صفحات الموقع

سورة الروم الآية ٢٨

سورة الروم الآية ٢٨

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلࣰا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُم مِّن شُرَكَاۤءَ فِی مَا رَزَقۡنَـٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِیهِ سَوَاۤءࣱ تَخَافُونَهُمۡ كَخِیفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لِقَوۡمࣲ یَعۡقِلُونَ ﴿٢٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

ضرب الله مثلا لكم -أيها المشركون -من أنفسكم: هل لكم من عبيدكم وإمائكم من يشارككم في رزقكم, وترون أنكم وإياهم متساوون فيه, تخافونهم كما تخافون الأحرار الشركاء في مقاسمة أموالكم؟ إنكم لن ترضوا بذلك, فكيف ترضون بذلك في جنب الله بأن تجعلوا له شريكا من خلقه؟ وبمثل هذا البيان نبين البراهين والحجج لأصحاب العقول السليمة الذين ينتفعون بها.

التفسير الميسر

ضرب الله مثلا لكم -أيها المشركون -من أنفسكم: هل لكم من عبيدكم وإمائكم مَن يشارككم في رزقكم، وترون أنكم وإياهم متساوون فيه، تخافونهم كما تخافون الأحرار الشركاء في مقاسمة أموالكم؟ إنكم لن ترضوا بذلك، فكيف ترضون بذلك في جنب الله بأن تجعلوا له شريكًا من خلقه؟ وبمثل هذا البيان نبيِّن البراهين والحجج لأصحاب العقول السليمة الذين ينتفعون بها.

تفسير الجلالين

"ضَرَبَ" جَعَلَ "لَكُمْ" أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ "مَثَلًا" كَائِنًا "مِنْ أَنْفُسكُمْ" وَهُوَ "هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ" أَيْ مِنْ مَمَالِيككُمْ "مِنْ شُرَكَاء" لَكُمْ "فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ" مِنْ الْأَمْوَال وَغَيْرهَا "فَأَنْتُمْ" وَهُمْ "فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسكُمْ" أَيْ أَمْثَالكُمْ مِنْ الْأَحْرَار وَالِاسْتِفْهَام بِمَعْنَى النَّفْي الْمَعْنَى : لَيْسَ مَمَالِيككُمْ شُرَكَاء لَكُمْ إلَى آخِره عِنْدكُمْ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْض مَمَالِيك اللَّه شُرَكَاء لَهُ "كَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات" نُبَيِّنهَا مِثْل ذَلِكَ التَّفْصِيل "لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" يَتَدَبَّرُونَ

تفسير ابن كثير

هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ الْعَابِدِينَ مَعَهُ غَيْره الْجَاعِلِينَ لَهُ شُرَكَاء وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُعْتَرِفُونَ أَنَّ شُرَكَاءَهُ مِنْ الْأَصْنَام وَالْأَنْدَاد عَبِيد لَهُ مِلْك لَهُ كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ : لَبَّيْكَ لَا شَرِيك لَك إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَك تَمْلِكهُ وَمَا مَلَكَ . فَقَالَ تَعَالَى " ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسكُمْ " أَيْ تَشْهَدُونَهُ وَتَفْهَمُونَهُ مِنْ أَنْفُسكُمْ " هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ مِنْ شُرَكَاء فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاء " أَيْ يَرْضَى أَحَدكُمْ أَنْ يَكُون عَبْده شَرِيكًا لَهُ فِي مَاله فَهُوَ وَهُوَ فِيهِ عَلَى السَّوَاء " تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسكُمْ" أَيْ تَخَافُونَ أَنْ يُقَاسِمُوكُمْ الْأَمْوَال . قَالَ أَبُو مِجْلَز إِنَّ مَمْلُوكك لَا تَخَاف أَنْ يُقَاسِمك مَالَك وَلَيْسَ لَهُ ذَاكَ كَذَلِكَ اللَّه لَا شَرِيك لَهُ . وَالْمَعْنَى أَنَّ أَحَدكُمْ يَأْنَف مِنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْأَنْدَاد مِنْ خَلْقه وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ " أَيْ مِنْ الْبَنَات حَيْثُ جَعَلُوا الْمَلَائِكَة الَّذِينَ هُمْ عِبَاد الرَّحْمَن إِنَاثًا وَجَعَلُوهَا بَنَات اللَّه وَقَدْ كَانَ أَحَدهمْ إِذَا بُشِّرَ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْم مِنْ سُوء مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُون أَمْ يَدُسّهُ فِي التُّرَاب فَهُمْ يَأْنَفُونَ مِنْ الْبَنَات وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه فَنَسَبُوا إِلَيْهِ مَا لَا يَرْتَضُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ فَهَذَا أَغْلَظ الْكُفْر وَهَكَذَا فِي هَذَا الْمَقَام جَعَلُوا لَهُ شُرَكَاء مِنْ عَبِيده وَخَلْقه وَأَحَدهمْ يَأْبَى غَايَة الْإِبَاء وَيَأْنَف غَايَة الْأَنَفَة مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون عَبْده شَرِيكه فِي مَاله يُسَاوِيه فِيهِ وَلَوْ شَاءَ لَقَاسَمَهُ عَلَيْهِ" تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا " . قَالَ الطَّبَرَانِيّ حَدَّثَنَا مَحْمُود بْن الْفَرَج الْأَصْبَهَانِيّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَمْرو الْبَجَلِيّ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن شُعَيْب عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ يُلَبِّي أَهْل الشِّرْك لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَا شَرِيك لَك إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَك تَمْلِكهُ وَمَا مَلَكَ . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ مِنْ شُرَكَاء فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسكُمْ " وَلَمَّا كَانَ التَّنْبِيه بِمِثْلِ هَذَا الْمَثَل عَلَى بَرَاءَته تَعَالَى وَنَزَاهَته عَنْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأُولَى وَالْأُخْرَى. قَالَ تَعَالَى " كَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ مِنْ شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَثَّلَ لَكُمْ أَيّهَا الْقَوْم رَبّكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسكُمْ , { هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ } يَقُول : مِنْ مَمَالِيككُمْ مِنْ شُرَكَاء , { فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ } مِنْ مَال , { فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاء } وَهُمْ. يَقُول : فَإِذَا لَمْ تَرْضَوْا بِذَلِكَ لِأَنْفُسِكُمْ فَكَيْفَ رَضِيتُمْ أَنْ تَكُون آلِهَتكُمْ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا لِي شُرَكَاء فِي عِبَادَتكُمْ إِيَّايَ , وَأَنْتُمْ وَهُمْ عَبِيدِي وَمَمَالِيكِي , وَأَنَا مَالِك جَمِيعكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21284 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ مِنْ شُرَكَاء فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاء } قَالَ : مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِمَنْ عَدَلَ بِهِ شَيْئًا مِنْ خَلْقه , يَقُول : أَكَانَ أَحَدكُمْ مُشَارِكًا مَمْلُوكه فِي فِرَاشه وَزَوْجَته , فَكَذَلِكُمْ اللَّه لَا يَرْضَى أَنْ يُعْدَل بِهِ أَحَد مِنْ خَلْقه . 21285 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ مِنْ شُرَكَاء فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاء } قَالَ : هَلْ تَجِد أَحَدًا يَجْعَل عَبْده هَكَذَا فِي مَاله , فَكَيْفَ تَعْمِد أَنْتَ وَأَنْتَ تَشْهَد أَنَّهُمْ عَبِيدِي وَخَلْقِي , وَتَحْمِل لَهُمْ نَصِيبًا فِي عِبَادَتِي , كَيْفَ يَكُون هَذَا ؟ قَالَ : وَهَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لَهُمْ , وَقَرَأَ : { كَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسكُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : تَخَافُونَ هَؤُلَاءِ الشُّرَكَاء مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ أَنْ يَرِثُوكُمْ أَمْوَالكُمْ مِنْ بَعْد وَفَاتكُمْ , كَمَا يَرِث بَعْضكُمْ بَعْضًا. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21286 - حَدِيث عَنْ حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : فِي الْآلِهَة , وَفِيهِ يَقُول : تَخَافُونَهُمْ أَنْ يَرِثُوكُمْ كَمَا يَرِث بَعْضكُمْ بَعْضًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : تَخَافُونَ هَؤُلَاءِ الشُّرَكَاء مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ أَنْ يُقَاسِمُوكُمْ أَمْوَالكُمْ , كَمَا تَقَاسَمَ بَعْضًا. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21287 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت عِمْرَان قَالَ : قَالَ أَبُو مِجْلَز : إِنَّ مَمْلُوكك لَا تَخَاف أَنْ يُقَاسِمك مَالِك , وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ , كَذَلِكَ اللَّه لَا شَرِيك لَهُ . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ الْقَوْل الثَّانِي , لِأَنَّهُ أَشْبَههمَا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِر الْكَلَام , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَبَّخَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لَهُ مِنْ خَلْقه آلِهَة يَعْبُدُونَهَا , وَأَشْرَكُوهُمْ فِي عِبَادَتهمْ إِيَّاهُ , وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُقِرُّونَ بِأَنَّهَا خَلْقه وَهُمْ عَبِيده , وَعَيَّرَهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ , فَقَالَ لَهُمْ : هَلْ لَكُمْ مِنْ عَبِيدكُمْ شُرَكَاء فِيمَا خَوَّلْنَاكُمْ مِنْ نِعَمنَا , فَهُمْ سَوَاء , أَنْتُمْ فِي ذَلِكَ تَخَافُونَ أَنْ يُقَاسِمُوكُمْ ذَلِكَ الْمَال الَّذِي هُوَ بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ , كَخِيفَةِ بَعْضكُمْ بَعْضًا أَنْ يُقَاسِمهُ مَا بَيْنه وَبَيْنه مِنْ الْمَال شَرِكَة ; فَالْخِيفَة الَّتِي ذَكَرَهَا تَعَالَى ذِكْره بِأَنْ تَكُون خِيفَة مِمَّا يَخَاف الشَّرِيك مِنْ مُقَاسَمَة شَرِيكه الْمَال الَّذِي بَيْنهمَا إِيَّاهُ أَشْبَه مِنْ أَنْ تَكُون خِيفَة مِنْهُ بِأَنْ يَرِثهُ , لِأَنَّ ذِكْر الشَّرِكَة لَا يَدُلّ عَلَى خِيفَة الْوِرَاثَة , وَقَدْ يَدُلّ عَلَى خِيفَة الْفِرَاق وَالْمُقَاسَمَة. وَقَوْله : { كَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا بَيَّنَّا لَكُمْ أَيّهَا الْقَوْم حُجَجنَا فِي هَذِهِ الْآيَات مِنْ هَذِهِ السُّورَة عَلَى قُدْرَتنَا عَلَى مَا نَشَاء مِنْ إِنْشَاء مَا نَشَاء , وَإِفْنَاء مَا نُحِبّ , وَإِعَادَة مَا نُرِيد إِعَادَته بَعْد فَنَائِهِ , وَدَلَّلْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَصْلُح الْعِبَادَة إِلَّا لِلْوَاحِدِ الْقَهَّار , الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوت كُلّ شَيْء , كَذَلِكَ نُبَيِّن حُجَجنَا فِي كُلّ حَقّ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ , فَيَتَدَبَّرُونَهَا إِذَا سَمِعُوهَا , وَيَعْتَبِرُونَ فَيَتَّعِظُونَ بِهَا.

تفسير القرطبي

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " مِنْ أَنْفُسكُمْ " ثُمَّ قَالَ : " مِنْ شُرَكَاء " ; ثُمَّ قَالَ : " مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ " فَ " مِنْ " الْأُولَى لِلِابْتِدَاءِ ; كَأَنَّهُ قَالَ : أَخَذَ مَثَلًا وَانْتَزَعَهُ مِنْ أَقْرَب شَيْء مِنْكُمْ وَهِيَ أَنْفُسكُمْ . وَالثَّانِيَة لِلتَّبْعِيضِ , وَالثَّالِثَة زَائِدَة لِتَأْكِيدِ الِاسْتِفْهَام . وَالْآيَة نَزَلَتْ فِي كُفَّار قُرَيْش , كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّلْبِيَة : لَبَّيْكَ لَا شَرِيك لَك إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَك , تَمْلِكهُ وَمَا مَلَكَ ; قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر . وَقَالَ قَتَادَة : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْمُشْرِكِينَ ; وَالْمَعْنَى : هَلْ يَرْضَى أَحَدكُمْ أَنْ يَكُون مَمْلُوكه فِي مَاله وَنَفْسه مِثْله , فَإِذَا لَمْ تَرْضَوْا بِهَذَا لِأَنْفُسِكُمْ فَكَيْف جَعَلْتُمْ لِلَّهِ شُرَكَاء . الثَّانِيَة : قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : هَذِهِ الْآيَة أَصْل فِي الشَّرِكَة بَيْن الْمَخْلُوقِينَ لِافْتِقَارِ بَعْضهمْ إِلَى بَعْض وَنَفْيهَا عَنْ اللَّه سُبْحَانه , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ : " ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ " الْآيَة , فَيَجِب أَنْ يَقُولُوا : لَيْسَ عَبِيدنَا شُرَكَاءَنَا فِيمَا رَزَقْتنَا , فَيُقَال لَهُمْ : فَكَيْف يُتَصَوَّر أَنْ تُنَزِّهُوا نُفُوسكُمْ عَنْ مُشَارَكَة عَبِيدكُمْ وَتَجْعَلُوا عَبِيدِي شُرَكَائِي فِي خَلْقِي ; فَهَذَا حُكْم فَاسِد وَقِلَّة نَظَر وَعَمَى قَلْب , فَإِذَا بَطَلَتْ الشِّرْكَة بَيْن الْعَبِيد وِسَادَتهمْ فِيمَا يَمْلِكهُ السَّادَة وَالْخَلْق كُلّهمْ عَبِيد لِلَّهِ تَعَالَى فَيَبْطُل أَنْ يَكُون شَيْء مِنْ الْعَالِم شَرِيكًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي شَيْء مِنْ أَفْعَاله ; فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ وَاحِد يَسْتَحِيل أَنْ يَكُون لَهُ شَرِيك , إِذْ الشِّرْكَة تَقْتَضِي الْمُعَاوَنَة , وَنَحْنُ مُفْتَقِرُونَ إِلَى مُعَاوَنَة بَعْضنَا بَعْضًا بِالْمَالِ وَالْعَمَل ; وَالْقَدِيم الْأَزَلِيّ مُنَزَّه عَنْ ذَلِكَ جَلَّ وَعَزَّ . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَة أَفْضَل لِلطَّالِبِ مِنْ حِفْظ دِيوَان كَامِل فِي الْفِقْه ; لِأَنَّ جَمِيع الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة لَا تَصِحّ إِلَّا بِتَصْحِيحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي الْقَلْب , فَافْهَمْ ذَلِكَ .

غريب الآية
ضَرَبَ لَكُم مَّثَلࣰا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُم مِّن شُرَكَاۤءَ فِی مَا رَزَقۡنَـٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِیهِ سَوَاۤءࣱ تَخَافُونَهُمۡ كَخِیفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لِقَوۡمࣲ یَعۡقِلُونَ ﴿٢٨﴾
مِّنۡ أَنفُسِكُمۡمِن جِنْسِكُم.
مَلَكَتۡ أَیۡمَـٰنُكُمأي: العبِيدُ والإماءُ.
كَخِیفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚأي: كَما تَخافُونَ الأحْرَارَ المُشَابِهِينَ لَكُم في الحرِّيَّةِ وتَمَلُّكِ الأمْوالِ.
الإعراب
(ضَرَبَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(لَكُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(مَثَلًا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَنْفُسِكُمْ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(هَلْ)
حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(لَكُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(مَلَكَتْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَيْمَانُكُمْ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ زَائِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(شُرَكَاءَ)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَجْرُورٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ مَحَلًّا وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(رَزَقْنَاكُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(فَأَنْتُمْ)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَنْتُمْ) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(فِيهِ)
(فِي) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(سَوَاءٌ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(تَخَافُونَهُمْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(كَخِيفَتِكُمْ)
"الْكَافُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(خِيفَتِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ نَائِبٌ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ.
(أَنْفُسَكُمْ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(كَذَلِكَ)
"الْكَافُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ذَلِكَ) : اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ نَائِبٌ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْمُقَدَّمِ.
(نُفَصِّلُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "نَحْنُ".
(الْآيَاتِ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُؤَنَّثٍ سَالِمٌ.
(لِقَوْمٍ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(قَوْمٍ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(يَعْقِلُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ نَعْتٌ.