صفحات الموقع

سورة فصلت الآية ٣٤

سورة فصلت الآية ٣٤

وَلَا تَسۡتَوِی ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّیِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِی بَیۡنَكَ وَبَیۡنَهُۥ عَدَ ٰ⁠وَةࣱ كَأَنَّهُۥ وَلِیٌّ حَمِیمࣱ ﴿٣٤﴾

التفسير

تفسير السعدي

ولا تستوي حسنة الذين آمنوا بالله, واستقاموا على شرعه, وأحسنوا إلى خلقه, وسيئة الذين كفروا به وخالفوا أمره, وأساؤوا إلى خلقه. ادفع بعفوك وحلمك وإحسانك من أساء إليك, وقابل إساءته لك بالإحسان إليه, فبذلك يصير المسيء إليك الذي بينك وبينه عداوة كأنه قريب لك شفيق عليك.

التفسير الميسر

ولا تستوي حسنة الذين آمنوا بالله، واستقاموا على شرعه، وأحسنوا إلى خلقه، وسيئة الذين كفروا به وخالفوا أمره، وأساؤوا إلى خلقه. ادفع بعفوك وحلمك وإحسانك مَن أساء إليك، وقابل إساءته لك بالإحسان إليه، فبذلك يصير المسيء إليك الذي بينك وبينه عداوة كأنه قريب لك شفيق عليك. وما يُوفَّق لهذه الخصلة الحميدة إلا الذين صبروا أنفسهم على ما تكره، وأجبروها على ما يحبه الله، وما يُوفَّق لها إلا ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة.

تفسير الجلالين

"ولا تستوي الحسنة ولا السيئة" في جزئياتهما لأن بعضهما فوق بعض "ادفع" السيئة "بالتي" أي بالخصلة التي "هي أحسن" كالغضب بالصبر والجهل بالحلم والإساءة بالعفو "فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" أي فيصير عدوك كالصديق القريب في محبته إذا فعلت ذلك فالذي مبتدأ وكأنه الخبر وإذا ظرف لمعنى التشبيه

تفسير ابن كثير

قَوْله تَعَالَى " وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة" أَيْ فَرْق عَظِيم بَيْن هَذِهِ وَهَذِهِ " اِدْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن " أَيْ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْك فَادْفَعْهُ عَنْك بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ كَمَا قَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَا عَاقَبْت مَنْ عَصَى اللَّه فِيك بِمِثْلِ أَنْ تُطِيع اللَّه فِيهِ . وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ " فَإِذَا الَّذِي بَيْنك وَبَيْنه عَدَاوَة كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيم " وَهُوَ الصَّدِيق أَيْ إِذَا أَحْسَنْت إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْك قَادَتْهُ تِلْكَ الْحَسَنَة إِلَيْهِ إِلَى مُصَافَاتك وَمَحَبَّتك وَالْحُنُوّ عَلَيْك حَتَّى يَصِير كَأَنَّهُ وَلِيّ لَك حَمِيم أَيْ قَرِيب إِلَيْك مِنْ الشَّفَقَة عَلَيْك وَالْإِحْسَان إِلَيْك .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَا تَسْتَوِي حَسَنَة الَّذِينَ قَالُوا رَبّنَا اللَّه ثُمَّ اسْتَقَامُوا , فَأَحْسَنُوا فِي قَوْلهمْ , وَإِجَابَتهمْ رَبّهمْ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَته , وَدَعَوْا عِبَاد اللَّه إِلَى مِثْل الَّذِي أَجَابُوا رَبّهمْ إِلَيْهِ , وَسَيِّئَة الَّذِينَ قَالُوا : { لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } فَكَذَلِكَ لَا تَسْتَوِي عِنْد اللَّه أَحْوَالهمْ وَمَنَازِلهمْ , وَلَكِنَّهَا تَخْتَلِف كَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ خَالَفَ بَيْنهمَا , وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة } فَكَرَّرَ لَا , وَالْمَعْنَى : لَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة ; لِأَنَّ كُلّ مَا كَانَ غَيْر مُسَاوٍ شَيْئًا , فَالشَّيْء الَّذِي هُوَ لَهُ غَيْر مُسَاوٍ غَيْر مُسَاوِيه , كَمَا أَنَّ كُلّ مَا كَانَ مُسَاوِيًا لِشَيْءٍ فَالْآخَر الَّذِي هُوَ لَهُ مُسَاوٍ , مُسَاوٍ لَهُ , فَيُقَال : فُلَان مُسَاوٍ فُلَانًا , وَفُلَان لَهُ مُسَاوٍ , فَكَذَلِكَ فُلَان لَيْسَ مُسَاوِيًا لِفُلَانٍ , لَا فُلَان مُسَاوِيًا لَهُ , فَلِذَلِكَ كُرِّرَتْ لَا مَعَ السَّيِّئَة , وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُكَرَّرَة مَعَهَا كَانَ الْكَلَام صَحِيحًا . وَقَدْ كَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : يَجُوز أَنْ يُقَال : الثَّانِيَة زَائِدَة ; يُرِيد : لَا يَسْتَوِي عَبْد اللَّه وَزَيْد , فَزِيدَتْ لَا تَوْكِيدًا , كَمَا قَالَ { لِئَلَّا يَعْلَم أَهْل الْكِتَاب أَلَّا يَقْدِرُونَ } 57 29 أَيْ لِأَنْ يَعْلَم , وَكَمَا قَالَ : { لَا أُقْسِم بِيَوْمِ الْقِيَامَة وَلَا أَقْسِم بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة } 75 1 : 2 وَقَدْ كَانَ بَعْضهمْ يُنْكِر قَوْله هَذَا فِي : { لِئَلَّا يَعْلَم أَهْل الْكِتَاب } , وَفِي قَوْله : { لَا أُقْسِم } فَيَقُول : لَا الثَّانِيَة فِي قَوْله : { لِئَلَّا يَعْلَم أَهْل الْكِتَاب } أَنْ لَا يَقْدِرُونَ رُدَّتْ إِلَى مَوْضِعهَا ; لِأَنَّ النَّفْي إِنَّمَا لَحِقَ يَقْدِرُونَ لَا الْعِلْم , كَمَا يُقَال : لَا أَظُنّ زَيْدًا لَا يَقُوم , بِمَعْنَى : أَظُنّ زَيْدًا لَا يَقُوم ; قَالَ : وَرُبَّمَا اسْتَوْثَقُوا فَجَاءُوا بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا , وَرُبَّمَا اكْتَفَوْا بِالْأَوَّلِ مِنَ الثَّانِي , وَحُكِيَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَب : مَا كَأَنِّي أَعْرِفهَا : أَيْ كَأَنِّي لَا أَعْرِفهَا. قَالَ : وَأَمَّا " لَا " فِي قَوْله { لَا أُقْسِم } فَإِنَّمَا هُوَ جَوَاب , وَالْقَسَم بَعْدهَا مُسْتَأْنَف , وَلَا يَكُون حَرْف الْجَحْد مُبْتَدَأ صِلَة . وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ . { وَلَا يَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة } وَلَا يَسْتَوِي الْإِيمَان بِاللَّهِ وَالْعَمَل بِطَاعَتِهِ وَالشِّرْك بِهِ وَالْعَمَل بِمَعْصِيَتِهِ . وَقَوْله : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ادْفَعْ يَا مُحَمَّد بِحِلْمِك جَهْلَ مَنْ جَهِلَ عَلَيْك , وَبِعَفْوِك عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْك إِسَاءَة الْمُسِيء , وَبِصَبْرِك عَلَيْهِمْ مَكْرُوهَ مَا تَجِد مِنْهُمْ , وَيَلْقَاك مِنْ قِبَلهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى اخْتِلَاف مِنْهُمْ فِي تَأْوِيله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ. 23574 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } قَالَ : أَمَرَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عِنْد الْغَضَب , وَالْحِلْم وَالْعَفْو عِنْد الْإِسَاءَة , فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمَهُمْ اللَّه مِنَ الشَّيْطَان , وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوّهُمْ , كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيم . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : ادْفَعْ بِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْك إِسَاءَته. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23575 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ طَلْحَة بْن عَمْرو , عَنْ عَطَاء { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } قَالَ : بِالسَّلَامِ . 23576 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيّ , عَنْ مُجَاهِد { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } قَالَ : السَّلَام عَلَيْك إِذَا لَقِيته . وَقَوْله : { فَإِذَا الَّذِي بَيْنك وَبَيْنه عَدَاوَة كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : افْعَلْ هَذَا الَّذِي أَمَرْتُك بِهِ يَا مُحَمَّد مِنْ دَفْع سَيِّئَة الْمُسِيء إِلَيْك بِإِحْسَانِك الَّذِي أَمَرْتُك بِهِ إِلَيْهِ , فَيَصِير الْمُسِيء إِلَيْك الَّذِي بَيْنك وَبَيْنه عَدَاوَة , كَأَنَّهُ مِنْ مُلَاطَفَته إِيَّاكَ , وَبِرّه لَك , وَلِيّ لَك مِنْ بَنِي أَعْمَامك , قَرِيب النَّسَب بِك , وَالْحَمِيم : هُوَ الْقَرِيب , كَمَا : 23577 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد . قَالَ : ثنا سَعِيد , , عَنْ قَتَادَة { كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيم } : أَيْ كَأَنَّهُ وَلِيّ قَرِيب .

تفسير القرطبي

قَالَ الْفَرَّاء : " لَا " صِلَة أَيْ " وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَالسَّيِّئَة " وَأَنْشَدَ : مَا كَانَ يَرْضَى رَسُول اللَّه فِعْلهمْ وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْر وَلَا عُمَر أَرَادَ أَبُو بَكْر وَعُمَر ; أَيْ لَا يَسْتَوِي مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ التَّوْحِيد , وَمَا الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْك . قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْحَسَنَة لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَالسَّيِّئَة الشِّرْك . وَقِيلَ : الْحَسَنَة الطَّاعَة , وَالسَّيِّئَة الشِّرْك . وَهُوَ الْأَوَّل بِعَيْنِهِ . وَقِيلَ : الْحَسَنَة الْمُدَارَاة , وَالسَّيِّئَة الْغِلْظَة . وَقِيلَ : الْحَسَنَة الْعَفْو , وَالسَّيِّئَة الِانْتِصَار . وَقَالَ الضَّحَّاك : الْحَسَنَة الْعِلْم , وَالسَّيِّئَة الْفُحْش . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : الْحَسَنَة حُبّ آل الرَّسُول , وَالسَّيِّئَة بُغْضهمْ . نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْف , وَبَقِيَ الْمُسْتَحَبّ مِنْ ذَلِكَ : حُسْن الْعِشْرَة وَالِاحْتِمَال وَالْإِغْضَاء . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ اِدْفَعْ بِحِلْمِك جَهْل مَنْ يَجْهَل عَلَيْك . وَعَنْهُ أَيْضًا : هُوَ الرَّجُل يَسُبّ الرَّجُل فَيَقُول الْآخَر إِنْ كُنْت صَادِقًا فَغَفَرَ اللَّه لِي , وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا فَغَفَرَ اللَّه لَك . وَكَذَلِكَ يُرْوَى فِي الْأَثَر : أَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ نَالَ مِنْهُ . وَقَالَ مُجَاهِد : " بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن " يَعْنِي السَّلَام إِذَا لَقِيَ مَنْ يُعَادِيه ; وَقَالَهُ عَطَاء . وَقَوْل ثَالِث ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ فِي الْأَحْكَام وَهُوَ الْمُصَافَحَة . وَفِي الْأَثَر : ( تَصَافَحُوا يَذْهَب الْغِلّ ) . وَلَمْ يَرَ مَالِك الْمُصَافَحَة , وَقَدْ اِجْتَمَعَ مَعَ سُفْيَان فَتَكَلَّمَا فِيهَا فَقَالَ سُفْيَان : قَدْ صَافَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعْفَرًا حِين قَدِمَ مِنْ أَرْض الْحَبَشَة ; فَقَالَ لَهُ مَالِك : ذَلِكَ خَاصّ . فَقَالَ لَهُ سُفْيَان : مَا خَصَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخُصّنَا , وَمَا عَمَّهُ يَعُمّنَا , وَالْمُصَافَحَة ثَابِتَة فَلَا وَجْه لِإِنْكَارِهَا . وَقَدْ رَوَى قَتَادَة قَالَ قُلْت لِأَنَسٍ : هَلْ كَانَتْ الْمُصَافَحَة فِي أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح . وَفِي الْأَثَر : ( مِنْ تَمَام الْمَحَبَّة الْأَخْذ بِالْيَدِ ) . وَمِنْ حَدِيث مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَهُوَ إِمَام مُقَدَّم , عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : قَدِمَ زَيْد بْن حَارِثَة الْمَدِينَة وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي , فَقَرَعَ الْبَاب فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُرْيَانًا يَجُرّ ثَوْبه - وَاَللَّه مَا رَأَيْته عُرْيَانًا قَبْله وَلَا بَعْده - فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ . قُلْت : قَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك جَوَاز الْمُصَافَحَة وَعَلَيْهَا جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء . وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي " يُوسُف " وَذَكَرْنَا هُنَاكَ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَأْخُذ أَحَدهمَا بِيَدِ صَاحِبه مَوَدَّة بَيْنهمَا وَنَصِيحَة إِلَّا أُلْقِيَتْ ذُنُوبهمَا بَيْنهمَا ) . أَيْ قَرِيب صَدِيق . قَالَ مُقَاتِل : نَزَلَتْ فِي أَبِي سُفْيَان بْن حَرْب , كَانَ مُؤْذِيًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَصَارَ لَهُ وَلِيًّا بَعْد أَنْ كَانَ عَدُوًّا بِالْمُصَاهَرَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنه وَبَيْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ أَسْلَمَ فَصَارَ وَلِيًّا فِي الْإِسْلَام حَمِيمًا بِالْقَرَابَةِ . وَقِيلَ : هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْل بْن هِشَام , كَانَ يُؤْذِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ وَالصَّفْح عَنْهُ ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَالْأَوَّل ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ وَالْقُشَيْرِيّ وَهُوَ أَظْهَر ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِذَا الَّذِي بَيْنك وَبَيْنه عَدَاوَة كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيم " . وَقِيلَ : كَانَ هَذَا قَبْل الْأَمْر بِالْقِتَالِ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة بِالصَّبْرِ عِنْد الْغَضَب , وَالْحِلْم عِنْد الْجَهْل , وَالْعَفْو عِنْد الْإِسَاءَة , فَإِذَا فَعَلَ النَّاس ذَلِكَ عَصَمَهُمْ اللَّه مِنْ الشَّيْطَان , وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوّهُمْ . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ قَنْبَرًا مَوْلَى عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فَنَادَاهُ عَلِيّ يَا قَنْبَر ! دَعْ شَاتِمك , وَالْهَ عَنْهُ تُرْضِي الرَّحْمَن وَتُسْخِط الشَّيْطَان , وَتُعَاقِب شَاتِمك , فَمَا عُوقِبَ الْأَحْمَق بِمِثْلِ السُّكُوت عَنْهُ . وَأَنْشَدُوا : وَلَلْكَفّ عَنْ شَتْم اللَّئِيم تَكَرُّمًا أَضَرّ لَهُ مِنْ شَتْمه حِين يُشْتَم وَقَالَ آخَر : وَمَا شَيْء أَحَبّ إِلَى سَفِيه إِذَا سَبَّ الْكَرِيم مِنْ الْجَوَاب مُتَارَكَة السَّفِيه بِلَا جَوَاب أَشَدّ عَلَى السَّفِيه مِنْ السِّبَاب وَقَالَ مَحْمُود الْوَرَّاق : سَأُلْزِمُ نَفْسِي الصَّفْح عَنْ كُلّ مُذْنِب وَإِنْ كَثُرَتْ مِنْهُ لَدَيَّ الْجَرَائِمُ فَمَا النَّاس إِلَّا وَاحِد مِنْ ثَلَاثَة شَرِيف وَمَشْرُوف وَمِثْل مُقَاوِم فَأَمَّا الَّذِي فَوْقِي فَأَعْرِف قَدْره وَأَتْبَع فِيهِ الْحَقّ وَالْحَقّ لَازِمُ وَأَمَّا الَّذِي دُونِي فَإِنْ قَالَ صُنْت عَنْ إِجَابَته عِرْضِي وَإِنْ لَامَ لَائِمُ وَأَمَّا الَّذِي مِثْلِي فَإِنْ زَلَّ أَوْ هَفَا تَفَضَّلْت إِنَّ الْفَضْل بِالْحِلْمِ حَاكِم

