سورة الأنبياء الآية ١٠٤
سورة الأنبياء الآية ١٠٤
یَوۡمَ نَطۡوِی ٱلسَّمَاۤءَ كَطَیِّ ٱلسِّجِلِّ لِلۡكُتُبِۚ كَمَا بَدَأۡنَاۤ أَوَّلَ خَلۡقࣲ نُّعِیدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَیۡنَاۤۚ إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِینَ ﴿١٠٤﴾
تفسير السعدي
يخبر تعالى أنه يوم القيامة يطوي السماوات - على عظمها واتساعها - كما يطوي الكاتب للسجل أي: الورقة المكتوب فيها. فتنثر نجومها, وتكور شمسها وقمرها, وتزول عن أماكنها " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ " أي إعادتنا للخلق, مثل ابتدائنا لخلقهم. فكما ابتدأنا خلقهم, ولم يكونوا شيئا, كذلك نعيدهم بعد موتهم. " وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ " ننفذ ما وعدنا, لكمال قدرته, وأنه لا تمتنع منه الأشياء.
التفسير الميسر
لا يخيفهم الهول العظيم يوم القيامة، بل تبشرهم الملائكة: هذا يومكم الذي وُعِدتُم فيه الكرامة من الله وجزيل الثواب. يوم نطوي السماء كما تُطْوى الصحيفة على ما كُتب فيها، ونبعث فيه الخلق على هيئة خَلْقنا لهم أول مرة كما ولدتهم أمهاتهم، ذلك وعد الله الذي لا يتخلَّف، وَعَدْنا بذلك وعدًا حقًا علينا، إنا كنا فاعلين دائمًا ما نَعِدُ به.
تفسير الجلالين
"يَوْم" مَنْصُوب بِذُكِرَ مُقَدَّرًا قَبْله "نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلّ" اسْم مَلَك "لِلْكُتُبِ" صَحِيفَة ابْن آدَم عِنْد مَوْته وَاللَّام زَائِدَة أَوْ السِّجِلّ الصَّحِيفَة وَالْكِتَاب بِمَعْنَى الْمَكْتُوب وَاللَّام بِمَعْنَى عَلَى وَفِي قِرَاءَة لِلْكُتُبِ جَمْعًا "كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق" مِنْ عَدَم "نُعِيدهُ" بَعْد إعْدَامه فَالْكَاف مُتَعَلِّقَة بِنُعِيد وَضَمِيره عَائِد إلَى أَوَّل وَمَا مَصْدَرِيَّة "وَعْدًا عَلَيْنَا" مَنْصُوب بِوَعَدْنَا مُقَدَّرًا قَبْله وَهُوَ مُؤَكِّد لِمَضْمُونِ مَا قَبْله "إنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ" مَا وَعَدْنَاهُ
تفسير ابن كثير
يَقُول تَعَالَى هَذَا كَائِن يَوْم الْقِيَامَة " يَوْم نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلّ لِلْكُتُبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى" وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبْضَته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا مُقَدَّم بْن مُحَمَّد حَدَّثَنِي عَمِّي الْقَاسِم بْن يَحْيَى عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّه يَقْبِض يَوْم الْقِيَامَة الْأَرْضِينَ وَتَكُون السَّمَوَات بِيَمِينِهِ " اِنْفَرَدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْه الْبُخَارِيّ رَحِمَهُ اللَّه وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الْحَجَّاج الرِّقِّيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلَمَة عَنْ أَبِي الْوَاصِل عَنْ أَبِي الْمَلِيح الْأَزْدِيّ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاء الْأَزْدِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : يَطْوِي اللَّه السَّمَوَات السَّبْع بِمَا فِيهَا مِنْ الْخَلِيقَة وَالْأَرْضِينَ السَّبْع بِمَا فِيهَا مِنْ الْخَلِيقَة يَطْوِي ذَلِكَ كُلّه بِيَمِينِهِ يَكُون ذَلِكَ كُلّه فِي يَده بِمَنْزِلَةِ خَرْدَلَة وَقَوْله " كَطَيِّ السِّجِلّ لِلْكُتُبِ " قِيلَ الْمُرَاد بِالسِّجِلِّ الْكِتَاب وَقِيلَ الْمُرَاد بِالسِّجِلِّ هَهُنَا مَلَك مِنْ الْمَلَائِكَة قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحُسَيْن حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَلَاء حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَمَان حَدَّثَنَا أَبُو الْوَفَاء الْأَشْجَعِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر فِي قَوْله تَعَالَى" يَوْم نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلّ لِلْكُتُبِ " قَالَ السِّجِلّ مَلَك فَإِذَا صَعِدَ بِالِاسْتِغْفَارِ قَالَ اُكْتُبْهَا نُورًا وَهَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ اِبْن يَمَان بِهِ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن أَنَّ السِّجِلّ مَلَك وَقَالَ السُّدِّيّ فِي هَذِهِ الْآيَة السِّجِلّ مَلَك مُوَكَّل بِالصُّحُفِ فَإِذَا مَاتَ الْإِنْسَان رُفِعَ كِتَابه إِلَى السِّجِلّ فَطَوَاهُ وَرَفَعَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقِيلَ الْمُرَاد بِهِ اِسْم رَجُل صَحَابِيّ كَانَ يَكْتُب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْي قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيّ الْجَهْضَمِيّ حَدَّثَنَا نُوح بْن قَيْس عَنْ عَمْرو بْن مَالِك عَنْ أَبِي الْجَوْزَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس " يَوْم نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلّ لِلْكُتُبِ" قَالَ السِّجِلّ هُوَ الرَّجُل قَالَ نُوح وَأَخْبَرَنِي يَزِيد بْن كَعْب هُوَ الْعَوْذِيّ عَنْ عَمْرو بْن مَالِك عَنْ أَبِي الْجَوْزَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : السِّجِلّ كَاتِب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ كِلَاهُمَا عَنْ قُتَيْبَة بْن سَعِيد عَنْ نُوح بْن قَيْس عَنْ يَزِيد بْن كَعْب عَنْ عَمْرو بْن مَالِك عَنْ أَبِي الْجَوْزَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس " قَالَ : . السِّجِلّ كَاتِب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ نَصْر بْن عَلِيّ الْجَهْضَمِيّ كَمَا تَقَدَّمَ وَرَوَاهُ اِبْن عَدِيّ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن عَمْرو بْن مَالِك النُّكْرِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ كَانَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِب يُسَمَّى السِّجِلّ وَهُوَ قَوْله " يَوْم نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلّ لِلْكُتُبِ " قَالَ كَمَا يَطْوِي السِّجِلّ الْكِتَاب كَذَلِكَ تُطْوَى السَّمَاء ثُمَّ قَالَ وَهُوَ غَيْر مَحْفُوظ وَقَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي تَارِيخه أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْر الْبُرْقَانِيّ أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن يَعْقُوب الْحَجَّاجِيّ أَنْبَأَنَا أَحْمَد بْن الْحُسَيْن الْكَرْخِيّ أَنَّ حَمْدَان بْن سَعْد حَدَّثَهُمْ عَنْ عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : السِّجِلّ كَاتِب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مُنْكَر جِدًّا مِنْ حَدِيث نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر لَا يَصِحّ أَصْلًا وَكَذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ رِوَايَة أَبِي دَاوُد وَغَيْره