صفحات الموقع

سورة آل عمران الآية ٩٠

سورة آل عمران الآية ٩٠

إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بَعۡدَ إِیمَـٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُوا۟ كُفۡرࣰا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلضَّاۤلُّونَ ﴿٩٠﴾

التفسير

تفسير السعدي

ولكن من كفر وأصر على كفره, ولم يزدد إلا كفرا حتى مات على كفره. فهؤلاء هم الضالون عن طريق الهدى, السالكون لطريق الشقاء. وقد استحقوا بهذا, العذاب الأليم, فليس لهم ناصر من عذاب الله. ولو بذلوا ملء الأرض ذهبا ليفتدوا به, لم ينفعهم شيئا. فعياذا بالله, من الكفر وفروعه.

التفسير الميسر

إن الذين كفروا بعد إيمانهم واستمروا على الكفر إلى الممات لن تُقبل لهم توبة عند حضور الموت، وأولئك هم الذين ضلُّوا السبيل، فأخطَؤُوا منهجه.

تفسير الجلالين

وَنَزَلَ فِي الْيَهُود "إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا" بِعِيسَى "بَعْد إيمَانهمْ" بِمُوسَى "ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا" بِمُحَمَّدٍ "لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ" إذَا غَرْغَرُوا أَوْ مَاتُوا كُفَّارًا "وأولئك هم الالضالون"

تفسير ابن كثير

يَقُول تَعَالَى مُتَوَعِّدًا وَمُهَدِّدًا لِمَنْ كَفَرَ بَعْد إِيمَانه ثُمَّ اِزْدَادَ كُفْرًا أَيْ اِسْتَمَرَّ إِلَى الْمَمَات وَمُخْبِرًا بِأَنَّهُمْ لَنْ تُقْبَل لَهُمْ تَوْبَة عِنْد الْمَمَات كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْت " الْآيَة وَلِهَذَا قَالَ هَهُنَا " لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ وَأُولَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ " أَيْ الْخَارِجُونَ عَنْ الْمَنْهَج الْحَقّ إِلَى طَرِيق الْغَيّ . قَالَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَزَّار : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بُزَيْع حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع حَدَّثَنَا دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ قَوْمًا أَسْلَمُوا ثُمَّ اِرْتَدُّوا ثُمَّ أَسْلَمُوا ثُمَّ اِرْتَدُّوا فَأَرْسَلُوا إِلَى قَوْمهمْ يَسْأَلُونَ لَهُمْ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ " هَكَذَا رَوَاهُ وَإِسْنَاده جَيِّد.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } أَيْ بِبَعْضِ أَنْبِيَائِهِ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْل مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد إِيمَانهمْ . { ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا } بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ . { لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ } عِنْد حُضُور الْمَوْت وَحَشْرَجَته بِنَفَسِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5825 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , قَالَ : ثنا عَبَّاد بْن مَنْصُور , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ وَأُولَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ } قَالَ : الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ عِنْد الْمَوْت . 5826 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا } أُولَئِكَ أَعْدَاء اللَّه الْيَهُود , كَفَرُوا بِالْإِنْجِيلِ وَبِعِيسَى , ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفُرْقَان . 5827 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا } قَالَ : اِزْدَادُوا كُفْرًا حَتَّى حَضَرَهُمْ الْمَوْت , فَلَمْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ حِين حَضَرَهُمْ الْمَوْت . قَالَ مَعْمَر : وَقَالَ مِثْل ذَلِكَ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ وَأُولَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ } وَقَالَ : هُمْ الْيَهُود كَفَرُوا بِالْإِنْجِيلِ , ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا حِين بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْكَرُوهُ , وَكَذَّبُوا بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب بِمُحَمَّدٍ بَعْد إِيمَانهمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ , { ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا } : يَعْنِي ذُنُوبًا , { لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ } مِنْ ذُنُوبهمْ , وَهُمْ عَلَى الْكُفْر مُقِيمُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5828 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ رُفَيْع : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا } اِزْدَادُوا ذُنُوبًا وَهُمْ كُفَّار , { فَلَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ } مِنْ تِلْكَ الذُّنُوب مَا كَانُوا عَلَى كُفْرهمْ وَضَلَالَتهمْ . 5829 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ دَاوُد , قَالَ : سَأَلْت أَبَا الْعَالِيَة , قَالَ : قُلْت : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ } ؟ قَالَ : إِنَّمَا هُمْ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى وَالْيَهُود الَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا , فَهُمْ يَتُوبُونَ مِنْهَا فِي كُفْرهمْ . * - حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان الْيَشْكُرِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ دَاوُد , قَالَ : سَأَلْت أَبَا الْعَالِيَة عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا , فَذَكَرَ نَحْوًا مِنْهُ . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُد , قَالَ : سَأَلْت أَبَا الْعَالِيَة عَنْ هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ وَأُولَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ } قَالَ : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس , أَصَابُوا ذُنُوبًا فِي كُفْرهمْ فَأَرَادُوا أَنْ يَتُوبُوا مِنْهَا , وَلَنْ يَتُوبُوا مِنْ الْكُفْر , أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُول : { وَأُولَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ } ؟ 5830 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ دَاوُد , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ } قَالَ : تَابُوا مِنْ بَعْض , وَلَمْ يَتُوبُوا مِنْ الْأَصْل . * - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا } قَالَ : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى يُصِيبُونَ الذُّنُوب فَيَقُولُونَ نَتُوب وَهُمْ مُشْرِكُونَ , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : لَنْ تُقْبَل التَّوْبَة فِي الضَّلَالَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ , ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا , يَعْنِي بِزِيَادَتِهِمْ الْكُفْر : تَمَامهمْ عَلَيْهِ حَتَّى هَلَكُوا وَهُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ , لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ : لَنْ تَنْفَعهُمْ تَوْبَتهمْ الْأُولَى , وَإِيمَانهمْ لِكُفْرِهِمْ الْآخَر وَمَوْتهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5831 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا } قَالَ : تَمُّوا عَلَى كُفْرهمْ . قَالَ اِبْن جُرَيْج : { لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ } يَقُول : إِيمَانهمْ أَوَّل مَرَّة لَنْ يَنْفَعهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْله : { ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا } مَاتُوا كُفَّارًا , فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ زِيَادَتهمْ مِنْ كُفْرهمْ . وَقَالُوا : مَعْنَى { لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ } : لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ عِنْد مَوْتهمْ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5832 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ وَأُولَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ } أَمَّا اِزْدَادُوا كُفْرًا : فَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار , وَأَمَّا لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ : فَعِنْد مَوْته إِذَا تَابَ لَمْ تُقْبَل تَوْبَته . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِهَا الْيَهُود , وَأَنْ يَكُون تَأْوِيله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ الْيَهُود بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد مَبْعَثه بَعْد إِيمَانهمْ بِهِ قَبْل مَبْعَثه , ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا بِمَا أَصَابُوا مِنْ الذُّنُوب فِي كُفْرهمْ وَمُقَامهمْ عَلَى ضَلَالَتهمْ , لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ مِنْ ذُنُوبهمْ الَّتِي أَصَابُوهَا فِي كُفْرهمْ , حَتَّى يَتُوبُوا مِنْ كُفْرهمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُرَاجِعُوا التَّوْبَة مِنْهُ بِتَصْدِيقِ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَال فِي هَذِهِ الْآيَة بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ الْآيَات قَبْلهَا وَبَعْدهَا فِيهِمْ نَزَلَتْ , فَأَوْلَى أَنْ تَكُون هِيَ فِي مَعْنَى مَا قَبْلهَا وَبَعْدهَا إِذْ كَانَتْ فِي سِيَاق وَاحِد . وَإِنَّمَا قُلْنَا : مَعْنَى اِزْدِيَادهمْ الْكُفْر مَا أَصَابُوا فِي كُفْرهمْ مِنْ الْمَعَاصِي , لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ : { لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ } فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ } إِنَّمَا هُوَ مَعْنِيّ بِهِ : لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ مِمَّا اِزْدَادُوا مِنْ الْكُفْر عَلَى كُفْرهمْ بَعْد إِيمَانهمْ , لَا مِنْ كُفْرهمْ , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره وَعَدَ أَنْ يَقْبَل التَّوْبَة مِنْ عِبَاده , فَقَالَ : { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِبَاده } 42 25 فَمُحَال أَنْ يَقُول عَزَّ وَجَلَّ أَقْبَل , وَلَا أَقْبَلَ فِي شَيْء وَاحِد . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ مِنْ حُكْم اللَّه فِي عِبَاده أَنَّهُ قَابِل تَوْبَة كُلّ تَائِب مِنْ كُلّ ذَنْب , وَكَانَ الْكُفْر بَعْد الْإِيمَان أَحَد تِلْكَ الذُّنُوب الَّتِي وَعَدَ قَبُول التَّوْبَة مِنْهَا بِقَوْلِهِ : { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } عُلِمَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لَا تُقْبَل التَّوْبَة مِنْهُ , غَيْر الْمَعْنَى الَّذِي تُقْبَل التَّوْبَة مِنْهُ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَاَلَّذِي لَا تُقْبَل مِنْهُ التَّوْبَة هُوَ الِازْدِيَاد عَلَى الْكُفْر بَعْد الْكُفْر , لَا يَقْبَل اللَّه تَوْبَة صَاحِبه مَا أَقَامَ عَلَى كُفْره , لِأَنَّ اللَّه لَا يَقْبَل مِنْ مُشْرِك عَمَلًا مَا أَقَامَ عَلَى شِرْكه وَضَلَاله , فَأَمَّا إِنْ تَابَ مِنْ شِرْكه وَكُفْره وَأَصْلَحَ , فَإِنَّ اللَّه كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسه , غَفُور رَحِيم . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا يُنْكِر أَنْ يَكُون مَعْنَى ذَلِكَ , كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ : فَلَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ مِنْ كُفْرهمْ عِنْد حُضُور أَجَله , أَوْ تَوْبَته الْأُولَى ؟ قِيلَ : أَنْكَرْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ التَّوْبَة مِنْ الْعَبْد غَيْر كَائِنَة إِلَّا فِي حَال حَيَاته , فَأَمَّا بَعْد مَمَاته فَلَا تَوْبَة , وَقَدْ وَعَدَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عِبَاده قَبُول التَّوْبَة مِنْهُمْ مَا دَامَتْ أَرْوَاحهمْ فِي أَجْسَادهمْ , وَلَا خِلَاف بَيْن جَمِيع الْحُجَّة فِي أَنَّ كَافِرًا لَوْ أَسْلَمَ قَبْل خُرُوج نَفْسه بِطَرْفَةِ عَيْن أَنَّ حُكْمه حُكْم الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ وَالْمُوَارَثَة , وَسَائِر الْأَحْكَام غَيْرهمَا , فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ تَوْبَته فِي تِلْكَ الْحَال لَوْ كَانَتْ غَيْر مَقْبُولَة , لَمْ يَنْتَقِل حُكْمه مِنْ حُكْم الْكُفَّار إِلَى حُكْم أَهْل الْإِسْلَام , وَلَا مَنْزِلَة بَيْن الْمَوْت وَالْحَيَاة يَجُوز أَنْ يُقَال لَا يَقْبَل اللَّه فِيهَا تَوْبَة الْكَافِر , فَإِذَا صَحَّ أَنَّهَا فِي حَال حَيَاته مَقْبُولَة , وَلَا سَبِيل بَعْد الْمَمَات إِلَيْهَا , بَطَلَ قَوْل الَّذِي زَعَمَ أَنَّهَا غَيْر مَقْبُولَة عِنْد حُضُور الْأَجَل . وَأَمَّا قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ التَّوْبَة الَّتِي كَانَتْ قَبْل الْكُفْر فَقَوْل لَا مَعْنَى لَهُ , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَصِف الْقَوْم بِإِيمَانٍ كَانَ مِنْهُمْ بَعْد كُفْر , ثُمَّ كُفْر بَعْد إِيمَان , بَلْ إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِكُفْرٍ بَعْد إِيمَان , فَلَمْ يَتَقَدَّم ذَلِكَ الْإِيمَان كُفْر كَانَ لِلْإِيمَانِ لَهُمْ تَوْبَة مِنْهُ , فَيَكُون تَأْوِيل ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ قَائِل ذَلِكَ , وَتَأْوِيل الْقُرْآن عَلَى مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي ظَاهِر التِّلَاوَة إِذَا لَمْ تَكُنْ حُجَّة تَدُلّ عَلَى بَاطِن خَاصّ أَوْلَى مِنْ غَيْره وَإِنْ أَمْكَنَ تَوْجِيهه إِلَى غَيْره . وَأَمَّا قَوْله : { وَأُولَئِكَ هُمْ الضَّالُّونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ , ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا , هُمْ الَّذِينَ ضَلُّوا سَبِيل الْحَقّ , فَأَخْطَئُوا مَنْهَجه , وَتَرَكُوا مَنْصَف السَّبِيل وَهُدَى اللَّه الدِّين , حِيرَة مِنْهُمْ وَعَمًى عَنْهُ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الضَّلَال بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة .

تفسير القرطبي

قَالَ قَتَادَة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَالْحَسَن : نَزَلَتْ فِي الْيَهُود كَفَرُوا بِعِيسَى وَالْإِنْجِيل , ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآن . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : نَزَلَتْ فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد إِيمَانهمْ بِنَعْتِهِ وَصِفَته " ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا " بِإِقَامَتِهِمْ عَلَى كُفْرهمْ . وَقِيلَ : " اِزْدَادُوا كُفْرًا " بِالذُّنُوبِ الَّتِي اِكْتَسَبُوهَا . وَهَذَا اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ , وَهِيَ عِنْده فِي الْيَهُود . " لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ " مُشْكِل لِقَوْلِهِ : " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَل التَّوْبَة عَنْ عِبَاده وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَات " [ الشُّورَى : 25 ] فَقِيلَ : الْمَعْنَى لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ عِنْد الْمَوْت . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا قَوْل حَسَن ; كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْت قَالَ إِنِّي تُبْت الْآن " [ النِّسَاء : 18 ] . وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَة وَعَطَاء . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد مَا لَمْ يُغَرْغِر ) . وَسَيَأْتِي فِي " النِّسَاء " بَيَان هَذَا الْمَعْنَى . وَقِيلَ : " لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ " الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قَبْل أَنْ يَكْفُرُوا ; لِأَنَّ الْكُفْر قَدْ أَحْبَطَهَا . وَقِيلَ : " لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ " إِذَا تَابُوا مِنْ كُفْرهمْ إِلَى كُفْر آخَر ; وَإِنَّمَا تُقْبَل تَوْبَتهمْ إِذَا تَابُوا إِلَى الْإِسْلَام . وَقَالَ قُطْرُب : هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل مَكَّة قَالُوا : نَتَرَبَّص بِمُحَمَّدٍ رَيْب الْمَنُون , فَإِنْ بَدَا لَنَا الرَّجْعَة رَجَعْنَا إِلَى قَوْمنَا . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ " أَيْ لَنْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى الْكُفْر ; فَسَمَّاهَا تَوْبَة غَيْر مَقْبُولَة ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحّ مِنْ الْقَوْم عَزْم , وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَل التَّوْبَة كُلّهَا إِذَا صَحَّ الْعَزْم .

غريب الآية
إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بَعۡدَ إِیمَـٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُوا۟ كُفۡرࣰا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلضَّاۤلُّونَ ﴿٩٠﴾
لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡعند حُضورِ الموتِ.
الإعراب
(إِنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (إِنَّ) :.
(كَفَرُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(بَعْدَ)
ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِيمَانِهِمْ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(ثُمَّ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحٍ.
(ازْدَادُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(كُفْرًا)
تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(لَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَنَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُقْبَلَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(تَوْبَتُهُمْ)
نَائِبُ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :.
(وَأُولَئِكَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أُولَئِكَ) : اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(هُمُ)
ضَمِيرُ فَصْلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ لَا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ.
(الضَّالُّونَ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.