سورة آل عمران الآية ٧٥
سورة آل عمران الآية ٧٥
۞ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارࣲ یُؤَدِّهِۦۤ إِلَیۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِینَارࣲ لَّا یُؤَدِّهِۦۤ إِلَیۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَیۡهِ قَاۤىِٕمࣰاۗ ذَ ٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوا۟ لَیۡسَ عَلَیۡنَا فِی ٱلۡأُمِّیِّـۧنَ سَبِیلࣱ وَیَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ ﴿٧٥﴾
تفسير السعدي
يخبر تعالى عن أهل الكتاب, أن منهم طائفة أمناء, بحيث لو أمنته على قناطير من النقود, وهي المال الكثير, يؤده إليك, ومنهم طائفة خونة, يخونك في أقل القليل. ومع هذه الخيانة الشنيعة, فإنهم يتأولون بالأعذار الباطلة فيقولون: " لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ " أي: ليس علينا جناح إذا خناهم واستبحنا أموالهم, لأنهم لا حرمة لهم. قال تعالى: " وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ " أن عليهم أشد الحرج. فجمعوا بين الخيانة, وبين احتقار العرب, وبين الكذب على الله, وهم يعلمون ذلك, ليسوا كمن فعل ذلك جهلا, وضلالا. ثم قال تعالى: " بَلَى " أي ليس الأمر كما قالوا. فإنه " مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى " أي: قام بحقوق الله وحقوق خلقه, فإن هذا هو المتقي, والله يحبه.
التفسير الميسر
ومن أهل الكتاب من اليهود مَن إنْ تأمنه على كثير من المال يؤدِّه إليك من غير خيانة، ومنهم مَن إنْ تأمنه على دينار واحد لا يؤدِّه اليك، إلا إذا بذلت غاية الجهد في مطالبته. وسبب ذلك عقيدة فاسدة تجعلهم يستحلُّون أموال العرب بالباطل، ويقولون: ليس علينا في أكل أموالهم إثم ولا حرج؛ لأن الله أحلَّها لنا. وهذا كذب على الله، يقولونه بألسنتهم، وهم يعلمون أنهم كاذبون.
تفسير الجلالين
"وَمِنْ أَهْل الْكِتَاب مَنْ إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطَارٍ" أَيْ بِمَالٍ كَثِير "يُؤَدِّهِ إلَيْك" لِأَمَانَتِهِ كَعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام أَوْدَعَهُ رَجُل أَلْفًا وَمِائَتَيْ أُوقِيَّة ذَهَبًا فَأَدَّاهَا إلَيْهِ "وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إلَيْك" لِخِيَانَتِهِ "إلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا" لَا تُفَارِقهُ فَمَتَى فَارَقْته أَنْكَرَهُ كَكَعْبِ بْن الْأَشْرَف اسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيّ دِينَارًا فَجَحَدَهُ "ذَلِكَ" أَيْ تَرْك الْأَدَاء "بِأَنَّهُمْ قَالُوا" بِسَبَبِ قَوْلهمْ "لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ" أَيْ الْعَرَب "سَبِيل" أَيْ إثْم لِاسْتِحْلَالِهِمْ ظُلْم مَنْ خَالَفَ دِينهمْ وَنَسَبُوهُ إلَيْهِ تَعَالَى "وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب" فِي نِسْبَة ذَلِكَ إلَيْهِ "وَهُمْ يَعْلَمُونَ" أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ
تفسير ابن كثير
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ الْيَهُود بِأَنَّ مِنْهُمْ الْخَوَنَة وَيُحَذِّر الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الِاغْتِرَار بِهِمْ فَإِنَّ مِنْهُمْ " مَنْ إِنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطَارٍ " أَيْ مِنْ الْمَال " يُؤَدِّهِ إِلَيْك " أَيْ وَمَا دُونه بِطَرِيقِ الْأَوْلَى أَنْ يُؤَدِّهِ إِلَيْك " وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْك إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا " أَيْ بِالْمُطَالَبَةِ وَالْمُلَازَمَة وَالْإِلْحَاح فِي اِسْتِخْلَاص حَقّك وَإِذَا كَانَ هَذَا صَنِيعه فِي الدِّينَار فَمَا فَوْقه أَوْلَى أَنْ لَا يُؤَدِّيه إِلَيْك . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى الْقِنْطَار فِي أَوَّل السُّورَة وَأَمَّا الدِّينَار فَمَعْرُوف . وَقَدْ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عَمْرو السَّكُونِيّ حَدَّثَنَا بَقِيَّة عَنْ زِيَاد بْن الْهَيْثَم حَدَّثَنِي مَالِك بْن دِينَار قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ الدِّينَار لِأَنَّهُ دَيْن وَنَار . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ فَهُوَ دَيْنه . وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقّه فَلَهُ النَّار وَمُنَاسِب أَنْ يَذْكُر هَهُنَا الْحَدِيث الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ صَحِيحه وَمِنْ أَحْسَنهَا سِيَاقه فِي كِتَاب الْكَفَالَة حَيْثُ قَالَ : وَقَالَ اللَّيْث حَدَّثَنِي جَعْفَر بْن رَبِيعَة عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن هُرْمُز الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل سَأَلَ بَعْض بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يُسَلِّفهُ أَلْف دِينَار فَقَالَ : اِئْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدهُمْ فَقَالَ : كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا فَقَالَ : اِئْتِنِي بِالْكَفِيلِ قَالَ : كَفَى بِاَللَّهِ كَفِيلًا قَالَ : صَدَقْت فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَخَرَجَ فِي الْبَحْر فَقَضَى حَاجَته ثُمَّ اِلْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبهَا لِيَقْدَم عَلَيْهِ فِي الْأَجَل الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِد مَرْكَبًا فَأَخَذَ خَشَبَة فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْف دِينَار وَصَحِيفَة مِنْهُ إِلَى صَاحِبه ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعهَا ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْر فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك تَعْلَم أَنَّى اسْتَسْلَفْتُ فُلَانًا أَلْف دِينَار فَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْت كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا وَسَأَلَنِي كَفِيلًا فَقُلْت كَفَى بِاَللَّهِ كَفِيلًا فَرَضِيَ بِك وَإِنِّي جَهَدْت أَنْ أَجِد مَرْكَبًا أَبْعَث إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِر وَإِنِّي اِسْتَوْدَعْتُكَهَا فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْر حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ثُمَّ اِنْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِس مَرْكَبًا يَخْرُج إِلَى بَلَده فَخَرَجَ الرَّجُل الَّذِي كَانَ سَلَّفَهُ لِيَنْظُرَ لَعَلَّ مَرْكَبًا يَجِيئهُ بِمَالِهِ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَال فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا كَسَرَهَا وَجَدَ الْمَال وَالصَّحِيفَة ثُمَّ قَدِمَ الرَّجُل الَّذِي كَانَ تَسَلَّفَ مِنْهُ فَأَتَاهُ بِأَلْفِ دِينَار وَقَالَ : وَاَللَّه مَا زِلْت جَاهِدًا فِي طَلَب مَرْكَب لِآتِيَك بِمَالِك فَمَا وَجَدْت مَرْكَبًا قَبْل الَّذِي أَتَيْت فِيهِ قَالَ : هَلْ كُنْت بَعَثْت إِلَى بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : أَلَم أُخْبِرك أَنَّى لَمْ أَجِد مَرْكَبًا قَبْل هَذَا قَالَ : فَإِنَّ اللَّه قَدْ أَدَّى عَنْك الَّذِي بَعَثْت فِي الْخَشَبَة فَانْصَرَفَ بِأَلْفِ دِينَار رَاشِدًا " هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي مَوْضِع مُعَلَّقًا بِصِيغَةِ الْجَزْم وَأَسْنَدَهُ فِي بَعْض الْمَوَاضِع مِنْ الصَّحِيح عَبْد اللَّه بْن صَالِح كَاتِب اللَّيْث عَنْهُ . وَرَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده هَكَذَا مُطَوَّلًا عَنْ يُونُس بْن مُحَمَّد الْمُؤَدِّب عَنْ اللَّيْث بِهِ . وَرَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنَده عَنْ الْحَسَن بْن مُدْرِك عَنْ يَحْيَى بْن حَمَّاد عَنْ أَبِي عَوَانَة عَنْ عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ ثُمَّ قَالَ : لَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَاد كَذَا قَالَ وَهُوَ خَطَأ لِمَا تَقَدَّمَ وَقَوْله " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل " أَيْ إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى جُحُود الْحَقّ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : لَيْسَ عَلَيْنَا فِي دِيننَا حَرَج فِي أَكْل أَمْوَال الْأُمِّيِّينَ وَهُمْ الْعَرَب فَإِنَّ اللَّه قَدْ أَحَلَّهَا لَنَا قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَهُمْ يَعْلَمُونَ " أَيْ وَقَدْ اِخْتَلَقُوا هَذِهِ الْمَقَالَة وَائْتَفَكُوهَا بِهَذِهِ الضَّلَالَة فَإِنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَكْل الْأَمْوَال إِلَّا بِحَقِّهَا وَإِنَّمَا هُمْ قَوْم بُهُتٌ . قَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَنْبَأَنَا مَعْمَر عَنْ أَبِي إِسْحَق الْهَمْدَانِيّ عَنْ أَبِي صَعْصَعَة بْن يَزِيد أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : إِنَّا نُصِيب فِي الْغَزْو مِنْ أَمْوَال أَهْل الذِّمَّة الدَّجَاجَة وَالشَّاة قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَتَقُولُونَ مَاذَا ؟ قَالَ : نَقُول لَيْسَ عَلَيْنَا بِذَلِكَ بَأْس قَالَ : هَذَا كَمَا قَالَ أَهْل الْكِتَاب لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل إِنَّهُمْ إِذَا أَدَّوْا الْجِزْيَة لَمْ تَحِلَّ لَكُمْ أَمْوَالهمْ إِلَّا بِطِيبِ أَنْفُسهمْ . وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَق بِنَحْوِهِ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيّ حَدَّثَنَا يَعْقُوب حَدَّثَنَا جَعْفَر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : لَمَّا قَالَ أَهْل الْكِتَاب لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل قَالَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَذَبَ أَعْدَاء اللَّه مَا مِنْ شَيْء كَانَ فِي الْجَاهِلَة إِلَّا وَهُوَ تَحْت قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا الْأَمَانَة فَإِنَّهَا مُؤَدَّاة إِلَى الْبَرّ وَالْفَاجِر " .
تفسير القرطبي
مِثْل عَبْد اللَّه بْن سَلَام . وَهُوَ فِنْحَاص بْن عازوراء الْيَهُودِيّ , أَوْدَعَهُ رَجُل دِينَارًا فَخَانَهُ . وَقِيلَ : كَعْب بْن الْأَشْرَف وَأَصْحَابه . وَقَرَأَ اِبْن وَثَّاب وَالْأَشْهَب الْعُقَيْلِيّ " مَنْ إِنْ تَيْمَنْهُ " عَلَى لُغَة مَنْ قَرَأَ " نِسْتَعِين " وَهِيَ لُغَة بَكْر وَتَمِيم . وَفِي حَرْف عَبْد اللَّه " مَالِك لَا تَيْمَنَّا عَلَى يُوسُف " وَالْبَاقُونَ بِالْأَلِفِ . وَقَرَأَ نَافِع وَالْكِسَائِيّ " يُؤَدِّ هِيَ " بِيَاءٍ فِي الْإِدْرَاج . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَاتَّفَقَ أَبُو عَمْرو وَالْأَعْمَش وَعَاصِم وَحَمْزَة فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر عَلَى وَقْف الْهَاء , فَقَرَءُوا " يُؤَدِّهِ إِلَيْك " . قَالَ النَّحَّاس : بِإِسْكَانِ الْهَاء لَا يَجُوز إِلَّا فِي الشِّعْر عِنْد بَعْض النَّحْوِيِّينَ , وَبَعْضهمْ لَا يُجِيزهُ أَلْبَتَّةَ وَيَرَى أَنَّهُ غَلَط مِمَّنْ قَرَأَ بِهِ , وَإِنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْجَزْم يَقَع عَلَى الْهَاء , وَأَبُو عَمْرو أَجَلّ مِنْ أَنْ يَجُوز عَلَيْهِ مِثْل هَذَا . وَالصَّحِيح عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَكْسِر الْهَاء ; وَهِيَ قِرَاءَة يَزِيد بْن الْقَعْقَاع . وَقَالَ الْفَرَّاء : مَذْهَب بَعْض الْعَرَب يَجْزِمُونَ الْهَاء إِذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلهَا , يَقُولُونَ : ضَرَبْتهْ ضَرْبًا شَدِيدًا ; كَمَا يُسَكِّنُونَ مِيم أَنْتُمْ وَقُمْتُمْ وَأَصْلهَا الرَّفْع ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : لَمَّا رَأَى أَلَّا دَعَهْ وَلَا شِبَعْ مَالَ إِلَى أَرْطَاة حِقْف فَاضْطَجَعْ وَقِيلَ : إِنَّمَا جَازَ إِسْكَان الْهَاء فِي هَذَا الْمَوْضِع لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي مَوْضِع الْجَزْم وَهِيَ الْيَاء الذَّاهِبَة . وَقَرَأَ أَبُو الْمُنْذِر سَلَام وَالزُّهْرِيّ " يُؤدّهُ " بِضَمِّ الْهَاء بِغَيْرِ وَاو . وَقَرَأَ قَتَادَة وَحُمَيْد وَمُجَاهِد " يُؤدِّهُو " بِوَاوٍ فِي الْإِدْرَاج , اُخْتِيرَ لَهَا الْوَاو لِأَنَّ الْوَاو مِنْ الشَّفَة وَالْهَاء بَعِيدَة الْمَخْرَج . قَالَ سِيبَوَيْهِ : الْوَاو فِي الْمُذَكَّر بِمَنْزِلَةِ الْأَلِف فِي الْمُؤَنَّث وَيُبْدَل مِنْهَا يَاء لِأَنَّ الْيَاء أَخَفّ إِذَا كَانَ قَبْلهَا كَسْرَة أَوْ يَاء , وَتُحْذَف الْيَاء وَتَبْقَى الْكَسْرَة لِأَنَّ الْيَاء قَدْ كَانَتْ تُحْذَف وَالْفِعْل مَرْفُوع فَأُثْبِتَتْ بِحَالِهَا . أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ فِي أَهْل الْكِتَاب الْخَائِن وَالْأَمِين , وَالْمُؤْمِنُونَ لَا يُمَيِّزُونَ ذَلِكَ , فَيَنْبَغِي اِجْتِنَاب جَمِيعهمْ . وَخَصَّ أَهْل الْكِتَاب بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ الْمُؤْمِنُونَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْخِيَانَة فِيهِمْ أَكْثَر , فَخَرَجَ الْكَلَام عَلَى الْغَالِب . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ مَضَى تَفْسِير الْقِنْطَار . وَأَمَّا الدِّينَار فَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا وَالْقِيرَاط ثَلَاث حَبَّات مِنْ وَسَط الشَّعِير , فَمَجْمُوعه اِثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّة , وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ . وَمَنْ حَفِظَ الْكَثِير وَأَدَّاهُ فَالْقَلِيل أَوْلَى , وَمَنْ خَانَ فِي الْيَسِير أَوْ مَنَعَهُ فَذَلِكَ فِي الْكَثِير أَكْثَر . وَهَذَا أَدَلّ دَلِيل عَلَى الْقَوْل بِمَفْهُومِ الْخِطَاب . وَفِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاء خِلَاف كَثِير مَذْكُور فِي أُصُول الْفِقْه . وَذَكَرَ تَعَالَى قِسْمَيْنِ : مَنْ يُؤَدِّي وَمَنْ لَا يُؤَدِّي إِلَّا بِالْمُلَازَمَةِ عَلَيْهِ ; وَقَدْ يَكُون مِنْ النَّاس مَنْ لَا يُؤَدِّي وَإِنْ دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا . فَذَكَرَ تَعَالَى الْقِسْمَيْنِ لِأَنَّهُ الْغَالِب وَالْمُعْتَاد وَالثَّالِث نَادِر ; فَخَرَجَ الْكَلَام عَلَى الْغَالِب . وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف وَأَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ وَغَيْرهمَا " دِمْت " بِكَسْرِ الدَّال وَهُمَا لُغَتَانِ , وَالْكَسْر لُغَة أَزْد السَّرَاة ; مِنْ " دِمْت تُدَام " مِثْل خِفْت تُخَاف . وَحَكَى الْأَخْفَش دِمْت تَدُوم , شَاذًّا . اِسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَة عَلَى مَذْهَبه فِي مُلَازَمَة الْغَرِيم بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا " وَأَبَاهُ سَائِر الْعُلَمَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْض الْبَغْدَادِيِّينَ مِنْ عُلَمَائِنَا عَلَى حَبْس الْمِدْيَان بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْك إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا " فَإِذَا كَانَ لَهُ مُلَازَمَته وَمَنْعه مِنْ التَّصَرُّف , جَازَ حَبْسه . وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى " إِلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا " أَيْ بِوَجْهِك فَيَهَابك وَيَسْتَحِي مِنْك , فَإِنَّ الْحَيَاء فِي الْعَيْنَيْنِ ; أَلَا تَرَى إِلَى قَوْل اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : لَا تَطْلُبُوا مِنْ الْأَعْمَى حَاجَة فَإِنَّ الْحَيَاء فِي الْعَيْنَيْنِ . وَإِذَا طَلَبْت مِنْ أَخِيك حَاجَة فَانْظُرْ إِلَيْهِ بِوَجْهِك حَتَّى يَسْتَحِيَ فَيَقْضِيهَا . وَيُقَال : " قَائِمًا " أَيْ مُلَازِمًا لَهُ ; فَإِنْ أَنْظَرْته أَنْكَرَك . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالْقِيَامِ إِدَامَة الْمُطَالَبَة لَا عَيْن الْقِيَام . وَالدِّينَار أَصْله دِنَّار فَعُوِّضَتْ مِنْ إِحْدَى النُّونَيْنِ يَاء طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ لِكَثْرَةِ اِسْتِعْمَاله . يَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُجْمَع دَنَانِير وَيُصَغَّر دُنَيْنِير . الْأَمَانَة عَظِيمَة الْقَدْر فِي الدِّين , وَمِنْ عِظَم قَدْرهَا أَنَّهَا تَقُوم هِيَ وَالرَّحِم عَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاط ; كَمَا فِي صَحِيح مُسْلِم . فَلَا يُمَكَّن مِنْ الْجَوَاز إِلَّا مَنْ حَفِظَهُمَا . وَرَوَى مُسْلِم عَنْ حُذَيْفَة قَالَ : حَدَّثَنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَفْع الْأَمَانَة , قَالَ : ( يَنَام الرَّجُل النَّوْمَة فَتُقْبَض الْأَمَانَة مِنْ قَلْبه ) الْحَدِيث . وَقَدْ تَقَدَّمَ بِكَمَالِهِ أَوَّل الْبَقَرَة . وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُصَفَّى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حَرْب عَنْ سَعِيد بْن سِنَان عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّة عَنْ أَبِي شَجَرَة كَثِير بْن مُرَّة عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِك عَبْدًا نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاء فَإِذَا نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاء لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا مَقِيتًا مُمْقَتًا فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا مَقِيتًا مُمْقَتًا نُزِعَتْ مِنْهُ الْأَمَانَة فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الْأَمَانَة لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا خَائِنًا مُخَوَّنًا فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا خَائِنًا مُخَوَّنًا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَة فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَة لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا رَجِيمًا مُلَعَّنًا فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا رَجِيمًا مُلَعَّنًا نُزِعَتْ مِنْهُ رِبْقَة الْإِسْلَام ) . وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَة مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَدِّ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ اِئْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك ) . وَاَللَّه أَعْلَم . لَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَة تَعْدِيل لِأَهْلِ الْكِتَاب وَلَا لِبَعْضِهِمْ خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ فُسَّاق الْمُسْلِمِينَ يُوجَد فِيهِمْ مَنْ يُؤَدِّي الْأَمَانَة وَيُؤْمَن عَلَى الْمَال الْكَثِير وَلَا يَكُونُونَ بِذَلِكَ عُدُولًا . فَطَرِيق الْعَدَالَة وَالشَّهَادَة لَيْسَ يُجْزِئ فِيهِ أَدَاء الْأَمَانَة فِي الْمَال مِنْ جِهَة الْمُعَامَلَة وَالْوَدِيعَة ; أَلَا تَرَى قَوْلهمْ : " لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل " [ آل عِمْرَان : 75 ] فَكَيْفَ يُعَدَّل مَنْ يَعْتَقِد اِسْتِبَاحَة أَمْوَالنَا وَحَرِيمنَا بِغَيْرِ حَرَج عَلَيْهِ ; وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَافِيًا فِي تَعْدِيلهمْ لَسُمِعَتْ شَهَادَتهمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ . يَعْنِي الْيَهُود قِيلَ : إِنَّ الْيَهُود كَانُوا إِذَا بَايَعُوا الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ : لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل - أَيْ حَرَج فِي ظُلْمهمْ - لِمُخَالَفَتِهِمْ إِيَّانَا . وَادَّعَوْا أَنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابهمْ ; فَأَكْذَبَهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : " بَلَى " أَيْ بَلَى عَلَيْهِمْ سَبِيل الْعَذَاب بِكَذِبِهِمْ وَاسْتِحْلَالهمْ أَمْوَال الْعَرَب . قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : وَتَمَّ الْكَلَام . ثُمَّ قَالَ : " مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى " [ آل عِمْرَان : 76 ] . وَيُقَال : إِنَّ الْيَهُود كَانُوا قَدْ اِسْتَدَانُوا مِنْ الْأَعْرَاب أَمْوَالًا فَلَمَّا أَسْلَمَ أَرْبَاب الْحُقُوق قَالَتْ الْيَهُود : لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْنَا شَيْء , لِأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ دِينكُمْ فَسَقَطَ عَنَّا دَيْنكُمْ . وَادَّعَوْا أَنَّهُ حُكْم التَّوْرَاة فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " بَلَى " رَدًّا لِقَوْلِهِمْ " لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل " . أَيْ لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ , ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ : " مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى " الشِّرْك فَلَيْسَ مِنْ الْكَاذِبِينَ بَلْ يُحِبّهُ اللَّه وَرَسُوله . قَالَ رَجُل لِابْنِ عَبَّاس : إِنَّا نُصِيب فِي الْعَمْد مِنْ أَمْوَال أَهْل الذِّمَّة الدَّجَاجَة وَالشَّاة وَنَقُول : لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ بَأْس . فَقَالَ لَهُ : هَذَا كَمَا قَالَ أَهْل الْكِتَاب " لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل " إِنَّهُمْ إِذَا أَدَّوْا الْجِزْيَة لَمْ تَحِلّ لَكُمْ أَمْوَالهمْ إِلَّا عَنْ طِيب أَنْفُسهمْ ; ذَكَرَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْهَمْدَانِيّ عَنْ صَعْصَعَة أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاس ; فَذَكَرَهُ . يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْكَافِر لَا يُجْعَل أَهْلًا لِقَبُولِ شَهَادَته ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى وَصَفَهُ بِأَنَّهُ كَذَّاب . وَفِيهِ رَدّ عَلَى الْكَفَرَة الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ وَيُحَلِّلُونَ غَيْر تَحْرِيم اللَّه وَتَحْلِيله وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْ الشَّرْع . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَمِنْ هَذَا يَخْرُج الرَّدّ عَلَى مَنْ يَحْكُم بِالِاسْتِحْسَانِ مِنْ غَيْر دَلِيل , وَلَسْت أَعْلَم أَحَدًا مِنْ أَهْل الْقِبْلَة قَالَهُ . وَفِي الْخَبَر : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا شَيْء كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة إِلَّا وَهُوَ تَحْت قَدَمَيَّ إِلَّا الْأَمَانَة فَإِنَّهَا مُؤَدَّاة إِلَى الْبَرّ وَالْفَاجِر ) .
| ذَ ٰلِكَ | الانصرافُ عن الحقِّ. |
|---|---|
| بِقِنطَارࣲ | على كثيرٍ من المالِ. |
| قَاۤىِٕمࣰاۗ | أي: بالمطالبةِ. |
| ٱلۡأُمِّیِّـۧنَ | العربِ. |
| سَبِیلࣱ | حَرَجٌ في أموالهِم؛ لأنَّ اللهَ أحَلَّها لنا. |
| وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ | قُبْحَه. |
| ذَ ٰلِكَ | هذا القولُ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian