صفحات الموقع

سورة آل عمران الآية ٤١

سورة آل عمران الآية ٤١

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّیۤ ءَایَةࣰۖ قَالَ ءَایَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَیَّامٍ إِلَّا رَمۡزࣰاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِیرࣰا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِیِّ وَٱلۡإِبۡكَـٰرِ ﴿٤١﴾

التفسير

تفسير السعدي

" قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً " ليحصل السرور والاستبشار. وإن كنت - يا رب - متيقنا ما أخبرتني به, ولكن النفس تفرح, ويطمئن القلب, إلى مقدمات الرحمة واللطف. " قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا " . وفي هذه المدة اذكر " رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ " أول النهار وآخره. فمنع من الكلام في هذه المدة, فكان في هذا, مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير, والمرأة العاقر. وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين, ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه, آية أخرى. فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار, وشكر الله, وأكثر من الذكر والتسبيح, بالعشايا والأبكار. وكان هذا المولود, من بركات مريم بنت عمران, على زكريا. فإن ما من الله به عليها, من ذلك الرزق الهني, الذي يحصل بغير حساب, ذكره وهيجه على التضرع والسؤال. والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب, ولكنه يقدر أمورا محبوبة على يد من يحبه, ليرفع الله قدره, ويعظم أجره.

التفسير الميسر

قال زكريَّا: رب اجعل لي علامةً أستدلُّ بها على وجود الولد مني؛ ليحصل لي السرور والاستبشار، قال: علامتك التي طلبتها: ألا تستطيع التحدث إلى الناس ثلاثة أيام إلا بإشارة إليهم، مع أنك سويٌّ صحيح، وفي هذه المدة أكثِرْ من ذكر ربك، وصلِّ له أواخر النهار وأوائله.

تفسير الجلالين

"قَالَ رَبّ اجْعَلْ لِي آيَة" أَيْ عَلَامَة عَلَى حَمْل امْرَأَتِي "قَالَ آيَتك" عَلَيْهِ "أَلَّا تُكَلِّم النَّاس" أَيْ تَمْتَنِع مِنْ كَلَامهمْ بِخِلَافِ ذِكْر اللَّه تَعَالَى "ثَلَاثَة أَيَّام" أَيْ بِلَيَالِيِهَا "إلَّا رَمْزًا" إشَارَة "وَاذْكُرْ رَبّك كَثِيرًا وَسَبِّحْ" صَلِّ "بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار" أَوَاخِر النَّهَار وَأَوَائِله .

