صفحات الموقع

سورة النمل الآية ٦٦

سورة النمل الآية ٦٦

بَلِ ٱدَّ ٰ⁠رَكَ عِلۡمُهُمۡ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِی شَكࣲّ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ ﴿٦٦﴾

التفسير

تفسير السعدي

" بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ " أي: بل ضعف, ولم يكن يقينا, ولا علما واصلا إلى القلب, وهذا أقل, وأدنى درجة للعلم, ضعفه ووهاؤه, بل ليس عندهم علم قوي, ولا ضعيف, وإنما " هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا " . أي: من الآخرة. والشك زال به العلم, لأن العلم بجميع مراتبه, لا يجامع الشك. " بَلْ هُمْ مِنْهَا " أي من الآخرة " عَمُونَ " قد عميت عنها بصائرهم. ولم يكن في قلوبهم علم من وقوعها ولا احتمال, بل أنكروها واستبعدوها.

التفسير الميسر

قل -أيها الرسول- لهم: لا يعلم أحد في السموات ولا في الأرض ما استأثر الله بعلمه من المغيَّبات، ولا يدرون متى هم مبعوثون مِن قبورهم عند قيام الساعة؟ بل تكامل علمهم في الآخرة، فأيقنوا بالدار الآخرة، وما فيها مِن أهوال حين عاينوها، وقد كانوا في الدنيا في شك منها، بل عميت عنها بصائرهم.

تفسير الجلالين

"بَلْ" بِمَعْنَى هَلْ "ادَّارَكَ" بِوَزْنِ أَكْرَمَ وَفِي قِرَاءَة أُخْرَى ادَّارَكَ بِتَشْدِيدِ الدَّال وَأَصْله تَدَارَكَ أُبْدِلَتْ التَّاء دَالًا وَأُدْغِمَتْ فِي الدَّال وَاجْتُلِبَتْ هَمْزَة الْوَصْل أَيْ بَلَغَ وَلَحِقَ أَوْ تَتَابَعَ وَتَلَاحَقَ "عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة" أَيْ بِهَا حَتَّى سَأَلُوا عَنْ وَقْت مَجِيئِهَا لَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ "بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ" مِنْ عَمَى الْقَلْب وَهُوَ أَبْلَغ مِمَّا قَبْله وَالْأَصْل عَمَيُونَ اُسْتُثْقِلَتْ الضَّمَّة عَلَى الْيَاء فَنُقِلَتْ إلَى الْمِيم بَعْد حَذْف كَسْرَتهَا

تفسير ابن كثير

أَيْ اِنْتَهَى عِلْمهمْ وَعَجَزَ عَنْ مَعْرِفَة وَقْتهَا وَقَرَأَ آخَرُونَ " بَلْ أَدْرَكَ عِلْمهمْ " أَيْ تَسَاوَى عِلْمهمْ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الصَّحِيح لِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِجِبْرِيلَ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ وَقْت السَّاعَة " مَا الْمَسْئُول عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِل " أَيْ تَسَاوَى فِي الْعَجْز عَنْ دَرْك ذَلِكَ عِلْم الْمَسْئُول وَالسَّائِل قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " بَلْ اِدَّارَكَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة " أَيْ غَابَ وَقَالَ قَتَادَة " بَلْ اِدَّارَكَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة " يَعْنِي بِجَهْلِهِمْ بِرَبِّهِمْ يَقُول لَمْ يَنْفُذ لَهُمْ عِلْم فِي الْآخِرَة هَذَا قَوْل وَقَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس" بَلْ اِدَّارَكَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة " حِين لَمْ يَنْفَع الْعِلْم وَبِهِ قَالَ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَالسُّدِّيّ أَنَّ عِلْمهمْ إِنَّمَا يُدْرِك وَيَكْمُل يَوْم الْقِيَامَة حَيْثُ لَا يَنْفَعهُمْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى " أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْم يَأْتُونَنَا لَكِنْ الظَّالِمُونَ الْيَوْم فِي ضَلَال مُبِين " وَقَالَ سُفْيَان عَنْ عَمْرو بْن عُبَيْد عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ " بَلْ أَدْرَكَ عِلْمهمْ " قَالَ اِضْمَحَلَّ عِلْمهمْ فِي الدُّنْيَا حِين عَايَنُوا الْآخِرَة وَقَوْله تَعَالَى " بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْهَا" عَائِد عَلَى الْجِنْس وَالْمُرَاد الْكَافِرُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى" وَعُرِضُوا عَلَى رَبّك صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّل مَرَّة بَلْ زَعَمْتُمْ أَنْ لَنْ نَجْعَل لَكُمْ مَوْعِدًا " أَيْ الْكَافِرُونَ مِنْكُمْ وَهَكَذَا قَالَ هَهُنَا " بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْهَا " أَيْ شَاكُّونَ فِي وُجُودهَا وَوُقُوعهَا " بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ " أَيْ فِي عَمَايَة وَجَهْل كَبِير فِي أَمْرهَا وَشَأْنهَا.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { اِدَّارَكَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة سِوَى أَبِي جَعْفَر وَعَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة : { بَلْ اِدّرَاك } بِكَسْرِ اللَّام مِنْ " بَلْ " وَتَشْدِيد الدَّال مِنْ " اِدّرَاك " , بِمَعْنَى : بَلِ تَدَارَكَ عِلْمهمْ أَيْ تَتَابَعَ عِلْمهمْ بِالْآخِرَةِ هَلْ هِيَ كَائِنَة أَمْ لَا , ثُمَّ أُدْغِمَتْ التَّاء فِي الدَّال كَمَا قِيلَ : { اِثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْض } 9 38 وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة مِنْ إِعَادَته . وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل مَكَّة : " بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَة " بِسُكُونِ الدَّال وَفَتْح الْأَلِف , بِمَعْنَى هَلْ أَدْرَكَ عِلْمهمْ عِلْم الْآخِرَة. وَكَانَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء يُنْكِر فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : " بَلْ أَدْرَكَ " وَيَقُول : إِنَّ " بَلْ " إِيجَاب وَالِاسْتِفْهَام فِي هَذَا الْمَوْضِع إِنْكَار . وَمَعْنَى الْكَلَام : إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ " بَلْ أَدْرَكَ " لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يُدْرِك عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة , وَبِالِاسْتِفْهَامِ قَرَأَ ذَلِكَ اِبْن مُحَيْصِن عَلَى الْوَجْه الَّذِي ذَكَرْت أَنَّ أَبَا عَمْرو أَنْكَرَهُ. وَبِنَحْوِ الَّذِي ذَكَرْت عَنْ الْمَكِّيِّينَ أَنَّهُمْ قَرَءُوهُ ذُكِرَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ قَرَأَهُ , غَيْر أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ فِي مَوْضِع بَلْ : أَمْ . 20599 -حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد , أَنَّهُ قَرَأَ " أَمْ أَدْرَكَ عِلْمهمْ " وَكَانَ اِبْن عَبَّاس فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ يَقْرَأ بِإِثْبَاتِ يَاء فِي بَلْ , ثُمَّ يَبْتَدِئ أَدَّارَكَ بِفَتْحِ أَلِفهَا عَلَى وَجْه الِاسْتِفْهَام وَتَشْدِيد الدَّال . 20600 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثَنَا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة : " بَلَى أَدَّارَكَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة " : أَيْ لَمْ يُدْرَك . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة , قَالَ : سَمِعْت اِبْن عَبَّاس يَقْرَأ { بَلَى أَدَّارَكَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة } إِنَّمَا هُوَ اِسْتِفْهَام أَنَّهُ لَمْ يُدْرَك . وَكَأَنَّ اِبْن عَبَّاس وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ مَخْرَجه مَخْرَج الِاسْتِهْزَاء بِالْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَات عِنْدنَا فِي ذَلِكَ الْقِرَاءَتَانِ اللَّتَانِ ذُكِرَتْ إِحْدَاهُمَا عَنْ قِرَاءَة أَهْل مَكَّة وَالْبَصْرَة , وَهِيَ " بَلْ أَدْرَكَ عِلْمهمْ " بِسُكُونِ لَام بَلْ وَفَتْح أَلِف أَدْرَكَ وَتَخْفِيف دَالهَا , وَالْأُخْرَى مِنْهُمَا عَنْ قِرَاءَة الْكُوفَة , وَهِيَ { بَلْ ادَّارَكَ } بِكَسْرِ اللَّام وَتَشْدِيد الدَّال مِنْ ادَّارَكَ , لِأَنَّهُمَا الْقِرَاءَتَانِ الْمَعْرُوفَتَانِ فِي قُرَّاء الْأَمْصَار , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب عِنْدنَا . فَأَمَّا الْقِرَاءَة الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْ اِبْن عَبَّاس , فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَة الْمَعْنَى وَالْإِعْرَاب , فَخِلَاف لِمَا عَلَيْهِ مَصَاحِف الْمُسْلِمِينَ , وَذَلِكَ أَنَّ فِي بَلَى زِيَادَة يَاء فِي قِرَاءَاته لَيْسَتْ فِي الْمَصَاحِف , وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ قِرَاءَة لَا نَعْلَمهَا قَرَأَ بِهَا أَحَد مِنْ قُرَّاء الْأَمْصَار . وَأَمَّا الْقِرَاءَة الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْ اِبْن مُحَيْصِن , فَإِنَّ الَّذِي قَالَ فِيهَا أَبُو عَمْرو قَوْل صَحِيح , لِأَنَّ الْعَرَب تُحَقِّق بِبَلْ مَا بَعْدهَا لَا تَنْفِيه . وَالِاسْتِفْهَام فِي هَذَا الْمَوْضِع إِنْكَار لَا إِثْبَات , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه قَدْ أَخْبَرَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ مِنْ السَّاعَة فِي شَكّ , فَقَالَ : { بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ } . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : بَلْ أَدْرَكَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة فَأَيْقَنُوهَا إِذْ عَايَنُوهَا حِين لَمْ يَنْفَعهُمْ يَقِينهمْ بِهَا , إِذْ كَانُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا مُكَذِّبِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20601 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : " بَلْ أَدْرَكَ عِلْمهمْ " قَالَ : بَصَرهمْ فِي الْآخِرَة حِين لَمْ يَنْفَعهُمْ الْعِلْم وَالْبَصَر. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : بَلْ غَابَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20602 - حَدَّثني عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : " بَلْ ادَّارَكَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة " يَقُول : غَابَ عِلْمهمْ . 20603 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { بَلْ ادَّارَكَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة } قَالَ : يَقُول : ضَلَّ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهَا عِلْم , { هُمْ مِنْهَا عَمُونَ } . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَمْ يَبْلُغ لَهُمْ فِيهَا عِلْم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20604 - حَدَّثني عَبْد الْوَارِث بْن عَبْد الصَّمَد , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ جَدِّي , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { بَلْ ادَّارَكَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة } قَالَ : كَانَ يَقْرَؤُهَا : " بَلْ أَدْرَكَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة " قَالَ : لَمْ يَبْلُغ لَهُمْ فِيهَا عِلْم , وَلَا يَصِل إِلَيْهَا مِنْهُمْ رَغْبَة . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : بَلْ أَدْرَكَ : أَمْ أَدْرَكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20605 -حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : " بَلْ أَدْرَكَ عِلْمهمْ " قَالَ : أَمْ أَدْرَكَ . * - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عُثْمَان , عَنْ مُجَاهِد : " بَلْ أَدْرَكَ عِلْمهمْ " قَالَ : أَمْ أَدْرَكَ عِلْمهمْ مِنْ أَيْنَ يُدْرِك عِلْمهمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي تَأْوِيل ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ " بَلْ أَدْرَكَ " الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ : إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ { وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } بَلْ أَدْرَكَ عِلْمهمْ نَفْس وَقْت ذَلِكَ فِي الْآخِرَة حِين يُبْعَثُونَ , فَلَا يَنْفَعهُمْ عِلْمهمْ بِهِ حِينَئِذٍ , فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ مِنْهَا فِي شَكّ , بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ . وَإِنَّمَا قُلْت : هَذَا الْقَوْل أَوْلَى الْأَقْوَال فِي تَأْوِيل ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عَلَى الْقِرَاءَة الَّتِي ذُكِرَتْ , لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَر مَعَانِيه. وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ كَانَ فِي الْكَلَام مَحْذُوف قَدْ اُسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهُ عَنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ , بَلْ يَشْعُرُونَ ذَلِكَ فِي الْآخِرَة , فَالْكَلَام إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ , بَلْ أَدْرَكَ عِلْمهمْ بِذَلِكَ فِي الْآخِرَة , بَلْ هُمْ فِي الدُّنْيَا فِي شَكّ مِنْهَا . وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ { بَلْ ادَّارَكَ } بِكَسْرِ اللَّام وَتَشْدِيد الدَّال , فَالْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ مُجَاهِد , وَهُوَ أَنْ يَكُون مَعْنَى بَلْ : أَمْ , وَالْعَرَب تَضَع أَمْ مَوْضِع بَلْ , وَمَوْضِع بَلْ : أَمْ , إِذَا كَانَ فِي أَوَّل الْكَلَام اِسْتِفْهَام , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ أَمْ النَّوْم أَمْ كُلٌّ إِلَيَّ حَبِيبُ يَعْنِي بِذَلِكَ بَلْ كُلّ إِلَيَّ حَبِيب , فَيَكُون تَأْوِيل الْكَلَام : وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ , بَلْ تَدَارَكَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة : يَعْنِي تَتَابَعَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة : أَيْ بِعِلْمِ الْآخِرَة : أَيْ لَمْ يَتَتَابَع بِذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمُوهُ , بَلْ غَابَ عِلْمهمْ عَنْهُ , وَضَلَّ فَلَمْ يَبْلُغُوهُ وَلَمْ يُدْرِكُوهُ . وَقَوْله : { بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْهَا } يَقُول : بَلْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَسْأَلُونَك عَنْ السَّاعَة فِي شَكّ مِنْ قِيَامهَا لَا يُوقِنُونَ بِهَا وَلَا يُصَدِّقُونَ بِأَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْد الْمَوْت . يَقُول : بَلْ هُمْ مِنْ الْعِلْم بِقِيَامِهَا عَمُونَ .

تفسير القرطبي

عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة " هَذِهِ قِرَاءَة أَكْثَر النَّاس مِنْهُمْ عَاصِم وَشَيْبَة وَنَافِع وَيَحْيَى بْن وَثَّاب وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَابْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو وَحُمَيْد : " بَلْ أَدْرَكَ " مِنْ الْإِدْرَاك . وَقَرَأَ عَطَاء بْن يَسَار وَأَخُوهُ سُلَيْمَان بْن يَسَار وَالْأَعْمَش : " بَلْ اِدَّرَكَ " غَيْر مَهْمُوز مُشَدَّدًا . وَقَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن : " بَلْ أَدَّارَكَ " عَلَى الِاسْتِفْهَام . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس : " بَلَى " بِإِثْبَاتِ الْيَاء " أَدَّارَكَ " بِهَمْزَةِ قَطْع وَالدَّال مُشَدَّدَة وَأَلِف بَعْدهَا ; قَالَ النَّحَّاس : وَإِسْنَاده إِسْنَاد صَحِيح , هُوَ مِنْ حَدِيث شُعْبَة يَرْفَعهُ إِلَى اِبْن عَبَّاس . وَزَعَمَ هَارُون الْقَارِئ أَنَّ قِرَاءَة أُبَيّ " بَلْ تَدَارَكَ عِلْمهمْ " وَحَكَى الثَّعْلَبِيّ أَنَّهَا فِي حَرْف أُبَيّ أَمْ تَدَارَكَ . وَالْعَرَب تَضَع بَلْ مَوْضِع ( أَمْ ) وَ ( أَمْ ) مَوْضِع بَلْ إِذَا كَانَ فِي أَوَّل الْكَلَام اِسْتِفْهَام ; كَقَوْلِ الشَّاعِر : فَوَاَللَّهِ لَا أَدْرِي أَسَلْمَى تَقَوَّلَتْ أَمْ الْقَوْل أَمْ كُلّ إِلَيَّ حَبِيب أَيْ بَلْ كُلّ . قَالَ النَّحَّاس : الْقِرَاءَة الْأُولَى وَالْأَخِيرَة مَعْنَاهُمَا وَاحِد , لِأَنَّ أَصْل " اِدَّارَكَ " تَدَارَكَ ; أُدْغِمَتْ الدَّال فِي التَّاء وَجِيءَ بِأَلِفِ الْوَصْل ; وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا أَنَّ الْمَعْنَى بَلْ تَكَامَلَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة ; لِأَنَّهُمْ رَأَوْا كُلّ مَا وُعِدُوا بِهِ مُعَايَنَة فَتَكَامَلَ عِلْمهمْ بِهِ . وَالْقَوْل الْآخَر أَنَّ الْمَعْنَى : بَلْ تَتَابَعَ عِلْمهمْ الْيَوْم فِي الْآخِرَة ; فَقَالُوا تَكُون وَقَالُوا لَا تَكُون . الْقِرَاءَة الثَّانِيَة فِيهَا أَيْضًا قَوْلَانِ : أَحَدهمَا أَنَّ مَعْنَاهُ كَمُلَ فِي الْآخِرَة ; وَهُوَ مِثْل الْأَوَّل ; قَالَ مُجَاهِد : مَعْنَاهُ يُدْرَك عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة وَيَعْلَمُونَهَا إِذَا عَايَنُوهَا حِين لَا يَنْفَعهُمْ عِلْمهمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُكَذِّبِينَ . وَالْقَوْل الْآخَر أَنَّهُ عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَار ; وَهُوَ مَذْهَب أَبِي إِسْحَاق ; وَاسْتَدَلَّ عَلَى صِحَّة هَذَا الْقَوْل بِأَنَّ بَعْده " بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ " أَيْ لَمْ يُدْرِك عِلْمهمْ عِلْم الْآخِرَة . وَقِيلَ : بَلْ ضَلَّ وَغَابَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهَا عِلْم . وَالْقِرَاءَة الثَّالِثَة : " بَلْ اِدَّرَكَ " فَهِيَ بِمَعْنَى " بَلْ اِدَّارَكَ " وَقَدْ يَجِيء اِفْتَعَلَ وَتَفَاعَلَ بِمَعْنًى ; وَلِذَلِكَ صُحِّحَ اِزْدَوَجُوا حِين كَانَ بِمَعْنَى تَزَاوَجُوا . الْقِرَاءَة الرَّابِعَة : لَيْسَ فِيهَا إِلَّا قَوْل وَاحِد يَكُون فِيهِ مَعْنَى الْإِنْكَار ; كَمَا تَقُول : أَأَنَا قَاتَلْتُك ؟ ! فَيَكُون الْمَعْنَى لَمْ يُدْرِك ; وَعَلَيْهِ تَرْجِع قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : " بَلَى أَدَّارَكَ عِلْمهمْ فِي الْآخِرَة " أَيْ لَمْ يُدْرِك . قَالَ الْفَرَّاء : وَهُوَ قَوْل حَسَن كَأَنَّهُ وَجَّهَهُ إِلَى الِاسْتِهْزَاء بِالْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ , كَقَوْلِك لِرَجُلٍ تُكَذِّبهُ : بَلَى لَعَمْرِي قَدْ أَدْرَكَتْ السَّلَف فَأَنْتَ تَرْوِي مَا لَا أَرْوِي وَأَنْتَ تُكَذِّبهُ . وَقِرَاءَة سَابِعَة : " بَلَ اِدَّرَكَ " بِفَتْحِ اللَّام ; عَدَلَ إِلَى الْفَتْحَة لِخِفَّتِهَا . وَقَدْ حُكِيَ نَحْو ذَلِكَ عَنْ قُطْرُب فِي " قُمِ اللَّيْل " فَإِنَّهُ عَدَلَ إِلَى الْفَتْح . وَكَذَلِكَ وَ { بِعِ الثَّوْب } وَنَحْوه . وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْكِتَاب : وَقُرِئَ " بَلْ أَأَدَّرَكَ " بِهَمْزَتَيْنِ " بَلْ أَدَّرَكَ " بِأَلِفٍ بَيْنهمَا " بَلَى أَأَدَّرَكَ " " أَمْ تَدَارَكَ " " أَمْ أَدْرَكَ " فَهَذِهِ ثَنَتَا عَشْرَة قِرَاءَة , ثُمَّ أَخَذَ يُعَلِّل وُجُوه الْقِرَاءَات وَقَالَ : فَإِنْ قُلْت فَمَا وَجْه قِرَاءَة " بَلْ أَدَّرَكَ " عَلَى الِاسْتِفْهَام ؟ قُلْت : هُوَ اِسْتِفْهَام عَلَى وَجْه الْإِنْكَار لِإِدْرَاكِ عِلْمهمْ , وَكَذَلِكَ مَنْ قَرَأَ : أَمْ أَدَّرَكَ " وَ " أَمْ تَدَارَكَ " لِأَنَّهَا أَمْ الَّتِي بِمَعْنَى بَلْ وَالْهَمْزَة , وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ : " بَلَى أَأَدَّرَكَ " عَلَى الِاسْتِفْهَام فَمَعْنَاهُ بَلَى يَشْعُرُونَ مَتَى يُبْعَثُونَ , ثُمَّ أَنْكَرَ عِلْمهمْ بِكَوْنِهَا , وَإِذَا أَنْكَرَ عِلْمهمْ بِكَوْنِهَا لَمْ يَتَحَصَّل لَهُمْ شُعُور وَقْت كَوْنهَا ; لِأَنَّ الْعِلْم بِوَقْتِ الْكَائِن تَابِع لِلْعِلْمِ بِكَوْنِ الْكَائِن . " فِي الْآخِرَة " فِي شَأْن الْآخِرَة وَمَعْنَاهَا . أَيْ فِي الدُّنْيَا . " أَيْ بِقُلُوبِهِمْ وَاحِدهمْ عَمْو . وَقِيلَ : عَم , وَأَصْله عَمْيُون حُذِفَتْ الْيَاء لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَلَمْ يَجُزْ تَحْرِيكهَا لِثِقَلِ الْحَرَكَة فِيهَا .

غريب الآية
بَلِ ٱدَّ ٰ⁠رَكَ عِلۡمُهُمۡ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِی شَكࣲّ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ ﴿٦٦﴾
بَلِ ٱدَّ ٰ⁠رَكَ عِلۡمُهُمۡ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِۚبَلْ تَكَامَلَ علمُهُم بِها عِنْدَما بُعِثُوا يومَ القيامةِ.
فِی شَكࣲّ مِّنۡهَاۖأي: مِنَ الآخِرةِ في الدُّنيا.
عَمُونَأي: غافِلُونَ، فَقُلُوبُهُم عَمْيَاءُ.
الإعراب
(بَلِ)
حَرْفُ إِضْرَابٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(ادَّارَكَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(عِلْمُهُمْ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْآخِرَةِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(بَلْ)
حَرْفُ إِضْرَابٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(هُمْ)
ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(شَكٍّ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (هُمْ) :.
(مِنْهَا)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(بَلْ)
حَرْفُ إِضْرَابٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(هُمْ)
ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(مِنْهَا)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(عَمُونَ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.