تفسير الطبري
وَقَوْله : { وَإِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } : شَكّ فِي الْإِيمَان , وَضَعْف فِي اعْتِقَادهمْ إِيَّاهُ : مَا وَعَدَنَا اللَّه وَرَسُوله إِلَّا غُرُورًا , وَذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ قَوْل مُعَتِّب بْن قُشَيْر. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21629 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني يَزِيد بْن رُومَان { وَإِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض مَا وَعَدَنَا اللَّه وَرَسُوله إِلَّا غُرُورًا } يَقُول : مُعَتِّب بْن قُشَيْر , إِذْ قَالَ مَا قَالَ يَوْم الْخَنْدَق . 21630 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { وَإِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } قَالَ : تَكَلُّمهمْ بِالنِّفَاقِ يَوْمئِذٍ , وَتَكَلَّمَ الْمُؤْمِنُونَ بِالْحَقِّ وَالْإِيمَان , قَالُوا : هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّه وَرَسُوله . 21631 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَإِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض : مَا وَعَدَنَا اللَّه وَرَسُوله إِلَّا غُرُورًا } قَالَ : قَالَ ذَلِكَ أُنَاس مِنَ الْمُنَافِقِينَ : قَدْ كَانَ مُحَمَّد يَعِدنَا فَتْحَ فَارِس وَالرُّوم , وَقَدْ حُصِرْنَا هَا هُنَا , حَتَّى مَا يَسْتَطِيع أَحَدنَا أَنْ يَبْرُز لِحَاجَتِهِ ; مَا وَعَدَنَا اللَّه وَرَسُوله إِلَّا غُرُورًا . 21632 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , قَالَ : قَالَ رَجُل يَوْم الْأَحْزَاب لِرَجُلٍ مِنْ صَحَابَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا فُلَان أَرَأَيْت إِذْ يَقُول رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا هَلَكَ قَيْصَر فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ , وَإِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ , وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيل اللَّه " . فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا , وَأَحَدنَا لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَخْرُجَ يَبُول مِنَ الْخَوْف ؟ { مَا وَعَدَنَا اللَّه وَرَسُوله إِلَّا غُرُورًا } , فَقَالَ لَهُ : كَذَبْت , لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَك , قَالَ : فَأَتَى رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَخْبَرَهُ , فَدَعَاهُ فَقَالَ : " مَا قُلْت ؟ " فَقَالَ : كَذَبَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهَ , مَا قُلْت شَيْئًا , مَا خَرَجَ هَذَا مِنْ فَمِي قَطُّ ! قَالَ اللَّه : { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْر } 9 74 حَتَّى بَلَغَ { وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْض مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير } 9 74 قَالَ : " فَهَذَا قَوْل اللَّه : { إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَة مِنْكُمْ نُعَذِّب طَائِفَة } 9 66 21633 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن خَالِد بْن عَثْمَة , قَالَ : ثنا كَثِير بْن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن عَوْف الْمُزَنِيّ , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : خَطَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَنْدَقَ عَامَ ذُكِرَتْ الْأَحْزَاب , مِنْ أَحْمَر الشَّيْخَيْنِ , طَرَف بَنِي حَارِثَة , حَتَّى بَلَغَ الْمَذَاد , ثُمَّ جَعَلَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا بَيْنَ كُلّ عَشْرَة , فَاخْتَلَفَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فِي سَلْمَان الْفَارِسِيّ , وَكَانَ رَجُلًا قَوِيًّا , فَقَالَ الْأَنْصَار : سَلْمَان مِنَّا , وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : سَلْمَان مِنَّا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سَلْمَان مِنَّا أَهْل الْبَيْت " . قَالَ عَمْرو بْن عَوْف : فَكُنْت أَنَا وَسَلْمَان وَحُذَيْفَة بْن الْيَمَان وَالنُّعْمَان بْن مُقَرِّن الْمُزَنِيّ , وَسِتَّة مِنَ الْأَنْصَار , فِي أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا , فَحَفَرْنَا تَحْت دُوبَار حَتَّى بَلَغْنَا الصَّرَى , أَخْرَجَ اللَّه مِنْ بَطْن الْخَنْدَق صَخْرَة بَيْضَاءَ مَرْوَة , فَكَسَرَتْ حَدِيدَنَا , وَشَقَّتْ عَلَيْنَا , فَقُلْنَا : يَا سَلْمَان , ارْقَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَخْبِرْهُ خَبَرَ هَذِهِ الصَّخْرَة , فَإِمَّا أَنْ نَعْدِلَ عَنْهَا , فَإِنَّ الْمَعْدِل قَرِيب , وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَنَا فِيهَا بِأَمْرِهِ , فَإِنَّا لَا نُحِبّ أَنْ نُجَاوِزَ خَطَّهُ . فَرَقِيَ سَلْمَان حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ضَارِب عَلَيْهِ قُبَّة تُرْكِيَّة , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّهَ بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمّنَا , خَرَجَتْ صَخْرَة بَيْضَاء مِنْ بَطْن الْخَنْدَق , مَرْوَة , فَكَسَرَتْ حَدِيدَنَا , وَشَقَّتْ عَلَيْنَا , حَتَّى مَا يَجِيء مِنْهَا قَلِيل وَلَا كَثِير , فَمُرْنَا فِيهَا بِأَمْرِك , فَإِنَّا لَا نُحِبّ أَنْ نُجَاوِزَ خَطَّك , فَهَبَطَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ سَلْمَان فِي الْخَنْدَق , وَرَقِينَا نَحْنُ التِّسْعَة عَلَى شَفَة الْخَنْدَق , فَأَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِعْوَل مِنْ سَلْمَان , فَضَرَبَ الصَّخْرَة ضَرْبَة صَدَعَهَا , وَبَرَقَتْ مِنْهَا بَرْقَةً أَضَاءَتْ مَا بَيْن لَابَتَيْهَا , يَعْنِي : لَابَتَيْ الْمَدِينَة , حَتَّى لَكَأَنَّ مِصْبَاحًا فِي جَوْف بَيْت مُظْلِم , فَكَبَّرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْبِير فَتْح , وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ , ثُمَّ ضَرَبَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّانِيَةَ , فَصَدَعَهَا وَبَرَقَتْ مِنْهَا بَرْقَةً أَضَاءَتْ مَا بَيْن لَابَتَيْهَا , حَتَّى لَكَأَنَّ مِصْبَاحًا فِي جَوْف بَيْت مُظْلِم , فَكَبَّرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْبِير فَتْح , وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ , ثُمَّ ضَرَبَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّالِثَة , فَكَسَرَهَا , وَبَرَقَتْ مِنْهَا بَرْقَةٌ أَضَاءَتْ مَا بَيْن لَابَتَيْهَا , حَتَّى لَكَأَنَّ مِصْبَاحًا فِي جَوْف بَيْت مُظْلِم , فَكَبَّرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْبِير فَتْح , ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ سَلْمَان فَرَقِيَ , فَقَالَ سَلْمَان : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّه , لَقَدْ رَأَيْت شَيْئًا مَا رَأَيْته قَطُّ , فَالْتَفَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْقَوْم , فَقَالَ : " هَلْ رَأَيْتُمْ مَا يَقُول سَلْمَان ؟ " قَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُول اللَّه , بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمّنَا ! وَقَدْ رَأَيْنَاك تَضْرِب , فَيَخْرُج بَرْق كَالْمَوْجِ , فَرَأَيْنَاك تُكَبِّر فَنُكَبِّر , وَلَا نَرَى شَيْئًا غَيْر ذَلِكَ , قَالَ : " صَدَقْتُمْ ضَرَبْت ضَرْبَتِي الْأُولَى , فَبَرَقَ الَّذِي رَأَيْتُمْ , أَضَاءَ لِي مِنْهُ قُصُور الْحِيرَة وَمَدَائِن كِسْرَى , كَأَنَّهَا أَنْيَاب الْكِلَاب , فَأَخْبَرَنِي جَبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَة عَلَيْهَا , ثُمَّ ضَرَبْت ضَرْبَتِي الثَّانِيَة , فَبَرَقَ الَّذِي رَأَيْتُمْ , أَضَاءَ لِي مِنْهُ قُصُور الْحُمْر مِنْ أَرْض الرُّوم , كَأَنَّهَا أَنْيَاب الْكِلَاب , وَأَخْبَرَنِي جَبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَة عَلَيْهَا , ثُمَّ ضَرَبْت ضَرْبَتِي الثَّالِثَة , وَبَرَقَ مِنْهَا الَّذِي رَأَيْتُمْ , أَضَاءَتْ لِي مِنْهَا قُصُور صَنْعَاء , كَأَنَّهَا أَنْيَاب الْكِلَاب , وَأَخْبَرَنِي جَبْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَة عَلَيْهَا , فَأَبْشِرُوا , يُبَلِّغهُمْ النَّصْر , وَأَبْشِرُوا , يُبَلِّغهُمْ النَّصْر , وَأَبْشِرُوا يُبَلِّغهُمْ النَّصْر " , فَاسْتَبْشَرَ الْمُسْلِمُونَ , وَقَالُوا : الْحَمْد لِلَّهِ مَوْعُود صِدْق , بِأَنْ وَعَدَنَا النَّصْرَ بَعْد الْحَصْر , فَطَبَّقَتْ الْأَحْزَاب , فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ { هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّه وَرَسُوله } . . . الْآيَة , وَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : أَلَا تَعْجَبُونَ . ؟ يُحَدِّثكُمْ وَيُمَنِّيكُمْ وَيَعِدكُمْ الْبَاطِلَ , يُخْبِركُمْ أَنَّهُ يُبْصِر مِنْ يَثْرِبَ قُصُور الْحِيرَة وَمَدَائِن كِسْرَى , وَأَنَّهَا تُفْتَح لَكُمْ , وَأَنْتُمْ تَحْفِرُونَ الْخَنْدَق مِنَ الْفَرَق , وَلَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَبْرُزُوا ؟ وَأَنْزَلَ الْقُرْآن : { وَإِذْ يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض مَا وَعَدَنَا اللَّه وَرَسُوله إِلَّا غُرُورًا }