صفحات الموقع

سورة النساء الآية ١٥٥

سورة النساء الآية ١٥٥

فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّیثَـٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِیَاۤءَ بِغَیۡرِ حَقࣲّ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَیۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا یُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِیلࣰا ﴿١٥٥﴾

التفسير

التفسير الميسر

فلعنَّاهم بسبب نقضهم للعهود، وكفرهم بآيات الله الدالة على صدق رسله، وقتلهم للأنبياء ظلمًا واعتداءً، وقولهم: قلوبنا عليها أغطية فلا تفقه ما تقول، بل طمس الله عليها بسبب كفرهم، فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا لا ينفعهم.

تفسير الجلالين

"فَبِمَا نَقْضِهِمْ" مَا زَائِدَة وَالْبَاء لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوفٍ أَيْ لَعَنَّاهُمْ بِسَبَبِ نَقْضِهِمْ "مِيثَاقهمْ وَكُفْرهمْ بِآيَاتِ اللَّه وَقَتْلهمْ الْأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ وَقَوْلهمْ" لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "قُلُوبنَا غُلْف" لَا تَعِي كَلَامك "بَلْ طَبَعَ" خَتَمَ "اللَّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ" فَلَا تَعِي وَعْظًا "فَلَا يُؤْمِنُونَ إلَّا قَلِيلًا" مِنْهُمْ كَعَبْدِ اللَّه بْن سَلَام وَأَصْحَابه

تفسير ابن كثير

وَهَذَا مِنْ الذُّنُوب الَّتِي اِرْتَكَبُوهَا مِمَّا أَوْجَبَ لَعْنَتهمْ وَطَرْدهمْ وَإِبْعَادهمْ عَنْ الْهُدَى وَهُوَ نَقْضهمْ الْمَوَاثِيق وَالْعُهُود الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ وَكُفْرهمْ بِآيَاتِ اللَّه أَيْ حُجَجه وَبَرَاهِينه وَالْمُعْجِزَات الَّتِي شَاهَدُوهَا عَلَى يَد الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام قَوْله : " وَقَتْلهمْ الْأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ " وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ إِجْرَامهمْ وَاجْتِرَائِهِمْ عَلَى أَنْبِيَاء اللَّه فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا جَمًّا غَفِيرًا مِنْ الْأَنْبِيَاء وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غُلْف قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة وَالسُّدِّيّ وَقَتَادَة وَغَيْر وَاحِد أَيْ فِي غِطَاء وَهَذَا كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ وَقَالُوا " قُلُوبنَا فِي أَكِنَّة مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ " الْآيَة وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ اِدَّعَوْا أَنَّ قُلُوبهمْ غُلْف لِلْعِلْمِ أَيْ أَوْعِيَة لِلْعِلْمِ قَدْ حَوَتْهُ وَحَصَّلَتْهُ رَوَاهُ الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيره فِي سُورَة الْبَقَرَة قَالَ اللَّه تَعَالَى : بَلْ طَبَعَ اللَّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّل كَأَنَّهُمْ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ بِأَنَّ قُلُوبهمْ لَا تَعِي مَا يَقُول لِأَنَّهَا فِي غُلْف وَفِي أَكِنَّة قَالَ اللَّه بَلْ هِيَ مَطْبُوع عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ وَعَلَى الْقَوْل الثَّانِي عُكِسَ عَلَيْهِمْ مَا اِدَّعَوْهُ مِنْ كُلّ وَجْه وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مِثْل هَذَا فِي سُورَة الْبَقَرَة فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا أَيْ تَمَرَّنَتْ قُلُوبهمْ عَلَى الْكُفْر وَالطُّغْيَان وَقِلَّة الْإِيمَان .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ وَكُفْرهمْ بِآيَاتِ اللَّه وَقَتْلهمْ الْأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غُلْف بَلْ طَبَعَ اللَّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَبِنَقْضِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْت صِفَتهمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب مِيثَاقهمْ , يَعْنِي عُهُودهمْ الَّتِي عَاهَدُوا اللَّه أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا فِي التَّوْرَاة . { وَكُفْرهمْ بِآيَاتِ اللَّه } يَقُول : وَجُحُودهمْ بِآيَاتِ اللَّه , يَعْنِي : بِأَعْلَامِ اللَّه وَأَدِلَّته الَّتِي اِحْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِمْ فِي صِدْق أَنْبِيَائِهِ وَرُسُله , وَحَقِّيَّة مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْده . { وَقَتْلهمْ الْأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ } يَقُول : وَبِقَتْلِهِمْ الْأَنْبِيَاء بَعْد قِيَام الْحُجَّة عَلَيْهِمْ بِنُبُوَّتِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ , يَعْنِي : بِغَيْرِ اِسْتِحْقَاق مِنْهُمْ ذَلِكَ لِكَبِيرَةٍ أَتَوْهَا وَلَا خَطِيئَة اِسْتَوْجَبُوا الْقَتْل عَلَيْهَا . وَقَوْلهمْ : { قُلُوبنَا غُلْف } يَعْنِي : وَبِقَوْلِهِمْ : قُلُوبنَا غُلْف , يَعْنِي يَقُولُونَ : عَلَيْهَا غِشَاوَة وَأَغْطِيَة عَمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ , فَلَا نَفْقَه مَا تَقُول . وَلَا نَعْقِلهُ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْغُلْف , وَذَكَرْنَا مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الرِّوَايَة فِيمَا مَضَى قَبْل . { بَلْ طَبَعَ اللَّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كَذَبُوا فِي قَوْلهمْ قُلُوبنَا غُلْف , مَا هِيَ بِغُلْفٍ وَلَا عَلَيْهَا أَغْطِيَة ; وَلَكِنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ عَلَيْهَا طَابَعًا بِكُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا صِفَة الطَّبْع عَلَى الْقَلْب فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8479 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ } يَقُول : فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ لَعَنَّاهُمْ ; { وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غُلْف } : أَيْ لَا نَفْقَه , { بَلْ طَبَعَ اللَّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } وَلَعَنَهُمْ حِين فَعَلُوا ذَلِكَ . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ } . .. الْآيَة , هَلْ هُوَ مُوَاصِل لِمَا قَبْله مِنْ الْكَلَام , أَوْ هُوَ مُنْفَصِل مِنْهُ ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ مُنْفَصِل مِمَّا قَبْله , وَمَعْنَاهُ : فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ وَكُفْرهمْ بِآيَاتِ اللَّه وَقَتْلهمْ الْأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ { وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غُلْف بَلْ طَبَعَ اللَّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } وَلَعَنَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8480 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا } لَمَّا تَرَكَ الْقَوْم أَمْر اللَّه , وَقَتَلُوا رُسُله , وَكَفَرُوا بِآيَاتِهِ , وَنَقَضُوا الْمِيثَاق الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ . { طَبَعَ اللَّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } وَلَعَنَهُمْ. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ مُوَاصِل لِمَا قَبْله ; قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَام : فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة بِظُلْمِهِمْ , فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ , وَكُفْرهمْ بِآيَاتِ اللَّه , وَبِقَتْلِهِمْ الْأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ وَبِكَذَا وَكَذَا أَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة . قَالُوا : فَتَبِعَ الْكَلَام بَعْضه بَعْضًا , وَمَعْنَاهُ مَرْدُود إِلَى أَوَّله . وَتَفْسِير ظُلْمهمْ الَّذِي أَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة مِنْ أَجْله بِمَا فَسَّرَ بِهِ تَعَالَى ذِكْره مِنْ نَقْضِهِمْ الْمِيثَاق , وَقَتْلهمْ الْأَنْبِيَاء , وَسَائِر مَا بَيَّنَ مِنْ أَمْرهمْ الَّذِي ظَلَمُوا فِيهِ أَنْفُسهمْ. وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّ قَوْله : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ } وَمَا بَعْده مُنْفَصِل مَعْنَاهُ مِنْ مَعْنَى مَا قَبْله ; وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ وَكُفْرهمْ بِآيَاتِ اللَّه , وَبِكَذَا وَبِكَذَا , لَعَنَّاهُمْ وَغَضِبْنَا عَلَيْهِمْ , فَتُرِكَ ذِكْر " لَعَنَّاهُمْ " لِدَلَالَةِ قَوْله : { بَلْ طَبَعَ اللَّه عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ , إِذْ كَانَ مَنْ طُبِعَ عَلَى قَلْبه فَقَدْ لُعِنَ وَسُخِطَ عَلَيْهِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة إِنَّمَا كَانُوا عَلَى عَهْد مُوسَى وَاَلَّذِينَ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاء وَاَلَّذِينَ رَمَوْا مَرْيَم بِالْبُهْتَانِ الْعَظِيم , وَقَالُوا : قَتَلْنَا الْمَسِيح , كَانُوا بَعْد مُوسَى بِدَهْرٍ طَوِيل , وَلَمْ يُدْرِك الَّذِينَ رَمَوْا مَرْيَم بِالْبُهْتَانِ الْعَظِيم زَمَان مُوسَى وَلَا مَنْ صَعِقَ مِنْ قَوْمه . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة لَمْ تَأْخُذهُمْ عُقُوبَة لِرَمْيِهِمْ مَرْيَم بِالْبُهْتَانِ الْعَظِيم , وَلَا لِقَوْلِهِمْ : إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيح عِيسَى اِبْن مَرْيَم . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَبَيَّنَ أَنَّ الْقَوْم الَّذِينَ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَة , غَيْر الَّذِينَ عُوقِبُوا بِالصَّاعِقَةِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ بَيِّنًا اِنْفِصَال مَعْنَى قَوْله : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ } مِنْ مَعْنَى قَوْله : { فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة بِظُلْمِهِمْ } . { فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا } يَقُول : فَلَا يُؤْمِن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه صِفَتهمْ لِطَبْعِهِ عَلَى قُلُوبهمْ , فَيُصَدِّقُوا بِاَللَّهِ وَرُسُله وَمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه إِلَّا إِيمَانًا قَلِيلًا , يَعْنِي : تَصْدِيقًا قَلِيلًا. وَإِنَّمَا صَارَ قَلِيلًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوا عَلَى مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ , وَلَكِنْ صَدَّقُوا بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاء وَبِبَعْضِ الْكُتُب وَكَذَّبُوا بِبَعْضٍ , فَكَانَ تَصْدِيقهمْ بِمَا صَدَّقُوا بِهِ قَلِيلًا , لِأَنَّهُمْ وَإِنْ صَدَّقُوا بِهِ مِنْ وَجْه , فَهُمْ بِهِ مُكَذِّبُونَ مِنْ وَجْه آخَر . وَذَلِكَ مِنْ وَجْه تَكْذِيبهمْ مَنْ كَذَّبُوا بِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاء وَمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ كُتُب اللَّه وَرُسُل اللَّه يُصَدِّق بَعْضهمْ بَعْضًا , وَبِذَلِكَ أَمَرَ كُلّ نَبِيّ أُمَّته , وَكَذَلِكَ كُتُب اللَّه يُصَدِّق بَعْضهَا بَعْضًا وَيُحَقِّق بَعْض بَعْضًا , فَالْمُكَذِّب بِبَعْضِهَا مُكَذِّب بِجَمِيعِهَا مِنْ جِهَة جُحُوده مَا صَدَّقَهُ الْكِتَاب الَّذِي يُقِرّ بِصِحَّتِهِ , فَلِذَلِكَ صَارَ إِيمَانهمْ بِمَا آمَنُوا مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا .

تفسير القرطبي

" فَبِمَا نَقْضِهِمْ " خَفْض بِالْبَاءِ و " مَا " زَائِدَة مُؤَكِّدَة كَقَوْلِهِ : " فَبِمَا رَحْمَة مِنْ اللَّه " [ آل عِمْرَان : 159 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ ; وَالْبَاء مُتَعَلِّقَة بِمَحْذُوفٍ , التَّقْدِير : فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ لَعَنَّاهُمْ ; عَنْ قَتَادَة وَغَيْره . وَحُذِفَ هَذَا لِعِلْمِ السَّامِع . وَقَالَ أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن حَمْزَة الْكِسَائِيّ : هُوَ مُتَعَلِّق بِمَا قَبْله ; وَالْمَعْنَى فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة بِظُلْمِهِمْ إِلَى قَوْله : " فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ " قَالَ : فَفَسَّرَ ظُلْمهمْ الَّذِي أَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة مِنْ أَجْله بِمَا بَعْده مِنْ نَقْضِهِمْ الْمِيثَاق وَقَتْلهمْ الْأَنْبِيَاء وَسَائِر مَا بَيَّنَ مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي ظَلَمُوا فِيهَا أَنْفُسهمْ . وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيّ وَغَيْره ; لِأَنَّ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَة كَانُوا عَلَى عَهْد مُوسَى , وَاَلَّذِينَ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاء وَرَمَوْا مَرْيَم بِالْبُهْتَانِ كَانُوا بَعْد مُوسَى بِزَمَانٍ , فَلَمْ تَأْخُذ الصَّاعِقَة الَّذِينَ أَخَذَتْهُمْ بِرَمْيِهِمْ مَرْيَم بِالْبُهْتَانِ . قَالَ الْمَهْدَوِيّ وَغَيْره : وَهَذَا لَا يَلْزَم ; لِأَنَّهُ يَجُوز أَنْ يُخْبِر عَنْهُمْ وَالْمُرَاد آبَاؤُهُمْ ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . قَالَ الزَّجَّاج : الْمَعْنَى فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة مُمْتَدَّة إِلَى قَوْله : " فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا " [ النِّسَاء : 160 ] . وَنَقْضِهِمْ الْمِيثَاق أَنَّهُ أُخِذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَيِّنُوا صِفَة النَّبِيّ صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ وَفِعْلهمْ كَذَا وَفِعْلهمْ كَذَا طَبَعَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَبِنَقْضِهِمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ; وَالْفَاء مُقْحَمَة . و " كُفْرهمْ " عَطْف , وَكَذَا و " قَتْلهمْ " . وَالْمُرَاد " بِآيَاتِ اللَّه " كُتُبهمْ الَّتِي حَرَّفُوهَا . و " غُلْف " جَمْع غِلَاف ; أَيْ قُلُوبنَا أَوْعِيَة لِلْعِلْمِ فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى عِلْم سِوَى مَا عِنْدنَا . وَقِيلَ : هُوَ جَمْع أَغْلَف وَهُوَ الْمُغَطَّى بِالْغِلَافِ ; أَيْ قُلُوبنَا فِي أَغْطِيَة فَلَا نَفْقَهُ مَا تَقُول ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ : " قُلُوبنَا فِي أَكِنَّةٍ " [ فُصِّلَتْ : 5 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي " الْبَقَرَة " وَغَرَضهمْ بِهَذَا دَرْء حُجَّة الرُّسُل . وَالطَّبْع الْخَتْم ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . " بِكُفْرِهِمْ " أَيْ جَزَاء لَهُمْ عَلَى كُفْرهمْ ; كَمَا قَالَ : " بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ " [ الْبَقَرَة : 88 ] أَيْ إِلَّا إِيمَانًا قَلِيلًا أَيْ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاء , وَذَلِكَ غَيْر نَافِع لَهُمْ . ثُمَّ كَرَّرَ " وَبِكُفْرِهِمْ " لِيُخْبِر أَنَّهُمْ كَفَرُوا كُفْرًا بَعْد كُفْر . وَقِيلَ : الْمَعْنَى " وَبِكُفْرِهِمْ " بِالْمَسِيحِ ; فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ مَا بَعْده عَلَيْهِ , وَالْعَامِل فِي " بِكُفْرِهِمْ " هُوَ الْعَامِل فِي " بِنَقْضِهِمْ " لِأَنَّهُ مَعْطُوف عَلَيْهِ , وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْعَامِل فِيهِ " طَبَعَ " .

غريب الآية
فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّیثَـٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِیَاۤءَ بِغَیۡرِ حَقࣲّ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَیۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا یُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِیلࣰا ﴿١٥٥﴾
فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّیثَـٰقَهُمۡلَعَنَّاهم بسببِ نَقْضِهم العهودَ المؤكَّدةَ.
غُلۡفُۢۚعليها أغطِيَةٌ، لاتفقَهُ ما تقولُ.
طَبَعَخَتَمَ.
إِلَّا قَلِیلࣰاإلا إيماناً قليلاً كإيمانِهم بموسى عليه السلامُ والتوراةِ.
الإعراب
(فَبِمَا)
"الْفَاءُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(مَا) : حَرْفٌ زَائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(نَقْضِهِمْ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(مِيثَاقَهُمْ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَكُفْرِهِمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(كُفْرِهِمْ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(بِآيَاتِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(آيَاتِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَقَتْلِهِمُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(قَتْلِهِمْ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(الْأَنْبِيَاءَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(بِغَيْرِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(غَيْرِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(حَقٍّ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَقَوْلِهِمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(قَوْلِهِمْ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(قُلُوبُنَا)
مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(غُلْفٌ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(بَلْ)
حَرْفُ إِضْرَابٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(طَبَعَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَلَيْهَا)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(بِكُفْرِهِمْ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(كُفْرِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(فَلَا)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يُؤْمِنُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(إِلَّا)
حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(قَلِيلًا)
نَائِبٌ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.