صفحات الموقع

سورة النور الآية ٢٣

سورة النور الآية ٢٣

إِنَّ ٱلَّذِینَ یَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَـٰتِ ٱلۡغَـٰفِلَـٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ لُعِنُوا۟ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ ﴿٢٣﴾

التفسير

تفسير السعدي

ثم ذكر الوعيد الشديد على رمي المحصنات فقال: " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ " أي: العفائف عن الفجور " الْغَافِلَاتِ " اللاتي لم يخطر ذلك بقلوبهن " الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " واللعنة, لا تكون إلا على ذنب كبير. وأكد اللعنة بأنها متواصلة عليهم في الدارين. " وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " وهذا زيادة على اللعنة, أبعدهم عن رحمته, وأحل بهم شدة نقمته.

التفسير الميسر

إن الذين يقذفون بالزنى العفيفات الغافلات المؤمنات اللاتي لم يخطر ذلك بقلوبهن، مطرودون من رحمة الله في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم في نار جهنم. وفي هذه الآية دليل على كفر من سبَّ، أو اتهم زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بسوء.

تفسير الجلالين

"إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ" بِالزِّنَا "الْمُحْصَنَات" الْعَفَائِف "الْغَافِلَات" عَنْ الْفَوَاحِش بِأَنْ لَا يَقَع فِي قُلُوبهنَّ فِعْلهَا "الْمُؤْمِنَات" بِاَللَّهِ وَرَسُوله

