سورة الأحزاب الآية ٦
سورة الأحزاب الآية ٦
ٱلنَّبِیُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَ ٰجُهُۥۤ أُمَّهَـٰتُهُمۡۗ وَأُو۟لُوا۟ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضࣲ فِی كِتَـٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُهَـٰجِرِینَ إِلَّاۤ أَن تَفۡعَلُوۤا۟ إِلَىٰۤ أَوۡلِیَاۤىِٕكُم مَّعۡرُوفࣰاۚ كَانَ ذَ ٰلِكَ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ مَسۡطُورࣰا ﴿٦﴾
تفسير السعدي
النبي محمد صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين, وأقرب لهم من أنفسهم في أمور الدين والدنيا, وحرمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على أمته كحرمة أمهاتهم, فلا يجوز نكاح زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم من بعده. وذوو القرابة من المسلمين بعضهم أحق بميراث بعض في حكم الله وشرعه من الإرث بالإيمان والهجرة (وكان المسلمون في أول الإسلام يتوارثون بالهجرة والإيمان دون الرحم, ثم نسخ ذلك بآيه المواريث) إلا أن تفعلوا -أيها المسلمون- إلى غير الورثة معروفا بالنصر والبر والصلة والإحسان والوصية, كان هذا الحكم المذكور مقدرا مكتوبا في اللوح المحفوظ, فيجب عليكم العمل به. وفي الآية وجوب كون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلى العبد من نفسه, ووجوب كمال الانقياد له, وفيها وجوب احترام أمهات المؤمنين, زوجاته صلى الله عليه وسلم, وأن من سبهن فقد باء بالخسران.
التفسير الميسر
النبي محمد صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين، وأقرب لهم من أنفسهم في أمور الدين والدنيا، وحرمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على أُمَّته كحرمة أمهاتهم، فلا يجوز نكاح زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم من بعده. وذوو القرابة من المسلمين بعضهم أحق بميراث بعض في حكم الله وشرعه من الإرث بالإيمان والهجرة (وكان المسلمون في أول الإسلام يتوارثون بالهجرة والإيمان دون الرحم، ثم نُسخ ذلك بآية المواريث) إلا أن تفعلوا -أيها المسلمون- إلى غير الورثة معروفًا بالنصر والبر والصلة والإحسان والوصية، كان هذا الحكم المذكور مقدَّرًا مكتوبًا في اللوح المحفوظ، فيجب عليكم العمل به. وفي الآية وجوب كون النبي صلى الله عليه وسلم أحبَّ إلى العبد من نفسه، ووجوب كمال الانقياد له، وفيها وجوب احترام أمهات المؤمنين، زوجاته صلى الله عليه وسلم، وأن من سبَّهن فقد باء بالخسران.
تفسير الجلالين
"النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ" فِيمَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ وَدَعَتْهُمْ أَنْفُسهمْ إلَى خِلَافه "وَأَزْوَاجه أُمَّهَاتهمْ" فِي حُرْمَة نِكَاحهنَّ عَلَيْهِمْ "وَأُولُو الْأَرْحَام" ذَوُو الْقَرَابَات "بَعْضهمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ" فِي الْإِرْث "فِي كِتَاب اللَّه مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ" أَيْ مِنْ الْإِرْث بِالْإِيمَانِ وَالْهِجْرَة الَّذِي كَانَ أَوَّل الْإِسْلَام فَنُسِخَ "إلَّا" لَكِنْ "أَنْ تَفْعَلُوا إلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا" بِوَصِيَّةٍ فَجَائِز "كَانَ ذَلِكَ" أَيْ نُسِخَ الْإِرْث بِالْإِيمَانِ وَالْهِجْرَة بِإِرْثِ ذَوِي الْأَرْحَام "فِي الْكِتَاب مَسْطُورًا" وَأُرِيدَ بِالْكِتَابِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ اللَّوْح الْمَحْفُوظ
تفسير ابن كثير
قَدْ عَلِمَ اللَّه تَعَالَى شَفَقَة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّته وَنُصْحه لَهُمْ فَجَعَلَهُ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسهمْ وَحُكْمه فِيهِمْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى اِخْتِيَارهمْ لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : " فَلَا وَرَبّك لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنهمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسهمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْت وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " وَفِي الصَّحِيح " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ حَتَّى أَكُون أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسه وَمَاله وَوَلَده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ " وَفِي الصَّحِيح أَيْضًا أَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه وَاَللَّه لَأَنْتَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ كُلّ شَيْء إِلَّا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ" لَا يَا عُمَر حَتَّى أَكُون أَحَبّ إِلَيْك مِنْ نَفْسك " فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه وَاَللَّه لَأَنْتَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ كُلّ شَيْء حَتَّى مِنْ نَفْسِي فَقَالَ " الْآن يَا عُمَر " وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة " النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ" وَقَالَ الْبُخَارِيّ عِنْد هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذِر حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن فُلَيْح حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ هِلَال بْن عَلِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَا مِنْ مُؤْمِن إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاس بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ " النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ " فَأَيّمَا مُؤْمِن تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَته مَنْ كَانُوا وَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ " تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيّ وَرَوَاهُ أَيْضًا فِي الِاسْتِقْرَاض وَابْن جَرِير وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ طُرُق عَنْ فُلَيْح بِهِ مِثْله وَرَوَاهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث أَبِي حُصَيْن عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ فِي قَوْله : " النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ " عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول " أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِن مِنْ نَفْسه فَأَيّمَا رَجُل مَاتَ وَتَرَكَ دَيْنًا فَإِلَيَّ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل بِهِ نَحْوه وَقَوْله تَعَالَى : " وَأَزْوَاجه أُمَّهَاتهمْ " أَيْ فِي الْحُرْمَة وَالِاحْتِرَام وَالتَّوْقِير وَالْإِكْرَام وَالْإِعْظَام وَلَكِنْ لَا تَجُوز الْخَلْوَة بِهِنَّ وَلَا يَنْتَشِر التَّحْرِيم إِلَى بَنَاتهنَّ وَأَخَوَاتهنَّ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ سَمَّى بَعْض الْعُلَمَاء بَنَاتهنَّ أَخَوَات الْمُؤْمِنِينَ كَمَا هُوَ مَنْصُوص الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي الْمُخْتَصَر وَهُوَ مِنْ بَاب إِطْلَاق الْعِبَارَة لَا إِثْبَات الْحُكْم وَهَلْ يُقَال لِمُعَاوِيَة وَأَمْثَاله خَال الْمُؤْمِنِينَ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَنَصّ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَال ذَلِكَ وَهَلْ يُقَال لَهُنَّ أُمَّهَات الْمُؤْمِنَات فَيَدْخُل النِّسَاء فِي جَمْع الْمُذَكَّر السَّالِم تَغْلِيبًا ؟ فِيهِ قَوْلَانِ صَحَّ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لَا يُقَال ذَلِكَ وَهَذَا أَصَحّ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَب الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمَا قَرَآ " النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ وَأَزْوَاجه أُمَّهَاتهمْ وَهُوَ أَب لَهُمْ " وَرُوِيَ نَحْو هَذَا عَنْ مُعَاوِيَة وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَهُوَ أَحَد الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَب الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حَكَاهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْره وَاسْتَأْنَسُوا عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ اللَّه حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد النُّفَيْلِيّ حَدَّثَنَا اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مُحَمَّد بْن عَجْلَان عَنْ الْقَعْقَاع بْن حَكِيم عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِد أُعَلِّمكُمْ فَإِذَا أَتَى أَحَدكُمْ الْغَائِط فَلَا يَسْتَقْبِل الْقِبْلَة وَلَا يَسْتَدْبِرهَا وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ " وَكَانَ يَأْمُر بِثَلَاثَةِ أَحْجَار وَيَنْهَى عَنْ الرَّوْث وَالرِّمَّة . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن عَجْلَان وَالْوَجْه الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُقَال ذَلِكَ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالكُمْ " . وَقَوْله تَعَالَى : " وَأُولُوا الْأَرْحَام بَعْضهمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَاب اللَّه " أَيْ فِي حُكْم اللَّه" مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ " أَيْ الْقَرَابَات أَوْلَى بِالتَّوَارُثِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار وَهَذِهِ نَاسِخَة لِمَا كَانَ قَبْلهَا مِنْ التَّوَارُث بِالْحَلِفِ وَالْمُؤَاخَاة الَّتِي كَانَتْ بَيْنهمْ كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : كَانَ الْمُهَاجِرِيّ يَرِث الْأَنْصَارِيّ دُون قَرَابَاته وَذَوِي رَحِمه لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى بَيْنهمَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَا قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَغَيْر وَاحِد مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف. وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدِيثًا عَنْ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام فَقَالَ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي بَكْر الْمُصْعَبِيّ مِنْ سَاكِنِي بَغْدَاد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ أَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِينَا خَاصَّة مَعْشَر قُرَيْش وَالْأَنْصَار " وَأُولُوا الْأَرْحَام بَعْضهمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ " وَذَلِكَ أَنَّا مَعْشَر قُرَيْش لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَة قَدِمْنَا وَلَا أَمْوَال لَنَا فَوَجَدْنَا الْأَنْصَار نِعْمَ الْإِخْوَان فَوَاخَيْنَاهُمْ وَوَارَثْنَاهُمْ فَآخَى أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ خَارِجَة بْن زَيْد وَآخَى عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فُلَانًا وَآخَى عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي زُرَيْق بْن سَعْد الزُّرَقِيّ وَيَقُول بَعْض النَّاس غَيْره قَالَ الزُّبَيْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَوَاخَيْت أَنَا كَعْب بْن مَالِك فَجِئْته فَابْتَعَلْتُهُ فَوَجَدْت السِّلَاح قَدْ ثَقَّلَهُ فِيمَا يَرَى فَوَاَللَّهِ يَا بَنِيَّ لَوْ مَاتَ يَوْمئِذٍ عَنْ الدُّنْيَا مَا وَرِثَهُ غَيْرِي حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة فِينَا مَعْشَر قُرَيْش وَالْأَنْصَار خَاصَّة فَرَجَعْنَا إِلَى مَوَارِيثنَا. وَقَوْله تَعَالَى : " إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا " أَيْ ذَهَبَ الْمِيرَاث وَبَقِيَ النَّصْر وَالْبِرّ وَالصِّلَة وَالْإِحْسَان وَالْوَصِيَّة وَقَوْله تَعَالَى : " كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَاب مَسْطُورًا " أَيْ هَذَا الْحُكْم وَهُوَ أَنَّ أُولِي الْأَرْحَام بَعْضهمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ حُكْم مِنْ اللَّه مُقَدَّر مَكْتُوب فِي الْكِتَاب الْأَوَّل الَّذِي لَا يُبَدَّل وَلَا يُغَيَّر . قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْر وَاحِد وَإِنْ كَانَ تَعَالَى قَدْ شَرَعَ خِلَافه فِي وَقْت لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَة الْبَالِغَة وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُ سُبْحَانه إِلَى مَا هُوَ جَارٍ فِي قَدَره الْأَزَلِيّ وَقَضَائِهِ الْقَدَرِيّ الشَّرْعِيّ وَاَللَّه أَعْلَم .
تفسير القرطبي
هَذِهِ الْآيَة أَزَالَ اللَّه تَعَالَى بِهَا أَحْكَامًا كَانَتْ فِي صَدْر الْإِسْلَام ; مِنْهَا : أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يُصَلِّي عَلَى مَيِّت عَلَيْهِ دَيْن , فَلَمَّا فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ الْفُتُوح قَالَ : ( أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْن فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ ) أَخْرَجَهُ الصَّحِيحَانِ . وَفِيهِمَا أَيْضًا ( فَأَيّكُمْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَأَنَا مَوْلَاهُ ) . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فَانْقَلَبَتْ الْآن الْحَال بِالذُّنُوبِ , فَإِنْ تَرَكُوا مَالًا ضُويِقَ الْعَصَبَة فِيهِ , وَإِنْ تَرَكُوا ضَيَاعًا أُسْلِمُوا إِلَيْهِ ; فَهَذَا تَفْسِير الْوَلَايَة الْمَذْكُورَة فِي هَذِهِ الْآيَة بِتَفْسِيرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَنْبِيهه ; ( وَلَا عِطْر بَعْد عَرُوس ) . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء الْعَارِفِينَ : هُوَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسهمْ ; لِأَنَّ أَنْفُسهمْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهَلَاك , وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى النَّجَاة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَيُؤَيِّد هَذَا قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( أَنَا آخِذ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّار وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا تَقَحُّم الْفَرَاش ) . قُلْت : هَذَا قَوْل حَسَن فِي مَعْنَى الْآيَة وَتَفْسِيرهَا , وَالْحَدِيث الَّذِي ذُكِرَ أَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَل أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُل اِسْتَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَتْ الدَّوَابّ وَالْفَرَاش يَقَعْنَ فِيهِ وَأَنَا آخِذ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ ) . وَعَنْ جَابِر مِثْله ; وَقَالَ : ( وَأَنْتُمْ تُفْلِتُونَ مِنْ يَدَيَّ ) . قَالَ الْعُلَمَاء الْحُجْزَة لِلسَّرَاوِيلِ , وَالْمَعْقِد لِلْإِزَارِ ; فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُل إِمْسَاك مَنْ يَخَاف سُقُوطه أَخَذَ بِذَلِكَ الْمَوْضِع مِنْهُ . وَهَذَا مَثَل لِاجْتِهَادِ نَبِيّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي نَجَاتنَا , وَحِرْصه عَلَى تَخَلُّصنَا مِنْ الْهَلَكَات الَّتِي بَيْن أَيْدِينَا ; فَهُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسنَا ; وَلِجَهْلِنَا بِقَدْرِ ذَلِكَ وَغَلَبَةِ شَهَوَاتنَا عَلَيْنَا وَظَفَرِ عَدُوّنَا اللَّعِين بِنَاصِرِنَا أَحْقَر مِنْ الْفِرَاش وَأَذَلّ مِنْ الْفَرَاش , وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيّ الْعَظِيم ! وَقِيلَ : أَوْلَى بِهِمْ أَيْ أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ وَدَعَتْ النَّفْس إِلَى غَيْره كَانَ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى . وَقِيلَ أَوْلَى بِهِمْ أَيْ هُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَحْكُم عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَيُنَفَّذ حُكْمه فِي أَنْفُسهمْ ; أَيْ فِيمَا يَحْكُمُونَ بِهِ لِأَنْفُسِهِمْ مِمَّا يُخَالِف حُكْمه . قَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم : يَجِب عَلَى الْإِمَام أَنْ يَقْضِيَ مِنْ بَيْت الْمَال دَيْن الْفُقَرَاء اِقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ : ( فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ ) . وَالضَّيَاع ( بِفَتْحِ الضَّاد ) مَصْدَر ضَاعَ , ثُمَّ جُعِلَ اِسْمًا لِكُلِّ مَا هُوَ بِصَدَدِ أَنْ يَضِيع مِنْ عِيَال وَبَنِينَ لَا كَافِل لَهُمْ , وَمَال لَا قَيِّم لَهُ . وَسُمِّيَتْ الْأَرْض ضَيْعَة لِأَنَّهَا مُعَرَّضَة لِلضَّيَاعِ , وَتُجْمَع ضِيَاعًا بِكَسْرِ الضَّاد . شَرَّفَ اللَّه تَعَالَى أَزْوَاج نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ جَعَلَهُنَّ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ ; أَيْ فِي وُجُوب التَّعْظِيم وَالْمَبَرَّة وَالْإِجْلَال وَحُرْمَة النِّكَاح عَلَى الرِّجَال , وَحَجْبهنَّ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُنَّ بِخِلَافِ الْأُمَّهَات . وَقِيلَ : لَمَّا كَانَتْ شَفَقَتهنَّ عَلَيْهِمْ كَشَفَقَةِ الْأُمَّهَات أُنْزِلْنَ مَنْزِلَة الْأُمَّهَات , ثُمَّ هَذِهِ الْأُمُومَة لَا تُوجِب مِيرَاثًا كَأُمُومَةِ التَّبَنِّي . وَجَازَ تَزْوِيج بَنَاتهنَّ , وَلَا يُجْعَلْنَ أَخَوَات لِلنَّاسِ . وَسَيَأْتِي عَدَد أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آيَة التَّخْيِير إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَاخْتَلَفَ النَّاس هَلْ هُنَّ أُمَّهَات الرِّجَال وَالنِّسَاء أَمْ أُمَّهَات الرِّجَال خَاصَّة ; عَلَى قَوْلَيْنِ : فَرَوَى الشَّعْبِيّ عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّ اِمْرَأَة قَالَتْ لَهَا : يَا أُمَّة ; فَقَالَتْ لَهَا : لَسْت لَك بِأُمٍّ , إِنَّمَا أَنَا أُمّ رِجَالكُمْ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ الصَّحِيح . قُلْت : لَا فَائِدَة فِي اِخْتِصَاص الْحَصْر فِي الْإِبَاحَة لِلرِّجَالِ دُون النِّسَاء , وَاَلَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّهُنَّ أُمَّهَات الرِّجَال وَالنِّسَاء ; تَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ عَلَى الرِّجَال وَالنِّسَاء . يَدُلّ عَلَيْهِ صَدْر الْآيَة : " النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ " , وَهَذَا يَشْمَل الرِّجَال وَالنِّسَاء ضَرُورَة . وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَجَابِر ; فَيَكُون قَوْله : " وَأَزْوَاجه أُمَّهَاتهمْ " عَائِدًا إِلَى الْجَمِيع . ثُمَّ إِنَّ فِي مُصْحَف أُبَيّ بْن كَعْب " وَأَزْوَاجه أُمَّهَاتهمْ وَهُوَ أَب لَهُمْ " . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس : " مِنْ أَنْفُسهمْ وَهُوَ أَب لَهُمْ وَأَزْوَاجه أُمَّهَاتهمْ " . وَهَذَا كُلّه يُوهِن مَا رَوَاهُ مَسْرُوق إِنْ صَحَّ مِنْ جِهَة التَّرْجِيح , وَإِنْ لَمْ يَصِحّ فَيَسْقُط الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي التَّخْصِيص , وَبَقِينَا عَلَى الْأَصْل الَّذِي هُوَ الْعُمُوم الَّذِي يَسْبِق إِلَى الْفُهُوم . وَاَللَّه أَعْلَمُ . اُخْتُلِفَ فِي كَوْنهنَّ كَالْأُمَّهَاتِ فِي الْمَحْرَم وَإِبَاحَة النَّظَر ; عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : هُنَّ مَحْرَمٌ , لَا يُحَرَّم النَّظَر إِلَيْهِنَّ . الثَّانِي : أَنَّ النَّظَر إِلَيْهِنَّ مُحَرَّم , لِأَنَّ تَحْرِيم نِكَاحهنَّ إِنَّمَا كَانَ حِفْظًا لِحَقِّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِنَّ , وَكَانَ مِنْ حِفْظِ حَقِّهِ تَحْرِيمُ النَّظَر إِلَيْهِنَّ ; وَلِأَنَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا كَانَتْ إِذَا أَرَادَتْ دُخُول رَجُل عَلَيْهَا أَمَرَتْ أُخْتهَا أَسْمَاء أَنْ تُرْضِعهُ لِيَصِيرَ اِبْنًا لِأُخْتِهَا مِنْ الرَّضَاعَة , فَيَصِير مَحْرَمًا يَسْتَبِيح النَّظَر . وَأَمَّا اللَّاتِي طَلَّقَهُنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاته فَقَدْ اخْتُلِفَ فِي ثُبُوت هَذِهِ الْحُرْمَة لَهُنَّ عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه : أَحَدهَا : ثَبَتَتْ لَهُنَّ هَذِهِ الْحُرْمَة تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الثَّانِي : لَا يَثْبُت لَهُنَّ ذَلِكَ , بَلْ هُنَّ كَسَائِرِ النِّسَاء ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثْبَتَ عِصْمَتَهُنَّ , وَقَالَ : ( أَزْوَاجِي فِي الدُّنْيَا هُنَّ أَزْوَاجِي فِي الْآخِرَة ) . الثَّالِث : مَنْ دَخَلَ بِهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُنَّ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهَا وَحُرِّمَ نِكَاحهَا وَإِنْ طَلَّقَهَا ; حِفْظًا لِحُرْمَتِهِ وَحِرَاسَة لِخَلْوَتِهِ . وَمَنْ لَمْ يَدْخُل بِهَا لَمْ تَثْبُت لَهَا هَذِهِ الْحُرْمَة ; وَقَدْ هَمَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ بِرَجْمِ اِمْرَأَة فَارَقَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَزَوَّجَتْ فَقَالَتْ : لِمَ هَذَا ! وَمَا ضَرَبَ عَلَيَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِجَابًا وَلَا سُمِّيت أَمّ الْمُؤْمِنِينَ ; فَكَفَّ عَنْهَا عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . قَالَ قَوْم : لَا يَجُوز أَنْ يُسَمَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالكُمْ " [ الْأَحْزَاب : 40 ] . وَلَكِنْ يُقَال : مِثْل الْأَب لِلْمُؤْمِنِينَ ; كَمَا قَالَ : ( إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِد أُعَلِّمكُمْ ... ) الْحَدِيث . خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد . وَالصَّحِيح أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يُقَال : إِنَّهُ أَب لِلْمُؤْمِنِينَ , أَيْ فِي الْحُرْمَة , وَقَوْله تَعَالَى : " مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالكُمْ " [ الْأَحْزَاب : 40 ] أَيْ فِي النَّسَب . وَسَيَأْتِي . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس : " مِنْ أَنْفُسهمْ وَهُوَ أَب لَهُمْ وَأَزْوَاجه " . وَسَمِعَ عُمَر هَذِهِ الْقِرَاءَة فَأَنْكَرَهَا وَقَالَ : حُكْمهَا يَا غُلَام ؟ فَقَالَ : إِنَّهَا فِي مُصْحَف أُبَيّ ; فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ أُبَيّ : إِنَّهُ كَانَ يُلْهِينِي الْقُرْآن وَيُلْهِيك الصَّفْق بِالْأَسْوَاقِ ؟ وَأَغْلَظَ لِعُمَرَ . وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْل لُوط عَلَيْهِ السَّلَام " هَؤُلَاءِ بَنَاتِي " [ الْحِجْر : 71 ] : إِنَّمَا أَرَادَ الْمُؤْمِنَات ; أَيْ تَزَوَّجُوهُنَّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ . قَالَ قَوْم : لَا يُقَال بَنَاته أَخَوَات الْمُؤْمِنِينَ , وَلَا أَخْوَالهنَّ أَخْوَال الْمُؤْمِنِينَ وَخَالَاتهمْ . قَالَ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : تَزَوَّجَ الزُّبَيْر أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَهِيَ أُخْت عَائِشَة , وَلَمْ يَقُلْ هِيَ خَالَة الْمُؤْمِنِينَ . وَأَطْلَقَ قَوْم هَذَا وَقَالُوا : مُعَاوِيَة خَال الْمُؤْمِنِينَ ; يَعْنِي فِي الْحُرْمَة لَا فِي النَّسَب . قِيلَ : إِنَّهُ أَرَادَ بِالْمُؤْمِنِينَ الْأَنْصَار , وَبِالْمُهَاجِرِينَ قُرَيْشًا . وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ نَاسِخ لِلتَّوَارُثِ بِالْهِجْرَةِ . حَكَى سَعِيد عَنْ قَتَادَة قَالَ : كَانَ نَزَلَ فِي سُورَة الْأَنْفَال " وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتهمْ مِنْ شَيْء يُهَاجِرُوا " [ الْأَنْفَال : 72 ] فَتَوَارَثَ الْمُسْلِمُونَ بِالْهِجْرَةِ ; فَكَانَ لَا يَرِث الْأَعْرَابِيّ الْمُسْلِم مِنْ قَرِيبه الْمُسْلِم الْمُهَاجِر شَيْئًا حَتَّى يُهَاجِر , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السُّورَة بِقَوْلِهِ : " وَأُولُو الْأَرْحَام بَعْضهمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ " . الثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ نَاسِخ لِلتَّوَارُثِ بِالْحِلْفِ وَالْمُؤَاخَاة فِي الدِّين ; رَوَى هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّبَيْر : " وَأُولُو الْأَرْحَام بَعْضهمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَاب اللَّه " وَذَلِكَ أَنَّا مَعْشَر قُرَيْش لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَة قَدِمْنَا وَلَا أَمْوَال لَنَا , فَوَجَدْنَا الْأَنْصَار نِعْمَ الْإِخْوَان فَآخَيْنَاهُمْ فَأَوْرَثُونَا وَأَوْرَثْنَاهُمْ ; فَآخَى أَبُو بَكْر خَارِجَة بْن زَيْد , وَآخَيْت أَنَا كَعْب بْن مَالِك , فَجِئْت فَوَجَدْت السِّلَاح قَدْ أَثْقَلَهُ ; فَوَاَللَّهِ لَقَدْ مَاتَ عَنْ الدُّنْيَا مَا وَرِثَهُ غَيْرِي , حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة فَرَجَعْنَا إِلَى مُوَارِثِنَا . وَثَبَتَ عَنْ عُرْوَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْن الزُّبَيْر وَبَيْن كَعْب بْن مَالِك , فَارْتُثَّ كَعْب يَوْم أُحُد فَجَاءَ الزُّبَيْر يَقُودهُ بِزِمَامِ رَاحِلَته ; فَلَوْ مَاتَ يَوْمئِذٍ كَعْب عَنْ الضِّحّ وَالرِّيح لَوَرِثَهُ الزُّبَيْر , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَأُولُو الْأَرْحَام بَعْضهمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَاب اللَّه " . فَبَيَّنَ اللَّه تَعَالَى أَنَّ الْقَرَابَة أَوْلَى مِنْ الْحِلْف , فَتُرِكَتْ الْوِرَاثَة بِالْحِلْفِ وَوَرَّثُوا بِالْقَرَابَةِ . وَقَدْ مَضَى فِي " الْأَنْفَال " الْكَلَام فِي تَوْرِيث ذَوِي الْأَرْحَام . وَقَوْله : " فِي كِتَاب اللَّه " يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد الْقُرْآن , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد اللَّوْح الْمَحْفُوظ الَّذِي قَضَى فِيهِ أَحْوَال خَلْقه . و " مِنْ الْمُؤْمِنِينَ " مُتَعَلِّق ب " أَوْلَى " لَا بِقَوْلِهِ : " وَأُولُو الْأَرْحَام " بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يُوجِب تَخْصِيصًا بِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ , وَلَا خِلَاف فِي عُمُومهَا , وَهَذَا حَلّ إِشْكَالهَا ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . النَّحَّاس : " وَأُولُو الْأَرْحَام بَعْضهمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَاب اللَّه مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ " يَجُوز أَنْ يَتَعَلَّق " مِنْ الْمُؤْمِنِينَ " ب " أُولُو " فَيَكُون التَّقْدِير : وَأُولُو الْأَرْحَام مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَوْلَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَاهُ : وَأُولُو الْأَرْحَام بَعْضهمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَاب اللَّه إِلَّا مَا يَجُوز لِأَزْوَاجِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدْعَيْنَ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَمُ . يُرِيد الْإِحْسَان فِي الْحَيَاة , وَالْوَصِيَّة عِنْد الْمَوْت ; أَيْ أَنَّ ذَلِكَ جَائِز ; قَالَهُ قَتَادَة وَالْحَسَن وَعَطَاء . وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة , نَزَلَتْ فِي إِجَازَة الْوَصِيَّة لِلْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيّ ; أَيْ يَفْعَل هَذَا مَعَ الْوَلِيّ وَالْقَرِيب وَإِنْ كَانَ كَافِرًا ; فَالْمُشْرِك وَلِيّ فِي النَّسَب لَا فِي الدِّين فَيُوصَى لَهُ بِوَصِيَّةٍ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ يُجْعَل الْكَافِر وَصِيًّا ; فَجَوَّزَ بَعْض وَمَنَعَ بَعْض . وَرَدَّ النَّظَرَ إِلَى السُّلْطَان فِي ذَلِكَ بَعْضٌ ; مِنْهُمْ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى . وَذَهَبَ مُجَاهِد وَابْن زَيْد وَالرُّمَّانِيّ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى : إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . وَلَفْظ الْآيَة يُعْضُد هَذَا الْمَذْهَب , وَتَعْمِيم الْوَلِيّ أَيْضًا حَسَن . وَوَلَايَة النَّسَب لَا تَدْفَع الْكَافِر , وَإِنَّمَا تَدْفَع أَنْ يُلْقَى إِلَيْهِ بِالْمَوَدَّةِ كَوَلِيِّ الْإِسْلَام . " الْكِتَاب " يَحْتَمِل الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي " كِتَاب اللَّه " . و " مَسْطُورًا " مِنْ قَوْلك سَطَرْت الْكِتَاب إِذَا أَثْبَتَّهُ أَسْطَارًا . وَقَالَ قَتَادَة : أَيْ مَكْتُوبًا عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَلَّا يَرِث كَافِر مُسْلِمًا . قَالَ قَتَادَة : وَفِي بَعْض الْقِرَاءَة " كَانَ ذَلِكَ عِنْد اللَّه مَكْتُوبًا " . وَقَالَ الْقُرَظِيّ : كَانَ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاة .
| ٱلنَّبِیُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ | أي: أَحَقُّ، فَلَهُ أن يَحْكُمَ فِيهِم بِما يشاءُ. |
|---|---|
| وَأُو۟لُوا۟ ٱلۡأَرۡحَامِ | ذَوُو القَرَاباتِ. |
| أَوۡلَىٰ بِبَعۡضࣲ | أي: أَحَقُّ. |
| مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُهَـٰجِرِینَ | أي: مِنْ أنْ يُورَثُوا بالإيمانِ والهجرةِ. (كان ذلك في أوَّلِ الإسلامِ، ثم نُسِخ بآيةِ المواريثِ). |
| إِلَّاۤ أَن تَفۡعَلُوۤا۟ إِلَىٰۤ أَوۡلِیَاۤىِٕكُم مَّعۡرُوفࣰاۚ | أي: مِن صَدَقَةٍ أو وَصَيَّةٍ للأقارِبِ غَيرِ الورثةِ. |
| فِی ٱلۡكِتَـٰبِ | أي: في اللَّوحِ المحفوظِ. |
| مَسۡطُورࣰا | مَكْتُوباً. |
| مَّعۡرُوفࣰا | مُعْتَدِلاً بعِيداً عَنِ الرِّيبةِ والشَّكِّ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian