صفحات الموقع

سورة الحج الآية ١١

سورة الحج الآية ١١

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفࣲۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَیۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةَۚ ذَ ٰ⁠لِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِینُ ﴿١١﴾

التفسير

تفسير السعدي

أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان, لم يدخل الإيمان قلبه, ولم تخالطه بشاشته. بل دخل فيه, إما خوفا, وإما عادة على وجه لا يثبت عند المحن. " فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ " أي: إن استمر رزقه رغدا, ولم يحصل له من المكاره شيء, اطمأن بذلك الخير, لا إيمانه. فهذا, ربما أن الله يعافيه, ولا يقيض له من الفتن, ما ينصرف به عن دينه. " وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ " من حصول مكروه, أو زوال محبوب " انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ " أي: ارتد عن دينه. " خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ " أما في الدنيا, فإنه لا يحصل له بالردة ما أمله الذي جعل الردة رأسا لماله, وعوضا عما يظن إدراكه فخاب سعيه, ولم يحصل له, إلا ما قسم له. وأما الآخرة, فظاهر, حرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض والأرض, واستحق النار. " ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ " أي: الواضح البين.

التفسير الميسر

ومن الناس مَن يدخل في الإسلام على ضعف وشكٍّ، فيعبد الله على تردده، كالذي يقف على طرف جبل أو حائط لا يتماسك في وقفته، ويربط إيمانه بدنياه، فإن عاش في صحة وسَعَة استمر على عبادته، وإن حصل له ابتلاء بمكروه وشدة عزا شؤم ذلك إلى دينه، فرجع عنه كمن ينقلب على وجهه بعد استقامة، فهو بذلك قد خسر الدنيا؛ إذ لا يغيِّر كفرُه ما قُدِّر له في دنياه، وخسر الآخرة بدخوله النار، وذلك خسران بيِّن واضح. يعبد ذلك الخاسر من دون الله ما لا يضره إن تركه، ولا ينفعه إذا عبده، ذلك هو الضلال البعيد عن الحق. يدعو مَن ضررُه المحقق أقرب من نفعه، قبح ذلك المعبود نصيرًا، وقبح عشيرًا.

تفسير الجلالين

"وَمِنْ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف" أَيْ شَكّ فِي عِبَادَته شُبِّهَ بِالْحَالِ عَلَى حَرْف جَبَل فِي عَدَم ثَبَاته "فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر" صِحَّة وَسَلَامَة فِي نَفْسه وَمَاله "اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة" مِحْنَة وَسَقَم فِي نَفْسه وَمَاله "انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه" أَيْ رَجَعَ إلَى الْكُفْر "خَسِرَ الدُّنْيَا" بِفَوَاتِ مَا أَمَلَهُ مِنْهَا "وَالْآخِرَة" بِالْكُفْرِ "ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَان الْمُبِين" الْبَيِّن

تفسير ابن كثير

قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا عَلَى حَرْف عَلَى شَكّ وَقَالَ غَيْرهمْ عَلَى طَرَف وَمِنْهُ حَرْف الْحَبْل أَيْ طَرَفه أَيْ دَخَلَ فِي الدِّين عَلَى طَرَف فَإِنْ وَجَدَ مَا يُحِبّهُ اِسْتَقَرَّ وَإِلَّا اِنْشَمَرَ وَقَالَ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الْحَارِث حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي بُكَيْر حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي الْحُصَيْن عَنْ سَعْد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَمِنْ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف " قَالَ كَانَ الرَّجُل يَقْدَم الْمَدِينَة فَإِنْ وَلَدَتْ اِمْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنَتَجَتْ خَيْله قَالَ هَذَا دِين صَالِح وَإِنْ لَمْ تَلِد اِمْرَأَته وَلَمْ تُنْتَج خَيْله قَالَ هَذَا دِين سُوء وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحُسَيْن حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَشْعَث بْن إِسْحَاق الْقُمِّيّ عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ نَاس مِنْ الْأَعْرَاب يَأْتُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَيُسَلِّمُونَ فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى بِلَادهمْ فَإِنْ وَجَدُوا عَام غَيْث وَعَام خِصْب وَعَام وِلَاد حَسَن قَالُوا إِنَّ دِيننَا هَذَا لَصَالِح تَمَسَّكُوا بِهِ وَإِنْ وَجَدُوا عَام جُدُوبَة وَعَام وِلَاد سُوء وَعَام قَحْط قَالُوا مَا فِي دِيننَا هَذَا خَيْر فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَى نَبِيّه " وَمِنْ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر اِطْمَأَنَّ بِهِ " الْآيَة وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : كَانَ أَحَدهمْ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَة وَهُمْ أَرْض دُونه فَإِنْ صَحَّ بِهَا جِسْمه وَنَتَجَتْ فَرَسه مَهْرًا حَسَنًا وَوَلَدَتْ اِمْرَأَته غُلَامًا رَضِيَ بِهِ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَقَالَ مَا أَصَبْت مُنْذُ كُنْت عَلَى دِينِي هَذَا إِلَّا خَيْرًا " وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة " وَالْفِتْنَة الْبَلَاء أَيْ وَإِنْ أَصَابَهُ وَجَع الْمَدِينَة وَوَلَدَتْ اِمْرَأَته جَارِيَة وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَة أَتَاهُ الشَّيْطَان فَقَالَ وَاَللَّه مَا أَصَبْت مُنْذُ كُنْت عَلَى دِينك هَذَا إِلَّا شَرًّا وَذَلِكَ الْفِتْنَة وَهَكَذَا ذَكَرَ قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَابْن جُرَيْج وَغَيْر وَاحِد مِنْ السَّلَف فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَم هُوَ الْمُنَافِق إِنْ صَلَحَتْ لَهُ دُنْيَاهُ أَقَامَ عَلَى الْعِبَادَة وَإِنْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَتَغَيَّرَتْ اِنْقَلَبَ فَلَا يُقِيم عَلَى الْعِبَادَة إِلَّا لِمَا صَلَحَ مِنْ دُنْيَاهُ فَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة أَوْ شِدَّة أَوْ اِخْتِبَار أَوْ ضِيق تَرَكَ دِينه وَرَجَعَ إِلَى الْكُفْر وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله " اِنْقَلَبَ عَلَى وَجْهه " أَيْ اِرْتَدَّ كَافِرًا وَقَوْله " خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة " أَيْ فَلَا هُوَ حَصَلَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى شَيْء وَأَمَّا الْآخِرَة فَقَدْ كَفَرَ بِاَللَّهِ الْعَظِيم فَهُوَ فِيهَا فِي غَايَة الشَّقَاء وَالْإِهَانَة وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَان الْمُبِين " أَيْ هَذِهِ هِيَ الْخَسَارَة الْعَظِيمَة وَالصَّفْقَة الْخَاسِرَة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه } يَعْنِي جَلَّ ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } أَعْرَابًا كَانُوا يَقْدَمُونَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مُهَاجِرِينَ مِنْ بَادِيَتهمْ , فَإِنْ نَالُوا رَخَاء مِنْ عَيْش بَعْد الْهِجْرَة وَالدُّخُول فِي الْإِسْلَام أَقَامُوا عَلَى الْإِسْلَام , وَإِلَّا ارْتَدُّوا عَلَى أَعْقَابهمْ ; فَقَالَ اللَّه : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه } عَلَى شَكّ , { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر اطْمَأَنَّ بِهِ } وَهُوَ السَّعَة مِنَ الْعَيْش وَمَا يُشْبِههُ مِنْ أَسْبَاب الدُّنْيَا { اطْمَأَنَّ بِهِ } يَقُول : اسْتَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ وَثَبَتَ عَلَيْهِ . { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة } وَهُوَ الضِّيق بِالْعَيْشِ وَمَا يُشْبِههُ مِنْ أَسْبَاب الدُّنْيَا { انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه } يَقُول : ارْتَدَّ فَانْقَلَبَ عَلَى وَجْهه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْر بِاللَّهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18863 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } ... إِلَى قَوْله : { انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه } قَالَ : الْفِتْنَة الْبَلَاء , كَانَ أَحَدهمْ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَة وَهِيَ أَرْض وَبِيئَة , فَإِنْ صَحَّ بِهَا جِسْمه وَنَتَجَتْ فَرَسه مُهْرًا حَسَنًا وَوَلَدَتْ امْرَأَته غُلَامًا رَضِيَ بِهِ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَقَالَ : مَا أَصَبْت مُنْذُ كُنْت عَلَى دِينِي هَذَا إِلَّا خَيْرًا وَإِنْ أَصَابَهُ وَجَع الْمَدِينَة وَوَلَدَتْ امْرَأَته جَارِيَة وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَة , أَتَاهُ الشَّيْطَان فَقَالَ : وَاللَّه مَا أَصَبْت مُنْذُ كُنْت عَلَى دِينك هَذَا إِلَّا شَرًّا ! وَذَلِكَ الْفِتْنَة . 18864 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , قَالَ : ثنا عَنْبَسَة , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى , عَنِ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } قَالَ : عَلَى شَكّ . 18865 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { عَلَى حَرْف } قَالَ : عَلَى شَكّ . { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر } رَخَاء وَعَافِيَة { اطْمَأَنَّ بِهِ } اسْتَقَرَّ . { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة } عَذَاب وَمُصِيبَة { انْقَلَبَ } ارْتَدَّ { عَلَى وَجْهه } كَافِرًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . قَالَ ابْن جُرَيْج : كَانَ نَاس مِنْ قَبَائِل الْعَرَب وَمَنْ حَوْلهمْ مِنْ أَهْل الْقُرَى يَقُولُونَ : نَأْتِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ صَادَفْنَا خَيْرًا مِنْ مَعِيشَة الرِّزْق ثَبَتْنَا مَعَهُ , وَإِلَّا لَحِقْنَا بِأَهْلِنَا . 