لَا يَصِحّ أَيْضًا وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَة مِنْ الْحُفَّاظ بِوَضْعِهِ وَإِنْ كَانَ فِي سُنَن أَبِي دَاوُد مِنْهُمْ شَيْخنَا الْحَافِظ الْكَبِير أَبُو الْحَجَّاج الْمِزِّيّ فَسَّحَ اللَّه فِي عُمْره وَنَسَأَ فِي أَجَله وَخَتَمَ لَهُ بِصَالِحِ عَمَله وَقَدْ أَفْرَدْت لِهَذَا الْحَدِيث جُزْءًا عَلَى حِدَته وَلِلَّهِ الْحَمْد . وَقَدْ تَصَدَّى الْإِمَام أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير لِلْإِنْكَارِ عَلَى هَذَا الْحَدِيث وَرَدَّهُ أَتَمَّ رَدّ وَقَالَ : لَا يُعْرَف فِي الصَّحَابَة أَحَد اِسْمه السِّجِلّ وَكُتَّاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْرُوفُونَ وَلَيْسَ فِيهِمْ أَحَد اِسْمه السِّجِلّ وَصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّه فِي ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّة عَلَى نَكَارَة هَذَا الْحَدِيث وَأَمَّا مَنْ ذَكَرَهُ فِي أَسْمَاء الصَّحَابَة فَإِنَّمَا اِعْتَمَدَ عَلَى هَذَا الْحَدِيث لَا عَلَى غَيْره وَاَللَّه أَعْلَم ; وَالصَّحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ السِّجِلّ هِيَ الصَّحِيفَة قَالَهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة وَالْعَوْفِيّ عَنْهُ وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَغَيْر وَاحِد وَاخْتَارَهُ اِبْن جَرِير لِأَنَّهُ الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة فَعَلَى هَذَا يَكُون مَعْنَى الْكَلَام يَوْم نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلّ لِلْكِتَابِ أَيْ عَلَى الْكِتَاب بِمَعْنَى الْمَكْتُوب كَقَوْلِهِ " فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ" أَيْ عَلَى الْجَبِين وَلَهُ نَظَائِر فِي اللُّغَة وَاَللَّه أَعْلَم وَقَوْله " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ " يَعْنِي هَذَا كَائِن لَا مَحَالَة يَوْم يُعِيد اللَّه الْخَلَائِق خَلْقًا جَدِيدًا كَمَا بَدَأَهُمْ هُوَ الْقَادِر عَلَى إِعَادَتهمْ وَذَلِكَ وَاجِب الْوُقُوع لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَة وَعْد اللَّه الَّذِي لَا يُخْلِف وَلَا يُبَدِّل وَهُوَ الْقَادِر عَلَى ذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ " إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ " وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا وَكِيع أَبُو جَعْفَر وَعُبَيْدَة الْعَمِّيّ قَالُوا حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ الْمُغِيرَة بْن النُّعْمَان عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْعِظَةٍ فَقَالَ " إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ حُفَاة عُرَاة غُرْلًا كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ " وَذَكَرَ تَمَام الْحَدِيث أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث شُعْبَة ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ عِنْد هَذِهِ الْآيَة فِي كِتَابه وَقَدْ رَوَى لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم عَنْ مُجَاهِد عَنْ عَائِشَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْو ذَلِكَ وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ" قَالَ : يَهْلِك كُلّ شَيْء كَمَا كَانَ أَوَّل مَرَّة .
تفسير القرطبي
قَرَأَ أَبُو جَعْفَر بْن الْقَعْقَاع وَشَيْبَة بْن نِصَاح وَالْأَعْرَج وَالزُّهْرِيّ " تُطْوَى " بِتَاءٍ مَضْمُومَة " السَّمَاء " رَفْعًا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . مُجَاهِد " يَطْوِي " عَلَى مَعْنَى يَطْوِي اللَّه السَّمَاء . الْبَاقُونَ " نَطْوِي " بِنُونِ الْعَظَمَة . وَانْتِصَاب " يَوْم " عَلَى الْبَدَل مِنْ الْهَاء الْمَحْذُوفَة فِي الصِّلَة ; التَّقْدِير : الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَهُ يَوْم نَطْوِي السَّمَاء . أَوْ يَكُون مَنْصُوبًا بِ " نُعِيد " مِنْ قَوْله " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ " . أَوْ بِقَوْلِهِ : " لَا يَحْزُنهُمْ " أَيْ لَا يَحْزُنهُمْ الْفَزَع الْأَكْبَر فِي الْيَوْم الَّذِي نَطْوِي فِيهِ السَّمَاء . أَوْ عَلَى إِضْمَار وَاذْكُرْ , وَأَرَادَ بِالسَّمَاءِ الْجِنْس ; دَلِيله : " وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ " [ الزُّمَر : 67 ] . " كَطَيِّ السِّجِلّ لِلْكِتَابِ " قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : أَيْ كَطَيِّ الصَّحِيفَة عَلَى مَا فِيهَا ; فَاللَّام بِمَعْنَى " عَلَى " . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا اِسْم كَاتِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ; لِأَنَّ كُتَّاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْرُوفُونَ لَيْسَ هَذَا مِنْهُمْ , وَلَا فِي أَصْحَابه مَنْ اِسْمه السِّجِلّ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَابْن عُمَر وَالسُّدِّيّ : " السِّجِلّ " مَلَك , وَهُوَ الَّذِي يَطْوِي كُتُب بَنِي آدَم إِذَا رُفِعَتْ إِلَيْهِ . وَيُقَال : إِنَّهُ فِي السَّمَاء الثَّالِثَة , تُرْفَع إِلَيْهِ أَعْمَال الْعِبَاد , يَرْفَعهَا إِلَيْهِ الْحَفَظَة الْمُوَكَّلُونَ بِالْخَلْقِ فِي كُلّ خَمِيس وَاثْنَيْنِ , وَكَانَ مِنْ أَعْوَانه فِيمَا ذَكَرُوا هَارُوت وَمَارُوت . وَالسِّجِلّ الصَّكّ , وَهُوَ اِسْم مُشْتَقّ مِنْ السِّجَالَة وَهِيَ الْكِتَابَة ; وَأَصْلهَا مِنْ السَّجْل وَهُوَ الدَّلْو ; تَقُول : سَاجَلْت الرَّجُل إِذَا نَزَعْت دَلْوًا وَنَزَعَ دَلْوًا , ثُمَّ اُسْتُعِيرَتْ فَسُمِّيَتْ الْمُكَاتَبَة وَالْمُرَاجَعَة مُسَاجَلَة . وَقَدْ سَجَّلَ الْحَاكِم تَسْجِيلًا . وَقَالَ الْفَضْل بْن الْعَبَّاس بْن عُتْبَة بْن أَبِي لَهَب : مَنْ يُسَاجِلنِي يُسَاجِل مَاجِدًا يَمْلَأ الدَّلْو إِلَى عَقْد الْكَرَب ثُمَّ بُنِيَ هَذَا الِاسْم عَلَى فِعِلّ مِثْل حِمِرّ وَطِمِرّ وَبِلِيّ . وَقَرَأَ أَبُو زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير " كَطَيِّ السُّجُلّ " بِضَمِّ السِّين وَالْجِيم وَتَشْدِيد اللَّام . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَطَلْحَة " كَطَيِّ السِّجِلّ " بِفَتْحِ السِّين وَإِسْكَان الْجِيم وَتَخْفِيف اللَّام . قَالَ النَّحَّاس : وَالْمَعْنَى وَاحِد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَالتَّمَام عِنْد قَوْله : " لِلْكِتَابِ " . وَالطَّيّ فِي هَذِهِ الْآيَة يَحْتَمِل مَعْنَيَيْنِ : أَحَدهمَا : الدَّرْج الَّذِي هُوَ ضِدّ النَّشْر , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ " [ الزُّمَر : 67 ] . وَالثَّانِي : الْإِخْفَاء وَالتَّعْمِيَة وَالْمَحْو ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَمْحُو وَيَطْمِس رُسُومهَا وَيُكَدِّر نُجُومهَا . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ . وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ " [ التَّكْوِير : 1 - 2 ] " وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ " [ التَّكْوِير : 11 ] . " لِلْكِتَابِ " وَتَمَّ الْكَلَام . وَقِرَاءَة الْأَعْمَش وَحَفْص وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَيَحْيَى وَخَلَف : " لِلْكُتُبِ " جَمْعًا ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ الْكَلَام فَقَالَ : " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ " أَيْ نَحْشُرهُمْ حُفَاة عُرَاة غُرْلًا كَمَا بُدِئُوا فِي الْبُطُون . وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( يُحْشَر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عُرَاة غُرْلًا أَوَّل الْخَلْق يُكْسَى يَوْم الْقِيَامَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام - ثُمَّ قَرَأَ - " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ " أَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْعِظَةٍ فَقَالَ : ( يَأَيُّهَا النَّاس إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللَّه حُفَاة عُرَاة غُرْلًا " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ " أَلَا وَإِنَّ أَوَّل الْخَلَائِق يُكْسَى يَوْم الْقِيَامَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام ) وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْبَاب فِي كِتَاب " التَّذْكِرَة " مُسْتَوْفًى . وَذَكَرَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل عَنْ أَبِي الزَّعْرَاء عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : يُرْسِل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَاء مِنْ تَحْت الْعَرْش كَمَنِيِّ الرِّجَال فَتَنْبُت مِنْهُ لُحْمَانُهُمْ وَجُسْمَانهمْ كَمَا تَنْبُت الْأَرْض بِالثَّرَى . وَقَرَأَ " كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ " . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمَعْنَى . نُهْلِك كُلّ شَيْء وَنُفْنِيه كَمَا كَانَ أَوَّل مَرَّة ; وَعَلَى هَذَا فَالْكَلَام مُتَّصِل بِقَوْلِهِ : " يَوْم نَطْوِي السَّمَاء " أَيْ نَطْوِيهَا فَنُعِيدهَا إِلَى الْهَلَاك وَالْفَنَاء فَلَا تَكُون شَيْئًا . وَقِيلَ : نُفْنِي السَّمَاء ثُمَّ نُعِيدهَا مَرَّة أُخْرَى بَعْد طَيّهَا وَزَوَالهَا ; كَقَوْلِهِ : " يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض غَيْر الْأَرْض وَالسَّمَوَات " [ إِبْرَاهِيم : 48 ] وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ وَهُوَ نَظِير قَوْله : " وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّل مَرَّة " [ الْأَنْعَام : 94 ] وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَعُرِضُوا عَلَى رَبّك صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّل مَرَّة " " وَعْدًا " نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَر ; أَيْ وَعَدْنَا وَعْدًا " عَلَيْنَا " إِنْجَازه وَالْوَفَاء بِهِ أَيْ مِنْ الْبَعْث وَالْإِعَادَة فَفِي الْكَلَام حَذْف . ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ " قَالَ الزَّجَّاج : مَعْنَى " إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ " إِنَّا كُنَّا قَادِرِينَ عَلَى مَا نَشَاء . وَقِيلَ " إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ " أَيْ مَا وَعَدْنَاكُمْ وَهُوَ كَمَا قَالَ : " كَانَ وَعْده مَفْعُولًا " [ الْمُزَّمِّل : 18 ] . وَقِيلَ : " كَانَ " لِلْإِخْبَارِ بِمَا سَبَقَ مِنْ قَضَائِهِ . وَقِيلَ : صِلَة .
| نَطۡوِی ٱلسَّمَاۤءَ | أي: نَطْويها كما يَطْوي الكاتِبُ الوَرَقَةَ التي يَكْتُبُ فيها. |
|---|---|
| ٱلسِّجِلِّ | الصَّحِيفَةِ، الورقةِ التي يُكتبُ فيها. |
| لِلۡكُتُبِۚ | هي ما دُوِّن في الصَّحيفة وكُتِب فيها. |
| كَمَا بَدَأۡنَاۤ أَوَّلَ خَلۡقࣲ نُّعِیدُهُۥۚ | أي: نُعيدُ الخَلْقَ حُفاةً عُراةً غُرْلاً يومَ القيامةِ، كما بَدَأْناهم أوَّلَ مرَّةٍ في بُطُونِ أمَّهاتِهم. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian