صفحات الموقع

سورة الفرقان الآية ٢٤

سورة الفرقان الآية ٢٤

أَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَنَّةِ یَوۡمَىِٕذٍ خَیۡرࣱ مُّسۡتَقَرࣰّا وَأَحۡسَنُ مَقِیلࣰا ﴿٢٤﴾

التفسير

تفسير السعدي

أي: في ذلك اليوم الهائل, كثير البلابل " أَصْحَابُ الْجَنَّةِ " الذين آمنوا بالله, وعملوا صالحا, واتقوا ربهم " خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا " من أهل النار " وَأَحْسَنُ مَقِيلًا " أي: مستقرهم في الجنة, وراحتهم التي هي القيلولة, هو المستقر النافع, والراحة التامة, لاشتمال ذلك, على تمام النعيم, الذي لا يشوبه كدر. بخلاف أصحاب النار, فإن جهنم مستقرهم " سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا " وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل, فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء, لأنه لا خير في مقيل أهل النار ومستقرهم, كقوله " آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ " .

التفسير الميسر

أصحاب الجنة يوم القيامة خير مستقرًا من أهل النار وأحسن منازل في الجنة، فراحتهم تامة، ونعيمهم لا يشوبه كدر.

تفسير الجلالين

"أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ" يَوْم الْقِيَامَة "خَيْر مُسْتَقَرًّا" مِنْ الْكَافِرِينَ فِي الدُّنْيَا "وَأَحْسَن مَقِيلًا" مِنْهُمْ : أَيْ مَوْضِع قَائِلَة فِيهَا وَهِيَ الِاسْتِرَاحَة نِصْف النَّهَار فِي الْحَرّ وَأُخِذَ مِنْ ذَلِكَ انْقِضَاء الْحِسَاب فِي نِصْف نَهَار كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث

تفسير ابن كثير

وَقَوْله تَعَالَى : " أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا " أَيْ يَوْم الْقِيَامَة " لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجَنَّة أَصْحَاب الْجَنَّة هُمْ الْفَائِزُونَ" وَذَلِكَ أَنَّ أَهْل الْجَنَّة يَصِيرُونَ إِلَى الدَّرَجَات الْعَالِيَات وَالْغُرُفَات الْآمِنَات فَهُمْ فِي مَقَام أَمِين حَسَن الْمَنْظَر طَيِّب الْمَقَام " خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا" وَأَهْل النَّار يَصِيرُونَ إِلَى الدَّرَكَات السَّافِلَات وَالْحَسَرَات الْمُتَتَابِعَات وَأَنْوَاع الْعَذَاب وَالْعُقُوبَات " إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا " أَيْ بِئْسَ الْمَنْزِل مَنْظَرًا وَبِئْسَ الْمَقِيل مَقَامًا وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : " أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا " أَيْ بِمَا عَمِلُوهُ مِنْ الْأَعْمَال الْمُتَقَبَّلَة نَالُوا مَا نَالُوا وَصَارُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ بِخِلَافِ أَهْل النَّار فَإِنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ عَمَل وَاحِد يَقْتَضِي دُخُول الْجَنَّة لَهُمْ وَالنَّجَاة مِنْ النَّار فَنَبَّهَ تَعَالَى بِحَالِ السُّعَدَاء عَلَى حَال الْأَشْقِيَاء وَأَنَّهُ لَا خَيْر عِنْدهمْ بِالْكُلِّيَّةِ فَقَالَ تَعَالَى : " أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا " قَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس : إِنَّمَا هِيَ سَاعَة فَيَقِيل أَوْلِيَاء اللَّه عَلَى الْأَسِرَّة مَعَ الْحُور الْعِين وَيَقِيل أَعْدَاء اللَّه مَعَ الشَّيَاطِين مُقَرَّنِينَ وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : يَفْرُغ اللَّه مِنْ الْحِسَاب نِصْف النَّهَار فَيَقِيلُ أَهْل الْجَنَّة فِي الْجَنَّة وَأَهْل النَّار فِي النَّار قَالَ اللَّه تَعَالَى : " أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا " وَقَالَ عِكْرِمَة : إِنِّي لَأَعْرِف السَّاعَة الَّتِي يَدْخُل فِيهَا أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة وَأَهْل النَّار النَّار وَهِيَ السَّاعَة الَّتِي تَكُون فِي الدُّنْيَا عِنْد اِرْتِفَاع الضُّحَى الْأَكْبَر إِذَا اِنْقَلَبَ النَّاس إِلَى أَهْلِيهِمْ لِلْقَيْلُولَةِ فَيَنْصَرِف أَهْل النَّار إِلَى النَّار وَأَمَّا أَهْل الْجَنَّة فَيُنْطَلَق بِهِمْ إِلَى الْجَنَّة فَكَانَتْ قَيْلُولَتهمْ فِي الْجَنَّة وَأُطْعِمُوا كَبِد حُوت فَأَشْبَعَهُمْ كُلّهمْ وَذَلِكَ قَوْله : " أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا " وَقَالَ سُفْيَان عَنْ مَيْسَرَة عَنْ الْمِنْهَال عَنْ أَبِي عُبَيْدَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : لَا يَنْتَصِف النَّهَار حَتَّى يُقْبِل هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ ثُمَّ قَرَأَ " أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا " وَقَرَأَ" ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعهمْ لَإِلَى الْجَحِيم " وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا " قَالَ قَالُوا فِي الْغُرَف مِنْ الْجَنَّة وَكَانَ حِسَابهمْ إِذْ عُرِضُوا عَلَى رَبّهمْ عَرْضَة وَاحِدَة وَذَلِكَ الْحِسَاب الْيَسِير وَهُوَ مِثْل قَوْله تَعَالَى : " فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَب حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِب إِلَى أَهْله مَسْرُورًا " وَقَالَ قَتَادَة " خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا " مَأْوَى وَمَنْزِلًا وَقَالَ قَتَادَة وَحَدَّثَ صَفْوَان بْن مُحَرِّز أَنَّهُ قَالَ : يُجَاء بِرَجُلَيْنِ يَوْم الْقِيَامَة أَحَدهمَا كَانَ مَلِكًا فِي الدُّنْيَا إِلَى الْحُمْرَة وَالْبَيَاض فَيُحَاسَب فَإِذَا عَبْد لَمْ يَعْمَل خَيْرًا قَطُّ فَيُؤْمَر بِهِ إِلَى النَّار وَالْآخَر كَانَ صَاحِب كِسَاء فِي الدُّنْيَا فَيُحَاسَب فَيَقُول يَا رَبّ مَا أَعْطَيْتنِي مِنْ شَيْء فَتُحَاسِبنِي بِهِ فَيَقُول اللَّهُ : صَدَقَ عَبْدِي فَأَرْسِلُوهُ فَيُؤْمَر بِهِ إِلَى الْجَنَّة ثُمَّ يُتْرَكَانِ مَا شَاءَ اللَّه ثُمَّ يُدْعَى صَاحِب النَّار فَإِذَا هُوَ مِثْل الْحُمَمَة السَّوْدَاء فَيُقَال لَهُ كَيْف وَجَدْت ؟ فَيَقُول شَرّ مَقِيل فَيُقَال لَهُ عُدْ ثُمَّ يُدْعَى بِصَاحِبِ الْجَنَّة فَإِذَا هُوَ مِثْل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر فَيُقَال لَهُ كَيْف وَجَدْت ؟ فَيَقُول رَبّ خَيْر مَقِيل فَيُقَال لَهُ عُدْ . رَوَاهَا اِبْن أَبِي حَاتِم كُلّهَا وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنِي يُونُس أَنْبَأَنَا اِبْن وَهْب أَنْبَأَنَا عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ سَعِيدًا الصَّوَّاف حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ يَوْم الْقِيَامَة يَقْصُر عَلَى الْمُؤْمِن حَتَّى يَكُون كَمَا بَيْن الْعَصْر إِلَى غُرُوب الشَّمْس وَأَنَّهُمْ يَتَقَلَّبُونَ فِي رِيَاض الْجَنَّة حَتَّى يَفْرُغ مِنْ النَّاس وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا " .

تفسير الطبري

وَقَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَهْل الْجَنَّة يَوْم الْقِيَامَة خَيْر مُسْتَقَرًّا , وَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ مِنْ مَنَازِلهمْ فِي الْجَنَّة مِنْ مُسْتَقَرّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَفْتَخِرُونَ بِأَمْوَالِهِمْ , وَمَا أُوتُوا مِنْ عَرَض هَذِهِ الدُّنْيَا فِي الدُّنْيَا , وَأَحْسَن مِنْهُمْ فِيهَا مَقِيلًا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَهَلْ فِي الْجَنَّة قَائِلَة , فَيُقَال { وَأَحْسَن مَقِيلًا } فِيهَا ؟ قِيلَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَحْسَن فِيهَا قَرَارًا فِي أَوْقَات قَائِلَتهمْ فِي الدُّنْيَا , وَذَلِكَ أَنَّهُ ذُكِرَ أَنَّ أَهْل الْجَنَّة لَا يَمُرّ فِيهِمْ فِي الْآخِرَة إِلَّا قَدْر مِيقَات النَّهَار مِنْ أَوَّله إِلَى وَقْت الْقَائِلَة , حَتَّى يَسْكُنُوا مَسَاكِنهمْ فِي الْجَنَّة , فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : { وَأَحْسَن مَقِيلًا } . ذِكْر الرِّوَايَة عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : 19976 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ ابْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا } يَقُول : قَالُوا فِي الْغُرَف فِي الْجَنَّة , وَكَانَ حِسَابهمْ أَنْ عُرِضُوا عَلَى رَبّهمْ عَرْضَة وَاحِدَة , وَذَلِكَ الْحِسَاب الْيَسِير , وَهُوَ مِثْل قَوْله : { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَب حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِب إِلَى أَهْله مَسْرُورًا } 84 8 : 9 19977 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , فِي قَوْله : { أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا } قَالَ : كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ يُفْرَغ مِنْ حِسَاب النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي نِصْف النَّهَار , فَيُقِيل هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّة وَهَؤُلَاءِ فِي النَّار . 19978 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج : { أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا } قَالَ : لَمْ يَنْتَصِف النَّهَار حَتَّى يَقْضِي اللَّه بَيْنهمْ , فَيُقِيل أَهْل الْجَنَّة فِي الْجَنَّة وَأَهْل النَّار فِي النَّار . قَالَ : وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود : { ثُمَّ إِنَّ مَقِيلهمْ لَإِلَى الْجَحِيم } . 19979 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا } قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : كَانَ الْحِسَاب مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَّله , وَقَالَ الْقَوْم حِين قَالُوا فِي مَنَازِلهمْ مِنَ الْجَنَّة , وَقَرَأَ { أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا } . 19980 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ سَعِيدًا الصَّوَّاف حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ يَوْم الْقِيَامَة يَقْضِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَكُون كَمَا بَيْن الْعَصْر إِلَى غُرُوب الشَّمْس , وَأَنَّهُمْ يَقِيلُونَ فِي رِيَاض الْجَنَّة حَتَّى يَفْرُغ مِنَ النَّاس , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه : { أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَإِنَّمَا قُلْنَا : مَعْنَى ذَلِكَ : خَيْر مُسْتَقَرًّا فِي الْجَنَّة مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَمَّ بِقَوْلِهِ : { أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا } جَمِيع أَحْوَال الْجَنَّة فِي الْآخِرَة أَنَّهَا خَيْر فِي الِاسْتِقْرَار فِيهَا , وَالْقَائِلَة مِنْ جَمِيع أَحْوَال أَهْل النَّار , وَلَمْ يَخُصّ بِذَلِكَ أَنَّهُ خَيْر مِنْ أَحْوَالهمْ فِي النَّار دُون الدُّنْيَا , وَلَا فِي الدُّنْيَا دُون الْآخِرَة , فَالْوَاجِب أَنْ يَعُمّ كَمَا عَمَّ رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ , فَيُقَال : أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْم الْقِيَامَة خَيْر مُسْتَقَرًّا فِي الْجَنَّة مِنْ أَهْل النَّار فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , وَأَحْسَن مِنْهُمْ مَقِيلًا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , صَحَّ فَسَاد قَوْل مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ تَفْضِيل أَهْل الْجَنَّة بِقَوْلِ اللَّه : { خَيْر مُسْتَقَرًّا } عَلَى غَيْر الْوَجْه الْمَعْرُوف مِنْ كَلَام النَّاس بَيْنهمْ فِي قَوْلهمْ : هَذَا خَيْر مِنْ هَذَا , وَهَذَا أَحْسَن مِنْ هَذَا .

تفسير القرطبي

تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ عِنْد قَوْله تَعَالَى : " قُلْ أَذَلِكَ خَيْر أَمْ جَنَّة الْخُلْد الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ " [ الْفُرْقَان : 15 ] . قَالَ النَّحَّاس : وَالْكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ " الْعَسَل أَحْلَى مِنْ الْخَلّ " وَهَذَا قَوْل مَرْدُود ; لِأَنَّ مَعْنَى فُلَان خَيْر مِنْ فُلَان أَنَّهُ أَكْثَر خَيْرًا مِنْهُ وَلَا حَلَاوَة فِي الْخَلّ . وَلَا يَجُوز أَنْ يُقَال : النَّصْرَانِيّ خَيْر مِنْ الْيَهُودِيّ ; لِأَنَّهُ لَا خَيْر فِيهِمَا فَيَكُون أَحَدهمَا أَزْيَد فِي الْخَيْر . لَكِنْ يُقَال : الْيَهُودِيّ شَرّ مِنْ النَّصْرَانِيّ ; فَعَلَى هَذَا كَلَام الْعَرَب . وَ " مُسْتَقَرًّا " نُصِبَ عَلَى الظَّرْف إِذَا قُدِّرَ عَلَى غَيْر بَاب " أَفْعَل مِنْك " وَالْمَعْنَى لَهُمْ خَيْر فِي مُسْتَقَرّ . وَإِذَا كَانَ مِنْ بَاب " أَفْعَل مِنْك " فَانْتِصَابه عَلَى الْبَيَان ; قَالَ النَّحَّاس وَالْمَهْدَوِيّ . قَالَ قَتَادَة : " وَأَحْسَن مَقِيلًا " مَنْزِلًا وَمَأْوَى . وَقِيلَ : هُوَ عَلَى مَا تَعْرِفهُ الْعَرَب مِنْ مَقِيل نِصْف النَّهَار . وَمِنْهُ الْحَدِيث الْمَرْفُوع ( إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَفْرُغ مِنْ حِسَاب الْخَلْق فِي مِقْدَار نِصْف يَوْم فَيَقِيل أَهْل الْجَنَّة فِي الْجَنَّة وَأَهْل النَّار فِي النَّار ) ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : لَا يَنْتَصِف النَّهَار يَوْم الْقِيَامَة مِنْ نَهَار الدُّنْيَا حَتَّى يَقِيل هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّة وَهَؤُلَاءِ فِي النَّار , ثُمَّ قَرَأَ : " ثُمَّ إِنَّ مَقِيلهمْ لَإِلَى الْجَحِيم " كَذَا هِيَ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْحِسَاب مِنْ ذَلِكَ الْيَوْم فِي أَوَّله , فَلَا يَنْتَصِف النَّهَار مِنْ يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يَقِيل أَهْل الْجَنَّة فِي الْجَنَّة وَأَهْل النَّار فِي النَّار . وَمِنْهُ مَا رُوِيَ : ( قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِين لَا تَقِيل ) . وَذَكَرَ قَاسِم بْن أَصْبَغ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد . الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة ) فَقُلْت : مَا أَطْوَل هَذَا الْيَوْم . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّف عَنْ الْمُؤْمِن حَتَّى يَكُون أَخَفّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاة الْمَكْتُوبَة يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا ) .

غريب الآية
أَصۡحَـٰبُ ٱلۡجَنَّةِ یَوۡمَىِٕذٍ خَیۡرࣱ مُّسۡتَقَرࣰّا وَأَحۡسَنُ مَقِیلࣰا ﴿٢٤﴾
مَقِیلࣰامَكَاناً للرَّاحَةِ وقتَ القَيْلُولَةِ.
الإعراب
(أَصْحَابُ)
مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْجَنَّةِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(يَوْمَئِذٍ)
(يَوْمَ) : ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ(إِذٍ) : اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ.
(خَيْرٌ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مُسْتَقَرًّا)
تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَأَحْسَنُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَحْسَنُ) : مَعْطُوفٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَقِيلًا)
تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.