْظ . وَقَالَ الشَّاعِر : أَلِمَّا بِسَلْمَى عَنْكُمَا إِنْ عَرَضْتُمَا وَقُولَا لَهَا عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا وَقَالَ الْفَرَزْدَق : تَعَسّ فَإِنْ عَاهَدْتنِي لَا تَخُوننِي نَكُنْ مِثْل مَنْ يَا ذِئْب يَصْطَحِبَانِ فَحُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى وَلَوْ حُمِلَ عَلَى اللَّفْظ لَقَالَ : يَصْطَحِب وَتَخَلَّفَ . قَالَ تَعَالَى : " وَمَنْ يُطِعْ اللَّه وَرَسُوله يُدْخِلهُ جَنَّات " فَحُمِلَ عَلَى اللَّفْظ . ثُمَّ قَالَ : " خَالِدِينَ " فَحُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى , وَلَوْ رَاعَى اللَّفْظ لَقَالَ : خَالِدًا فِيهَا . وَإِذَا جَرَى مَا بَعْد " مَنْ " عَلَى اللَّفْظ فَجَائِز أَنْ يُخَالَف بِهِ بَعْد عَلَى الْمَعْنَى كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة . وَإِذَا جَرَى مَا بَعْدهَا عَلَى الْمَعْنَى لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخَالَف بِهِ بَعْد عَلَى اللَّفْظ لِأَنَّ الْإِلْبَاس يَدْخُل فِي الْكَلَام . الْخَوْف هُوَ الذُّعْر وَلَا يَكُون إِلَّا فِي الْمُسْتَقْبَل وَخَاوَفَنِي فُلَان فَخِفْته أَيْ كُنْت أَشَدّ خَوْفًا مِنْهُ وَالتَّخَوُّف التَّنَقُّص , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى " أَوْ يَأْخُذهُمْ عَلَى تَخَوُّف " [ النَّحْل : 47 ] وَقَرَأَ الزُّهْرِيّ وَالْحَسَن وَعِيسَى بْن عُمَر وَابْن أَبِي إِسْحَاق وَيَعْقُوب " فَلَا خَوْف " بِفَتْحِ الْفَاء عَلَى التَّبْرِئَة وَالِاخْتِيَار عِنْد النَّحْوِيِّينَ الرَّفْع وَالتَّنْوِين عَلَى الِابْتِدَاء لِأَنَّ الثَّانِي مَعْرِفَة لَا يَكُون فِيهِ إِلَّا الرَّفْع لِأَنَّ " لَا " لَا تَعْمَل فِي مَعْرِفَة فَاخْتَارُوا فِي الْأَوَّل الرَّفْع أَيْضًا لِيَكُونَ الْكَلَام مِنْ وَجْه وَاحِد وَيَجُوز أَنْ تَكُون " لَا " فِي قَوْلك فَلَا خَوْف بِمَعْنَى لَيْسَ وَالْحُزْن وَالْحَزَن ضِدّ السُّرُور , وَلَا يَكُون إِلَّا عَلَى مَاضٍ وَحَزِنَ الرَّجُل ( بِالْكَسْرِ ) فَهُوَ حَزِن وَحَزِين وَأَحْزَنَهُ غَيْره , وَحَزَّنَهُ أَيْضًا مِثْل أَسْلَكَهُ وَسَلَّكَهُ وَمَحْزُون بُنِيَ عَلَيْهِ قَالَ الْيَزِيدِيّ : حَزَّنَهُ لُغَة قُرَيْش وَأَحْزَنَهُ لُغَة تَمِيم , وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا وَاِحْتَزَنَ وَتَحَزَّنَ بِمَعْنًى , وَالْمَعْنَى فِي الْآيَة فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ فِيمَا بَيْن أَيْدِيهمْ مِنْ الْآخِرَة وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ الدُّنْيَا وَقِيلَ لَيْسَ فِيهِ دَلِيل عَلَى نَفْي أَهْوَال يَوْم الْقِيَامَة وَخَوْفهَا عَلَى الْمُطِيعِينَ لِمَا وَصَفَهُ اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله مِنْ شَدَائِد الْقِيَامَة إِلَّا أَنَّهُ يُخَفِّفهُ عَنْ الْمُطِيعِينَ وَإِذَا صَارُوا إِلَى رَحْمَته فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَخَافُوا وَاَللَّه أَعْلَم . رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ قَوْله : " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا " [ الْحَجّ : 17 ] الْآيَة . مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْر الْإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ " [ آل عِمْرَان : 85 ] الْآيَة . وَقَالَ غَيْره : لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ . وَهِيَ فِيمَنْ ثَبَتَ عَلَى إِيمَانه مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام .
| وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ | على ما فاتَهم من الدُّنيا. |
|---|---|
| وَٱلَّذِینَ هَادُوا۟ | اليهودَ. |
| ٱلصَّـٰبِـِٔینَ | قومٌ بَقُوا على فِطْرتهم، ولا دينَ مقرَّرٌ لهم. |
| وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ | على ما فاتَهُمْ من أمورِ الدُّنيا. |
| مَنۡ ءَامَنَ | بِرَّ مََنْ آمَنَ. |
| وَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ | فيما يَسْتقبلونه من أَجْر الآخرةِ. |
| وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ | على شيءٍ فاتَهم في الدنيا. |
| وَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ | في الآخرةِ. |
| وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ | على ما فاتَهم في الدُّنيا. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian