صفحات الموقع

سورة الزخرف الآية ٨١

سورة الزخرف الآية ٨١

قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَـٰنِ وَلَدࣱ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَـٰبِدِینَ ﴿٨١﴾

التفسير

تفسير السعدي

قل- يا محمد- لمشركي قومك الزاعمين أن الملائكة بنات الله: ما كان للرحمن من ولد كما تزعمون, فأنا أول العابدين له سبحانه, المنكرين لما تزعمونه, فتقدس الله عن الصاحبة والولد.

التفسير الميسر

قل -أيها الرسول- لمشركي قومك الزاعمين أن الملائكة بنات الله: إن كان للرحمن ولد كما تزعمون، فأنا أول العابدين لهذا الولد الذي تزعمونه، ولكن هذا لم يكن ولا يكون، فتقدَّس الله عن الصاحبة والولد.

تفسير الجلالين

"قُلْ إنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد" فَرْضًا "فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ" لِلْوَلَدِ لَكِنْ ثَبَتَ أَنْ لَا وَلَد لَهُ تَعَالَى فَانْتَفَتْ عِبَادَته

تفسير ابن كثير

يَقُول تَعَالَى " قُلْ " يَا مُحَمَّد " إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ " أَيْ لَوْ فُرِضَ هَذَا لَعَبَدْتُهُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنِّي عَبْد مِنْ عَبِيده مُطِيع لِجَمِيعِ مَا يَأْمُرنِي بِهِ لَيْسَ عِنْدِي اِسْتِكْبَار وَلَا إِبَاء عَنْ عِبَادَته فَلَوْ فُرِضَ هَذَا لَكَانَ هَذَا وَلَكِنَّ هَذَا مُمْتَنِع فِي حَقّه تَعَالَى وَالشَّرْط لَا يَلْزَم مِنْهُ الْوُقُوع وَلَا الْجَوَاز أَيْضًا كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ " لَوْ أَرَادَ اللَّه أَنْ يَتَّخِذ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُق مَا يَشَاء سُبْحَانه هُوَ اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار" وَقَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى " فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ " أَيْ الْآنِفِينَ وَمِنْهُمْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَالْبُخَارِيّ حَكَاهُ فَقَالَ وَيُقَال أَوَّل الْعَابِدِينَ الْجَاحِدِينَ مِنْ عَبَدَ يَعْبُد وَذَكَرَ اِبْن جَرِير لِهَذَا الْقَوْل مِنْ الشَّوَاهِد مَا رَوَاهُ عَنْ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى عَنْ اِبْن وَهْب حَدَّثَنِي اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ أَبِي قُسَيْطٍ عَنْ بَعْجَة بْن بَدْر الْجُهَنِيّ أَنَّ اِمْرَأَة مِنْهُمْ دَخَلَتْ عَلَى زَوْجهَا وَهُوَ رَجُل مِنْهُمْ أَيْضًا فَوَلَدَتْ لَهُ فِي سِتَّة أَشْهُر فَذَكَرَ ذَلِكَ زَوْجهَا لِعُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُرْجَم فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه " وَحَمْله وَفِصَاله ثَلَاثُونَ شَهْرًا " وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ " وَفِصَاله فِي عَامَيْنِ " قَالَ فَوَاَللَّهِ مَا عَبَدَ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنْ بَعَثَ إِلَيْهَا تُرَدّ قَالَ يُونُس قَالَ اِبْن وَهْب عَبْد اِسْتَنْكَفَ وَقَالَ الشَّاعِر : مَتَى مَا يَشَأْ ذُو الْوُدّ يَصْرُم خَلِيله وَيَعْبُد عَلَيْهِ لَا مَحَالَة ظَالِمَا وَهَذَا الْقَوْل فِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ كَيْف يَلْتَئِم مَعَ الشَّرْط فَيَكُون تَقْدِيره إِنْ كَانَ هَذَا فَأَنَا مُمْتَنِع مِنْهُ ؟ هَذَا فِيهِ نَظَر فَلْيُتَأَمَّلْ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّ إِنْ لَيْسَتْ شَرْطًا وَإِنَّمَا هِيَ نَافِيَة كَمَا قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى " قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد " يَقُول لَمْ يَكُنْ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الشَّاهِدِينَ وَقَالَ قَتَادَة هِيَ كَلِمَة مِنْ كَلَام الْعَرَب " إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ " أَيْ إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَلَا يَنْبَغِي وَقَالَ أَبُو صَخْر " قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ " أَيْ فَأَنَا أَوَّل مَنْ عَبَدَهُ بِأَنْ لَا وَلَد لَهُ وَأَوَّل مَنْ وَحَّدَهُ وَكَذَا قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ وَقَالَ مُجَاهِد " فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ " أَيْ أَوَّل مَنْ عَبَدَهُ وَوَحَّدَهُ وَكَذَّبَكُمْ وَقَالَ الْبُخَارِيّ " فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ " الْآنِفِينَ وَهُمَا لُغَتَانِ رَجُل عَابِد وَعُبَّد وَالْأَوَّل أَقْرَب عَلَى أَنَّهُ شَرْط وَجَزَاء وَلَكِنْ هُوَ مُمْتَنِع وَقَالَ السُّدِّيّ" قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ" يَقُول لَوْ كَانَ لَهُ وَلَد كُنْت أَوَّل مَنْ عَبَدَهُ بِأَنَّ لَهُ وَلَد وَلَكِنْ لَا وَلَد لَهُ وَهُوَ اِخْتِيَار اِبْن جَرِير وَرَدَّ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِنْ نَافِيَة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : فِي مَعْنَى ذَلِكَ : قُلْ يَا مُحَمَّد إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فِي قَوْلكُمْ وَزَعْمكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ , فَأَنَا أَوَّل الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ فِي تَكْذِيبكُمْ , وَالْجَاحِدِينَ مَا قُلْتُمْ مِنْ أَنَّ لَهُ وَلَدًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23980 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد } كَمَا تَقُولُونَ { فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ } الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ , فَقُولُوا مَا شِئْتُمْ. 23981 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ } قَالَ : قُلْ إِنْ كَانَ لِلَّهِ وَلَد فِي قَوْلكُمْ , فَأَنَا أَوَّل مَنْ عَبَدَ اللَّه وَوَحَّدَهُ وَكَذَّبَكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : قُلْ مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد , فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ لَهُ بِذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23982 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ } يَقُول : لَمْ يَكُنْ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الشَّاهِدِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ نَفْي , وَمَعْنَى إِنْ الْجَحْد , وَتَأْوِيل ذَلِكَ مَا كَانَ ذَلِكَ , وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23983 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ } قَالَ قَتَادَة : وَهَذِهِ كَلِمَة مِنْ كَلَام الْعَرَب { إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد } : أَيْ إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ , وَلَا يَنْبَغِي . 23984 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ } قَالَ : هَذَا الْإِنْكَاف مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد , نَكُفّ اللَّه أَنْ يَكُون لَهُ وَلَد , وَإِنْ مِثْلُ " مَا " إِنَّمَا هِيَ : مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد , لَيْسَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد , مِثْل قَوْله : { وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لَتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال } 14 46 إِنَّمَا هِيَ : مَا كَانَ مَكْرهمْ لَتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال , فَالَّذِي أَنْزَلَ اللَّه مِنْ كِتَابه وَقَضَاهُ مِنْ قَضَائِهِ أَثْبَت مِنَ الْجِبَال , و " إِنْ " هِيَ " مَا " إِنْ كَانَ مَا كَانَ تَقُول الْعَرَب : إِنْ كَانَ , وَمَا كَانَ الَّذِي تَقُول , وَفِي قَوْله : { فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ } أَوَّل مَنْ يَعْبُد اللَّه بِالْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيق أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد عَلَى هَذَا أَعْبُد اللَّه . 23985 - حَدَّثَنِي ابْن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة , قَالَ : سَأَلْت ابْن مُحَمَّد , عَنْ قَوْل اللَّه : { إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد } قَالَ : مَا كَانَ . 23986 -حَدَّثَنِي ابْن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : سَأَلْت زَيْد بْن أَسْلَمَ , عَنْ قَوْل اللَّه : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد } قَالَ : هَذَا قَوْل الْعَرَب مَعْرُوف , إِنْ كَانَ : مَا كَانَ , إِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْر قَطُّ , ثُمَّ قَالَ : وَقَوْله : وَإِنْ كَانَ : مَا كَانَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى " إِنْ " فِي هَذَا الْمَوْضِع مَعْنَى الْمُجَازَاة , قَالُوا : وَتَأْوِيل الْكَلَام : لَوْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد , كُنْت أَوَّل مَنْ عَبَدَهُ بِذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23987 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ } قَالَ : لَوْ كَانَ لَهُ وَلَد كُنْت أَوَّل مَنْ عَبَدَهُ بِأَنَّ لَهُ وَلَدًا , وَلَكِنْ لَا وَلَد لَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد , فَأَنَا أَوَّل الْآنِفِينَ ذَلِكَ , وَوَجَّهُوا مَعْنَى الْعَابِدِينَ إِلَى الْمُنْكِرِينَ الْآبِينَ , مِنْ قَوْل الْعَرَب : قَدْ عَبِدَ فُلَان مِنْ هَذَا الْأَمْر إِذَا أَنِفَ مِنْهُ وَغَضِبَ وَأَبَاهُ , فَهُوَ يَعْبَد عَبَدًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَلَا هَوِيَتْ أُمّ الْوَلِيد وَأَصْبَحَتْ لِمَا أَبْصَرَتْ فِي الرَّأْس مِنِّي تَعَبَّدُ وَكَمَا قَالَ الْآخَر : مَتَى مَا يَشَأْ ذُو الْوُدّ يَصْرِم خَلِيله وَيَعْبَد عَلَيْهِ لَا مَحَالَة ظَالِمَا 23988 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , ثني قَالَ : ابْن أَبِي ذِئْب , عَنْ أَبِي قُسَيْط , عَنْ بَعْجَة بْن زَيْد الْجُهَنِيّ , أَنَّ امْرَأَة مِنْهُمْ دَخَلَتْ عَلَى زَوْجهَا , وَهُوَ رَجُل مِنْهُمْ أَيْضًا , فَوَلَدَتْ لَهُ فِي سِتَّة أَشْهُر , فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُرْجَم , فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه : { وَحَمْله وَفِصَاله ثَلَاثُونَ شَهْرًا } 46 15 وَقَالَ : { وَفِصَاله فِي عَامَيْنِ } 31 14 14 قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا عَبِد عُثْمَان أَنْ بَعَثَ إِلَيْهَا تُرَدّ . قَالَ يُونُس , قَالَ ابْن وَهْب : عَبِد : اسْتَنْكَفَ. وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى : { إِنْ } الشَّرْط الَّذِي يَقْتَضِي الْجَزَاء عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ السُّدِّيّ , وَذَلِكَ أَنَّ " إِنْ " لَا تَعْدُو فِي هَذَا الْمَوْضِع أَحَد مَعْنَيَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُون الْحَرْف الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الشَّرْط الَّذِي يَطْلُب الْجَزَاء , أَوْ تَكُون بِمَعْنَى الْجَحْد , وَهَبْ إِذَا وَجَّهْت إِلَى الْجَحْد لَمْ يَكُنْ لِلْكَلَامِ كَبِير مَعْنَى ; لِأَنَّهُ يَصِير بِمَعْنَى : قُلْ مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد , وَإِذَا صَارَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى أَوْهَمَ أَهْل الْجَهْل مِنْ أَهْل الشِّرْك بِاللَّهِ أَنَّهُ إِنَّمَا نَفَى بِذَلِكَ عَنِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُون لَهُ وَلَد قَبْل بَعْض الْأَوْقَات , ثُمَّ أَحْدَثَ لَهُ الْوَلَد بَعْد أَنْ لَمْ يَكُنْ , مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ لَقَدَرَ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لَهُمْ : مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد , فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ أَنْ يَقُولُوا لَهُ صَدَقْت , وَهُوَ كَمَا قُلْت , وَنَحْنُ لَمْ نَزْعُم أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ لَهُ وَلَد , وَإِنَّمَا قُلْنَا : لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَد , ثُمَّ خَلَقَ الْجِنّ فَصَاهَرَهُمْ , فَحَدَثَ لَهُ مِنْهُمْ وَلَد , كَمَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَهُ , وَلَمْ يَكُنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِيَحْتَجّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى مُكَذِّبِيهِ مِنَ الْحُجَّة بِمَا يَقْدِرُونَ عَلَى الطَّعْن فِيهِ , وَإِذْ كَانَ فِي تَوْجِيهنَا " إِنْ " إِلَى مَعْنَى الْجَحْد مَا ذَكَرْنَا , فَالَّذِي هُوَ أَشْبَه الْمَعْنَيَيْنِ بِهَا الشَّرْط . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَبَيِّنَة صِحَّة مَا نَقُول مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : قُلْ يَا مُحَمَّد لِمُشْرِكِي قَوْمك الزَّاعِمِينَ أَنَّ الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه : إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل عَابِدِيهِ بِذَلِكَ مِنْكُمْ , وَلَكِنَّهُ لَا وَلَد لَهُ , فَأَنَا أَعْبُدهُ بِأَنَّهُ لَا وَلَد لَهُ , وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون لَهُ . وَإِذَا وُجِّهَ الْكَلَام إِلَى مَا قُلْنَا مِنْ هَذَا الْوَجْه لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْه الشَّكّ , وَلَكِنْ عَلَى وَجْه الْإِلْطَاف مِنَ الْكَلَام وَحُسْن الْخِطَاب , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { قُلِ اللَّه وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَال مُبِين } 34 24 وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْحَقّ مَعَهُ , وَأَنَّ مُخَالِفِيهِ فِي الضَّلَال الْمُبِين .

تفسير القرطبي

اِخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَالسُّدِّيّ : الْمَعْنَى مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد , ف " إِنْ " بِمَعْنَى مَا , وَيَكُون الْكَلَام عَلَى هَذَا تَامًّا , ثُمَّ تَبْتَدِئ : " فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ " أَيْ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ أَهْل مَكَّة عَلَى أَنَّهُ لَا وَلَد لَهُ . وَالْوَقْف عَلَى " الْعَابِدِينَ " تَامّ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى قُلْ يَا مُحَمَّد إِنْ ثَبَتَ لِلَّهِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل مَنْ يَعْبُد وَلَده , وَلَكِنْ يَسْتَحِيل أَنْ يَكُون لَهُ وَلَد ; وَهُوَ كَمَا تَقُول لِمَنْ تُنَاظِرهُ : إِنْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ فَأَنَا أَوَّل مَنْ يَعْتَقِدهُ ; وَهَذَا مُبَالَغَة فِي الِاسْتِبْعَاد ; أَيْ لَا سَبِيل إِلَى اِعْتِقَاده . وَهَذَا تَرْقِيق فِي الْكَلَام ; كَقَوْلِهِ : " وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَال مُبِين " [ سَبَأ : 24 ] . وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا : تَرْقِيق فِي الْكَلَام ; كَقَوْلِهِ : " وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَال مُبِين " [ سَبَأ : 24 ] . وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا : فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ لِذَلِكَ الْوَلَد , لِأَنَّ تَعْظِيم الْوَلَد تَعْظِيم لِلْوَالِدِ . وَقَالَ مُجَاهِد : الْمَعْنَى إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد فَأَنَا أَوَّل مَنْ عَبَدَهُ وَحْده , عَلَى أَنَّهُ لَا وَلَد لَهُ . وَقَالَ السُّدِّيّ أَيْضًا : الْمَعْنَى لَوْ كَانَ لَهُ وَلَد كُنْت أَوَّل مَنْ عَبَدَهُ عَلَى أَنَّ لَهُ وَلَدًا ; وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : ف " إِنْ " عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَال لِلشَّرْطِ , وَهُوَ الْأَجْوَد , وَهُوَ اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ , لِأَنَّ كَوْنهَا بِمَعْنَى مَا يُتَوَهَّم مَعَهُ أَنَّ الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا مَضَى . وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى " الْعَابِدِينَ " الْآنِفِينَ . وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْعَبِدِينَ . وَكَذَلِكَ قَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن وَالْيَمَانِيّ " فَأَنَا أَوَّل الْعَبِدِينَ " بِغَيْرِ أَلِف , يُقَال : عَبِدَ يَعْبَد عَبَدًا ( بِالتَّحْرِيكِ ) إِذَا أَنِفَ وَغَضِبَ فَهُوَ عَبِد , وَالِاسْم الْعَبَدَة مِثْل الْأَنَفَة , عَنْ أَبِي زَيْد . قَالَ الْفَرَزْدَق : أُولَئِكَ أَجْلَاسِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ وَأَعْبُد أَنْ أَهْجُو كَلْبًا بِدَارِمِ وَيُنْشَد أَيْضًا : أُولَئِكَ نَاس إِنْ هَجَوْنِي هَجَوْتهمْ وَأَعْبُد أَنْ يُهْجَى كُلَيْب بِدَارِمِ قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَقَالَ أَبُو عَمْرو وَقَوْله تَعَالَى : " فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ " مِنْ الْأَنَف وَالْغَضَب , وَقَالَ الْكِسَائِيّ وَالْقُتَبِيّ , حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ عَنْهُمَا . وَقَالَ الْهَرَوِيّ : وَقَوْله تَعَالَى : " فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ " قِيلَ هُوَ مِنْ عَبِدَ يَعْبَد ; أَيْ مِنْ الْآنِفِينَ . وَقَالَ اِبْن عَرَفَة : إِنَّمَا يُقَال عَبِدَ يَعْبَد فَهُوَ عَبِد ; وَقَلَّمَا يُقَال عَابِد , وَالْقُرْآن لَا يَأْتِي بِالْقَلِيلِ مِنْ اللُّغَة وَلَا الشَّاذّ , وَلَكِنَّ الْمَعْنَى فَأَنَا أَوَّل مَنْ يَعْبُد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِد لَا وَلَد لَهُ . وَرُوِيَ أَنَّ اِمْرَأَة دَخَلَتْ عَلَى زَوْجهَا فَوَلَدَتْ مِنْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُر , فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا ; فَقَالَ لَهُ عَلِيّ : قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَحَمْله وَفِصَاله ثَلَاثُونَ شَهْرًا " [ الْأَحْقَاف : 15 ] وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى : " وَفِصَاله فِي عَامَيْنِ " [ لُقْمَان : 14 ] فَوَاَللَّهِ مَا عَبِدَ عُثْمَان أَنْ بَعَثَ إِلَيْهَا تُرَدّ . قَالَ عَبْد اللَّه بْن وَهْب : يَعْنِي مَا اِسْتَنْكَفَ وَلَا أَنِفَ . وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ " فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ " أَيْ الْغِضَاب الْآنِفِينَ وَقِيلَ : " فَأَنَا أَوَّل الْعَابِدِينَ " أَيْ أَنَا أَوَّل مَنْ يَعْبُدهُ عَلَى الْوَحْدَانِيَّة مُخَالِفًا لَكُمْ . أَبُو عُبَيْدَة : مَعْنَاهُ الْجَاحِدِينَ ; وَحَكَى : عَبَدَنِي حَقِّي أَيْ جَحَدَنِي . وَقَرَأَ أَهْل الْكُوفَة إِلَّا عَاصِمًا " وَلَد " بِضَمِّ الْوَاو وَإِسْكَان اللَّام . الْبَاقُونَ وَعَاصِم " وُلْد " وَقَدْ تَقَدَّمَ .

غريب الآية
قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَـٰنِ وَلَدࣱ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَـٰبِدِینَ ﴿٨١﴾
فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَـٰبِدِینَأَوَّلُ عابِدِيهِ بِذلكَ مِنْكُم، ولَكِنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ، فأَنا أَعْبُدُهُ بِأنَّه لَا وَلَدَ لَهُ.
الإعراب
(قُلْ)
فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(إِنْ)
حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كَانَ)
فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ.
(لِلرَّحْمَنِ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الرَّحْمَنِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ مُقَدَّمٌ.
(وَلَدٌ)
اسْمُ كَانَ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَأَنَا)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَنَا) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(أَوَّلُ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ.
(الْعَابِدِينَ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.