غريب الآية
وَلَا تَسۡتَوِی ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّیِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِی بَیۡنَكَ وَبَیۡنَهُۥ عَدَ ٰ⁠وَةࣱ كَأَنَّهُۥ وَلِیٌّ حَمِیمࣱ ﴿٣٤﴾
ٱلۡحَسَنَةُالصَّبرُ والحِلْمُ والعَفْوُ.
ٱلسَّیِّئَةُۚالغَضَبُ والجَهْلُ والإِساءَةُ.
ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُادْفَعْ -أيُّها الرَّسُولُ- بِعَفْوِكَ وحِلْمِكَ وَإِحْسَانِكَ مَنْ أَسَاءَ إِليكَ.
وَلِیٌّمُحِبٌّ مُناصِرٌ.
حَمِیمࣱقَرِيبٌ مُشْفِقٌ.
الإعراب
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَسْتَوِي)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلثِّقَلِ.
(الْحَسَنَةُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(السَّيِّئَةُ)
مَعْطُوفٌ عَلَى (الْحَسَنَةُ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(ادْفَعْ)
فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(بِالَّتِي)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الَّتِي) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(هِيَ)
ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(أَحْسَنُ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(فَإِذَا)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ رَابِطٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِذَا) : حَرْفُ فُجَاءَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الَّذِي)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(بَيْنَكَ)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(وَبَيْنَهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(بَيْنَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى (بَيْنَكَ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(عَدَاوَةٌ)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(كَأَنَّهُ)
(كَأَنَّ) : حَرْفُ تَشْبِيهٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ كَانَ.
(وَلِيٌّ)
خَبَرُ (كَأَنَّ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (الَّذِي) :، وَجُمْلَةُ: (الَّذِي ...) : فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(حَمِيمٌ)
نَعْتٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.