تفسير ابن كثير

" قَالَ رَبّ اِجْعَلْ لِي آيَة " أَيْ عَلَامَة أَسْتَدِلّ بِهَا عَلَى وُجُود الْوَلَد مِنِّي " قَالَ آيَتك أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا " أَيْ إِشَارَة لَا تَسْتَطِيع النُّطْق مَعَ أَنَّك سَوِيّ صَحِيح كَمَا فِي قَوْله " ثَلَاث لَيَالٍ سَوِيًّا " ثُمَّ أُمِرَ بِكَثْرَةِ الذِّكْر وَالتَّكْبِير وَالتَّسْبِيح فِي هَذِهِ الْحَال فَقَالَ تَعَالَى " اُذْكُرْ رَبّك كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار " وَسَيَأْتِي طَرَف آخَر فِي بَسْطِ هَذَا الْمَقَام فِي أَوَّل سُورَة مَرْيَم إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ رَبّ اِجْعَلْ لِي آيَة قَالَ آيَتك أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَبَرًا عَنْ زَكَرِيَّا , قَالَ زَكَرِيَّا , يَا رَبّ إِنْ كَانَ هَذَا النِّدَاء الَّذِي نُودِيتُهُ , وَالصَّوْت الَّذِي سَمِعْته صَوْت مَلَائِكَتك , وَبِشَارَة مِنْك لِي , فَاجْعَلْ لِي آيَة ! يَقُول : عَلَامَة أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِيَزُولَ عَنِّي مَا قَدْ وَسْوَسَ إِلَيَّ الشَّيْطَان فَأَلْقَاهُ فِي قَلْبِي , مِنْ أَنَّ ذَلِكَ صَوْت غَيْر الْمَلَائِكَة , وَبِشَارَة مِنْ عِنْد غَيْرك . كَمَا : 5510 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قَالَ رَبّ اِجْعَلْ لِي آيَة } قَالَ : قَالَ - يَعْنِي زَكَرِيَّا - : يَا رَبِّي فَإِنْ كَانَ هَذَا الصَّوْت مِنْك , فَاجْعَلْ لِي آيَة . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الْآيَة , وَأَنَّهَا الْعَلَامَة , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي سَبَب تَرْك الْعَرَب هَمْزهَا , وَمِنْ شَأْنهَا هَمْز كُلّ يَاء جَاءَتْ بَعْد أَلِف سَاكِنَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : تُرِكَ هَمْزهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ أَيَّة , فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ التَّشْدِيد , فَأَبْدَلُوهُ أَلِفًا لِانْفِتَاحِ مَا قَبْل التَّشْدِيد , كَمَا قَالُوا : أَيْمَا فُلَان فَأَخْزَاهُ اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ هِيَ فَاعِلَة مَنْقُوصَة . فَسَأَلُوا , فَقِيلَ لَهُمْ , فَمَا بَالُ الْعَرَب تُصَغِّرهَا أُيَيَّة , وَلَمْ يَقُولُوا أُوَيَّة ؟ فَقَالُوا : قِيلَ ذَلِكَ كَمَا قِيلَ فِي فَاطِمَة : هَذِهِ فُطَيْمَة , فَقِيلَ لَهُمْ : فَإِنَّهُمْ يُصَغِّرُونَ فَاعِلَة عَلَى فُعَيْلَة إِذَا كَانَ اِسْمًا فِي مَعْنَى فُلَان وَفُلَانَة , فَأَمَّا فِي غَيْر ذَلِكَ , فَلَيْسَ مِنْ تَصْغِيرهمْ فَاعِلَة عَلَى فُعَيْلَة . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّهُ فَعْلَة , صُيِّرَتْ يَاؤُهَا الْأُولَى أَلِفًا , كَمَا فَعَلَ بِحَاجَةٍ وَقَامَة , فَقِيلَ لَهُمْ : إِنَّمَا تَفْعَل الْعَرَب ذَلِكَ فِي أَوْلَاد الثَّلَاثَة , وَقَالَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قِيلهمْ : لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا لَقِيلَ فِي نَوَاة : نَايَة , وَفِي حَيَاة : حَايَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ آيَتك أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا } فَعَاقَبَهُ اللَّه فِيمَا ذُكِرَ لَنَا بِمَسْأَلَتِهِ الْآيَة , بَعْد مُشَافَهَة الْمَلَائِكَة إِيَّاهُ بِالْبِشَارَةِ , فَجَعَلَ آيَته عَلَى تَحْقِيق مَا سَمِعَ مِنْ الْبِشَارَة مِنْ الْمَلَائِكَة بِيَحْيَى أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه آيَة مِنْ نَفْسه , جَمَعَ تَعَالَى ذِكْره بِهَا الْعَلَامَة الَّتِي سَأَلَهَا رَبّه عَلَى مَا يُبَيِّن لَهُ حَقِيقَة الْبِشَارَة أَنَّهَا مِنْ عِنْد اللَّه , وَتَمْحِيصًا لَهُ مِنْ هَفْوَته , وَخَطَأ قِيله وَمَسْأَلَته . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5511 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { رَبّ اِجْعَلْ لِي آيَة قَالَ آيَتك أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا } إِنَّمَا عُوقِبَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَة شَافَهَتْهُ مُشَافَهَة بِذَلِكَ فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيَى , فَسَأَلَ الْآيَة بَعْد كَلَام الْمَلَائِكَة إِيَّاهُ , فَأَخَذَ عَلَيْهِ بِلِسَانِهِ , فَجَعَلَ لَا يَقْدِر عَلَى الْكَلَام إِلَّا مَا أَوْمَأَ وَأَشَارَ , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره كَمَا تَسْمَعُونَ : { آيَتك أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّامًا إِلَّا رَمْزًا } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { أَنَّ اللَّه يُبَشِّرك بِيَحْيَى مُصَدِّقًا } قَالَ : شَافَهَتْهُ الْمَلَائِكَة , فَقَالَ : { رَبّ اِجْعَلْ لِي آيَة قَالَ آيَتك أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا } يَقُول : إِلَّا إِيمَاء , وَكَانَتْ عُقُوبَة عُوقِبَ بِهَا , إِذْ سَأَلَ الْآيَة مَعَ مُشَافَهَة الْمَلَائِكَة إِيَّاهُ بِمَا بَشَّرَتْهُ بِهِ . 5512 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { رَبّ اِجْعَلْ لِي آيَة قَالَ آيَتك أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا } قَالَ : ذُكِرَ لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّهُ عُوقِبَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَة شَافَهَتْهُ مُشَافَهَة , فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيَى , فَسَأَلَ الْآيَة بَعْدُ , فَأُخِذَ بِلِسَانِهِ . * - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّهُ عُوقِبَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَة شَافَهَتْهُ فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيَى , قَالَتْ : { إِنَّ اللَّه يُبَشِّرك بِيَحْيَى } فَسَأَلَ بَعْد كَلَام الْمَلَائِكَة إِيَّاهُ الْآيَة , فَأُخِذَ عَلَيْهِ لِسَانه , فَجَعَلَ لَا يَقْدِر عَلَى الْكَلَام إِلَّا رَمْزًا , يَقُول : يُومِئ إِيمَاء . 5513 - حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْد الرُّصَافِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن حِمْيَر , قَالَ : ثنا صَفْوَان بْن عَمْرو , عَنْ جُوَيْبِر بْن نُفَيْر فِي قَوْله : { قَالَ رَبّ اِجْعَلْ لِي آيَة قَالَ آيَتك أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا } قَالَ : رَبَا لِسَانه فِي فِيهِ حَتَّى مَلَأَهُ , ثُمَّ أَطْلَقَهُ اللَّه بَعْد ثَلَاث . وَإِنَّمَا اِخْتَارَتْ الْقُرَّاء النَّصْب فِي قَوْله : { أَلَّا تُكَلِّم النَّاس } لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : قَالَ : آيَتك أَنْ لَا تُكَلِّم النَّاس فِيمَا يَسْتَقْبِل ثَلَاثَة أَيَّام , فَكَانَتْ أَنْ هِيَ الَّتِي تَصْحَب الِاسْتِقْبَال دُون الَّتِي تَصْحَب الْأَسْمَاء فَتَنْصِبهَا , وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى فِيهِ : آيَتك أَنَّك لَا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام : أَيْ أَنَّك عَلَى هَذِهِ الْحَال ثَلَاثَة أَيَّام , كَانَ وَجْه الْكَلَام الرَّفْع , لِأَنَّ " أَنْ " كَانَتْ تَكُون حِينَئِذٍ بِمَعْنَى الثَّقِيلَة خُفِّفَتْ , وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزا لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ ذَلِكَ بِالْمَعْنَى الْآخَر . وَأَمَّا الرَّمْز , فَإِنَّ الْأَغْلَب مِنْ مَعَانِيه عِنْد الْعَرَب : الْإِيمَاء بِالشَّفَتَيْنِ , وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الْإِيمَاء بِالْحَاجِبَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ أَحْيَانًا , وَذَلِكَ غَيْر كَثِير فِيهِمْ , وَقَدْ يُقَال لِلْخَفِيِّ مِنْ الْكَلَام الَّذِي هُوَ مِثْل الْهَمْس بِخَفْضِ الصَّوْت : الرَّمْز , وَمِنْهُ قَوْل جُؤَيَّة بْن عَائِذ : وَكَانَ يُكَلِّم الْأَبْطَال رَمْزًا وَهَمْهَمَة لَهُمْ مِثْل الْهَدِير يُقَال مِنْهُ : رَمَزَ فُلَان فَهُوَ يَرْمِز وَيَرْمُز رَمْزًا , وَيَتَرَمَّز تَرَمُّزًا , وَيُقَال : ضَرَبَهُ ضَرْبَة فَارْتَمَزَ مِنْهَا : أَيْ اِضْطَرَبَ لِلْمَوْتِ , قَالَ الشَّاعِر : خَرَرْت مِنْهَا لِقَفَايَ أَرْتَمِز وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنَى الَّذِي عَنَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ فِي إِخْبَاره عَنْ زَكَرِيَّا مِنْ قَوْله : { آيَتك أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا } وَأَيّ مَعَانِي الرَّمْز عَنَى بِذَلِكَ ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ : آيَتك أَنْ لَا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا تَحْرِيكًا بِالشَّفَتَيْنِ , مِنْ غَيْر أَنْ تَرْمِز بِلِسَانِك الْكَلَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5514 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا جَابِر بْن نُوح , عَنْ النَّضْر بْن عَرَبِيّ , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { إِلَّا رَمْزًا } قَالَ : تَحْرِيك الشَّفَتَيْنِ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا } قَالَ : إِيمَاؤُهُ بِشَفَتَيْهِ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى اللَّه بِذَلِكَ الْإِيمَاء وَالْإِشَارَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5515 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سَلَمَة بْن نُبَيْط , عَنْ الضَّحَّاك : { إِلَّا رَمْزًا } قَالَ : الْإِشَارَة . * - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { إِلَّا رَمْزًا } قَالَ : الرَّمْز : أَنْ يُشِير بِيَدِهِ أَوْ رَأْسه وَلَا يَتَكَلَّم . 5516 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { إِلَّا رَمْزًا } قَالَ : الرَّمْز : أَنْ أُخِذَ بِلِسَانِهِ , فَجَعَلَ يُكَلِّم النَّاس بِيَدِهِ . 5517 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { إِلَّا رَمْزًا } قَالَ : وَالرَّمْز : الْإِشَارَة . 5518 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { رَبّ اِجْعَلْ لِي آيَة قَالَ آيَتك أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا } . . . الْآيَة . قَالَ : جَعَلَ آيَته أَنْ لَا يُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا , إِلَّا أَنَّهُ يَذْكُر اللَّه . وَالرَّمْز : الْإِشَارَة , يُشِير إِلَيْهِمْ . 5519 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { إِلَّا رَمْزًا } إِلَّا إِيمَاء . 5520 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله 0 5521 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِلَّا رَمْزًا } يَقُول : إِشَارَة . 5522 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه بْن كَثِير : { إِلَّا رَمْزًا } إِلَّا إِشَارَة . 5523 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , عَنْ عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { قَالَ آيَتك أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا } قَالَ : أَمْسَكَ بِلِسَانِهِ , فَجَعَلَ يُومِئ بِيَدِهِ إِلَى قَوْمه : أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَة وَعَشِيًّا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرْ رَبّك كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار } يَعْنِي بِذَلِكَ : قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِزَكَرِيَّا : يَا زَكَرِيَّا آيَتك أَنْ لَا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا بِغَيْرِ خَرَس , وَلَا عَاهَة , وَلَا مَرَض { وَاذْكُرْ رَبّك كَثِيرًا } فَإِنَّك لَا تُمْنَع ذِكْره , وَلَا يُحَال بَيْنك وَبَيْن تَسْبِيحه وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ ذِكْره . وَقَدْ : 5524 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب , قَالَ : لَوْ كَانَ اللَّه رَخَّصَ لِأَحَدٍ فِي تَرْك الذِّكْر لَرَخَّصَ لِزَكَرِيَّا حَيْثُ قَالَ : { آيَتك أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبّك كَثِيرًا } أَيْضًا . وَأَمَّا قَوْله : { وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : عَظِّمْ رَبّك بِعِبَادَتِهِ بِالْعَشِيِّ . وَالْعَشِيّ : مِنْ حِين تَزُول الشَّمْس إِلَى أَنْ تَغِيب , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَلَا الظِّلّ مِنْ بَرْد الضُّحَى تَسْتَطِيعهُ وَلَا الْفَيْء مِنْ بَرْد الْعَشِيّ تَذُوق فَالْفَيْء إِنَّمَا تَبْتَدِئ أَوْبَته عِنْد زَوَال الشَّمْس , وَتَتَنَاهَى بِمَغِيبِهَا . وَأَمَّا الْإِبْكَار : فَإِنَّهُ مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : أَبْكَرَ فُلَان فِي حَاجَة , فَهُوَ يُبْكِر إِبْكَارًا , وَذَلِكَ إِذَا خَرَجَ فِيهَا مِنْ بَيْن مَطْلَع الْفَجْر إِلَى وَقْت الضُّحَى , فَذَلِكَ إِبْكَار , يُقَال فِيهِ : أَبْكَرَ فُلَان , وَبَكَّرَ يُبَكِّر بُكُورًا . فَمِنْ الْإِبْكَار قَوْل عُمَر بْن أَبِي رَبِيعَة : أَمِنْ آل نُعْم أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِر وَمِنْ الْبُكُور قَوْل جَرِير : أَلَا بَكَرَتْ سَلْمَى فَجَدَّ بُكُورهَا وَشَقَّ الْعَصَا بَعْد اِجْتِمَاعٍ أَمِيرُهَا وَيُقَال مِنْ ذَلِكَ : بَكَّرَ النَّخْل يُبَكِّر بُكُورًا , وَأَبْكَرَ يُبْكِر إِبْكَارًا , وَالْبَاكُور مِنْ الْفَوَاكِه : أَوَّلهَا إِدْرَاكًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5525 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار } قَالَ : الْإِبْكَار : أَوَّل الْفَجْر , وَالْعَشِيّ , مَيْل الشَّمْس حَتَّى تَغِيب . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .

تفسير القرطبي

" جَعَلَ " هُنَا بِمَعْنَى صَيَّرَ لِتَعَدِّيهِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ . و " لِي " فِي مَوْضِع الْمَفْعُول الثَّانِي . وَلَمَّا بُشِّرَ بِالْوَلَدِ وَلَمْ يَبْعُد عِنْده هَذَا فِي قُدْرَة اللَّه تَعَالَى طَلَب آيَة - أَيْ عَلَامَة - يَعْرِف بِهَا صِحَّة هَذَا الْأَمْر وَكَوْنه مِنْ عِنْد اللَّه تَعَالَى ; فَعَاقَبَهُ اللَّه تَعَالَى بِأَنْ أَصَابَهُ السُّكُوت عَنْ كَلَام النَّاس لِسُؤَالِ الْآيَة بَعْد مُشَافَهَة الْمَلَائِكَة إِيَّاهُ ; قَالَ أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ . قَالُوا : وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَرَض خَرَس أَوْ نَحْوه فَفِيهِ عَلَى كُلّ حَال عِقَاب مَا . قَالَ اِبْن زَيْد : إِنَّ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا حَمَلَتْ زَوْجه مِنْهُ بِيَحْيَى أَصْبَحَ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُكَلِّم أَحَدًا , وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَقْرَأ التَّوْرَاة وَيَذْكُر اللَّه تَعَالَى ; فَإِذَا أَرَادَ مُقَاوَلَة أَحَد لَمْ يُطِقْهُ . الثَّانِيَة : " قَالَ آيَتك أَلَّا تَكَلَّمَ النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا " الرَّمْز فِي اللُّغَة الْإِيمَاء بِالشَّفَتَيْنِ , وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الْإِيمَاء بِالْحَاجِبَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ وَالْيَدَيْنِ ; وَأَصْله الْحَرَكَة . وَقِيلَ : طَلَب , تِلْكَ الْآيَة زِيَادَة طُمَأْنِينَة . الْمَعْنَى : تَمِّمْ النِّعْمَة بِأَنْ تَجْعَل لِي آيَة , وَتَكُون تِلْكَ الْآيَة زِيَادَة نِعْمَة وَكَرَامَة ; فَقِيلَ لَهُ : " آيَتك أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام " أَيْ تَمْنَع مِنْ الْكَلَام ثَلَاث لَيَالٍ ; دَلِيل هَذَا الْقَوْل قَوْله تَعَالَى بَعْد بُشْرَى الْمَلَائِكَة لَهُ . " وَقَدْ خَلَقْتُك مِنْ قَبْل وَلَمْ تَكُ شَيْئًا " [ مَرْيَم : 9 ] أَيْ أَوْجَدْتُك بِقُدْرَتِي فَكَذَلِكَ أُوجِد لَك الْوَلَد . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل النَّحَّاس وَقَالَ : قَوْل قَتَادَة إِنَّ زَكَرِيَّا عُوقِبَ بِتَرْكِ الْكَلَام قَوْل مَرْغُوب عَنْهُ ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُخْبِرنَا أَنَّهُ أَذْنَبَ وَلَا أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ هَذَا ; وَالْقَوْل فِيهِ أَنَّ الْمَعْنَى اِجْعَلْ لِي عَلَامَة تَدُلّ عَلَى كَوْن الْوَلَد , إِذْ كَانَ ذَلِكَ مُغَيَّبًا عَنِّي . و " رَمْزًا " نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطِع ; قَالَهُ الْأَخْفَش . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : رَمَزَ يَرْمِز وَيَرْمُز . وَقُرِئَ " إِلَّا رَمْزًا " بِفَتْحِ الْمِيم و " رُمُزًا " بِضَمِّهَا وَضَمّ الرَّاء , الْوَاحِدَة رَمْزَة . الثَّالِثَة : فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْإِشَارَة تَنْزِل مَنْزِلَة الْكَلَام وَذَلِكَ مَوْجُود فِي كَثِير مِنْ السُّنَّة , وَآكَدُ الْإِشَارَات مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْر السَّوْدَاء حِينَ قَالَ لَهَا : ( أَيْنَ اللَّه ) ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاء فَقَالَ : ( أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَة ) . فَأَجَازَ الْإِسْلَام بِالْإِشَارَةِ الَّذِي هُوَ أَصْل الدِّيَانَة الَّذِي يُحْرِز الدَّم وَالْمَال وَتُسْتَحَقّ بِهِ الْجَنَّة وَيُنَجَّى بِهِ مِنْ النَّار , وَحُكِمَ بِإِيمَانِهَا كَمَا يُحْكَم بِنُطْقِ مَنْ يَقُول ذَلِكَ ; فَيَجِب أَنْ تَكُون الْإِشَارَة عَامِلَة فِي سَائِر الدِّيَانَة , وَهُوَ قَوْل عَامَّة الْفُقَهَاء . وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك أَنَّ الْأَخْرَس إِذَا أَشَارَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ يَلْزَمهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الرَّجُل يَمْرَض فَيَخْتَلّ لِسَانه فَهُوَ كَالْأَخْرَسِ فِي الرَّجْعَة وَالطَّلَاق . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : ذَلِكَ جَائِز إِذَا كَانَتْ إِشَارَته تُعْرَف , وَإِنْ شَكَّ فِيهَا فَهِيَ بَاطِل , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقِيَاسٍ وَإِنَّمَا هُوَ اِسْتِحْسَان . وَالْقِيَاس فِي هَذَا كُلّه أَنَّهُ بَاطِل ; لِأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّم وَلَا تُعْقَل إِشَارَته . قَالَ أَبُو الْحَسَن بْن بَطَّال : وَإِنَّمَا حَمَلَ أَبَا حَنِيفَة . عَلَى قَوْله هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَعْلَم السُّنَن الَّتِي جَاءَتْ بِجَوَازِ الْإِشَارَات فِي أَحْكَام مُخْتَلِفَة فِي الدِّيَانَة . وَلَعَلَّ الْبُخَارِيّ حَاوَلَ بِتَرْجَمَتِهِ " بَاب الْإِشَارَة فِي الطَّلَاق وَالْأُمُور " الرَّدّ عَلَيْهِ . وَقَالَ عَطَاء : أَرَادَ بِقَوْلِهِ " أَلَّا تُكَلِّم النَّاس " صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام . وَكَانُوا إِذَا صَامُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا رَمْزًا . وَهَذَا فِيهِ بُعْد . وَاَللَّه أَعْلَم . الرَّابِعَة : قَالَ بَعْض مَنْ يُجِيز نَسْخ الْقُرْآن بِالسُّنَّةِ : إِنَّ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام مَنَعَ الْكَلَام وَهُوَ قَادِر عَلَيْهِ , وَإِنَّهُ مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا صَمَتَ يَوْمًا إِلَى اللَّيْل ) . وَأَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ , وَأَنَّ زَكَرِيَّا إِنَّمَا مَنَعَ الْكَلَام بِآفَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَنَعَتْهُ إِيَّاهُ , وَتِلْكَ الْآفَة عَدَم الْقُدْرَة عَلَى الْكَلَام مَعَ الصِّحَّة ; كَذَلِكَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ . وَذَهَبَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّهُ ( لَا صَمَتَ يَوْمًا إِلَى اللَّيْل ) إِنَّمَا مَعْنَاهُ عَنْ ذِكْر اللَّه , وَأَمَّا عَنْ الْهَذَر وَمَا لَا فَائِدَة فِيهِ , فَالصَّمْت عَنْ ذَلِكَ حَسَن . أَمَرَهُ بِأَلَّا يَتْرُك الذِّكْر فِي نَفْسه مَعَ اِعْتِقَال لِسَانه ; عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل . وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَة مَعْنَى الذِّكْر . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ : لَوْ رُخِّصَ لِأَحَدٍ فِي تَرْك الذِّكْر لَرُخِّصَ لِزَكَرِيَّا بِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " أَلَّا تُكَلِّم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبّك كَثِيرًا " وَلَرُخِّصَ لِلرَّجُلِ يَكُون فِي الْحَرْب بِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " إِذَا لَقِيتُمْ فِئَة فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا " [ الْأَنْفَال : 45 ] . وَذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ . " وَسَبِّحْ " أَيْ صَلِّ ; سُمِّيَتْ الصَّلَاة سُبْحَة لِمَا فِيهَا مِنْ تَنْزِيه اللَّه تَعَالَى عَنْ السُّوء . و " الْعَشِيّ " جَمْع عَشِيَّة . وَقِيلَ : هُوَ وَاحِد . وَذَلِكَ مِنْ حِين تَزُول الشَّمْس إِلَى أَنْ تَغِيب ; عَنْ مُجَاهِد . وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد قَالَ : مَا أَدْرَكْت النَّاس إِلَّا وَهُمْ يُصَلُّونَ الظُّهْر بِعَشِيٍّ . " وَالْإِبْكَار " مِنْ طُلُوع الْفَجْر إِلَى وَقْت الضُّحَى .

غريب الآية
قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّیۤ ءَایَةࣰۖ قَالَ ءَایَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَیَّامٍ إِلَّا رَمۡزࣰاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِیرࣰا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِیِّ وَٱلۡإِبۡكَـٰرِ ﴿٤١﴾
ءَایَةࣰۖعلامةً أسْتَدِلُّ بها على وجودِ الوَلَدِ.
رَمۡزࣰاۗإشارةً وإيماءً.
بِٱلۡعَشِیِّمِنْ زوالِ الشمسِ إلى أن تَغِيبَ.
وَٱلۡإِبۡكَـٰرِمن مَطْلَعِ الفجرِ إلى وقتِ الضُّحى.
الإعراب
(قَالَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(رَبِّ)
مُنَادًى بِحَرْفِ نِدَاءٍ مَحْذُوفٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِاشْتِغَالِ الْمَحَلِّ بِحَرَكَةِ الْمُنَاسَبَةِ لِلْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" الْمَحْذُوفَةُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(اجْعَلْ)
فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(لِي)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(آيَةً)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(قَالَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(آيَتُكَ)
مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(أَلَّا)
(أَنْ) : حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُكَلِّمَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(النَّاسَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ (أَلَّا تُكَلِّمَ) : فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ.
(ثَلَاثَةَ)
ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَيَّامٍ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِلَّا)
حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(رَمْزًا)
مُسْتَثْنًى مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَاذْكُرْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اذْكُرْ) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(رَبَّكَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(كَثِيرًا)
نَائِبٌ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَسَبِّحْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(سَبِّحْ) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(بِالْعَشِيِّ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْعَشِيِّ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْإِبْكَارِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْإِبْكَارِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.