سورة الحج الآية ٧٨
سورة الحج الآية ٧٨
وَجَـٰهِدُوا۟ فِی ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَیۡكُمۡ فِی ٱلدِّینِ مِنۡ حَرَجࣲۚ مِّلَّةَ أَبِیكُمۡ إِبۡرَ ٰهِیمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ مِن قَبۡلُ وَفِی هَـٰذَا لِیَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِیدًا عَلَیۡكُمۡ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِیرُ ﴿٧٨﴾
تفسير السعدي
" وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ " والجهل بذل الوسع, في حصول الغرض المطلوب. فالجهاد في الحق جهاده, هو القيام التام بأمر الله, ودعوة الخلق إلى سبيله بكل طريق موصل إلى ذلك, من نصيحة وتعليم وقتال وأدب وزجر, ووعظ, وغير ذلك. " هُوَ اجْتَبَاكُمْ " أي: اختاركم - يا معشر المسلمين - من بين الناس, واختار لكم الدين, ورضيه لكم, واختار لكم أفصل الكتب, وأفضل الرسل. فقابلوا هذه المنحة العظيمة, بالقيام بالجهاد فيه حق القيام. ولما كان قوله: " وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ " ربما توهم متوهم أن هذا, من باب تكليف ما لا يطاق, أو تكليف ما يشق, احترز منه بقوله: " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " أي: مشقة وعسر, بل يسره غاية التيسير, وسهل بغاية السهولة. فأولا ما أمر وألزم إلا بما هو سهل على النفوس, لا يثقلها, ولا يؤودها. ثم إذا عرض بعض الأسباب الموجبة للتخفيف, خفف ما أمر به. إما بإسقاطه, أو إسقاط بعضه. ويؤخذ من هذه الآية, قاعدة شرعية وهي أن " المشقة تجلب التيسير " و " الضرورات تبيح المحظورات " . قيدخل في ذلك من الأحكام الفروعية, شيء كثير معروف في كتب الأحكام. " مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ " أي: هذه الملة المذكورة, والأوامر المزبورة, ملة أبيكم إبراهيم, التي ما زال عليها, فالزموها واستمسكوا بها. " هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ " أي: في الكتب السابقة, أنتم مذكورون ومشهورون [أي: بأن إبراهيم سماكم: مسلمين]. " وَفِي هَذَا " أي: هذا الكتاب, وهذا الشرع أي: ما زال هذا الاسم لكم قديما وحديثا. " لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ " بأعمالكم خيرها وشرها " وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " لكونكم خير أمة أخرجت للناس, أمة وسطا عدلا خيارا. تشهدون للرسل أنهم بلغوا أممهم, وتشهدون على الأمم أن رسلهم بلغتهم بما أخبركم الله به في كتابه. " فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ " بأركانها وشروطها, وحدودها, وجميع لوازمها. " وَآتُوا الزَّكَاةَ " المفروضة لمستحقيها شكرا لله, على ما أولاكم. " وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ " أي: امتنعوا به وتوكلوا عليه في ذلك, ولا تتكلوا على حولكم وقوتكم. " هُوَ مَوْلَاكُمْ " الذي يتولى أموركم, فيدبركم بحسن تدبيره, ويصرفكم على أحسن تقديره. " فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ " أي: نعم المولى لمن تولاه, فحصل له مطلوبه " وَنِعْمَ النَّصِيرُ " لمن استنصره فدفع عنه المكروه. تم تفسير سورة الحج, والحمد لله رب العالمين
التفسير الميسر
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم اركعوا واسجدوا في صلاتكم، واعبدوا ربكم وحده لا شريك له، وافعلوا الخير؛ لتفلحوا، وجاهدوا أنفسكم، وقوموا قيامًا تامًّا بأمر الله، وادعوا الخلق إلى سبيله، وجاهدوا بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، مخلصين فيه النية لله عز وجل، مسلمين له قلوبكم وجوارحكم، هو اصطفاكم لحمل هذا الدين، وقد منَّ عليكم بأن جعل شريعتكم سمحة، ليس فيها تضييق ولا تشديد في تكاليفها وأحكامها، كما كان في بعض الأمم قبلكم، هذه الملة السمحة هي ملة أبيكم إبراهيم، وقد سَمَّاكم الله المسلمين مِن قبلُ في الكتب المنزلة السابقة، وفي هذا القرآن، وقد اختصَّكم بهذا الاختيار؛ ليكون خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم شاهدًا عليكم بأنه بلَّغكم رسالة ربه، وتكونوا شهداء على الأمم أن رسلهم قد بلَّغتهم بما أخبركم الله به في كتابه، فعليكم أن تعرفوا لهذه النعمة قدرها، فتشكروها، وتحافظوا على معالم دين الله بأداء الصلاة بأركانها وشروطها، وإخراج الزكاة المفروضة، وأن تلجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى، وتتوكلوا عليه، فهو نِعْمَ المولى لمن تولاه، ونعم النصير لمن استنصره.
تفسير الجلالين
"وَجَاهَدُوا فِي اللَّه" لِإِقَامَةِ دِينه "حَقّ جِهَاده" بِاسْتِفْرَاغِ الطَّاقَة فِيهِ وَنُصِبَ حَقّ عَلَى الْمَصْدَر "هُوَ اجْتَبَاكُمْ" اخْتَارَكُمْ لِدِينِهِ "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج" أَيْ ضِيق بِأَنْ سَهَّلَهُ عِنْد الضَّرُورَات كَالْقَصْرِ وَالتَّيَمُّم وَأَكْل الْمَيْتَة وَالْفِطْر لِلْمَرَضِ وَالسَّفَر "مِلَّة أَبِيكُمْ" مَنْصُوب بِنَزْعِ الْخَافِض الْكَاف "إبْرَاهِيم" عَطْف بَيَان "هُوَ" أَيْ اللَّه "سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل" أَيْ قَبْل هَذَا الْكِتَاب "وَفِي هَذَا" أَيْ الْقُرْآن "لِيَكُونَ الرَّسُول شَهِيدًا عَلَيْكُمْ" يَوْم الْقِيَامَة أَنَّهُ بَلَّغَكُمْ "وَتَكُونُوا" أَنْتُمْ "شُهَدَاء عَلَى النَّاس" أَنَّ رُسُلهمْ بَلَّغُوهُمْ "فَأَقِيمُوا الصَّلَاة" دَاوِمُوا عَلَيْهَا "وَآتُوا الزَّكَاة وَاعْتَصِمُوا بِاَللَّهِ" ثِقُوا بِهِ "هُوَ مَوْلَاكُمْ" نَاصِركُمْ وَمُتَوَلِّي أُمُوركُمْ "فَنِعْمَ الْمَوْلَى" هُوَ "وَنِعْمَ النَّصِير" النَّاصِر لَكُمْ
تفسير ابن كثير
وَقَوْله " وَجَاهِدُوا فِي اللَّه حَقّ جِهَاده " أَيْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَلْسِنَتكُمْ وَأَنْفُسكُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى " اِتَّقُوا اللَّه حَقّ تُقَاته " وَقَوْله " هُوَ اِجْتَبَاكُمْ " أَيْ يَا هَذِهِ الْأُمَّة اللَّه اِصْطَفَاكُمْ وَاخْتَارَكُمْ عَلَى سَائِر الْأُمَم وَفَضَّلَكُمْ وَشَرَّفَكُمْ وَخَصَّكُمْ بِأَكْرَم رَسُول وَأَكْمَل شَرْع " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج " أَيْ مَا كَلَّفَكُمْ مَا لَا تُطِيقُونَ وَمَا أَلْزَمَكُمْ بِشَيْءٍ يَشُقّ عَلَيْكُمْ إِلَّا جَعَلَ اللَّه لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا فَالصَّلَاة الَّتِي أَكْبَر أَرْكَان الْإِسْلَام بَعْد الشَّهَادَتَيْنِ تَجِب فِي الْحَضَر أَرْبَع وَفِي السَّفَر تُقْصَر إِلَى اِثْنَتَيْنِ وَفِي الْخَوْف يُصَلِّيهَا بَعْض الْأَئِمَّة رَكْعَة كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيث وَتُصَلَّى رِجَالًا وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَة وَغَيْر مُسْتَقْبِلِيهَا وَكَذَا فِي النَّافِلَة فِي السَّفَر إِلَى الْقِبْلَة وَغَيْرهَا وَالْقِيَام فِيهَا يَسْقُط لِعُذْرِ الْمَرَض فَيُصَلِّيهَا الْمَرِيض جَالِسًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبه إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الرُّخَص وَالتَّخْفِيفَات فِي سَائِر الْفَرَائِض وَالْوَاجِبَات وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام " بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَة " وَقَالَ لِمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى حِين بَعَثَهُمَا أَمِيرَيْنِ إِلَى الْيَمَن " بَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا" وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا كَثِيرَة وَلِهَذَا قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج " يَعْنِي مِنْ ضِيق وَقَوْله " مِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم " قَالَ اِبْن جَرِير نُصِبَ عَلَى تَقْدِير " مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج" أَيْ مِنْ ضِيق بَلْ وَسَّعَهُ عَلَيْكُمْ كَمِلَّةِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم قَالَ وَيُحْتَمَل أَنَّهُ مَنْصُوب عَلَى تَقْدِير اِلْزَمُوا مِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم " قُلْت " وَهَذَا الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَة كَقَوْلِهِ " قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم دِينًا قِيَمًا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفًا " الْآيَة وَقَوْله " هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل وَفِي هَذَا " قَالَ الْإِمَام عَبْد اللَّه اِبْن الْمُبَارَك عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل" : قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَعَطَاء وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ وَمُقَاتِل اِبْن حَيَّان وَقَتَادَة وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَم " هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل" يَعْنِي إِبْرَاهِيم وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ " رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَك وَمِنْ ذُرِّيَّتنَا أُمَّة مُسْلِمَة لَك " قَالَ اِبْن جَرِير وَهَذَا لَا وَجْه لَهُ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْلُوم أَنَّ إِبْرَاهِيم لَمْ يُسَمِّ هَذِهِ الْأُمَّة فِي الْقُرْآن مُسْلِمِينَ وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل وَفِي هَذَا" قَالَ مُجَاهِد : اللَّه سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل فِي الْكُتُب الْمُتَقَدِّمَة وَفِي الذِّكْر " وَفِي هَذَا " يَعْنِي الْقُرْآن وَكَذَا قَالَ غَيْره " قُلْت " وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ " هُوَ اِجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج " ثُمَّ حَثَّهُمْ وَأَغْرَاهُمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِلَّة أَبِيهِمْ الْخَلِيل ثُمَّ ذَكَرَ مِنَّته تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة بِمَا نَوَّهَ بِهِ مِنْ ذِكْرهَا وَالثَّنَاء عَلَيْهَا فِي سَالِف الدَّهْر وَقَدِيم الزَّمَان فِي كُتُب الْأَنْبِيَاء يُتْلَى عَلَى الْأَحْبَار وَالرُّهْبَان فَقَالَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل " أَيْ مِنْ قَبْل هَذَا الْقُرْآن " وَفِي هَذَا " رَوَى النَّسَائِيّ عِنْد تَفْسِيره هَذِهِ الْآيَة أَنْبَأَنَا هِشَام بْن عَمَّار حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن شُعَيْب أَنْبَأَنَا مُعَاوِيَة بْن سَلَّام أَنَّ أَخَاهُ زَيْد بْن سَلَّام أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي سَلَّام أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ أَخْبَرَنِي الْحَارِث الْأَشْعَرِيّ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَإِنَّهُ مِنْ جِثِيّ جَهَنَّم " قَالَ رَجُل يَا رَسُول اللَّه وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى قَالَ " نَعَمْ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى " فَادْعُوا بِدَعْوَةِ اللَّه الَّتِي سَمَّاكُمْ بِهَا الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَاد اللَّه وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الْحَدِيث بِطُولِهِ عِنْد تَقْسِيم قَوْله " يَا أَيّهَا النَّاس اُعْبُدُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " مِنْ سُورَة الْبَقَرَة وَلِهَذَا قَالَ " لِيَكُونَ الرَّسُول شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس " أَيْ إِنَّمَا جَعَلْنَاكُمْ هَكَذَا أُمَّة وَسَطًا عُدُولًا خِيَارًا مَشْهُودًا بِعَدَالَتِكُمْ عِنْد جَمِيع الْأُمَم لِتَكُونُوا يَوْم الْقِيَامَة شُهَدَاء عَلَى النَّاس" لِأَنَّ جَمِيع الْأُمَم مُعْتَرِفَة يَوْمئِذٍ بِسِيَادَتِهَا وَفَضْلهَا عَلَى كُلّ أُمَّة سِوَاهَا فَلِهَذَا تُقْبَل شَهَادَتهمْ عَلَيْهِمْ يَوْم الْقِيَامَة فِي أَنَّ الرُّسُل بَلَّغَتْهُمْ رِسَالَة رَبّهمْ وَالرَّسُول يَشْهَد عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة أَنَّهُ بَلَّغَهَا ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى هَذَا عِنْد قَوْله وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس وَيَكُون الرَّسُول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " وَذَكَرْنَا حَدِيث نُوح وَأُمَّته بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته وَقَوْله " فَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة" أَيْ قَابِلُوا هَذِهِ النِّعْمَة الْعَظِيمَة بِالْقِيَامِ بِشُكْرِهَا فَأَدُّوا حَقّ اللَّه عَلَيْكُمْ فِي أَدَاء مَا اِفْتَرَضَ وَطَاعَة مَا أَوْجَبَ وَتَرْك مَا حَرَّمَ وَمِنْ أَهَمّ ذَلِكَ إِقَام الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة وَهُوَ الْإِحْسَان إِلَى خَلْق اللَّه بِمَا أَوْجَبَ لِلْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيّ مِنْ إِخْرَاج جُزْء نُذِرَ مِنْ مَاله فِي السَّنَة لِلضُّعَفَاءِ وَالْمَحَاوِيج كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه وَتَفْصِيله فِي آيَة الزَّكَاة مِنْ سُورَة التَّوْبَة وَقَوْله وَاعْتَصِمُوا بِاَللَّهِ " أَيْ اِعْتَضِدُوا بِاَللَّهِ وَاسْتَعِينُوا بِهِ وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وَتَأَيَّدُوا بِهِ " هُوَ مَوْلَاكُمْ " أَيْ حَافِظكُمْ وَنَاصِركُمْ وَمُظَفِّركُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ " فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير " يَعْنِي نِعْمَ الْوَلِيّ وَنِعْمَ النَّاصِر مِنْ الْأَعْدَاء قَالَ وُهَيْب بْن الْوَرْد " يَقُول اللَّه تَعَالَى : اِبْن آدَم اُذْكُرْنِي إِذَا غَضِبْت أَذْكُرك إِذَا غَضِبْت فَلَا أَمْحَقك فِيمَنْ أَمْحَق وَإِذَا ظُلِمْت فَاصْبِرْ وَارْضَ بِنُصْرَتِي فَإِنَّ نُصْرَتِي لَك خَيْر مِنْ نُصْرَتك لِنَفْسِك " رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَاَللَّه أَعْلَم آخِر تَفْسِير سُورَة الْحَجّ وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة .
تفسير القرطبي
قِيلَ : عَنَى بِهِ جِهَاد الْكُفَّار . وَقِيلَ : هُوَ إِشَارَة إِلَى اِمْتِثَال جَمِيع مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ , وَالِانْتِهَاء عَنْ كُلّ مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ ; أَيْ جَاهِدُوا أَنْفُسكُمْ فِي طَاعَة اللَّه وَرُدُّوهَا عَنْ الْهَوَى , وَجَاهِدُوا الشَّيْطَان فِي رَدّ وَسْوَسَته , وَالظَّلَمَة فِي رَدّ ظُلْمهمْ , وَالْكَافِرِينَ فِي رَدّ كُفْرهمْ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَقَالَ مُقَاتِل وَهَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَاتَّقُوا اللَّه مَا اِسْتَطَعْتُمْ " [ التَّغَابُن : 16 ] . وَكَذَا قَالَ هِبَة اللَّه : إِنَّ قَوْله " حَقّ جِهَاده " وَقَوْله فِي الْآيَة الْأُخْرَى . " حَقّ تُقَاته " [ آل عِمْرَان : 102 ] مَنْسُوخ بِالتَّخْفِيفِ إِلَى الِاسْتِطَاعَة فِي هَذِهِ الْأَوَامِر . وَلَا حَاجَة إِلَى تَقْدِير النَّسْخ ; فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَاد مِنْ أَوَّل الْحُكْم ; لِأَنَّ " حَقّ جِهَاده " مَا اِرْتَفَعَ عَنْهُ الْحَرَج . وَقَدْ رَوَى سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَيْر دِينكُمْ أَيْسَره ) . وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس . وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوز أَنْ يَقَع فِيهِ نَسْخ ; لِأَنَّهُ وَاجِب عَلَى الْإِنْسَان , كَمَا رَوَى حَيْوَة بْن شُرَيْح يَرْفَعهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْمُجَاهِد مَنْ جَاهَدَ نَفْسه لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) . وَكَمَا رَوَى أَبُو غَالِب عَنْ أَبِي أُمَامَة أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيّ الْجِهَاد أَفْضَل ؟ عِنْد الْجَمْرَة الْأُولَى فَلَمْ يُجِبْهُ , ثُمَّ سَأَلَهُ عِنْد الْجَمْرَة الثَّانِيَة فَلَمْ يُجِبْهُ , ثُمَّ سَأَلَهُ عِنْد جَمْرَة الْعَقَبَة ; فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيْنَ السَّائِل ) ؟ فَقَالَ : أَنَا ذَا ; فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( كَلِمَة عَدْل عِنْد سُلْطَان جَائِر ) . أَيْ اِخْتَارَكُمْ لِلذَّبِّ عَنْ دِينه وَالْتِزَام أَمْره ; وَهَذَا تَأْكِيد لِلْأَمْرِ بِالْمُجَاهَدَةِ ; أَيْ وَجَبَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُجَاهِدُوا لِأَنَّ اللَّه اِخْتَارَكُمْ لَهُ . فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " مِنْ حَرَج " أَيْ مِنْ ضِيق . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْأَنْعَام " . وَهَذِهِ الْآيَة تَدْخُل فِي كَثِير مِنْ الْأَحْكَام ; وَهِيَ مِمَّا خَصَّ اللَّه بِهَا هَذِهِ الْأُمَّة . رَوَى مَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَ : أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّة ثَلَاثًا لَمْ يُعْطَهَا إِلَّا نَبِيّ : كَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ اِذْهَبْ فَلَا حَرَج عَلَيْك , وَقِيلَ لِهَذِهِ الْأُمَّة : " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج " . وَالنَّبِيّ شَهِيد عَلَى أُمَّته , وَقِيلَ لِهَذِهِ الْأُمَّة : " لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس " . وَيُقَال لِلنَّبِيِّ : سَلْ تُعْطَهُ , وَقِيلَ لِهَذِهِ الْأُمَّة : " اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ " . الثَّانِيَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْحَرَج الَّذِي رَفَعَهُ اللَّه تَعَالَى ; فَقَالَ عِكْرِمَة : هُوَ مَا أَحَلَّ مِنْ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع , وَمَا مَلَكَتْ يَمِينك . وَقِيلَ : الْمُرَاد قَصْر الصَّلَاة , وَالْإِفْطَار لِلْمُسَافِرِ , وَصَلَاة الْإِيمَاء لِمَنْ لَا يَقْدِر عَلَى غَيْره , وَحَطّ الْجِهَاد عَنْ الْأَعْمَى وَالْأَعْرَج وَالْمَرِيض وَالْعَدِيم الَّذِي لَا يَجِد مَا يُنْفِق فِي غَزْوه , وَالْغَرِيم وَمَنْ لَهُ وَالِدَانِ , وَحَطّ الْإِصْر الَّذِي كَانَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل . وَقَدْ مَضَى تَفْصِيل أَكْثَر هَذِهِ الْأَشْيَاء . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ ( أَنَّ هَذَا فِي تَقْدِيم الْأَهِلَّة وَتَأْخِيرهَا فِي الْفِطْر وَالْأَضْحَى وَالصَّوْم ; فَإِذَا أَخْطَأَتْ الْجَمَاعَة هِلَال ذِي الْحِجَّة فَوَقَفُوا قَبْل يَوْم عَرَفَة بِيَوْمٍ أَوْ وَقَفُوا يَوْم النَّحْر أَجْزَأَهُمْ ) , عَلَى خِلَاف فِيهِ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَاب الْمُقْتَبَس فِي شَرْح مُوَطَّأ مَالِك بْن أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ الصَّحِيح فِي الْبَاب . وَكَذَلِكَ الْفِطْر وَالْأَضْحَى ; لِمَا رَوَاهُ حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِطْركُمْ يَوْم تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْم تُضَحُّونَ ) . خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ , وَلَفْظه مَا ذَكَرْنَاهُ . وَالْمَعْنَى : بِاجْتِهَادِكُمْ مِنْ غَيْر حَرَج يَلْحَقكُمْ . وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّة أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ يَوْم النَّحْر عَنْ أَشْيَاء , فَمَا يُسْأَل عَنْ أَمْر مِمَّا يَنْسَى الْمَرْء أَوْ يَجْهَل مِنْ تَقْدِيم الْأُمُور بَعْضهَا قَبْل بَعْض وَأَشْبَاههَا إِلَّا قَالَ فِيهَا : ( اِفْعَلْ وَلَا حَرَج ) . الثَّالِثَة : قَالَ الْعُلَمَاء : رُفِعَ الْحَرَج إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ اِسْتَقَامَ عَلَى مِنْهَاج الشَّرْع , وَأَمَّا السَّلَّابَة وَالسُّرَّاق وَأَصْحَاب الْحُدُود فَعَلَيْهِمْ الْحَرَج , وَهُمْ جَاعِلُوهُ عَلَى أَنْفُسهمْ بِمُفَارَقَتِهِمْ الدِّين , وَلَيْسَ فِي الشَّرْع أَعْظَم حَرَجًا مِنْ إِلْزَام ثُبُوت رَجُل لِاثْنَيْنِ فِي سَبِيل اللَّه تَعَالَى ; وَمَعَ صِحَّة الْيَقِين وَجَوْدَة الْعَزْم لَيْسَ بِحَرَجٍ . قَالَ الزَّجَّاج : الْمَعْنَى اِتَّبِعُوا مِلَّة أَبِيكُمْ . الْفَرَّاء : اِنْتَصَبَ عَلَى تَقْدِير حَذْف الْكَاف ; كَأَنَّهُ قَالَ كَمِلَّةِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَافْعَلُوا الْخَيْر فِعْل أَبِيكُمْ , فَأَقَامَ الْفِعْل مَقَام الْمِلَّة . وَإِبْرَاهِيم هُوَ أَبُو الْعَرَب قَاطِبَة . وَقِيلَ : الْخِطَاب لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْكُلّ مِنْ وَلَده ; لِأَنَّ حُرْمَة إِبْرَاهِيم عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَحُرْمَةِ الْوَالِد عَلَى الْوَلَد . قَالَ اِبْن زَيْد وَالْحَسَن : " هُوَ " رَاجِع إِلَى إِبْرَاهِيم ; وَالْمَعْنَى : هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَيْ وَفِي حُكْمه أَنَّ مَنْ اِتَّبَعَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مُسْلِم . قَالَ اِبْن زَيْد : وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : " رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَك وَمِنْ ذُرِّيَّتنَا أُمَّة مُسْلِمَة لَك " [ الْبَقَرَة : 128 ] . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا الْقَوْل مُخَالِف لِقَوْلِ عُظَمَاء الْأُمَّة . رَوَى عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( سَمَّاكُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل , أَيْ فِي الْكُتُب الْمُتَقَدِّمَة وَفِي هَذَا الْقُرْآن ) ; قَالَ مُجَاهِد وَغَيْره . أَيْ بِتَبْلِيغِهِ إِيَّاكُمْ . أَنَّ رُسُلهمْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . أَمْر مَعْنَاهُ الْوُجُوب , وَلَا خِلَاف فِيهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي مَعْنَى إِقَامَة الصَّلَاة وَاشْتِقَاقهَا وَفِي جُمْلَة مِنْ أَحْكَامهَا , وَالْحَمْد لِلَّهِ . أَمْر أَيْضًا يَقْتَضِي الْوُجُوب . وَالْإِيتَاء : الْإِعْطَاء . آتَيْته : أَعْطَيْته , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْله لَنَصَّدَّقَنَّ " [ التَّوْبَة : 75 ] . وَأَتَيْته - بِالْقَصْرِ مِنْ غَيْر مَدّ - جِئْته , فَإِذَا كَانَ الْمَجِيء بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَال مُدَّ , وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( وَلَأَتِيَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأُخْبِرَنَّهُ ) . وَسَيَأْتِي . الزَّكَاة مَأْخُوذَة مِنْ زَكَا الشَّيْء إِذَا نَمَا وَزَادَ , يُقَال : زَكَا الزَّرْع وَالْمَال يَزْكُو , إِذَا كَثُرَ وَزَادَ . وَرَجُل زَكِيّ , أَيْ زَائِد الْخَيْر . وَسُمِّيَ الْإِخْرَاج مِنْ الْمَال زَكَاة وَهُوَ نَقْص مِنْهُ مِنْ حَيْثُ يَنْمُو بِالْبَرَكَةِ أَوْ بِالْأَجْرِ الَّذِي يُثَاب بِهِ الْمُزَكِّي . وَيُقَال : زَرْع زَاكٍ بَيِّن الزَّكَاء . وَزَكَأَتْ النَّاقَة بِوَلَدِهَا تَزْكَأ بِهِ : إِذَا رَمَتْ بِهِ مِنْ بَيْن رِجْلَيْهَا . وَزَكَا الْفَرْد : إِذَا صَارَ زَوْجًا بِزِيَادَةِ الزَّائِد عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ شَفْعًا . قَالَ الشَّاعِر : كَانُوا خَسًا أَوْ زَكًا مِنْ دُون أَرْبَعَة لَمْ يَخْلَقُوا وَجُدُود النَّاس تَعْتَلِج جَمْع جَدّ , وَهُوَ الْحَظّ وَالْبَخْت . تَعْتَلِج أَيْ تَرْتَفِع . اِعْتَلَجَتْ الْأَرْض : طَالَ نَبَاتهَا . فَخَسًا : الْفَرْد , وَزَكًا , الزَّوْج . وَقِيلَ : أَصْلهَا الثَّنَاء الْجَمِيل , وَمِنْهُ زَكَّى الْقَاضِي الشَّاهِد . فَكَأَنَّ مَنْ يُخْرِج الزَّكَاة يُحَصِّل لِنَفْسِهِ الثَّنَاء الْجَمِيل . وَقِيلَ : الزَّكَاة مَأْخُوذَة مِنْ التَّطْهِير , كَمَا يُقَال : زَكَا فُلَان , أَيْ طَهُرَ مِنْ دَنَس الْجُرْحَة وَالْإِغْفَال . فَكَأَنَّ الْخَارِج مِنْ الْمَال يُطَهِّرهُ مِنْ تَبِعَة الْحَقّ الَّذِي جَعَلَ اللَّه فِيهِ لِلْمَسَاكِينِ . أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّى مَا يُخْرَج مِنْ الزَّكَاة أَوْسَاخ النَّاس ] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : " خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا " [ التَّوْبَة : 103 ] . وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالزَّكَاةِ هُنَا , فَقِيلَ : الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة , لِمُقَارَنَتِهَا بِالصَّلَاةِ . وَقِيلَ : صَدَقَة الْفِطْر , قَالَهُ مَالِك فِي سَمَاع اِبْن الْقَاسِم . قُلْت : فَعَلَى الْأَوَّل - وَهُوَ أَكْثَر الْعُلَمَاء - فَالزَّكَاة فِي الْكِتَاب مُجْمَلَة بَيَّنَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَرَوَى الْأَئِمَّة عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَيْسَ فِي حَبّ وَلَا تَمْر صَدَقَة حَتَّى تَبْلُغ خَمْسَة أَوْسُق وَلَا فِيمَا دُون خَمْس ذَوْد صَدَقَة وَلَا فِيمَا دُون خَمْس أَوَاقٍ صَدَقَة ) . وَقَالَ الْبُخَارِيّ : ( خَمْس أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِق ) . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( فِيمَا سَقَتْ السَّمَاء وَالْعُيُون أَوْ كَانَ عُشْرِيًّا الْعُشْر وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْف الْعُشْر ) . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا الْبَاب فِي " الْأَنْعَام " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَيَأْتِي فِي " بَرَاءَة " زَكَاة الْعَيْن وَالْمَاشِيَة , وَبَيَان الْمَال الَّذِي لَا يُؤْخَذ مِنْهُ زَكَاة عِنْد قَوْله تَعَالَى : " خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَة " [ التَّوْبَة : 103 ] . وَأَمَّا زَكَاة الْفِطْر فَلَيْسَ لَهَا فِي الْكِتَاب نَصّ عَلَيْهَا إِلَّا مَا تَأَوَّلَهُ مَالِك هُنَا , وَقَوْله تَعَالَى : " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اِسْم رَبّه فَصَلَّى " [ الْأَعْلَى : 14 ] . وَالْمُفَسِّرُونَ يَذْكُرُونَ الْكَلَام عَلَيْهَا فِي سُورَة " الْأَعْلَى " , وَرَأَيْت الْكَلَام عَلَيْهَا فِي هَذِهِ السُّورَة عِنْد كَلَامنَا عَلَى آي الصِّيَام , لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاة الْفِطْر فِي رَمَضَان , الْحَدِيث . وَسَيَأْتِي , فَأَضَافَهَا إِلَى رَمَضَان . وَيَعْتَصِم بِاَللَّهِ أَيْ يَجْعَلهُ مَلْجَأ وَمَعَاذًا وَيُخْلِص
| ٱلۡمَوۡلَىٰ | النَّصِيرُ. |
|---|---|
| وَجَـٰهِدُوا۟ فِی ٱللَّهِ | أي: في سَبِيِلهِ لإعْلاءِ كَلِمَتِهِ. |
| هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ | اصْطَفاكُم اللهُ لِحَمْلِ دِينِه. |
| مِنۡ حَرَجࣲۚ | مِن ضِيقٍ ومَشَقَّةٍ بتكْلِيفٍ يَشُقُّ عَلَيكُم. |
| مِن قَبۡلُ | أي: في الكُتُبِ المُنَزَّلةِ السَّابِقَةِ. |
| فِی هَـٰذَا | أي: في هَذا القرآنِ. |
| شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ | أي: على الأممِ السَّابَقَةِ أنَّ رُسُلَهم قد بَلَّغَتْهم رِسالاتِ ربِّهم. |
| وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ | أي: اجْعَلُوه عِصْمةً لكم مما تَحْذَرُونَ، والتَجِئُوا إليه في جميعِ أُمُورِكُم. |
| هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ | هو ناصِرُكُم، ومُتَوَلِّي أمورِكُم. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian