صفحات الموقع

سورة آل عمران الآية ١٥١

سورة آل عمران الآية ١٥١

سَنُلۡقِی فِی قُلُوبِ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعۡبَ بِمَاۤ أَشۡرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ یُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَـٰنࣰاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿١٥١﴾

التفسير

تفسير السعدي

فمن ولايته ونصره لهم, أنه وعدهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم من الكافرين, الرعب, وهو الخوف العظيم, الذي يمنعهم من كثير من مقاصدهم, وقد فعل تعالى. وذلك أن المشركين - بعدما انصرفوا من وقعة " أحد " - تشاوروا فيما بينهم, وقالوا: كيف ننصرف, بعد أن قتلنا منهم من قتلنا, وهزمناهم؟ ولما نستأصلهم؟ فهموا بذلك. فألقى الله في قلوبهم الرعب, فانصرفوا خائبين. ولا شك أن هذا, من أعظم النصر, لأنه قد تقدم, أن نصر الله لعباده المؤمنين, لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يقطع طرفا ممن كفروا, أو يكبتهم فينقلبوا خائبين. وهذا من الثاني. ثم ذكر السبب الموجب لإلقاء الرعب في قلوب الكافرين فقال: " بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا " أي: ذلك بسبب ما اتخذوا من دونه, من الأنداد والأصنام, التي اتخذوها على حسب أهوائهم وإرادتهم الفاسدة, من غير حجة ولا برهان, وانقطعوا من ولاية الواحد الرحمن. فمن ثم, كان المشرك مرعوبا من المؤمنين, لا يعتمد على ركن وثيق, وليس له ملجأ عند كل شدة وضيق, هذا حاله في الدنيا. وأما في الآخرة, فأشد وأعظم, ولهذا قال: " وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ " . أي: مستقرهم الذي يأوون إليه وليس لهم عنها خروج. " وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ " بسبب ظلمهم وعدوانهم, صارت النار مثواهم.

التفسير الميسر

سنقذف في قلوب الذين كفروا أشدَّ الفزع والخوف بسبب إشراكهم بالله آلهة مزعومة، ليس لهم دليل أو برهان على استحقاقها للعبادة مع الله، فحالتهم في الدنيا: رعب وهلع من المؤمنين، أما مكانهم في الآخرة الذي يأوون إليه فهو النار؛ وذلك بسبب ظلمهم وعدوانهم، وساء هذا المقام مقامًا لهم.

تفسير الجلالين

"سَنُلْقِي فِي قُلُوب الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْب" بِسُكُونِ الْعِين وَضَمّهَا الْخَوْف وَقَدْ عَزَمُوا بَعْد ارْتِحَالهمْ مِنْ أُحُد عَلَى الْعَوْد وَاسْتِئْصَال الْمُسْلِمِينَ فَرَعَبُوا وَلَمْ يَرْجِعُوا "بِمَا أَشْرَكُوا" بِسَبَبِ إشْرَاكهمْ "بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ سُلْطَانًا" حُجَّة عَلَى عِبَادَته وَهُوَ الْأَصْنَام "وَمَأْوَاهُمْ النَّار وَبِئْسَ مَثْوَى" مَأْوَى "الظَّالِمِينَ" الْكَافِرِينَ هِيَ

تفسير ابن كثير

قَالَ " سَنُلْقِي فِي قُلُوب الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْب بِمَا أَشْرَكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّار وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ " وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أُعْطِيت خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَد مِنْ الْأَنْبِيَاء قَبْلِي نُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَة شَهْر وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْض مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِم وَأُعْطِيت الشَّفَاعَة وَكَانَ النَّبِيّ يُبْعَث إِلَى قَوْمه خَاصَّة وَبُعِثْت إِلَى النَّاس عَامَّة ". وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي عَدِيّ عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَنْ سَيَّار عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " فَضَّلَنِي اللَّه عَلَى الْأَنْبِيَاء - أَوْ قَالَ عَلَى الْأُمَم - بِأَرْبَعٍ أُرْسِلْت إِلَى النَّاس كَافَّة وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْض كُلّهَا وَلِأُمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاة فَعِنْده مَسْجِده وَطَهُوره وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَة شَهْر يُقْذَف فِي قُلُوب أَعْدَائِي وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِم " وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَنْ سَيَّار الْقُرَشِيّ الْأُمَوِيّ مَوْلَاهُمْ الدِّمَشْقِيّ سَكَنَ الْبَصْرَة عَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيّ بْن عَجْلَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِهِ وَقَالَ : حَسَن صَحِيح وَقَالَ سَعِيد بْن مَنْصُور : أَنْبَأَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ أَبَا يُونُس حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " نُصِرْت بِالرُّعْبِ عَلَى الْعَدُوّ " . وَرَوَاهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن وَهْب : وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا حُسَيْن بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَق عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أُعْطِيت خَمْسًا بُعِثْت إِلَى الْأَحْمَر وَالْأَسْوَد وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْض طَهُورًا وَمَسْجِدًا وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِم وَلَمْ تُحَلَّ لِمَنْ كَانَ قَبْلِي وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَة شَهْر وَأُعْطِيت الشَّفَاعَة وَلَيْسَ مِنْ نَبِيّ إِلَّا وَقَدْ سَأَلَ الشَّفَاعَة وَإِنِّي قَدْ اِخْتَبَأْت شَفَاعَتِي لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا " تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَد . وَرَوَى الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى " سَنُلْقِي فِي قُلُوب الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْب " قَالَ : قَذَفَ اللَّه فِي قَلْب أَبِي سُفْيَان الرُّعْب فَرَجَعَ إِلَى مَكَّة فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَبَا سُفْيَان قَدْ أَصَابَ مِنْكُمْ طَرَفًا . وَقَدْ رَجَعَ وَقَذَفَ اللَّه فِي قَلْبه الرُّعْب " رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم. وَقَوْله تَعَالَى " وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّه وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ " قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَعَدَهُمْ اللَّه النَّصْر وَقَدْ يُسْتَدَلّ بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى أَحَد الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى " إِذْ تَقُول لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَنْ يُمِدّكُمْ رَبّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَاف مِنْ الْمَلَائِكَة مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرهمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَاف مِنْ الْمَلَائِكَة مُسَوِّمِينَ " أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم أُحُد لِأَنَّ عَدُوّهُمْ كَانَ ثَلَاثَة آلَاف مُقَاتِل فَلَمَّا وَاجَهُوهُمْ كَانَ الظَّفَر وَالنَّصْر أَوَّل النَّهَار لِلْإِسْلَامِ فَلَمَّا حَصَلَ مَا حَصَلَ مِنْ عِصْيَان الرُّمَاة وَفَشَل بَعْض الْمُقَاتِلَة تَأَخَّرَ الْوَعْد الَّذِي كَانَ مَشْرُوطًا بِالثَّبَاتِ وَالطَّاعَة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { سَنُلْقِي فِي قُلُوب الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْب بِمَا أَشْرَكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّار وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : سَيُلْقِي اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي قُلُوب الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ , وَجَحَدُوا نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ حَارَبَكُمْ بِأُحُدٍ الرُّعْب , وَهُوَ الْجَزَع وَالْهَلَع بِمَا أَشْرَكُوا بِاَللَّهِ , يَعْنِي بِشِرْكِهِمْ بِاَللَّهِ وَعِبَادَتهمْ الْأَصْنَام , وَطَاعَتهمْ الشَّيْطَان الَّتِي لَمْ أَجْعَل لَهُمْ بِهَا حُجَّة , وَهِيَ السُّلْطَان الَّتِي أَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَمْ يُنَزِّلهُ بِكُفْرِهِمْ وَشِرْكهمْ , وَهَذَا وَعْد مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ , وَالْفَلَج عَلَيْهِمْ مَا اِسْتَقَامُوا عَلَى عَهْده , وَتَمَسَّكُوا بِطَاعَتِهِ , ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ مَا هُوَ فَاعِل بِأَعْدَائِهِمْ بَعْد مَصِيرهمْ إِلَيْهِ , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَأْوَاهُمْ النَّار } يَعْنِي : وَمَرْجِعهمْ الَّذِي يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة النَّار { وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ } يَقُول : وَبِئْسَ مَقَام الظَّالِمِينَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ بِاكْتِسَابِهِمْ مَا أَوْجَبَ لَهَا عِقَاب اللَّه النَّار . كَمَا : 6354 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { سَنُلْقِي فِي قُلُوب الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْب بِمَا أَشْرَكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّار وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ } إِنِّي سَأُلْقِي فِي قُلُوب الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْب الَّذِي بِهِ كُنْت أَنْصُركُمْ عَلَيْهِمْ , بِمَا أَشْرَكُوا بِي مَا لَمْ أَجْعَل لَهُمْ بِهِ حُجَّة , أَيْ فَلَا تَظُنُّوا أَنَّ لَهُمْ عَاقِبَة نَصْر , وَلَا ظُهُور عَلَيْكُمْ مَا اِعْتَصَمْتُمْ وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرِي , لِلْمُصِيبَةِ الَّتِي أَصَابَتْكُمْ مِنْهُمْ بِذُنُوبٍ قَدَّمْتُمُوهَا لِأَنْفُسِكُمْ , خَالَفْتُمْ بِهَا أَمْرِي , وَعَصَيْتُمْ فِيهَا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 6355 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا اِرْتَحَلَ أَبُو سُفْيَان وَالْمُشْرِكُونَ يَوْم أُحُد مُتَوَجِّهِينَ نَحْو مَكَّة , اِنْطَلَقَ أَبُو سُفْيَان حَتَّى بَلَغَ بَعْض الطَّرِيق , ثُمَّ إِنَّهُمْ نَدِمُوا فَقَالُوا : بِئْسَ مَا صَنَعْتُمْ , إِنَّكُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ , حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الشِّرِّير تَرَكْتُمُوهُمْ , اِرْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ , فَقَذَفَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي قُلُوبهمْ الرُّعْب , فَانْهَزَمُوا , فَلَقُوا أَعْرَابِيًّا , فَجَعَلُوا لَهُ جُعْلًا , وَقَالُوا لَهُ : إِنْ لَقِيت مُحَمَّدًا فَأَخْبِرْهُ بِمَا قَدْ جَمَعْنَا لَهُمْ ! فَأَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَطَلَبَهُمْ حَتَّى بَلَغَ حَمْرَاء الْأَسَد , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ , فَذَكَرَ أَبَا سُفْيَان حِين أَرَادَ أَنْ يَرْجِع إِلَى النَّبِيّ صَلَّى وَمَا قُذِفَ فِي قَلْبه مِنْ الرُّعْب , قَالَ : { سَنُلْقِي فِي قُلُوب الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْب بِمَا أَشْرَكُوا بِاَللَّهِ }

تفسير القرطبي

نَظِيره " وَقَذَفَ فِي قُلُوبهمْ الرُّعْب " . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَالْكِسَائِيّ " الرُّعُب " بِضَمِّ الْعَيْن ; وَهُمَا لُغَتَانِ . وَالرُّعْب : الْخَوْف ; يُقَال : رَعَبْته رُعْبًا وَرُعُبًا , فَهُوَ مَرْعُوب . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الرُّعْب مَصْدَرًا , وَالرُّعْب الِاسْم . وَأَصْله مِنْ الْمَلْء ; يُقَال سَيْل رَاعِب يَمْلَأ الْوَادِي . وَرَعَبْت الْحَوْض مَلَأْته . وَالْمَعْنَى : سَنَمْلَأُ قُلُوب الْمُشْرِكِينَ خَوْفًا وَفَزَعًا . وَقَرَأَ السَّخْتِيَانِيّ " سَيُلْقِي " بِالْيَاءِ , وَالْبَاقُونَ بِنُونِ الْعَظَمَة . قَالَ السُّدِّيّ وَغَيْره : لَمَّا اِرْتَحَلَ أَبُو سُفْيَان وَالْمُشْرِكُونَ يَوْم أُحُد مُتَوَجِّهِينَ إِلَى مَكَّة اِنْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيق نَدِمُوا وَقَالُوا : بِئْسَ مَا صَنَعْنَا ! قَتَلْنَاهُمْ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيد تَرَكْنَاهُمْ , اِرْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ ; فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ أَلْقَى اللَّه فِي قُلُوبهمْ الرُّعْب حَتَّى رَجَعُوا عَمَّا هَمُّوا بِهِ . وَالْإِلْقَاء يُسْتَعْمَل حَقِيقَة فِي الْأَجْسَام ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَأَلْقَى الْأَلْوَاح " [ الْأَعْرَاف : 150 ] " فَالْقَوْا حِبَالهمْ وَعِصِيّهمْ " [ الشُّعَرَاء : 44 ] " فَأَلْقَى عَصَاهُ " [ الْأَعْرَاف : 107 ] . قَالَ الشَّاعِر : فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى ثُمَّ قَدْ يُسْتَعْمَل مَجَازًا كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة , وَقَوْله : " وَأَلْقَيْت عَلَيْك مَحَبَّة مِنِّي " [ طَه : 39 ] . وَأُلْقِي عَلَيْك مَسْأَلَة . تَعْلِيل ; أَيْ كَانَ سَبَب إِلْقَاء الرُّعْب فِي قُلُوبهمْ إِشْرَاكهمْ ; فَمَا لِلْمَصْدَرِ . وَيُقَال أَشْرَكَ بِهِ أَيْ عَدَلَ بِهِ غَيْره لِيَجْعَلهُ شَرِيكًا . حُجَّة وَبَيَانًا , وَعُذْرًا وَبُرْهَانًا ; وَمِنْ هَذَا قِيلَ , لِلْوَالِي سُلْطَان ; لِأَنَّهُ حُجَّة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَرْض . وَيُقَال : إِنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ السَّلِيط وَهُوَ مَا يُضَاء بِهِ السِّرَاج , وَهُوَ دُهْن السِّمْسِم ; قَالَ امْرُؤُ الْقَيْس : أَمَالَ السَّلِيط بِالذُّبَالِ الْمُفَتَّلِ فَالسُّلْطَان يُسْتَضَاء بِهِ فِي إِظْهَار الْحَقّ وَقَمْع الْبَاطِل . وَقِيلَ السَّلِيط الْحَدِيد . وَالسَّلَاطَة الْحِدَّة . وَالسَّلَاطَة مِنْ التَّسْلِيط وَهُوَ الْقَهْر ; وَالسُّلْطَان مِنْ ذَلِكَ , فَالنُّون زَائِدَة . فَأَصْل السُّلْطَان الْقُوَّة , فَإِنَّهُ يُقْهَرُ بِهَا كَمَا يُقْهَرُ بِالسُّلْطَانِ . وَالسَّلِيطَة الْمَرْأَة الصَّاخِبَة . وَالسَّلِيط الرَّجُل الْفَصِيح اللِّسَان . وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ تَثْبُت عِبَادَة الْأَوْثَان فِي شَيْء مِنْ الْمِلَل . وَلَمْ يَدُلّ عَقْل عَلَى جَوَاز ذَلِكَ . ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْ مَصِيرهمْ وَمَرْجِعهمْ فَقَالَ : " وَمَأْوَاهُمْ النَّار " ثُمَّ ذَمَّهُ فَقَالَ : " وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ " وَالْمَثْوَى : الْمَكَان الَّذِي يُقَام فِيهِ ; يُقَال : ثَوَى يَثْوِي ثَوَاء . وَالْمَأْوَى : كُلّ مَكَان يَرْجِع إِلَيْهِ شَيْء لَيْلًا أَوْ نَهَارًا .

غريب الآية
سَنُلۡقِی فِی قُلُوبِ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعۡبَ بِمَاۤ أَشۡرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ یُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَـٰنࣰاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّـٰلِمِینَ ﴿١٥١﴾
سَنُلۡقِی فِی قُلُوبِ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعۡبَلأنَّ المشركين عَزَمُوا على استئصالِ المسلمين بعد أُحُدٍ، ولكنَّ اللهَ قَذَفَ فيهم الرُّعْبَ، فرجَعوا عَمّا هَمُّوا به.
سُلۡطَـٰنࣰاۖدليلاً على استحقاقِها العبادةَ.
مَثۡوَىمكانُ الإقامةِ.
الإعراب
(سَنُلْقِي)
"السِّينُ" حَرْفُ اسْتِقْبَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نُلْقِي) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلثِّقَلِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "نَحْنُ".
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(قُلُوبِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(كَفَرُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(الرُّعْبَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(بِمَا)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(مَا) : حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَشْرَكُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ (مَا أَشْرَكُوا) : فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْبَاءِ.
(بِاللَّهِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَاسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(لَمْ)
حَرْفُ نَفْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يُنَزِّلْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(بِهِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(سُلْطَانًا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَمَأْوَاهُمُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَأْوَاهُمْ) : مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(النَّارُ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَبِئْسَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(بِئْسَ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ يُفِيدُ الذَّمَّ.
(مَثْوَى)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(الظَّالِمِينَ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.