تفسير ابن كثير

هَذَا وَعِيد مِنْ اللَّه تَعَالَى لِلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب فَأُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى بِالدُّخُولِ فِي هَذَا مِنْ كُلّ مُحْصَنَة وَلَا سِيَّمَا الَّتِي كَانَتْ سَبَب النُّزُول وَهِيَ عَائِشَة بِنْت الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه قَاطِبَة عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّهَا بَعْد هَذَا وَرَمَاهَا بِمَا رَمَاهَا بِهِ بَعْد هَذَا الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَة فَإِنَّهُ كَافِر لِأَنَّهُ مُعَانِد لِلْقُرْآنِ وَفِي بَقِيَّة أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ قَوْلَانِ : أَصَحّهمَا أَنَّهُنَّ كَهِيَ وَاَللَّه أَعْلَم وَقَوْله تَعَالَى" لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة " . الْآيَة كَقَوْلِهِ " إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّه وَرَسُوله " الْآيَة . وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّهَا خَاصَّة بِعَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا فَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن حِرَاش عَنْ الْعَوَّام عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْآيَة " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات " قَالَ نَزَلَتْ فِي عَائِشَة خَاصَّة وَكَذَا قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَمُقَاتِل بْن حَيَّان . وَقَدْ ذَكَرَهُ اِبْن جَرِير عَنْ عَائِشَة فَقَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُمْدَة الضَّبِّيّ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَة عَنْ عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : رُمِيت بِمَا رُمِيت بِهِ وَأَنَا غَافِلَة فَبَلَغَنِي بَعْد ذَلِكَ قَالَتْ فَبَيْنَا رَسُول اللَّه جَالِس عِنْدِي إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِ قَالَتْ وَكَانَ إِذَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَخَذَهُ كَهَيْئَةِ السُّبَات وَإِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِس عِنْدِي ثُمَّ اِسْتَوَى جَالِسًا يَمْسَح عَلَى وَجْهه وَقَالَ " يَا عَائِشَة أَبْشِرِي " قَالَتْ فَقُلْت بِحَمْدِ اللَّه لَا بِحَمْدِك فَقَرَأَ " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات - حَتَّى بَلَغَ - أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَة وَرِزْق كَرِيم " هَكَذَا أَوْرَدَهُ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْحُكْم خَاصّ بِهَا وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا سَبَب النُّزُول دُون غَيْرهَا وَإِنْ كَانَ الْحُكْم يَعُمّهَا كَغَيْرِهَا وَلَعَلَّهُ مُرَاد اِبْن عَبَّاس وَمَنْ قَالَ كَقَوْلِهِ وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ الضَّحَّاك وَأَبُو الْجَوْزَاء وَسَلَمَة بْن نُبَيْط : الْمُرَاد بِهَا أَزْوَاج النَّبِيّ خَاصَّة دُون غَيْرهنَّ مِنْ النِّسَاء وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْآيَة " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات " الْآيَة يَعْنِي أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَاهُنَّ أَهْل النِّفَاق فَأَوْجَبَ اللَّه لَهُمْ اللَّعْنَة وَالْغَضَب وَبَاءُوا بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه فَكَانَ ذَلِكَ فِي أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَزَلَ بَعْد ذَلِكَ " وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء - إِلَى قَوْله - فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم " فَأَنْزَلَ اللَّه الْجَلْد وَالتَّوْبَة فَالتَّوْبَة تُقْبَل وَالشَّهَادَة تُرَدّ . وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا الْقَاسِم حَدَّثَنَا الْحُسَيْن حَدَّثَنَا هُشَيْم أَخْبَرَنَا الْعَوَّام بْن حَوْشَب عَنْ شَيْخ مِنْ بَنِي أَسَد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ فَسَّرَ سُورَة النُّور فَلَمَّا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَة " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات " الْآيَة قَالَ فِي شَأْن عَائِشَة وَأَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ مُبْهَمَة وَلَيْسَتْ لَهُمْ تَوْبَة ثُمَّ قَرَأَ " وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء - إِلَى قَوْله - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْد ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا " الْآيَة قَالَ فَجَعَلَ لِهَؤُلَاءِ تَوْبَة وَلَمْ يَجْعَل لِمَنْ قَذَفَ أُولَئِكَ تَوْبَة قَالَ فَهَمَّ بَعْض الْقَوْم أَنْ يَقُوم إِلَيْهِ فَيُقَبِّل رَأْسه مِنْ حُسْن مَا فَسَّرَ بِهِ سُورَة النُّور فَقَوْله وَهِيَ مُبْهَمَة أَيْ عَامَّة فِي تَحْرِيم قَذْف كُلّ مُحْصَنَة وَلَعْنَته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهَكَذَا قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَم هَذَا فِي عَائِشَة وَمَنْ صَنَعَ مِثْل هَذَا أَيْضًا الْيَوْم فِي الْمُسْلِمَات فَلَهُ مَا قَالَ اللَّه تَعَالَى وَلَكِنَّ عَائِشَة كَانَتْ أُمًّا فِي ذَلِكَ . وَقَدْ اِخْتَارَ اِبْن جَرِير عُمُومهَا وَهُوَ الصَّحِيح وَيَعْضُد الْعُمُوم مَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَخِي وَهْب حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ ثَوْر بْن زَيْد عَنْ أَبِي الْغَيْث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " اِجْتَنِبُوا السَّبْع الْمُوبِقَات " قِيلَ وَمَا هُنَّ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ " الشِّرْك بِاَللَّهِ وَالسِّحْر وَقَتْل النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْل الرِّبَا وَأَكْل مَال الْيَتِيم وَالتَّوَلِّي يَوْم الزَّحْف وَقَذْف الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث سُلَيْمَان بْن بِلَال بِهِ وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُمَر أَبِي خَالِد الطَّائِيّ الْمُحَرَّمِيّ حَدَّثَنِي أَبِي وَحَدَّثَنَا أَبُو شُعَيْب الْحَرَّانِيّ حَدَّثَنَا جَدِّي أَحْمَد بْن أَبِي شُعَيْب حَدَّثَنِي مُوسَى بْن أَعْيَن عَنْ لَيْث عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ صِلَة بْن زُفَر عَنْ حُذَيْفَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " قَذْف الْمُحْصَنَة يَهْدِم عَمَل مِائَة سَنَة " .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَهُمْ عَذَاب عَظِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ } بِالْفَاحِشَةِ { الْمُحْصَنَات } يَعْنِي الْعَفِيفَات { الْغَافِلَات } عَنِ الْفَوَاحِش { الْمُؤْمِنَات } بِاللَّهِ وَرَسُوله , وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , { لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } يَقُول : أُبْعِدُوا مِنْ رَحْمَة اللَّه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . { وَلَهُمْ } فِي الْآخِرَة { عَذَاب عَظِيم } وَذَلِكَ عَذَاب جَهَنَّم . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمُحْصَنَات اللَّاتِي هَذَا حُكْمهنَّ , فَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّمَا ذَلِكَ لِعَائِشَة خَاصَّة , وَحُكْم مِنْ اللَّه فِيهَا وَفِيمَنْ رَمَاهَا , دُون سَائِر نِسَاء أُمَّة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19585 - حَدَّثَنَا ابْن أَبِي الشَّوَارِب , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد , قَالَ : ثنا خُصَيْف , قَالَ : قُلْت لِسَعِيدِ بْن جُبَيْر : الزِّنَا أَشَدّ أَمْ قَذْف الْمُحْصَنَة ؟ فَقَالَ : الزِّنَا . فَقُلْت : أَلَيْسَ اللَّه يَقُول : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات } ... الْآيَة ؟ قَالَ سَعِيد : إِنَّمَا كَانَ هَذَا لِعَائِشَة خَاصَّة . 19586 -حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْدَة الضَّبِّيّ , قَالَ : ثنا أَبُو عَوَانَة , عَنْ عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة : رُمِيت بِمَا رُمِيت بِهِ وَأَنَا غَافِلَة , فَبَلَغَنِي بَعْد ذَلِكَ , قَالَتْ : فَبَيْنَمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدِي جَالِس , إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِ , وَكَانَ إِذَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَخَذَهُ كَهَيْئَةِ السُّبَات , وَإِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِس عِنْدِي , ثُمَّ اسْتَوَى جَالِسًا يَمْسَح عَنْ وَجْهه , وَقَالَ : " يَا عَائِشَة أَبْشِرِي ! " قَالَتْ : فَقُلْت : بِحَمْدِ اللَّه لَا بِحَمْدِك ! فَقَرَأَ : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات } ... حَتَّى بَلَغَ : { أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ لِأَزْوَاجِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة دُون سَائِر النِّسَاء غَيْرهنَّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19587 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات } ... الْآيَة , أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي شَأْن عَائِشَة , وَعُنِيَ بِهَا كُلّ مَنْ كَانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة . قَالُوا : فَذَلِكَ حُكْم كُلّ مَنْ رَمَى مُحْصَنَة لَمْ تُقَارِف سُوءًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19588 -حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا زَيْد , عَنْ جَعْفَر بْن بَرْقَان , قَالَ : سَأَلْت مَيْمُونًا , قُلْت : الَّذِي ذَكَرَ اللَّه : { الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } ... إِلَى قَوْله : { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْد ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } فَجَعَلَ فِي هَذِهِ تَوْبَة , وَقَالَ فِي الْأُخْرَى : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات } ... إِلَى قَوْله : { لَهُمْ عَذَاب عَظِيم } ؟ قَالَ مَيْمُون : أَمَّا الْأُولَى فَعَسَى أَنْ تَكُون قَدْ قَارَفَتْ , وَأَمَّا هَذِهِ فَهِيَ الَّتِي لَمْ تُقَارِف شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . 19589 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام بْن حَوْشَب , عَنْ شَيْخ مِنْ بَنِي أَسَد , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : فَسَّرَ سُورَة النُّور , فَلَمَّا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات } ... الْآيَة , قَالَ : هَذَا فِي شَأْن عَائِشَة وَأَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهِيَ مُبْهَمَة , وَلَيْسَتْ لَهُمْ تَوْبَة , ثُمَّ قَرَأَ : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } ... إِلَى قَوْله : { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْد ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا } ... الْآيَة , قَالَ : فَجَعَلَ لِهَؤُلَاءِ تَوْبَة , وَلَمْ يَجْعَل لِمَنْ قَذَفَ أُولَئِكَ تَوْبَة . قَالَ : فَهَمَّ بَعْض الْقَوْم أَنْ يَقُوم إِلَيْهِ فَيُقَبِّل رَأْسه مِنْ حُسْن مَا فَسَّرَ سُورَة النُّور . 19590 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَهُمْ عَذَاب عَظِيم } قَالَ : هَذَا فِي عَائِشَة , وَمَنْ صَنَعَ هَذَا الْيَوْم فِي الْمُسْلِمَات فَلَهُ مَا قَالَ اللَّه , وَلَكِنَّ عَائِشَة كَانَتْ إِمَام ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَة الَّتِي فِي أَوَّل السُّورَة فَأَوْجَبَ الْجَلْد وَقَبْل التَّوْبَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19591 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات } ... إِلَى : { عَذَاب عَظِيم } يَعْنِي أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , رَمَاهُنَّ أَهْل النِّفَاق , فَأَوْجَبَ اللَّه لَهُمْ اللَّعْنَة وَالْغَضَب وَبَاءُوا بِسَخَطٍ مِنْ اللَّه . وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ نَزَلَ بَعْد ذَلِكَ : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } ... إِلَى قَوْله : { فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } فَأَنْزَلَ اللَّه الْجَلْد وَالتَّوْبَة , فَالتَّوْبَة تُقْبَل , وَالشَّهَادَة تُرَدّ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي شَأْن عَائِشَة , وَالْحُكْم بِهَا عَامّ فِي كُلّ مَنْ كَانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُ اللَّه بِهَا فِيهَا . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاته بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ اللَّه عَمَّ بِقَوْلِهِ : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات } كُلّ مُحْصَنَة غَافِلَة مُؤْمِنَة رَمَاهَا رَامٍ بِالْفَاحِشَةِ , مِنْ غَيْر أَنْ يَخُصّ بِذَلِكَ بَعْضًا دُون بَعْض , فَكُلّ رَامٍ مُحْصَنَة بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْآيَة فَمَلْعُون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَهُ عَذَاب عَظِيم , إِلَّا أَنْ يَتُوب مِنْ ذَنْبه ذَلِكَ قَبْل وَفَاته , فَإِنَّ اللَّه دَلَّ بِاسْتِثْنَائِهِ بِقَوْلِهِ : { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْد ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا } عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حُكْم رَامِي كُلّ مُحْصَنَة بِأَيِّ صِفَة كَانَتْ الْمُحْصَنَة الْمُؤْمِنَة الْمَرْمِيَّة , وَعَلَى أَنَّ قَوْله : { لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَهُمْ عَذَاب عَظِيم } مَعْنَاهُ : لَهُمْ ذَلِكَ إِنْ هَلَكُوا وَلَمْ يَتُوبُوا .

تفسير القرطبي

" الْمُحْصَنَات " تَقَدَّمَ فِي " النِّسَاء " . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ حُكْم الْمُحْصَنِينَ فِي الْقَذْف كَحُكْمِ الْمُحْصَنَات قِيَاسًا وَاسْتِدْلَالًا , وَقَدْ بَيَّنَّاهُ أَوَّل السُّورَة وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة ; فَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : هِيَ فِي رُمَاة عَائِشَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهَا خَاصَّة. وَقَالَ قَوْم : هِيَ فِي عَائِشَة وَسَائِر أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمَا . وَلَا تَنْفَع التَّوْبَة . وَمَنْ قَذَفَ غَيْرهنَّ مِنْ الْمُحْصَنَات فَقَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُ تَوْبَة ; لِأَنَّهُ قَالَ : " وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء - إِلَى قَوْله - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا " فَجَعَلَ اللَّه لِهَؤُلَاءِ تَوْبَة , وَلَمْ يَجْعَل لِأُولَئِكَ تَوْبَة ; قَالَهُ الضَّحَّاك . وَقِيلَ : هَذَا الْوَعِيد لِمَنْ أَصَرَّ عَلَى الْقَذْف وَلَمْ يَتُبْ . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي عَائِشَة , إِلَّا أَنَّهُ يُرَاد بِهَا كُلّ مَنْ اِتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَة . وَقِيلَ : إِنَّهُ عَامّ لِجَمِيعِ النَّاس الْقَذَفَة مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى ; وَيَكُون التَّقْدِير : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْأَنْفُس الْمُحْصَنَات ; فَدَخَلَ فِي هَذَا الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث ; وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّة ; لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْمَرْأَةِ إِذَا هَاجَرَتْ إِنَّمَا خَرَجَتْ لِتَفْجُر . قَالَ الْعُلَمَاء : إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْقَذَفَة فَالْمُرَاد بِاللَّعْنَةِ الْإِبْعَاد وَضَرْب الْحَدّ وَاسْتِيحَاش الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ وَهَجْرهمْ لَهُمْ , وَزَوَالهمْ عَنْ رُتْبَة الْعَدَالَة وَالْبُعْد عَنْ الثَّنَاء الْحَسَن عَلَى أَلْسِنَة الْمُؤْمِنِينَ. وَعَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : هِيَ خَاصَّة لِعَائِشَةَ تَتَرَتَّب هَذِهِ الشَّدَائِد فِي جَانِب عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَأَشْبَاهه . وَعَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّة فَلَا كَلَام , فَإِنَّهُمْ مُبْعَدُونَ , وَلَهُمْ فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم ; وَمَنْ أَسْلَمَ فَالْإِسْلَام يَجُبّ مَا قَبْله . وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : مِنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة إِنَّهُ عَامّ لِجَمِيعِ النَّاس الْقَذَفَة مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى ; وَيَكُون التَّقْدِير : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْأَنْفُس الْمُحْصَنَات , فَدَخَلَ فِي هَذَا الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث , وَكَذَا فِي الَّذِينَ يَرْمُونَ ; إِلَّا أَنَّهُ غُلِّبَ الْمُذَكَّر عَلَى الْمُؤَنَّث.

غريب الآية
إِنَّ ٱلَّذِینَ یَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَـٰتِ ٱلۡغَـٰفِلَـٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ لُعِنُوا۟ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ ﴿٢٣﴾
یَرۡمُونَيَقْذِفُونَ بالزِّنى.
ٱلۡمُحۡصَنَـٰتِالنِّساءَ الحرائِرَ العَفِيفاتِ، وكذلك الرِّجالُ.
یَرۡمُونَيَقْذِفُون بالزِّنى.
ٱلۡمُحۡصَنَـٰتِالعفِيفاتِ.
ٱلۡغَـٰفِلَـٰتِاللَّاتي لا تَخْطُرُ بِبالِهنَّ الفاحِشَةُ.
الإعراب
(إِنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (إِنَّ) :.
(يَرْمُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(الْمُحْصَنَاتِ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُؤَنَّثٍ سَالِمٌ.
(الْغَافِلَاتِ)
نَعْتٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُؤَنَّثٍ سَالِمٌ.
(الْمُؤْمِنَاتِ)
نَعْتٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُؤَنَّثٍ سَالِمٌ.
(لُعِنُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَائِبُ فَاعِلٍ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الدُّنْيَا)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(وَالْآخِرَةِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْآخِرَةِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَهُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(عَذَابٌ)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَظِيمٌ)
نَعْتٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.