سورة الصافات الآية ١٠٧
سورة الصافات الآية ١٠٧
وَفَدَیۡنَـٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِیمࣲ ﴿١٠٧﴾
تفسير السعدي
واستنقذنا إسماعيل, فجعلنا بديلا عنه كبشا عظيما.
التفسير الميسر
واستنقذنا إسماعيل، فجعلنا بديلا عنه كبشًا عظيمًا.
تفسير الجلالين
"وَفَدَيْنَاهُ" أَيْ الْمَأْمُور بِذَبْحِهِ وَهُوَ إسْمَاعِيل أَوْ إسْحَاق قَوْلَانِ "بِذِبْحٍ" بِكَبْشٍ "عَظِيم" مِنْ الْجَنَّة وَهُوَ الَّذِي قَرَّبَهُ هَابِيل جَاءَ بِهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَذَبَحَهُ السَّيِّد إبْرَاهِيم مُكَبِّرًا
تفسير ابن كثير
وَقَوْله تَعَالَى " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم " قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ جَابِر الْجُعْفِيّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْل عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم" قَالَ بِكَبْشٍ أَبْيَض أَعَيْن أَقْرَنَ قَدْ رُبِطَ بِسَمُرَةٍ قَالَ أَبُو الطُّفَيْل وَجَدُوهُ مَرْبُوطًا بِسَمُرَةٍ فِي ثَبِير وَقَالَ الثَّوْرِيّ أَيْضًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ كَبْش قَدْ رَعَى فِي الْجَنَّة أَرْبَعِينَ خَرِيفًا. وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا يُوسُف بْن يَعْقُوب الصَّفَّار حَدَّثَنَا دَاوُد الْعَطَّار عَنْ اِبْن خُثَيْم عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ الصَّخْرَة الَّتِي بِمِنًى بِأَصْلِ ثَبِير هِيَ الصَّخْرَة الَّتِي ذَبَحَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيم فِدَاء إِسْحَاق اِبْنه هَبَطَ عَلَيْهِ مِنْ ثَبِير كَبْش أَعَيْن أَقْرَن لَهُ ثُغَاء فَذَبَحَهُ وَهُوَ الْكَبْش الَّذِي قَرَّبَهُ اِبْن آدَم فَتُقُبِّلَ مِنْهُ فَكَانَ مَخْزُونًا حَتَّى فُدِيَ بِهِ إِسْحَاق وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ قَالَ كَانَ الْكَبْش يَرْتَع فِي الْجَنَّة حَتَّى شُقِّقَ عَنْهُ ثَبِير وَكَانَ عَلَيْهِ عِهْن أَحْمَر وَعَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ قَالَ كَانَ اِسْم كَبْش إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام جَرِير وَقَالَ اِبْن جُرَيْج قَالَ عُبَيْد بْن عُمَيْر ذَبَحَهُ بِالْمَقَامِ وَقَالَ مُجَاهِد ذَبَحَهُ بِمِنًى عِنْد الْمَنْحَر . وَقَالَ هُشَيْم عَنْ سَيَّار عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا كَانَ أَفْتَى الَّذِي جَعَلَ عَلَيْهِ نَذْرًا أَنْ يَنْحَر نَفْسه فَأَمَرَهُ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِل ثُمَّ قَالَ بَعْد ذَلِكَ لَوْ كُنْت أُفْتِيه بِكَبْشٍ لَأَجْزَأَهُ أَنْ يَذْبَح كَبْشًا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابه " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم " وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ يَفْدِي بِكَبْشٍ وَقَالَ الثَّوْرِيّ عَنْ رَجُل عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم " قَالَ وَعْل وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ عَمْرو بْن عُبَيْد عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ يَقُول مَا فُدِيَ إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِلَّا بِتَيْسٍ مِنْ الْأَرْوَى أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِنْ ثَبِير . وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا سُفْيَان حَدَّثَنِي مَنْصُور عَنْ خَاله مُسَافِع عَنْ صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة قَالَتْ أَخْبَرَتْنِي اِمْرَأَة مِنْ بَنِي سُلَيْم وَلَّدَتْ عَامَّة أَهْل دَارنَا أَرْسَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عُثْمَان بْن طَلْحَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَالَتْ مَرَّة إِنَّهَا سَأَلَتْ عُثْمَان لِمَ دَعَاك النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنِّي كُنْت رَأَيْت قَرْنَيْ الْكَبْش حِين دَخَلْت الْبَيْت فَنَسِيت أَنْ آمُرك أَنْ تُخَمِّرهُمَا فَخَمِّرْهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون فِي الْبَيْت شَيْء يَشْغَل الْمُصَلِّي " قَالَ سُفْيَان لَمْ يَزَلْ قَرْنَا الْكَبْش مُعَلَّقَيْنِ فِي الْبَيْت حَتَّى اِحْتَرَقَ الْبَيْت فَاحْتَرَقَا وَهَذَا دَلِيل مُسْتَقِلّ عَلَى أَنَّهُ إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَإِنَّ قُرَيْشًا تَوَارَثُوا قَرْنَيْ الْكَبْش الَّذِي فُدِيَ بِهِ إِبْرَاهِيم خَلَفًا عَنْ سَلَف وَجِيلًا بَعْد جِيل إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّه رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . " فَصْل فِي ذِكْر الْآثَار الْوَارِدَة عَنْ السَّلَف فِي أَنَّ الذَّبِيح مَنْ هُوَ " ذِكْر مَنْ قَالَ هُوَ إِسْحَاق عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " قَالَ حَمْزَة الزَّيَّات عَنْ أَبِي مَيْسَرَة رَحِمَهُ اللَّه قَالَ : قَالَ يُوسُف عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِلْمَلِكِ فِي وَجْهه تَرْغَب أَنْ تَأْكُل مَعِي وَأَنَا وَاَللَّه يُوسُف بْن يَعْقُوب نَبِيّ اللَّه اِبْن إِسْحَاق ذَبِيح اللَّه بْن إِبْرَاهِيم خَلِيل اللَّه وَقَالَ الثَّوْرِيّ عَنْ أَبِي سِنَان عَنْ اِبْن أَبِي الْهُذَيْل أَنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِلْمَلِكِ كَذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يَا رَبّ يَقُولُونَ بِإِلَهِ إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب فَبِمَ قَالُوا ذَلِكَ ؟ قَالَ : إِنَّ إِبْرَاهِيم لَمْ يُعْدَل بِي شَيْء قَطُّ إِلَّا اِخْتَارَنِي عَلَيْهِ وَإِنَّ إِسْحَاق جَادَ لِي بِالذَّبْحِ وَهُوَ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَجْوَد وَإِنَّ يَعْقُوب كُلَّمَا زِدْته بَلَاء زَادَنِي حُسْن ظَنّ وَقَالَ شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْأَحْوَص قَالَ اِفْتَخَرَ رَجُل عِنْد اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ أَنَا فُلَان بْن فُلَان اِبْن الْأَشْيَاخ الْكِرَام فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ذَاكَ يُوسُف بْن يَعْقُوب بْن إِسْحَاق ذَبِيح اللَّه بْن إِبْرَاهِيم خَلِيل اللَّه . وَهَذَا صَحِيح عَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَكَذَا رَوَى عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ إِسْحَاق وَعَنْ أَبِيهِ الْعَبَّاس وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب مِثْل ذَلِكَ وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَمُجَاهِد وَالشَّعْبِيّ وَعُبَيْد بْن عُمَيْر وَأَبُو مَيْسَرَة وَزَيْد بْن أَسْلَم وَعَبْد اللَّه بْن شَقِيق وَالزُّهْرِيّ وَالْقَاسِم بْن أَبِي بَرْزَة وَمَكْحُول وَعُثْمَان بْن أَبِي حَاضِر وَالسُّدِّيّ وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَأَبُو الْهُذَيْل وَابْن سَابِط وَهَذَا اِخْتِيَار اِبْن جَرِير وَتَقَدَّمَ رِوَايَته عَنْ كَعْب الْأَحْبَار أَنَّهُ إِسْحَاق وَهَكَذَا رَوَى اِبْن إِسْحَاق عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ الْعَلَاء بْن جَارِيَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ كَعْب الْأَحْبَار أَنَّهُ قَالَ هُوَ إِسْحَاق وَهَذِهِ الْأَقْوَال وَاَللَّه أَعْلَم كُلّهَا مَأْخُوذَة عَنْ كَعْب الْأَحْبَار فَإِنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ فِي الدَّوْلَة الْعُمَرِيَّة جَعَلَ يُحَدِّث عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ كُتُبِهِ قَدِيمًا فَرُبَّمَا اِسْتَمَعَ لَهُ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَتَرَخَّصَ النَّاس فِي اِسْتِمَاع مَا عِنْده وَنَقَلُوا مَا عِنْده عَنْهُ غَثّهَا وَسَمِينهَا وَلَيْسَ لِهَذِهِ الْأُمَّة وَاَللَّه أَعْلَم حَاجَة إِلَى حَرْف وَاحِد مِمَّا عِنْده وَقَدْ حَكَى الْبَغَوِيّ الْقَوْل بِأَنَّهُ إِسْحَاق عَنْ عُمَر وَعَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَالْعَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَمِنْ التَّابِعِينَ عَنْ كَعْب الْأَحْبَار وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَقَتَادَة وَمَسْرُوق وَعِكْرِمَة وَعَطَاء وَمُقَاتِل وَالزُّهْرِيّ وَالسُّدِّيّ قَالَ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيث لَوْ ثَبَتَ لَقُلْنَا بِهِ عَلَى الرَّأْس وَالْعَيْن وَلَكِنْ لَمْ يَصِحّ سَنَدُهُ . قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا زَيْد بْن حُبَاب عَنْ الْحَسَن بْن دِينَار عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان عَنْ الْحَسَن عَنْ الْأَحْنَف بْن قَيْس عَنْ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث ذَكَرَهُ قَالَ " هُوَ إِسْحَاق " فَفِي إِسْنَاده ضَعِيفَانِ وَهُمَا الْحَسَن بْن دِينَار الْبَصْرِيّ مَتْرُوك وَعَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان مُنْكَر الْحَدِيث وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان بِهِ مَرْفُوعًا ثُمَّ قَالَ قَدْ رَوَاهُ مُبَارَك بْن فَضَالَة عَنْ الْحَسَن عَنْ الْأَحْنَف عَنْ الْعَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَهَذَا أَشْبَه وَأَصَحّ وَاَللَّه أَعْلَم . " ذِكْر الْآثَار الْوَارِدَة بِأَنَّهُ إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهُوَ الصَّحِيح الْمَقْطُوع بِهِ " قَدْ تَقَدَّمَتْ الرِّوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ إِسْحَاق عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعَامِر الشَّعْبِيّ وَيُوسُف بْن مِهْرَان وَمُجَاهِد وَعَطَاء وَغَيْر وَاحِد عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا هُوَ إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي يُونُس أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن قَيْس عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ الْمُفَدَّى إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَزَعَمَتْ الْيَهُود أَنَّهُ إِسْحَاق وَكَذَبَتْ الْيَهُود وَقَالَ إِسْرَائِيل عَنْ ثَوْر عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ الذَّبِيح إِسْمَاعِيل وَقَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد هُوَ إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَكَذَا قَالَ يُوسُف بْن مِهْرَان وَقَالَ الشَّعْبِيّ هُوَ إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَدْ رَأَيْت قَرْنَيْ الْكَبْش فِي الْكَعْبَة وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ الْحَسَن بْن دِينَار وَعَمْرو بْن عُبَيْد عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَشُكّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ مِنْ اِبْنَيْ إِبْرَاهِيم إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ اِبْن إِسْحَاق وَسَمِعْت مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ وَهُوَ يَقُول إِنَّ الَّذِي أَمَرَ اللَّه تَعَالَى إِبْرَاهِيم بِذَبْحِهِ مِنْ اِبْنَيْهِ إِسْمَاعِيل وَإِنَّا لَنَجِد ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى حِين فَرَغَ مِنْ قِصَّة الْمَذْبُوح مِنْ اِبْنَيْ إِبْرَاهِيم قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ " وَيَقُول اللَّه تَعَالَى " فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب " يَقُول بِابْنٍ وَابْن اِبْن فَلَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرهُ بِذَبْحِ إِسْحَاق وَلَهُ فِيهِ مِنْ الْمَوْعِد بِمَا وَعَدَهُ وَمَا الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ إِلَّا إِسْمَاعِيل قَالَ اِبْن إِسْحَاق سَمِعْته يَقُول ذَلِكَ كَثِيرًا وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق عَنْ بُرَيْدَة بْن سُفْيَان الْأَسْلَمِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْن عَبْد الْعَزِيز رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَهُوَ خَلِيفَة إِذْ كَانَ مَعَهُ بِالشَّامِ فَقَالَ لَهُ عُمَر إِنَّ هَذَا لَشَيْء مَا كُنْت أَنْظُر فِيهِ وَإِنِّي لَأَرَاهُ كَمَا قُلْت ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى رَجُل كَانَ عِنْده بِالشَّامِ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامه وَكَانَ يَرَى أَنَّهُ مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَسَأَلَهُ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب وَأَنَا عِنْد عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فَقَالَ لَهُ عُمَر أَيّ اِبْنَيْ إِبْرَاهِيم أُمِرَ بِذَبْحِهِ ؟ فَقَالَ إِسْمَاعِيل وَاَللَّه يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّ يَهُود لَتَعْلَم بِذَلِكَ وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَكُمْ مَعْشَر الْعَرَب عَلَى أَنْ يَكُون أَبَاكُمْ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْر اللَّه فِيهِ وَالْفَضْل الَّذِي ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى مِنْهُ لِصَبْرِهِ لِمَا أُمِرَ بِهِ فَهُمْ يَجْحَدُونَ ذَلِكَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ إِسْحَاق لِأَنَّ إِسْحَاق أَبُوهُمْ وَاَللَّه أَعْلَم أَيّهمَا كَانَ وَكُلّ قَدْ كَانَ طَاهِرًا طَيِّبًا مُطِيعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل رَحِمَهُ اللَّه سَأَلْت أَبِي عَنْ الذَّبِيح هَلْ هُوَ إِسْمَاعِيل أَوْ إِسْحَاق فَقَالَ إِسْمَاعِيل ذَكَرَهُ فِي كِتَاب الزُّهْد وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَسَمِعْت أَبِي يَقُول الصَّحِيح أَنَّ الذَّبِيح إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَابْن عُمَر وَأَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي الطُّفَيْل وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن وَمُجَاهِد وَالشَّعْبِيّ وَمُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ وَأَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَلِيّ وَأَبِي صَالِح رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا الذَّبِيح إِسْمَاعِيل . وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيره وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالسُّدِّيّ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَمُجَاهِد وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَمُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ وَالْكَلْبِيّ وَهُوَ رِوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء وَقَدْ رَوَى اِبْن جَرِير فِي ذَلِكَ حَدِيثًا غَرِيبًا فَقَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمَّار الرَّازِيّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عُبَيْد بْن أَبِي كَرِيمَة حَدَّثَنَا عُمَر بْن عَبْد الرَّحِيم الْخَطَّابِيّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْعُتْبِيّ مِنْ وَلَد عُتْبَة بْن أَبِي سُفْيَان عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن سَعِيد عَنْ الصُّنَابِحِيّ قَالَ كُنَّا عِنْد مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان فَذَكَرُوا الذَّبِيح إِسْمَاعِيل أَوْ إِسْحَاق فَقَالَ عَلَى الْخَبِير سَقَطْتُمْ : كُنَّا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ رَجُل فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه عُدَّ عَلَيَّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْك يَا اِبْن الذَّبِيحَيْنِ فَضَحِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَقِيلَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا الذَّبِيحَانِ ؟ فَقَالَ إِنَّ عَبْد الْمُطَّلِب لَمَّا أُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَم نَذَرَ لِلَّهِ إِنْ سَهَّلَ اللَّه لَهُ أَمْرَهَا عَلَيْهِ لَيَذْبَحَنَّ أَحَد وَلَده قَالَ فَخَرَجَ السَّهْم عَلَى عَبْد اللَّه فَمَنَعَهُ أَخْوَاله وَقَالُوا اِفْدِ اِبْنك بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِل فَفَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِل وَالثَّانِي إِسْمَاعِيل. وَهَذَا حَدِيث غَرِيب جِدًّا وَقَدْ رَوَاهُ الْأُمَوِيّ فِي مَغَازِيه حَدَّثَنَا بَعْض أَصْحَابنَا أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن عُبَيْد بْن أَبِي كَرِيمَة حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَبْد الرَّحْمَن الْقُرَشِيّ حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْعُتْبِيّ مِنْ وَلَد عُتْبَة بْن أَبِي سُفْيَان حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن سَعِيد حَدَّثَنَا الصُّنَابِحِيّ قَالَ حَضَرْنَا مَجْلِس مُعَاوِيَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَتَذَاكَرَ الْقَوْم إِسْمَاعِيل أَوْ إِسْحَاق وَذَكَرَهُ كَذَا كَتَبْته مِنْ نُسْخَة مَغْلُوطَة. وَإِنَّمَا عَوَّلَ اِبْن جَرِير فِي اِخْتِيَاره أَنَّ الذَّبِيح إِسْحَاق عَلَى قَوْله تَعَالَى " فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيم " فَجَعَلَ هَذِهِ الْبِشَارَة هِيَ الْبِشَارَة بِإِسْحَاقَ فِي قَوْله تَعَالَى " وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامِ عَلِيم " وَأَجَابَ عَنْ الْبِشَارَة بِيَعْقُوبَ بِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بَلَغَ مَعَهُ السَّعْي أَيْ الْعَمَل وَمِنْ الْمُمْكِن أَنَّهُ قَدْ كَانَ وُلِدَ لَهُ أَوْلَاد مَعَ يَعْقُوب أَيْضًا قَالَ وَأَمَّا الْقَرْنَانِ اللَّذَانِ كَانَا مُعَلَّقَيْنِ بِالْكَعْبَةِ فَمِنْ الْجَائِز أَنَّهُمَا نُقِلَا مِنْ بِلَاد كَنْعَان قَالَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ النَّاس مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ ذُبِحَ إِسْحَاق هُنَاكَ هَذَا مَا اِعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيره وَلَيْسَ إِلَيْهِ بِمَذْهَبٍ وَلَا لَازِم بَلْ هُوَ بَعِيد جِدًّا وَاَلَّذِي اِسْتَدَلَّ بِهِ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ عَلَى أَنَّهُ إِسْمَاعِيل أَثْبَت وَأَصَحّ وَأَقْوَى وَاَللَّه أَعْلَم .
تفسير القرطبي
الذِّبْح اِسْم الْمَذْبُوح وَجَمْعه ذُبُوحٌ ; كَالطِّحْنِ اِسْم الْمَطْحُون . وَالذَّبْح بِالْفَتْحِ الْمَصْدَر . " عَظِيم " أَيْ عَظِيم الْقَدْر وَلَمْ يُرِدْ عَظِيم الْجُثَّة . وَإِنَّمَا عَظُمَ قَدْره لِأَنَّهُ فُدِيَ بِهِ الذَّبِيح ; أَوْ لِأَنَّهُ مُتَقَبَّل . قَالَ النَّحَّاس : عَظِيم فِي اللُّغَة يَكُون لِلْكَبِيرِ وَلِلشَّرِيفِ . وَأَهْل التَّفْسِير عَلَى أَنَّهُ هَاهُنَا لِلشَّرِيفِ , أَوْ الْمُتَقَبَّل . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ الْكَبْش الَّذِي تَقَرَّبَ بِهِ هَابِيل , وَكَانَ فِي الْجَنَّة يَرْعَى حَتَّى فَدَى اللَّه بِهِ إِسْمَاعِيل . وَعَنْهُ أَيْضًا : أَنَّهُ كَبْش أَرْسَلَهُ اللَّه مِنْ الْجَنَّة كَانَ قَدْ رَعَى فِي الْجَنَّة أَرْبَعِينَ خَرِيفًا . وَقَالَ الْحَسَن : مَا فُدِيَ إِسْمَاعِيل إِلَّا بِتَيْسٍ مِنْ الْأَرْوَى هَبَطَ عَلَيْهِ مِنْ ثَبِير , فَذَبَحَهُ إِبْرَاهِيم فِدَاء عَنْ اِبْنه , وَهَذَا قَوْل عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . فَلَمَّا رَآهُ إِبْرَاهِيم أَخَذَهُ فَذَبَحَهُ وَأَعْتَقَ اِبْنه . وَقَالَ : يَا بُنَيَّ الْيَوْم وُهِبْت لِي . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : قَدْ قِيلَ إِنَّهُ فُدِيَ بِوَعْلٍ , وَالْوَعْل : التَّيْس الْجَبَلِيّ . وَأَهْل التَّفْسِير عَلَى أَنَّهُ فُدِيَ بِكَبْشٍ . فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأُضْحِيَّة بِالْغَنَمِ أَفْضَل مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر . وَهَذَا مَذْهَب مَالِك وَأَصْحَابه . قَالُوا : أَفْضَل الضَّحَايَا الْفُحُول مِنْ الضَّأْن , وَإِنَاث الضَّأْن أَفْضَل مِنْ فَحْل الْمَعْز , وَفُحُول الْمَعْز خَيْر مِنْ إِنَاثهَا , وَإِنَاث الْمَعْز خَيْر مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر . وَحُجَّتهمْ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم " أَيْ ضَخْم الْجُثَّة سَمِين , وَذَلِكَ كَبْش لَا جَمَل وَلَا بَقَرَة . وَرَوَى مُجَاهِد وَغَيْره عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُل : إِنِّي نَذَرْت أَنْ أَنْحَر اِبْنِي ؟ فَقَالَ : يَجْزِيك كَبْش سَمِين , ثُمَّ قَرَأَ : " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم " . وَقَالَ بَعْضهمْ : لَوْ عَلِمَ اللَّه حَيَوَانًا أَفْضَل مِنْ الْكَبْش لَفَدَى بِهِ إِسْحَاق . وَضَحَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ . وَأَكْثَر مَا ضَحَّى بِهِ الْكِبَاش . وَذَكَرَ اِبْن أَبِي شَيْبَة عَنْ اِبْن عُلَيَّة عَنْ اللَّيْث عَنْ مُجَاهِد قَالَ : الذِّبْح الْعَظِيم الشَّاة . وَاخْتَلَفُوا أَيّهمَا أَفْضَل : الْأُضْحِيَّة أَوْ الصَّدَقَة بِثَمَنِهَا . فَقَالَ مَالِك وَأَصْحَابه : الضَّحِيَّة أَفْضَل إِلَّا بِمِنًى ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِع الْأُضْحِيَّة ; حَكَاهُ أَبُو عُمَر . وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : رُوِّينَا عَنْ بِلَال أَنَّهُ قَالَ : مَا أُبَالِي أَلَّا أُضَحِّيَ إِلَّا بِدِيكٍ وَلَأَنْ أَضَعَهُ فِي يَتِيم قَدْ تَرِبَ فِيهِ - هَكَذَا قَالَ الْمُحَدِّث - أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُضَحِّيَ بِهِ . وَهَذَا قَوْل الشَّعْبِيّ إِنَّ الصَّدَقَة أَفْضَل . وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَبُو ثَوْر . وَفِيهِ قَوْل ثَانٍ : إِنَّ الضَّحِيَّة أَفْضَل ; هَذَا قَوْل رَبِيعَة وَأَبِي الزِّنَاد . وَبِهِ قَالَ أَصْحَاب الرَّأْي . زَادَ أَبُو عُمَر وَأَحْمَد بْن حَنْبَل قَالُوا : الضَّحِيَّة أَفْضَل مِنْ الصَّدَقَة ; لِأَنَّ الضَّحِيَّة سُنَّة مُؤَكَّدَة كَصَلَاةِ الْعِيد . وَمَعْلُوم أَنَّ صَلَاة الْعِيد أَفْضَل مِنْ سَائِر النَّوَافِل . وَكَذَلِكَ صَلَوَات السُّنَن أَفْضَل مِنْ التَّطَوُّع كُلّه . قَالَ أَبُو عُمَر : وَقَدْ رُوِيَ فِي فَضْل الضَّحَايَا آثَار حِسَان ; فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ سَعِيد بْن دَاوُدَ بْن أَبِي زَنْبَر عَنْ مَالِك عَنْ ثَوْر بْن زَيْد عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ نَفَقَة بَعْد صِلَة الرَّحِم أَفْضَل عِنْد اللَّه مِنْ إِهْرَاق الدَّم ) قَالَ أَبُو عُمَر : وَهُوَ حَدِيث غَرِيب مِنْ حَدِيث مَالِك . وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ : يَا أَيّهَا النَّاس ضَحُّوا وَطِيبُوا أَنْفُسًا ; فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَا مِنْ عَبْد تَوَجَّهَ بِأُضْحِيَّتِهِ إِلَى الْقِبْلَة إِلَّا كَانَ دَمُهَا وَقَرْنُهَا وَصُوفُهَا حَسَنَاتٍ مُحْضَرَاتٍ فِي مِيزَانه يَوْم الْقِيَامَة فَإِنَّ الدَّم إِنْ وَقَعَ فِي التُّرَاب فَإِنَّمَا يَقَع فِي حِرْز اللَّه حَتَّى يُوَفِّيَهُ صَاحِبَهُ يَوْم الْقِيَامَة ) ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر فِي كِتَات التَّمْهِيد . وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا عَنْهَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَل يَوْم النَّحْر أَحَبَّ إِلَى اللَّه مِنْ إِهْرَاق الدَّم إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارهَا وَأَظْلَافهَا , وَإِنَّ الدَّم لَيَقَع مِنْ اللَّه بِمَكَانٍ قَبْل أَنْ يَقَع إِلَى الْأَرْض فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا ) قَالَ : وَفِي الْبَاب عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن وَزَيْد بْن أَرْقَم . وَهَذَا حَدِيث حَسَن . الضَّحِيَّة لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَلَكِنَّهَا سُنَّة وَمَعْرُوف . وَقَالَ عِكْرِمَة : كَانَ اِبْن عَبَّاس يَبْعَثنِي يَوْم الْأَضْحَى بِدِرْهَمَيْنِ أَشْتَرِي لَهُ لَحْمًا , وَيَقُول : مَنْ لَقِيت فَقُلْ هَذِهِ أُضْحِيَّة اِبْن عَبَّاس . قَالَ أَبُو عُمَر : وَمُجْمَل هَذَا وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْر وَعُمَر أَنَّهُمَا لَا يُضَحِّيَانِ عِنْد أَهْل الْعِلْم ; لِئَلَّا يُعْتَقَد فِي الْمُوَاظَبَة عَلَيْهَا أَنَّهَا وَاجِبَة فَرْض , وَكَانُوا أَئِمَّة يَقْتَدِي بِهِمْ مَنْ بَعْدهمْ مِمَّنْ يَنْظُر فِي دِينه إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ الْوَاسِطَة بَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْن أُمَّته , فَسَاغَ لَهُمْ مِنْ الِاجْتِهَاد فِي ذَلِكَ مَا لَا يَسُوغ الْيَوْم لِغَيْرِهِمْ . وَقَدْ حَكَى الطَّحَاوِيّ فِي مُخْتَصَره : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : الْأُضْحِيَّة وَاجِبَة عَلَى الْمُقِيمِينَ الْوَاجِدِينَ مِنْ أَهْل الْأَمْصَار , وَلَا تَجِب عَلَى الْمُسَافِر . قَالَ : وَيَجِب عَلَى الرَّجُل مِنْ الْأُضْحِيَّة عَلَى وَلَده الصَّغِير مِثْل الَّذِي يَجِب عَلَيْهِ مِنْ نَفْسه . وَخَالَفَهُ أَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد فَقَالَا : لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَلَكِنَّهَا سُنَّة غَيْر مُرَخَّص لِمَنْ وَجَدَ السَّبِيل إِلَيْهَا فِي تَرْكهَا . قَالَ : وَبِهِ نَأْخُذ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَهَذَا قَوْل مَالِك ; قَالَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ تَرْكُهَا مُسَافِرًا كَانَ أَوْ مُقِيمًا , فَإِنْ تَرَكَهَا فَبِئْسَ مَا صَنَعَ إِلَّا أَنْ يَكُون لَهُ عُذْر إِلَّا الْحَاجّ بِمِنًى . وَقَالَ الْإِمَام الشَّافِعِيّ : هِيَ سُنَّة عَلَى جَمِيع النَّاس وَعَلَى الْحَاجّ بِمِنًى وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ . وَقَدْ اِحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهَا بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا بُرْدَة بْن نِيَار أَنْ يُعِيد ضَحِيَّة أُخْرَى ; لِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ فَرْضًا لَا يُؤْمَر فِيهِ بِالْإِعَادَةِ . اِحْتَجَّ آخَرُونَ بِحَدِيثِ أُمّ سَلَمَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ ) قَالُوا : فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا لَمْ يَجْعَل ذَلِكَ إِلَى إِرَادَة الْمُضَحِّي . وَهُوَ قَوْل أَبِي بَكْر وَعُمَر وَأَبِي مَسْعُود الْبَدْرِيّ وَبِلَال . وَاَلَّذِي يُضَحَّى بِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ الْأَزْوَاج الثَّمَانِيَة : وَهِيَ الضَّأْن وَالْمَعْز وَالْإِبِل وَالْبَقَر . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْحَسَن بْن صَالِح أَنَّهُ قَالَ : يُضَحَّى بِبَقَرَةِ الْوَحْش عَنْ سَبْعَة , وَبِالظَّبْيِ عَنْ رَجُل . وَقَالَ الْإِمَام الشَّافِعِيّ : لَوْ نَزَا ثَوْر وَحْشِيّ عَلَى بَقَرَة إِنْسِيَّة , أَوْ ثَوْر إِنْسِيّ عَلَى بَقَرَة وَحْشِيَّة لَا يَجُوز شَيْء مِنْ هَذَا أُضْحِيَّةً . وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي : جَائِز ; لِأَنَّ وَلَدهَا بِمَنْزِلَةِ أُمّه . وَقَالَ أَبُو ثَوْر : يَجُوز إِذَا كَانَ مَنْسُوبًا إِلَى الْأَنْعَام . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة [ الْحَجّ ] الْكَلَام فِي وَقْت الذَّبْح وَالْأَكْل مِنْ الْأُضْحِيَّة مُسْتَوْفًى . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَنَس قَالَ : ( ضَحَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا ) فِي رِوَايَة قَالَ : ( وَيَقُول بِسْمِ اللَّه وَاَللَّه أَكْبَر ) وَقَدْ مَضَى فِي آخِر [ الْأَنْعَام ] حَدِيث عِمْرَان بْن حُصَيْن , وَمَضَى فِي [ الْمَائِدَة ] الْقَوْل فِي التَّذْكِيَة وَبَيَانهَا وَمَا يُذَكَّى بِهِ , وَأَنَّ ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أُمّه مُسْتَوْفًى . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَن يَطَأ فِي سَوَاد وَيَبْرُك فِي سَوَاد وَيَنْظُر فِي سَوَاد فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ ) فَقَالَ لَهَا : ( يَا عَائِشَة هَلُمِّي الْمُدْيَةَ ) ثُمَّ قَالَ : ( اِشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ فَفَعَلَتْ , ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْش فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ , ثُمَّ قَالَ : ( بِسْمِ اللَّه اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد وَمِنْ أُمَّة مُحَمَّد ) ثُمَّ ضَحَّى بِهِ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا فَكَانَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ يَقُول فِي الْأُضْحِيَّة : بِسْمِ اللَّه وَاَللَّه أَكْبَر هَذَا مِنْك وَلَك تَقَبَّلْ مِنْ فُلَان . وَقَالَ مَالِك : إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَحَسَن , وَإِنْ لَمْ يَفْعَل وَسَمَّى اللَّه أَجُزْأَهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : وَالتَّسْمِيَة عَلَى الذَّبِيحَة بِسْمِ اللَّه , فَإِنَّ زَادَ بَعْد ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ ذِكْر اللَّه , أَوْ صَلَّى عَلَى مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ أَكْرَههُ , أَوْ قَالَ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي , أَوْ قَالَ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَان فَلَا بَأْس . وَقَالَ النُّعْمَان : يُكْرَه أَنْ يَذْكُر مَعَ اِسْم اللَّه غَيْره ; يُكْرَه أَنْ يَقُول : اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَان عِنْد الذَّبْح . وَقَالَ : لَا بَأْس إِذَا كَانَ قَبْل التَّسْمِيَة وَقَبْل أَنْ يُضْجِع لِلذَّبْحِ . وَحَدِيث عَائِشَة يَرُدّ هَذَا الْقَوْل . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَمَّا أَرَادَ ذَبْح اِبْنه : اللَّه أَكْبَر وَالْحَمْد لِلَّهِ . فَبَقِيَ سُنَّة . رَوَى الْبَرَاء بْن عَازِب أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ : مَاذَا يُتَّقَى مِنْ الضَّحَايَا ؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ وَقَالَ : ( أَرْبَعًا - وَكَانَ الْبَرَاء يُشِير بِيَدِهِ وَيَقُول يَدِي أَقْصَر مِنْ يَد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَرْجَاء الْبَيِّن ظَلَعُهَا وَالْعَوْرَاء الْبَيِّن عَوَرهَا وَالْمَرِيضَة الْبَيِّن مَرَضهَا وَالْعَجْفَاء الَّتِي لَا تُنْقَى ) لَفْظ مَالِك وَلَا خِلَاف فِيهِ . وَاخْتُلِفَ فِي الْيَسِير مِنْ ذَلِكَ . وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَشْرِف الْعَيْن وَالْأُذُن وَأَلَّا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا شَرْقَاء وَلَا خَرْقَاء . قَالَ : وَالْمُقَابَلَة مَا قُطِعَ طَرَف أُذُنهَا , وَالْمُدَابَرَة مَا قُطِعَ مِنْ جَانِب الْأُذُن , وَالشَّرْقَاء الْمَشْقُوقَة , وَالْخَرْقَاء الْمَثْقُوبَة ; قَالَ هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ نَافِع : أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر كَانَ يَتَّقِي مِنْ الضَّحَايَا وَالْبُدْن الَّتِي لَمْ تُسْنَنْ وَاَلَّتِي نَقَصَ مِنْ خَلْقهَا . قَالَ مَالِك : وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إِلَيَّ . قَالَ الْقُتَبِيّ : لَمْ تُسْنَنْ أَيْ لَمْ تَنْبُت أَسْنَانهَا كَأَنَّهَا لَمْ تُعْطَ أَسْنَانًا . وَهَذَا كَمَا يُقَال : فُلَان لَمْ يُلْبَنْ أَيْ لَمْ يُعْطَ لَبَنًا , وَلَمْ يُسْمَنْ أَيْ لَمْ يُعْطَ سَمْنًا , وَلَمْ يُعْسَل أَيْ لَمْ يُعْطَ عَسَلًا . وَهَذَا مِثْل النَّهْي فِي الْأَضَاحِيّ عَنْ الْهَتْمَاء . قَالَ أَبُو عُمَر : وَلَا بَأْس أَنْ يُضَحَّى عِنْد مَالِك بِالشَّاةِ الْهَتْمَاء إِذَا كَانَ سُقُوط أَسْنَانهَا مِنْ الْكِبَر وَالْهَرَم وَكَانَتْ سَمِينَة ; فَإِنْ كَانَتْ سَاقِطَة الْأَسْنَان وَهِيَ فَتِيَّة لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَحَّى بِهَا ; لِأَنَّهُ عَيْب غَيْر خَفِيف . وَالنُّقْصَان كُلّه مَكْرُوه , وَشَرْحه وَتَفْصِيله فِي كُتُب الْفِقْه . وَفِي الْخَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِسْتَشْرِقُوا ضَحَايَاكُمْ فَإِنَّهَا عَلَى الصِّرَاط مَطَايَاكُمْ ) ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ . وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ نَحْر اِبْنه أَوْ ذَبْحه أَنَّهُ يَفْدِيهِ بِكَبْشٍ كَمَا فَدَى بِهِ إِبْرَاهِيم اِبْنه ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْهُ رِوَايَة أُخْرَى : يَنْحَر مِائَة مِنْ الْإِبِل كَمَا فَدَى بِهَا عَبْد الْمُطَّلِب اِبْنه ; رَوَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ الشَّعْبِيّ . وَرَوَى عَنْهُ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد : يَجْزِيهِ كَفَّارَة يَمِين . وَقَالَ مَسْرُوق : لَا شَيْء عَلَيْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : هُوَ مَعْصِيَة يَسْتَغْفِر اللَّه مِنْهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : هِيَ كَلِمَة يَلْزَمهُ بِهَا فِي وَلَده ذَبْح شَاة وَلَا يَلْزَمهُ فِي غَيْر وَلَده شَيْء . قَالَ مُحَمَّد : عَلَيْهِ فِي الْحَلِف بِنَحْرِ عَبْده مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِ فِي الْحَلِف بِنَحْرِ وَلَده إِذَا حَنِثَ . وَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْحَكَم عَنْ مَالِك فِيمَنْ قَالَ : أَنَا أَنْحَر وَلَدِي عِنْد مَقَام إِبْرَاهِيم فِي يَمِين ثُمَّ حَنِثَ فَعَلَيْهِ هَدْي . قَالَ : وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَر اِبْنه وَلَمْ يَقُلْ عِنْد مَقَام إِبْرَاهِيم وَلَا أَرَادَ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ . قَالَ : وَمَنْ جَعَلَ اِبْنَهُ هَدْيًا أَهْدَى عَنْهُ ; قَالَ الْقَاضِي اِبْن الْعَرَبِيّ : يَلْزَمهُ شَاة كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ ذَبْح الْوَلَد عِبَارَة عَنْ ذَبْح الشَّاة شَرْعًا , فَأَلْزَمَ اللَّه إِبْرَاهِيم ذَبْح الْوَلَد , وَأَخْرَجَهُ عَنْهُ بِذَبْحِ شَاة . وَكَذَلِكَ إِذَا نَذَرَ الْعَبْد ذَبْح وَلَده يَلْزَمهُ أَنْ يَذْبَح شَاة ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " مِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ " [ الْحَجّ : 78 ] وَالْإِيمَان اِلْتِزَام أَصْلِيّ , وَالنَّذْر اِلْتِزَام فَرْعِيّ ; فَيَجِب أَنْ يَكُون مَحْمُولًا عَلَيْهِ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْف يُؤْمَر إِبْرَاهِيم بِذَبْحِ الْوَلَد وَهُوَ مَعْصِيَة وَالْأَمْر بِالْمَعْصِيَةِ لَا يَجُوز . قُلْنَا : هَذَا اِعْتِرَاض عَلَى كِتَاب اللَّه , وَلَا يَكُون ذَلِكَ مِمَّنْ يَعْتَقِد الْإِسْلَام , فَكَيْف بِمَنْ يُفْتِي فِي الْحَلَال وَالْحَرَام , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " اِفْعَلْ مَا تُؤْمَر " وَاَلَّذِي يَجْلُو الْإِلْبَاس عَنْ قُلُوب النَّاس فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْمَعَاصِي وَالطَّاعَات لَيْسَتْ بِأَوْصَاف ذَاتِيَّة لِلْأَعْيَانِ , وَإِنَّمَا الطَّاعَات عِبَارَة عَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْر مِنْ الْأَفْعَال , وَالْمَعْصِيَة عِبَارَة عَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ النَّهْي مِنْ الْأَفْعَال , فَلَمَّا تَعَلَّقَ الْأَمْر بِذَبْحِ الْوَلَد إِسْمَاعِيل مِنْ إِبْرَاهِيم صَارَ طَاعَة وَابْتِلَاء , وَلِهَذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِين " فِي الصَّبْر عَلَى ذَبْح الْوَلَد وَالنَّفْس , وَلَمَّا تَعَلَّقَ النَّهْي بِنَا فِي ذَبْح أَبْنَائِنَا صَارَ مَعْصِيَة . فَإِنْ قِيلَ : كَيْف يَصِير نَذْرًا وَهُوَ مَعْصِيَة . قُلْنَا : إِنَّمَا يَكُون مَعْصِيَة لَوْ كَانَ يَقْصِد ذَبْح الْوَلَد بِنَذْرِهِ وَلَا يَنْوِي الْفِدَاء ؟ فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ وَقَصَدَ الْمَعْصِيَة وَلَمْ يَنْوِ الْفِدَاء ؟ قُلْنَا : لَوْ قَصَدَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ فِي قَصْده وَلَا أَثَّرَ فِي نَذْرِهِ ; لِأَنَّ نَذْر الْوَلَد صَارَ عِبَارَة عَنْ ذَبْح الشَّاة شَرْعًا .
| بِذِبۡحٍ عَظِیم | بكَبْشٍ مَذْبُوحٍ عَظِيمِ القَدْرِ. |
|---|
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian