سورة النساء الآية ١٢٣
سورة النساء الآية ١٢٣
لَّیۡسَ بِأَمَانِیِّكُمۡ وَلَاۤ أَمَانِیِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِۗ مَن یَعۡمَلۡ سُوۤءࣰا یُجۡزَ بِهِۦ وَلَا یَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِیࣰّا وَلَا نَصِیرࣰا ﴿١٢٣﴾
تفسير السعدي
أي: " لَيْسَ " الأمر والنجاة والتزكية " بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ " . والأماني: أحاديث النفس المجردة عن العمل, المقترن بها, دعوى مجردة, لو عورضت بمثلها, لكانت من جنسها. وهذا عامّ في كل أمر. فكيف بأمر الإيمان, والسعادة الأبدية؟!. فإن أماني أهل الكتاب, قد أخبر الله بها, أنهم قالوا: " لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ " وغيرهم ممن ليس ينتسب لكتاب, ولا رسول, من باب أولى وأحرى. وكذلك أدخل الله في ذلك من ينتسب إلى الإسلام, لكمال العدل والإنصاف. فإن مجرد الانتساب إلى أي دين كان, لا يفيد شيئا, إن لم يأت الإنسان ببرهان, على صحة دعواه. فالأعمال تصدق الدعوى, أو تكذبها, ولهذا قال تعالى: " مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ " وهذا شامل لجميع العاملين. لأن السوء شامل, لأي ذنب كان, من صغائر الذنوب, وكبائرها. وشامل أيضا, لكل جزاء, قليل, أو كثير, دنيوي, أو أخروي. والناس في هذا المقام درجات, لا يعلمها إلا الله, فمستقل ومستكثر. فمن كان عمله سوءا, وذلك لا يكون إلا كافرا. فإذا مات من دون توبة, جوزي بالخلود في العذاب الأليم. ومن كان عمله صالحا, وهو مستقيم في غالب أحواله, وإنما يصدر منه أحيانا بعض الذنوب الصغار, فما يصيبه من الهم, والغم, والأذى, وبعض الآلام, في بدنه, أو قلبه, أو حبيبه, أو ماله, ونحو ذلك - فإنها مكفرات للذنوب, لطفا من الله بعباده. وبين هذين الحالين مراتب كثيرة. وهذا الجزاء, على عمل السوء العام, مخصوص في غير التائبين. فإن التائب من الذنب, كمن لا ذنب له, كما دلت على ذلك النصوص. وقوله " وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا " لإزالة بعض ما لعله يتوهم, أن من استحق المجازاة على عمله, قد يكون له ولي, أو ناصر, أو شافع, يدفع عنه ما استحقه. فأخبر تعالى, بانتفاء ذلك, فليس له ولي, يحصل له المطلوب, ولا نصير يدفع عنه المرهوب, إلا ربه ومليكه.
التفسير الميسر
لا يُنال هذا الفضل العظيم بالأماني التي تتمنونها أيها المسلمون، ولا بأماني أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وإنما يُنال بالإيمان الصادق بالله تعالى، وإحسان العمل الذي يرضيه. ومن يعمل عملا سيئًا يجز به، ولا يجد له سوى الله تعالى وليّاً يتولى أمره وشأنه، ولا نصيرًا ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب.