18866 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } قَالَ : شَكّ . { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر } يَقُول : أُكْثِرَ مَاله وَكَثُرَتْ مَاشِيَته اطْمَأَنَّ وَقَالَ : لَمْ يُصِبْنِي فِي دِينِي هَذَا مُنْذُ دَخَلْته إِلَّا خَيْر { وَإِنْ أَصَابَته فِتْنَة } يَقُول : وَإِنْ ذَهَبَ مَاله , وَذَهَبَتْ مَاشِيَته { انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , نَحْوه . 18867 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف } الْآيَة , كَانَ نَاس مِنْ قَبَائِل الْعَرَب وَمِنْ حَوْل الْمَدِينَة مِنَ الْقُرَى كَانُوا يَقُولُونَ : نَأْتِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَنْظُر فِي شَأْنه , فَإِنْ صَادَفْنَا خَيْرًا ثَبَتْنَا مَعَهُ , وَإِلَّا لَحِقْنَا بِمَنَازِلِنَا وَأَهْلِينَا . وَكَانُوا يَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ : نَحْنُ عَلَى دِينك ! فَإِنْ أَصَابُوا مَعِيشَة وَنَتَجُوا خَيْلهمْ وَوَلَدَتْ نِسَاؤُهُمْ الْغِلْمَان , اطْمَأَنُّوا وَقَالُوا : هَذَا دِين صِدْق ! وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ الرِّزْق وَأُزْلِقَتْ خُيُولهمْ وَوَلَدَتْ نِسَاؤُهُمْ الْبَنَات , قَالُوا : هَذَا دِين سُوء ! فَانْقَلَبُوا عَلَى وُجُوههمْ . 18868 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمِنَ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } قَالَ : هَذَا الْمُنَافِق , إِنْ صَلُحَتْ لَهُ دُنْيَاهُ أَقَامَ عَلَى الْعِبَادَة , وَإِنْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَتَغَيَّرَتْ انْقَلَبَ , وَلَا يُقِيم عَلَى الْعِبَادَة إِلَّا لِمَا صَلُحَ مِنْ دُنْيَاهُ , وَإِذَا أَصَابَتْهُ شِدَّة أَوْ فِتْنَة أَوْ اخْتِبَار أَوْ ضِيق , تَرَكَ دِينه وَرَجَعَ إِلَى الْكُفْر . وَقَوْله : { خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } يَقُولهُ : غَبَنَ هَذَا الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَته دُنْيَاهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَظْفَر بِحَاجَتِهِ مِنْهَا بِمَا كَانَ مِنْ عِبَادَته اللَّه عَلَى الشَّكّ , وَوَضَعَ فِي تِجَارَته فَلَمْ يَرْبَح { وَالْآخِرَة } يَقُول : وَخَسِرَ الْآخِرَة , فَإِنَّهُ مُعَذَّب فِيهَا بِنَارِ اللَّه الْمُوقَدَة . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ قُرَّاء الْأَمْصَار جَمِيعًا غَيْر حُمَيْد الْأَعْرَج : { خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } عَلَى وَجْه الْمُضِيّ , وَقَرَأَهُ حُمَيْد الْأَعْرَج : " خَاسِرًا " نَصْبًا عَلَى الْحَال عَلَى مِثَال فَاعِل . وَقَوْله : { ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَان الْمُبِين } يَقُول : وَخَسَارَته الدُّنْيَا وَالْآخِرَة هِيَ الْخُسْرَان يَعْنِي الْهَلَاك . { الْمُبِين } يَقُول : يَبِين لِمَنْ فَكَّرَ فِيهِ وَتَدَبَّرَهُ أَنَّهُ قَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة .

تفسير القرطبي

" مَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , وَالتَّمَام " اِنْقَلَبَ عَلَى وَجْهه " عَلَى قِرَاءَة الْجُمْهُور " خَسِرَ " . وَهَذِهِ الْآيَة خَبَر عَنْ الْمُنَافِقِينَ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : يُرِيد شَيْبَة بْن رَبِيعَة كَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْل أَنْ يَظْهَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَلَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ اِرْتَدَّ شَيْبَة بْن رَبِيعَة . وَقَالَ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ : أَسْلَمَ رَجُل مِنْ الْيَهُود فَذَهَبَ بَصَره وَمَاله ; فَتَشَاءَمَ بِالْإِسْلَامِ فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَقِلْنِي ! فَقَالَ : ( إِنَّ الْإِسْلَام لَا يُقَال ) فَقَالَ : إِنِّي لَمْ أُصِبْ فِي دِينِي هَذَا خَيْرًا ! ذَهَبَ بَصَرِي وَمَالِي وَوَلَدِي ! فَقَالَ : ( يَا يَهُودِيّ إِنَّ الْإِسْلَام يَسْبِك الرِّجَال كَمَا تَسْبِك النَّار خَبَث الْحَدِيد وَالْفِضَّة وَالذَّهَب ) ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَمِنْ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف " . وَرَوَى إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي حُصَيْن عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( " وَمِنْ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف " قَالَ : كَانَ الرَّجُل يَقْدَم الْمَدِينَة فَإِنْ وَلَدَتْ اِمْرَأَته غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْله قَالَ هَذَا دِين صَالِح ; فَإِنْ لَمْ تَلِد اِمْرَأَته وَلَمْ تُنْتَج خَيْله قَالَ هَذَا دِين سُوء ) . وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ : نَزَلَتْ فِي أَعْرَاب كَانُوا يَقْدَمُونَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسْلِمُونَ ; فَإِنْ نَالُوا رَخَاء أَقَامُوا , وَإِنْ نَالَتْهُمْ شِدَّة اِرْتَدُّوا . وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي النَّضْر بْن الْحَارِث . وَقَالَ اِبْن زَيْد وَغَيْره : نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ . وَمَعْنَى " عَلَى حَرْف " عَلَى شَكّ ; قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْره . وَحَقِيقَته أَنَّهُ عَلَى ضَعْف فِي عِبَادَته , كَضَعْفِ الْقَائِم عَلَى حَرْف مُضْطَرِب فِيهِ . وَحَرْف كُلّ شَيْء طَرَفه وَشَفِيره وَحْده ; وَمِنْهُ حَرْف الْجَبَل , وَهُوَ أَعْلَاهُ الْمُحَدَّد . وَقِيلَ : " عَلَى حَرْف " أَيْ عَلَى وَجْه وَاحِد , وَهُوَ أَنْ يَعْبُدهُ عَلَى السَّرَّاء دُون الضَّرَّاء ; وَلَوْ عَبَدُوا اللَّه عَلَى الشُّكْر فِي السَّرَّاء وَالصَّبْر عَلَى الضَّرَّاء لَمَا عَبَدُوا اللَّه عَلَى حَرْف . وَقِيلَ : " عَلَى حَرْف " عَلَى شَرْط ; وَذَلِكَ أَنَّ شَيْبَة بْن رَبِيعَة قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يَظْهَر أَمْره : اُدْعُ لِي رَبّك أَنْ يَرْزُقنِي مَالًا وَإِبِلًا وَخَيْلًا وَوَلَدًا حَتَّى أُومِن بِك وَأَعْدِل إِلَى دِينك ; فَدَعَا لَهُ فَرَزَقَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَا تَمَنَّى ; ثُمَّ أَرَادَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِتْنَته وَاخْتِبَاره وَهُوَ أَعْلَم بِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مَا كَانَ رِزْقه بَعْد أَنْ أَسْلَمَ فَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَام فَأَنْزَلَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهِ : " وَمِنْ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف " يُرِيد شَرْط . وَقَالَ الْحَسَن : هُوَ الْمُنَافِق يَعْبُد اللَّه بِلِسَانِهِ دُون قَلْبه . وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الَّذِي يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف لَيْسَ دَاخِلًا بِكُلِّيَّتِهِ ; صِحَّة جِسْم وَرَخَاء مَعِيشَة رَضِيَ وَأَقَامَ عَلَى دِينه . أَيْ خِلَاف ذَلِكَ مِمَّا يُخْتَبَر بِهِ أَيْ اِرْتَدَّ فَرَجَعَ إِلَى وَجْهه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر . قَرَأَ مُجَاهِد وَحُمَيْد بْن قَيْس وَالْأَعْرَج وَالزُّهْرِيّ وَابْن أَبِي إِسْحَاق - وَرُوِيَ عَنْ يَعْقُوب - " خَاسِر الدُّنْيَا " بِأَلِفٍ , نَصْبًا عَلَى الْحَال , وَعَلَيْهِ فَلَا يُوقَف عَلَى " وَجْهه " . وَخُسْرَانه الدُّنْيَا بِأَنْ لَاحَظَ فِي غَنِيمَة وَلَا ثَنَاء , وَالْآخِرَة بِأَنْ لَا ثَوَاب لَهُ فِيهَا .

غريب الآية
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفࣲۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَیۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةَۚ ذَ ٰ⁠لِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِینُ ﴿١١﴾
عَلَىٰ حَرۡفࣲۖعلى ضَعْفٍ وشَكٍّ.
فِتۡنَةٌابْتِلاءٌ وشِدَّةٌ.
ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦرَجَعَ عمَّا كان عليه مِنَ الاسْتِقامَةِ.
ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِینُالخَسارةُ العَظِيمَةُ والصَّفْقَةُ الخاسِرةُ.
الإعراب
(وَمِنَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(النَّاسِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(مَنْ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.
(يَعْبُدُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(حَرْفٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَإِنْ)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنْ) : حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَصَابَهُ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(خَيْرٌ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(اطْمَأَنَّ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(بِهِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(وَإِنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنْ) : حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَصَابَتْهُ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(فِتْنَةٌ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(انْقَلَبَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(وَجْهِهِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(خَسِرَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(الدُّنْيَا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(وَالْآخِرَةَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْآخِرَةَ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(ذَلِكَ)
اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(هُوَ)
ضَمِيرُ فَصْلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ لَا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ.
(الْخُسْرَانُ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْمُبِينُ)
نَعْتٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.