صفحات الموقع

سورة الفرقان الآية ٦٢

سورة الفرقان الآية ٦٢

وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةࣰ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن یَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورࣰا ﴿٦٢﴾

التفسير

تفسير السعدي

" وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً " أي: يذهب أحدهما, فيخلفه الآخر. وهكذا أبدا, لا يجتمعان, ولا يرتفعان. " لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا " أي: لمن أراد أن يتذكر بهما ويعتبر, ويستدل بهما على كثير من المطالب الإلهية, ويشكر الله على ذلك. ولمن أراد أن يذكر الله ويشكره, ورد من الليل أو النهار. فمن فاته ورده من أحدهما, أدركه في الآخر. وأيضا فإن القلوب تتقلب وتنتقل, في ساعات الليل والنهار, فيحدث لها النشاط والكسل, والذكر والغفلة, والقبض والبسط, والإقبال والإعراض. فجعل الله الليل والنهار, يتوالى كل منهما على العباد, ويتكرران, ليحدث لهم الذكر والنشاط, والشكر لله في وقت آخر. ولأن أوقات العبادات, تتكرر بتكرر الليل والنهار. فكما تكررت الأوقات, أحدث للعبد همة غير همته, التي كسلت عنه, في الوقت المتقدم, فزاد في تذكرها وشكرها. فوظائف الطاعات, بمنزلة سقي الإيمان, الذي يمده, فلولا ذلك, لذوى غرس الإيمان, ويبس. فلله أتم حمد, وأجمله على ذلك.

التفسير الميسر

وهو الذي جعل الليل والنهار متعاقبَيْن يَخْلُف أحدهما الآخر لمن أراد أن يعتبر بما في ذلك إيمانًا بالمدبِّر الخالق، أو أراد أن يشكر لله تعالى على نعمه وآلائه.

تفسير الجلالين

"وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة" أَيْ يَخْلُف كُلّ مِنْهُمَا الْآخَر "لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّر" بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف كَمَا تَقَدَّمَ : مَا فَاتَهُ فِي أَحَدهمَا مِنْ خَيْر فَيَفْعَلهُ فِي الْآخَر "أَوْ أَرَادَ شُكُورًا" أَيْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ رَبّه عَلَيْهِ فِيهِمَا

تفسير ابن كثير

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة " أَيْ يَخْلُف كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا صَاحِبه يَتَعَاقَبَانِ لَا يَفْتُرَانِ إِذَا ذَهَبَ هَذَا جَاءَ هَذَا وَإِذَا جَاءَ هَذَا ذَهَبَ ذَاكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى" وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْس وَالْقَمَر دَائِبَيْنِ " الْآيَة وَقَالَ" يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار يَطْلُبهُ حَثِيثًا " الْآيَة وَقَالَ" لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِك الْقَمَر " الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى " لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا " أَيْ جَعَلَهُمَا يَتَعَاقَبَانِ تَوْقِيتًا لِعِبَادَةِ عِبَاده لَهُ عَزَّ وَجَلَّ فَمَنْ فَاتَهُ عَمَل فِي اللَّيْل اِسْتَدْرَكَهُ فِي النَّهَار وَمَنْ فَاتَهُ عَمَل فِي النَّهَار اِسْتَدْرَكَهُ فِي اللَّيْل وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح " إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُط يَده بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيء النَّهَار وَيَبْسُط يَده بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيء اللَّيْل " وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَة عَنْ الْحَسَن أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب أَطَالَ صَلَاة الضُّحَى فَقِيلَ لَهُ صَنَعْت الْيَوْم شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعهُ فَقَالَ : إِنَّهُ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ وِرْدِي شَيْء فَأَحْبَبْت أَنْ أُتِمّهُ أَوْ قَالَ أَقْضِيه وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة" وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا " وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْآيَة يَقُول مَنْ فَاتَهُ شَيْء مِنْ اللَّيْل أَنْ يَعْمَلهُ أَدْرَكَهُ بِالنَّهَارِ أَوْ مِنْ النَّهَار أَدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن وَقَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة خِلْفَة أَيْ مُخْتَلِفِينَ أَيْ هَذَا بِسَوَادِهِ وَهَذَا بِضِيَائِهِ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة } . اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : أَنَّ اللَّه جَعَلَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا خِلْفًا مِنَ الْآخَر , فِي أَنَّ مَا فَاتَ أَحَدهمَا مِنْ عَمَل يُعْمَل فِيهِ لِلَّهِ , أُدْرِكَ قَضَاؤُهُ فِي الْآخَر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20078 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ حَفْص بْن حُمَيْد , عَنْ شَمِر بْن عَطِيَّة , عَنْ شَقِيق قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَقَالَ : فَاتَتْنِي الصَّلَاة اللَّيْلَة , فَقَالَ : أَدْرِكْ مَا فَاتَك مِنْ لَيْلَتك فِي نَهَارك , فَإِنَّ اللَّه جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّر , أَوْ أَرَادَ شُكُورًا . 20079 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة } يَقُول : مَنْ فَاتَهُ شَيْء مِنَ اللَّيْل أَنْ يَعْمَلهُ أَدْرَكَهُ بِالنَّهَارِ , أَوْ مِنَ النَّهَار أَدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ . 20080 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة } قَالَ : جَعَلَ أَحَدهمَا خِلَفًا لِلْآخَرِ , إِنْ فَاتَ رَجُلًا مِنَ النَّهَار شَيْء أَدْرَكَهُ مِنَ اللَّيْل , وَإِنْ فَاتَهُ مِنَ اللَّيْل أَدْرَكَهُ مِنَ النَّهَار . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَعَلَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مُخَالِفًا صَاحِبه , فَجَعَلَ هَذَا أَسْوَد وَهَذَا أَبْيَض . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20081 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة } قَالَ : أَسْوَد وَأَبْيَض . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عُمَر بْن قَيْس بْن أَبِي مُسْلِم الْمَاصِر , عَنْ مُجَاهِد : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة } قَالَ : أَسْوَد وَأَبْيَض . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا يَخْلُف صَاحِبه , إِذَا ذَهَبَ هَذَا جَاءَ هَذَا , وَإِذَا جَاءَ هَذَا ذَهَبَ هَذَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20082 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : ثنا قَيْس , عَنْ عُمَر بْن قَيْس الْمَاصِر , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة } هَذَا يَخْلُف هَذَا , وَهَذَا يَخْلُف هَذَا . 20083 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار خِلْفَة } قَالَ : لَوْ لَمْ يَجْعَلهُمَا خِلْفَة لَمْ يُدْرَ كَيْفَ يُعْمَل , لَوْ كَانَ الدَّهْر لَيْلًا كُلّه كَيْفَ يَدْرِي أَحَد كَيْف يَصُوم , أَوْ كَانَ الدَّهْر نَهَارًا كُلّه كَيْفَ يَدْرِي أَحَد كَيْفَ يُصَلِّي . قَالَ : وَالْخِلْفَة : مُخْتَلِفَانِ , يَذْهَب هَذَا وَيَأْتِي هَذَا , جَعَلَهُمَا اللَّه خِلْفَة لِلْعِبَادِ , وَقَرَأَ { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّر أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } وَالْخِلْفَة : مَصْدَر , فَلِذَلِكَ وُحِّدَتْ , وَهِيَ خَبَر عَنِ اللَّيْل وَالنَّهَار ; وَالْعَرَب تَقُول : خَلَفَ هَذَا مِنْ كَذَا خِلْفَة , وَذَلِكَ إِذَا جَاءَ شَيْء مَكَان شَيْء ذَهَبَ قَبْله , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَلَهَا بِالْمَاطِرُونَ إِذَا أَكَلَ النَّمْل الَّذِي جَمَعَا خِلْفَة حَتَّى إِذَا ارْتَبَعَتْ سَكَنَتْ مِنْ جِلَّق بِيَعَا وَكَمَا قَالَ زُهَيْر : بِهَا الْعَيْن وَالْآرَام يَمْشِينَ خِلْفَة وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلّ مَجْثَم يَعْنِي بِقَوْلِهِ : يَمْشِينَ خِلْفَة : تَذْهَب مِنْهَا طَائِفَة , وَتَخْلُف مَكَانهَا طَائِفَة أُخْرَى . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنَّ زُهَيْرًا أَرَادَ بِقَوْلِهِ : خِلْفَة : مُخْتَلِفَات الْأَلْوَان , وَأَنَّهَا ضُرُوب فِي أَلْوَانهَا وَهَيْئَاتهَا . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ أَنَّهَا تَذْهَب فِي مَشْيهَا كَذَا , وَتَجِيء كَذَا . وَقَوْله { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّر } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار , وَخُلُوف كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا الْآخَر حُجَّة وَآيَة لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّر أَمْر اللَّه , فَيُنِيب إِلَى الْحَقّ { أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } أَوْ أَرَادَ شُكْر نِعْمَة اللَّه الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ فِي اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20084 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } قَالَ : شُكْر نِعْمَة رَبّه عَلَيْهِ فِيهِمَا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّر } ذَاكَ آيَة لَهُ { أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } قَالَ : شُكْر نِعْمَة رَبّه عَلَيْهِ فِيهِمَا . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { يَذَّكَّر } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : { يَذَّكَّر } مُشَدَّدَة , بِمَعْنَى يَتَذَكَّر . وَقَرَأَهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : " يَذْكُر " مُخَفَّفَة ; وَقَدْ يَكُون التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف فِي مِثْل هَذَا بِمَعْنًى وَاحِد . يُقَال : ذَكَرْت حَاجَة فُلَان وَتَذَكَّرْتهَا . وَالْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب الصَّوَاب فِيهِمَا .

تفسير القرطبي

فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " خِلْفَة " قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْخِلْفَة كُلّ شَيْء بَعْد شَيْء . وَكُلّ وَاحِد مِنْ اللَّيْل وَالنَّهَار يُخْلِف صَاحِبه . وَيُقَال لِلْمَبْطُونِ : أَصَابَتْهُ خِلْفَة ; أَيْ قِيَام وَقُعُود يَخْلُف هَذَا ذَاكَ . وَمِنْهُ خِلْفَة النَّبَات , وَهُوَ وَرَق يَخْرُج بَعْد الْوَرَق الْأَوَّل فِي الصَّيْف . وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْل زُهَيْر بْن أَبِي سُلْمَى : بِهَا الْعَيْن وَالْآرَام يَمْشِينَ خِلْفَة وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلّ مَجْثَم الرِّئْم وَلَد الظَّبْي وَجَمْعه آرَام ; يَقُول : إِذَا ذَهَبَ فَوْج جَاءَ فَوْج . وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر يَصِف اِمْرَأَة تَنْتَقِل مِنْ مَنْزِل فِي الشِّتَاء إِلَى مَنْزِل فِي الصَّيْف دَأْبًا . وَلَهَا بِالْمَاطِرُونَ إِذَا أَكَلَ النَّمْل الَّذِي جَمَعَا خِلْفَة حَتَّى إِذَا اِرْتَبَعَتْ سَكَنَتْ مِنْ جِلَّق بِيَعَا فِي بُيُوت وَسْط دَسْكَرَة حَوْلهَا الزَّيْتُون قَدْ يَنَعَا قَالَ مُجَاهِد : " خِلْفَة " مِنْ الْخِلَاف ; هَذَا أَبْيَض وَهَذَا أَسْوَد ; وَالْأَوَّل أَقْوَى . وَقِيلَ : يَتَعَاقَبَانِ فِي الضِّيَاء وَالظَّلَّام وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ بَاب حَذْف الْمُضَاف ; أَيْ جَعَلَ اللَّيْل وَالنَّهَار ذَوِي خِلْفَة , أَيْ اِخْتِلَاف . " لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّر " أَيْ يَتَذَكَّر , فَيَعْلَم أَنَّ اللَّه لَمْ يَجْعَلهُ كَذَلِكَ عَبَثًا فَيَعْتَبِر فِي مَصْنُوعَات اللَّه , وَيَشْكُر اللَّه تَعَالَى عَلَى نِعَمه عَلَيْهِ فِي الْعَقْل وَالْفِكْر وَالْفَهْم . وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَابْن عَبَّاس وَالْحَسَن : مَعْنَاهُ مَنْ فَاتَهُ شَيْء مِنْ الْخَيْر بِاللَّيْلِ أَدْرَكَهُ بِالنَّهَارِ , وَمَنْ فَاتَهُ بِالنَّهَارِ أَدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ . وَفِي الصَّحِيح : ( مَا مِنْ اِمْرِئٍ تَكُون لَهُ صَلَاة بِاللَّيْلِ فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا نَوْم فَيُصَلِّي مَا بَيْن طُلُوع الشَّمْس إِلَى صَلَاة الظُّهْر إِلَّا كَتَبَ اللَّه لَهُ أَجْر صَلَاته وَكَانَ نَوْمه عَلَيْهِ صَدَقَة ) . وَرَوَى مُسْلِم عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبه أَوْ عَنْ شَيْء مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْن صَلَاة الْفَجْر وَصَلَاة الظُّهْر كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنْ اللَّيْل ) . الثَّانِيَة : قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : سَمِعْت ذَا الشَّهِيد الْأَكْبَر يَقُول : إِنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ الْعَبْد حَيًّا عَالِمًا , وَبِذَلِكَ كَمَاله , وَسَلَّطَ عَلَيْهِ آفَة النَّوْم وَضَرُورَة الْحَدَث وَنُقْصَان الْخِلْقَة ; إِذْ الْكَمَال لِلْأَوَّلِ الْخَالِق , فَمَا أَمْكَنَ الرَّجُل مِنْ دَفْع النَّوْم بِقِلَّةِ الْأَكْل وَالسَّهَر فِي طَاعَة اللَّه فَلْيَفْعَلْ . وَمِنْ الْغَبْن الْعَظِيم أَنْ يَعِيش الرَّجُل سِتِّينَ سَنَة يَنَام لَيْلهَا فَيَذْهَب النِّصْف مِنْ عُمْره لَغْوًا , وَيَنَام سُدُس النَّهَار رَاحَة فَيَذْهَب ثُلُثَاهُ وَيَبْقَى لَهُ مِنْ الْعُمْر عِشْرُونَ سَنَة , وَمِنْ الْجَهَالَة وَالسَّفَاهَة أَنْ يُتْلِف الرَّجُل ثُلُثَيْ عُمُره فِي لَذَّة فَانِيَة , وَلَا يُتْلِف عُمُره بِسَهَرٍ فِي لَذَّة بَاقِيَة عِنْد الْغَنِيّ الْوَفِيّ الَّذِي لَيْسَ بِعَدِيمٍ وَلَا ظَلُوم . الثَّالِثَة : الْأَشْيَاء لَا تَتَفَاضَل بِأَنْفُسِهَا ; فَإِنَّ الْجَوَاهِر وَالْأَعْرَاض مِنْ حَيْثُ الْوُجُود مُتَمَاثِلَة , وَإِنَّمَا يَقَع التَّفَاضُل بِالصِّفَاتِ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ أَيّ الْوَقْتَيْنِ أَفْضَل , اللَّيْل أَوْ النَّهَار . وَفِي الصَّوْم غُنْيَة فِي الدَّلَالَة , وَاَللَّه أَعْلَم ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . قُلْت : وَاللَّيْل عَظِيم قَدْره ; أَمَرَ نَبِيّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِقِيَامِهِ فَقَالَ : " وَمِنْ اللَّيْل فَتَهَجَّدَ بِهِ نَافِلَة لَك " [ الْإِسْرَاء : 79 ] , وَقَالَ : " قُمْ اللَّيْل " [ الْمُزَّمِّل : 2 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَمَدَحَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى قِيَامه فَقَالَ : " تَتَجَافَى جَنُوبهمْ عَنْ الْمَضَاجِع " [ السَّجْدَة : 16 ] وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( وَالصَّدَقَة تُطْفِئ الْخَطِيئَة كَمَا يُطْفِئ الْمَاء النَّار وَصَلَاة الرَّجُل فِي جَوْف اللَّيْل وَفِيهِ سَاعَة يُسْتَجَاب فِيهَا الدُّعَاء وَفِيهِ يَنْزِل الرَّبّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ) حَسْبَمَا يَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . الرَّابِعَة : قَرَأَ حَمْزَة وَحْده : " يَذْكُر " بِسُكُونِ الذَّال وَضَمّ الْكَافّ . وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن وَثَّاب وَطَلْحَة وَالنَّخَعِيّ . وَفِي مُصْحَف أُبَيّ " يَتَذَكَّر " بِزِيَادَةِ تَاء . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ : " يَذَّكَّر " بِتَشْدِيدِ الْكَاف . وَيَذْكُر وَيَذَّكَّر بِمَعْنًى وَاحِد . وَقِيلَ : مَعْنَى " يَذْكُر " بِالتَّخْفِيفِ أَيْ مَا يَذْكُر مَا نَسِيَهُ فِي أَحَد الْوَقْتَيْنِ فِي الْوَقْت الثَّانِي , أَوْ لِيَذْكُر تَنْزِيه اللَّه وَتَسْبِيحه فِيهَا . " أَوْ أَرَادَ شُكُورًا " يُقَال : شَكَرَ يَشْكُر شُكْرًا وَشُكُورًا , مِثْل كُفْر يُكْفُر كُفْرًا وَكُفُورًا . وَهَذَا الشُّكُور عَلَى أَنَّهُمَا جَعَلَهُمَا قِوَامًا لِمَعَاشِهِمْ . وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا : " وَمَا الرَّحْمَن " قَالُوا : هُوَ الَّذِي يَقْدِر عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاء .

غريب الآية
وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةࣰ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن یَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورࣰا ﴿٦٢﴾
خِلۡفَةࣰيَخْلُفُ أحدُهما الآخَرَ فَيَتَعاقَبَانِ.
أَن یَذَّكَّرَأن يَعْتَبرَ.
الإعراب
(وَهُوَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(هُوَ) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(الَّذِي)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ.
(جَعَلَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(اللَّيْلَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالنَّهَارَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(النَّهَارَ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(خِلْفَةً)
مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(لِمَنْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(مَنْ) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(أَرَادَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَذَّكَّرَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(أَوْ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَرَادَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(شُكُورًا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.