تفسير الجلالين
وَنَزَلَ لَمَّا افْتَخَرَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْل الْكِتَاب "لَيْسَ" الْأَمْر مَنَاطًا "بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْل الْكِتَاب" بَلْ بِالْعَمَلِ الصَّالِح "مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ" إمَّا فِي الْآخِرَة أَوْ فِي الدُّنْيَا بِالْبَلَاءِ وَالْمِحَن كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيث "وَلَا يَجِد لَهُ مِنْ دُون اللَّه" أَيْ غَيْره "وَلِيًّا" يَحْفَظهُ "وَلَا نَصِيرًا" يَمْنَعهُ مِنْهُ
تفسير ابن كثير
قَالَ قَتَادَة ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْل الْكِتَاب اِفْتَخَرُوا فَقَالَ أَهْل الْكِتَاب : نَبِيّنَا قَبْل نَبِيّكُمْ وَكِتَابنَا قَبْل كِتَابكُمْ فَنَحْنُ أَوْلَى بِاَللَّهِ مِنْكُمْ وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : نَحْنُ أَوْلَى بِاَللَّهِ مِنْكُمْ وَنَبِيّنَا خَاتَم النَّبِيِّينَ وَكِتَابنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُب الَّتِي كَانَتْ قَبْله فَأَنْزَلَ اللَّه " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْل الْكِتَاب مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " " وَمَنْ أَحْسَن دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن " الْآيَة . ثُمَّ أَفْلَجَ اللَّه حُجَّة الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ مِنْ أَهْل الْأَدْيَان . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ السُّدِّيّ وَمَسْرُوق وَالضَّحَّاك وَأَبِي صَالِح وَغَيْرهمْ وَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : تَخَاصَمَ أَهْل الْأَدْيَان فَقَالَ أَهْل التَّوْرَاة : كِتَابنَا خَيْر الْكُتُب وَنَبِيّنَا خَيْر الْأَنْبِيَاء وَقَالَ أَهْل الْإِنْجِيل مِثْل ذَلِكَ وَقَالَ أَهْل الْإِسْلَام : لَا دِين إِلَّا الْإِسْلَام وَكِتَابنَا نَسَخَ كُلّ كِتَاب وَنَبِيّنَا خَاتَم النَّبِيِّينَ وَأُمِرْتُمْ وَأُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِن بِكِتَابِكُمْ وَنَعْمَل بِكِتَابِنَا فَقَضَى اللَّه بَيْنهمْ وَقَالَ " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْل الْكِتَاب مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " الْآيَة وَخَيَّرَ بَيْن الْأَدْيَان فَقَالَ " وَمَنْ أَحْسَن دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن " إِلَى قَوْله " وَاِتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيم خَلِيلًا " وَقَالَ مُجَاهِد : قَالَتْ الْعَرَب : لَنْ نُبْعَث وَلَنْ نُعَذَّب وَقَالَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى " لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى " وَقَالُوا " لَنْ تَمَسّنَا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَات " وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّ الدِّين لَيْسَ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقُلُوب وَصَدَّقَتْهُ الْأَعْمَال وَلَيْسَ كُلّ مَنْ اِدَّعَى شَيْئًا حَصَلَ لَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ وَلَا كُلّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ عَلَى الْحَقّ سُمِعَ قَوْله بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حَتَّى يَكُون لَهُ مِنْ اللَّه بُرْهَان وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْل الْكِتَاب مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " أَيْ لَيْسَ لَكُمْ وَلَا لَهُمْ النَّجَاة بِمُجَرَّدِ التَّمَنِّي بَلْ الْعِبْرَة بِطَاعَةِ اللَّه سُبْحَانه وَاتِّبَاع مَا شَرَعَهُ عَلَى أَلْسِنَة الرُّسُل الْكِرَام وَلِهَذَا قَالَ بَعْده " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " كَقَوْلِهِ " فَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّة شَرًّا يَرَهُ " وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة لَمَّا نَزَلَتْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى كَثِير مِنْ الصَّحَابَة قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي زُهَيْر قَالَ : أُخْبِرْت أَنَّ أَبَا بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه كَيْف الْفَلَاح بَعْد هَذِهِ الْآيَة لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْل الْكِتَاب مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ فَكُلّ سُوء عَمِلْنَاهُ جُزِينَا بِهِ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " غَفَرَ اللَّه لَك يَا أَبَا بَكْر أَلَسْت تَمْرَض أَلَسْت تَنْصَب أَلَسْت تَحْزَن أَلَسْت تُصِيبك اللَّأْوَاء " قَالَ بَلَى قَالَ " فَهُوَ مِمَّا تُجْزَوْنَ بِهِ " وَرَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ خَلَف بْن خَلِيفَة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد بِهِ وَرَوَاهُ الْحَاكِم مِنْ طَرِيق سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ إِسْمَاعِيل بِهِ وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء عَنْ زِيَاد الْجَصَّاص عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : سَمِعْت أَبَا بَكْر يَقُول : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا " وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن هِشَام بْن جُهَيْمَة حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء حَدَّثَنَا زِيَاد الْجَصَّاص عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ مُجَاهِد قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر : اُنْظُرُوا الْمَكَان الَّذِي فِيهِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر مَصْلُوبًا فَلَا تَمُرُّنَّ عَلَيْهِ قَالَ فَسَهَا الْغُلَام فَإِذَا عَبْد اللَّه بْن عُمَر يَنْظُر إِلَى اِبْن الزُّبَيْر فَقَالَ يَغْفِر اللَّه لَك ثَلَاثًا أَمَا وَاَللَّه مَا عَلِمْتُك إِلَّا صَوَّامًا قَوَّامًا وَصَّالًا لِلرَّحِمِ أَمَا وَاَللَّه إِنِّي لَأَرْجُو مَعَ مَسَاوِئ مَا أَصَبْت أَنْ لَا يُعَذِّبك اللَّه بَعْدهَا قَالَ : ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ : سَمِعْت أَبَا بَكْر الصِّدِّيق يَقُول : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ يَعْمَل سُوءًا فِي الدُّنْيَا يُجْزَ بِهِ " وَرَوَاهُ أَبُو بَكْر الْبَزَّار فِي مُسْنَده عَنْ الْفَضْل بْن سَهْل عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء بِهِ مُخْتَصَرًا وَقَالَ فِي مُسْنَد اِبْن الزُّبَيْر : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الْمُسْتَمِرّ الْعُرُوقِيّ حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن سُلَيْم بْن حَيَّان حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي حَيَّان بْن بِسْطَام قَالَ بِسْطَام قَالَ كُنْت مَعَ اِبْن عُمَر فَمَرَّ بِعَبْدِ اللَّه بْن الزُّبَيْر وَهُوَ مَصْلُوب فَقَالَ رَحْمَة اللَّه عَلَيْك يَا أَبَا خُبَيْب سَمِعْت أَبَاك يَعْنِي الزُّبَيْر يَقُول : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة " ثُمَّ قَالَ لَا نَعْلَمهُ يَرْوِي عَنْ الزُّبَيْر إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن مَرْدَوَيْهِ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن كَامِل حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد الْعَوْفِيّ حَدَّثَنَا رَوْح بْن عُبَادَة حَدَّثَنَا مُوسَى بْن عُبَيْدَة حَدَّثَنِي مَوْلَى بْن السِّبَاع قَالَ : سَمِعْت اِبْن عُمَر يُحَدِّث عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق قَالَ : كُنْت عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِد لَهُ مِنْ دُون اللَّه وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَا أَبَا بَكْر أَلَا أُقْرِئك آيَة نَزَلَتْ عَلَيَّ " قَالَ : قُلْت بَلَى يَا رَسُول اللَّه أَقْرِئْنِيهَا فَلَا أَعْلَم أَنِّي قَدْ وَجَدْت اِنْفِصَامًا فِي ظَهْرِي حَتَّى تَمَطَّيْت لَهَا فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَالَك يَا أَبَا بَكْر " قُلْت بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُول اللَّه وَأَيّنَا لَمْ يَعْمَل السُّوء وَإِنَّا لَمَجْزِيُّونَ بِكُلِّ سُوء عَمِلْنَاهُ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا بَكْر وَأَصْحَابك الْمُؤْمِنُونَ فَإِنَّكُمْ تُجْزَوْنَ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّه لَيْسَ لَكُمْ ذُنُوب وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَيُجْمَع ذَلِكَ لَهُمْ حَتَّى يُجْزَوْا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة " وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ يَحْيَى بْن مُوسَى وَعَبْد بْن حُمَيْد عَنْ رَوْح بْن عُبَادَة بِهِ ثُمَّ قَالَ وَمُوسَى بْن عُبَيْدَة يُضَعَّف وَمَوْلَى بْن سِبَاع مَجْهُول وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ ثَنَا الْحُسَيْن قَالَ ثَنَا حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْج قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ أَبُو بَكْر جَاءَتْ قَاصِمَة الظَّهْر فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّمَا هِيَ الْمُصِيبَات فِي الدُّنْيَا " " طَرِيق أُخْرَى عَنْ الصِّدِّيق " قَالَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِسْحَاق الْعَسْكَرِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَامِر السَّعْدِيّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى حَدَّثَنَا فُضَيْل بْن عِيَاض عَنْ سُلَيْمَان بْن مِهْرَان عَنْ مُسْلِم بْن صُبَيْح عَنْ مَسْرُوق قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق يَا رَسُول اللَّه مَا أَشَدّ هَذِهِ الْآيَة " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْمَصَائِب وَالْأَمْرَاض وَالْأَحْزَان فِي الدُّنْيَا جَزَاء " " طَرِيق أُخْرَى " قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي زِيَاد وَأَحْمَد بْن مَنْصُور قَالَا : أَنْبَأَنَا زَيْد بْن الْحُبَاب حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك بْن الْحَسَن الْمُحَارِبِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَيْد بْن مُنْقِذ عَنْ عَائِشَة عَنْ أَبِي بَكْر قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " قَالَ أَبُو بَكْر : يَا رَسُول اللَّه كُلّ مَا نَعْمَل نُؤَاخَذ بِهِ ؟ فَقَالَ : " يَا أَبَا بَكْر أَلَيْسَ يُصِيبك كَذَا وَكَذَا فَهُوَ كَفَّارَة " . " حَدِيث آخَر " قَالَ سَعِيد بْن مَنْصُور أَنْبَأَنَا عَبْد اللَّه بْن وَهْب أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ بَكْر بْن سَوَادَة حَدَّثَهُ أَنَّ يَزِيد بْن أَبِي يَزِيد حَدَّثَهُ عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَجُلًا تَلَا هَذِهِ الْآيَة " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " فَقَالَ إِنَّا لَنُجْزَى بِكُلِّ مَا عَمِلْنَاهُ هَلَكْنَا إِذًا فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " نَعَمْ يُجْزَى بِهِ الْمُؤْمِن فِي الدُّنْيَا فِي نَفْسه فِي جَسَده فِيمَا يُؤْذِيه " " طَرِيق أُخْرَى " قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا اِبْن بَشِير حَدَّثَنَا هُشَيْم عَنْ عَامِر عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنِّي لَأَعْلَم أَشَدّ آيَة فِي الْقُرْآن فَقَالَ " مَا هِيَ يَا عَائِشَة " قُلْت : " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " فَقَالَ " هُوَ مَا يُصِيب الْعَبْد الْمُؤْمِن حَتَّى النَّكْبَة يُنْكَبهَا " رَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ حَدِيث هُشَيْم بِهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث أَبِي عَامِر صَالِح بْن رُسْتُم الْخَرَّاز بِهِ . " طَرِيق أُخْرَى " قَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ : حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ اِبْنَته أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَة عَنْ هَذِهِ الْآيَة " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " فَقَالَتْ : مَا سَأَلَنِي أَحَد عَنْ هَذِهِ الْآيَة مُنْذُ سَأَلْت عَنْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " يَا عَائِشَة هَذِهِ مُبَايَعَة اللَّه لِلْعَبْدِ مِمَّا يُصِيبهُ مِنْ الْحُمَّى وَالنَّكْبَة وَالشَّوْكَة حَتَّى الْبِضَاعَة فَيَضَعهَا فِي كُمّه " فَيَفْزَع لَهَا فَيَجِدهَا فِي جَيْبه حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِن لَيَخْرُج مِنْ ذُنُوبه كَمَا أَنَّ الذَّهَب يَخْرُج مِنْ الْكِير " . " طَرِيق أُخْرَى " قَالَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِم حَدَّثَنَا شُرَيْح بْن يُونُس حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل عَنْ مُحَمَّد بْن يَزِيد بْن الْمُهَاجِر عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " قَالَ : " إِنَّ الْمُؤْمِن يُؤْجَر فِي كُلّ شَيْء حَتَّى فِي الْقَبْض عِنْد الْمَوْت " وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا حُسَيْن عَنْ زَائِدَة عَنْ لَيْث عَنْ مُجَاهِد عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِذًا كَثُرَتْ ذُنُوب الْعَبْد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرهَا اِبْتَلَاهُ اللَّه بِالْحُزْنِ لِيُكَفِّرهَا عَنْهُ . " حَدِيث آخَر " قَالَ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ عُمَر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَيْصِن سَمِعَ مُحَمَّد بْن قَيْس بْن مَخْرَمَة يُخْبِر أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " سَدِّدُوا وَقَارِبُوا فَإِنَّ فِي كُلّ مَا يُصَاب بِهِ الْمُسْلِم كَفَّارَة حَتَّى الشَّوْكَة يُشَاكهَا وَالنَّكْبَة يُنْكَبهَا " هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَد عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَمُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث سُفْيَان بْن عُيَيْنَة بِهِ وَرَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ حَدِيث رَوْح وَمَعْمَر كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد عَنْ عَبْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْل الْكِتَاب مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " بَكَيْنَا وَحَزِنَّا وَقُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه مَا أَبْقَتْ هَذِهِ الْآيَة مِنْ شَيْء قَالَ " أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَكَمَا أُنْزِلَتْ وَلَكِنْ أَبْشِرُوا وَقَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَإِنَّهُ لَا يُصِيب أَحَدًا مِنْكُمْ مُصِيبَة فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّه بِهَا مِنْ خَطِيئَته حَتَّى الشَّوْكَة يُشَاكهَا أَحَدكُمْ فِي قَدَمه " وَقَالَ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة إِنَّهُمَا سَمِعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " مَا يُصِيب الْمُسْلِم مِنْ نَصَب وَلَا وَصَب وَلَا سَقَم وَلَا حَزَن حَتَّى الْهَمّ يُهِمّهُ إِلَّا كَفَّرَ اللَّه مِنْ سَيِّئَاته " أَخْرَجَاهُ . " حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد بْن إِسْحَاق حَدَّثَتْنِي زَيْنَب بِنْت كَعْب بْن عُجْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَرَأَيْت هَذِهِ الْأَمْرَاض الَّتِي تُصِيبنَا مَا لَنَا بِهَا قَالَ : " كَفَّارَات " قَالَ أَبِي وَإِنْ قُلْت قَالَ حَتَّى الشَّوْكَة فَمَا فَوْقهَا قَالَ فَدَعَا أَبِي عَلَى نَفْسه أَنَّهُ لَا يُفَارِقهُ الْوَعْك حَتَّى يَمُوت فِي أَنْ لَا يَشْغَلهُ عَنْ حَجّ وَلَا عُمْرَة وَلَا جِهَاد فِي سَبِيل اللَّه وَلَا صَلَاة مَكْتُوبَة فِي جَمَاعَة فَمَا مَسَّهُ إِنْسَان حَتَّى وَجَدَ حَرّه حَتَّى مَاتَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَد . " حَدِيث آخَر " رَوَى اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق حُسَيْن بْن وَاقِد عَنْ الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قِيلَ يَا رَسُول اللَّه " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " قَالَ " نَعَمْ وَمَنْ يَعْمَل حَسَنَة يُجْزَ بِهَا عَشْرًا " فَهَلَكَ مَنْ غَلَبَ وَاحِدَتُهُ عَشَرَاتِهِ وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع حَدَّثَنَا يَزِيد بْن هَارُون حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ حُمَيْد عَنْ الْحَسَن " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " قَالَ الْكَافِر ثُمَّ قَرَأَ " وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُور " وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُمَا فَسَّرَا السُّوء هَهُنَا بِالشِّرْكِ أَيْضًا وَقَوْله " وَلَا يَجِد لَهُ مِنْ دُون اللَّه وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا " قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس إِلَّا أَنْ يَتُوب فَيَتُوب اللَّه عَلَيْهِ رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَالصَّحِيح أَنَّ ذَلِكَ عَامّ فِي جَمِيع الْأَعْمَال لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيث وَهَذَا اِخْتِيَار اِبْن جَرِير وَاَللَّه أَعْلَم .
تفسير القرطبي
قَرَأَ أَبُو جَعْفَر الْمَدَنِيّ " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْل الْكِتَاب " بِتَخْفِيفِ الْيَاء فِيهِمَا جَمِيعًا . وَمِنْ أَحْسَنِ مَا رُوِيَ فِي نُزُولهَا مَا رَوَاهُ الْحَكَم بْن أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّة إِلَّا مَنْ كَانَ مِنَّا . وَقَالَتْ قُرَيْش : لَيْسَ نُبْعَث , فَأَنْزَلَ اللَّه " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْل الْكِتَاب " . وَقَالَ قَتَادَة وَالسُّدِّيّ : تَفَاخَرَ الْمُؤْمِنُونَ وَأَهْل الْكِتَاب فَقَالَ أَهْل الْكِتَاب : نَبِيُّنَا قَبْل نَبِيّكُمْ وَكِتَابُنَا قَبْل كِتَابكُمْ وَنَحْنُ أَحَقّ بِاَللَّهِ مِنْكُمْ . وَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ : نَبِيّنَا خَاتَم النَّبِيِّينَ وَكِتَابنَا يَقْضِي عَلَى سَائِر الْكُتُب , فَنَزَلَتْ الْآيَة . السُّوء هَاهُنَا الشِّرْك , قَالَ الْحَسَن : هَذِهِ الْآيَة فِي الْكَافِر , وَقَرَأَ " وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا الْكَفُور " [ سَبَأ : 17 ] . وَعَنْهُ أَيْضًا " مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ " قَالَ : ذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ اللَّه هَوَانَهُ , فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ كَرَامَتَهُ فَلَا , قَدْ ذَكَرَ اللَّه قَوْمًا فَقَالَ : " أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَاب الْجَنَّةِ وَعْد الصِّدْق الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ " [ الْأَحْقَاف : 16 ] . وَقَالَ الضَّحَّاك : يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَكُفَّار الْعَرَب . وَقَالَ الْجُمْهُور : لَفْظ الْآيَة عَامّ , وَالْكَافِر وَالْمُؤْمِن مُجَازًى بِعَمَلِهِ السُّوء , فَأَمَّا مُجَازَاة الْكَافِر فَالنَّار ; لِأَنَّ كُفْره أَوْبَقَهُ , وَأَمَّا الْمُؤْمِن فَبِنَكَبَاتِ الدُّنْيَا , كَمَا رَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ " مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ " بَلَغَتْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَفِي كُلّ مَا يُصَاب بِهِ الْمُسْلِم كَفَّارَة حَتَّى النَّكْبَة يُنْكَبُهَا وَالشَّوْكَة يُشَاكُهَا ) . وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي ( نَوَادِر الْأُصُول , فِي الْفَصْل الْخَامِس وَالتِّسْعِينَ ) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الْمُسْتَمِرّ الْهُذَلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن سُلَيْم بْن حَيَّان أَبُو زَيْد قَالَ : سَمِعْت أَبِي يَذْكُر عَنْ أَبِيهِ قَالَ صَحِبْت اِبْن عُمَر مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة فَقَالَ لِنَافِعٍ : لَا تَمُرَّ بِي عَلَى الْمَصْلُوب ; يَعْنِي اِبْن الزُّبَيْر , قَالَ : فَمَا فَجِئَهُ فِي جَوْف اللَّيْل أَنْ صَكَّ مَحْمَله جِذْعه ; فَجَلَسَ فَمَسَحَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ : يَرْحَمك اللَّه أَبَا خُبَيْبٍ أَنْ كُنْت وَأَنْ كُنْت ! وَلَقَدْ سَمِعْت أَبَاك الزُّبَيْر يَقُول : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَة ) فَإِنْ يَكُ هَذَا بِذَاكَ فَهِيه . قَالَ التِّرْمِذِيّ أَبُو عَبْد اللَّه : فَأَمَّا فِي التَّنْزِيل فَقَدْ أَجْمَلَهُ فَقَالَ : " مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِد لَهُ مِنْ دُون اللَّه وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا " فَدَخَلَ فِيهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ وَالْعَدُوُّ وَالْوَلِيُّ وَالْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ ; ثُمَّ مَيَّزَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيث بَيْنَ الْمَوْطِنَيْنِ فَقَالَ : ( يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَة ) وَلَيْسَ يُجْمَع عَلَيْهِ الْجَزَاء فِي الْمَوْطِنَيْنِ ; أَلَا تَرَى أَنَّ اِبْن عُمَر قَالَ : فَإِنْ يَكُ هَذَا بِذَاكَ فَهِيه ; مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَاتَلَ فِي حَرَم اللَّه وَأَحْدَثَ فِيهِ حَدَثًا عَظِيمًا حَتَّى أُحْرِقَ الْبَيْت وَرُمِيَ الْحَجَر الْأَسْوَد بِالْمَنْجَنِيقِ فَانْصَدَعَ حَتَّى ضُبِّبَ بِالْفِضَّةِ فَهُوَ إِلَى يَوْمنَا هَذَا كَذَلِكَ , وَسَمِعَ لِلْبَيْتِ أَنِينًا : آهْ آهْ ! فَلَمَّا رَأَى اِبْن عُمَر فِعْلَهُ ثُمَّ رَآهُ مَقْتُولًا مَصْلُوبًا ذَكَرَ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ) . ثُمَّ قَالَ : إِنْ يَكُ هَذَا الْقَتْل بِذَاكَ الَّذِي فَعَلَهُ فَهِيه ; أَيْ كَأَنَّهُ جُوزِيَ بِذَلِكَ السُّوء هَذَا الْقَتْل وَالصَّلْب . رَحِمَهُ اللَّه ! ثُمَّ مَيَّزَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث آخَر بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ ; حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّه قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُسْلِم عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَامَة بْن الْهَاد اللَّيْثِيّ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ " مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ " قَالَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَا هَذِهِ بِمُبْقِيَةٍ مِنَّا ; قَالَ : ( يَا أَبَا بَكْر إِنَّمَا يُجْزَى الْمُؤْمِن بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا الْكَافِر يَوْم الْقِيَامَة ) . حَدَّثَنَا الْجَارُود قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيع وَأَبُو مُعَاوِيَة وَعَبْدَة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي زُهَيْر الثَّقَفِيّ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ " مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ " قَالَ أَبُو بَكْر : كَيْفَ الصَّلَاح يَا رَسُول اللَّه مَعَ هَذَا ؟ كُلّ شَيْء عَمِلْنَاهُ جُزِينَا بِهِ , فَقَالَ : ( غَفَرَ اللَّه لَك يَا أَبَا بَكْر أَلَسْت تَنْصَب , أَلَسْت تَحْزَن , أَلَسْت تُصِيبك اللَّأْوَاء ؟ . قَالَ : بَلَى . قَالَ ( فَذَلِكَ مِمَّا تُجْزَوْنَ بِهِ ) فَفَسَّرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَجْمَلَهُ التَّنْزِيل مِنْ قَوْله : " مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ " . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا بَكْر وَالْمُؤْمِنُونَ فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّه وَلَيْسَ لَكُمْ ذُنُوب وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَيُجْمَع ذَلِكَ لَهُمْ حَتَّى يُجْزَوْا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة ) . قَالَ : حَدِيث غَرِيب : وَفِي إِسْنَاده مَقَال : وَمُوسَى بْن عُبَيْدَة يُضَعَّف فِي الْحَدِيث , ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْن سَعِيد الْقَطَّان وَأَحْمَد بْن حَنْبَل . وَمَوْلَى اِبْن سِبَاع مَجْهُول , وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ أَبِي بَكْر وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَاد صَحِيح أَيْضًا ; وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَة . قُلْت : خَرَّجَهُ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حَرْب قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَلِيّ بْن يَزِيد عَنْ أُمّه أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَة عَنْ هَذِهِ الْآيَة " وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ " [ الْبَقَرَة : 284 ] وَعَنْ هَذِهِ الْآيَة " مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ " فَقَالَتْ عَائِشَة : مَا سَأَلَنِي أَحَد مُنْذُ سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا ; فَقَالَ : ( يَا عَائِشَة , هَذِهِ مُبَايَعَة اللَّه بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ الْحُمَّى وَالنَّكْبَة وَالشَّوْكَة حَتَّى الْبِضَاعَة يَضَعهَا فِي كُمّه فَيَفْقِدهَا فَيَفْزَع فَيَجِدهَا فِي عَيْبَتِهِ , حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِن لَيَخْرُج مِنْ ذُنُوبه كَمَا يَخْرُج التِّبْر مِنْ الْكِير ) . وَاسْم " لَيْسَ " مُضْمَر فِيهَا فِي جَمِيع هَذِهِ الْأَقْوَال ; وَالتَّقْدِير : لَيْسَ الْكَائِن مِنْ أُمُوركُمْ مَا تَتَمَنَّوْنَهُ , بَلْ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَيْسَ ثَوَاب اللَّه بِأَمَانِيِّكُمْ " إِذْ قَدْ تَقَدَّمَ " وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّات " . يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّا لَنَنْصُر رُسُلنَا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يَقُوم الْأَشْهَاد " [ غَافِر : 51 ] . وَقِيلَ : " مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ " إِلَّا أَنْ يَتُوب . وَقِرَاءَة الْجَمَاعَة " وَلَا يَجِدْ لَهُ " بِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى " يُجْزَ بِهِ " . وَرَوَى اِبْن بَكَّار عَنْ اِبْن عَامِر " وَلَا يَجِدُ " بِالرَّفْعِ اِسْتِئْنَافًا . فَإِنْ حُمِلَتْ الْآيَة عَلَى الْكَافِر فَلَيْسَ لَهُ غَدًا وَلِيّ وَلَا نَصِير . وَإِنْ حُمِلَتْ عَلَى الْمُؤْمِن فَلَيْسَ لَهُ وَلِيّ وَلَا نَصِير دُون اللَّه .
| وَلِیࣰّا | يَتَوَلَّاكم. |
|---|---|
| لَّیۡسَ بِأَمَانِیِّكُمۡ | لا يُنالُ هذا الفضلُ بالأماني. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian