صفحات الموقع

سورة المائدة الآية ١١٨

سورة المائدة الآية ١١٨

إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ﴿١١٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

" إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ " وأنت أرحم بهم من أنفسهم, وأعلم بأحوالهم, فلولا أنهم عباد متمردون, لم تعذبهم. " وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " أي: فمغفرتك صادرة عن تمام عزة وقدرة, لا كمن يغفر ويعفو, عن عجز وعدم قدرة. الحكيم حيث كان من مقتضى حكمتك, أن تغفر لمن أتى بأسباب المغفرة.

التفسير الميسر

إنك يا ألله إن تعذبهم فإنهم عبادك -وأنت أعلم بأحوالهم-، تفعل بهم ما تشاء بعدلك، وإن تغفر برحمتك لمن أتى منهم بأسباب المغفرة، فإنك أنت العزيز الذي لا يغالَبُ، الحكيم في تدبيره وأمره. وهذه الآية ثناء على الله -تعالى- بحكمته وعدله، وكمال علمه.

تفسير الجلالين

"إنْ تُعَذِّبهُمْ" أَيْ مَنْ أَقَامَ عَلَى الْكُفْر مِنْهُمْ "فَإِنَّهُمْ عِبَادك" وَأَنْت مَالِكهمْ تَتَصَرَّف فِيهِمْ كَيْفَ شِئْت لَا اعْتِرَاض عَلَيْك "وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ" أَيْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ "فَإِنَّك أَنْت الْعَزِيز" عَلَى أَمْره "الْحَكِيم" فِي صُنْعه

تفسير ابن كثير

هَذَا الْكَلَام يَتَضَمَّن رَدَّ الْمَشِيئَةِ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ الْفَعَّال لِمَا يَشَاء الَّذِي لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ وَمُتَضَمِّن التَّبَرِّي مِنْ النَّصَارَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّه وَعَلَى رَسُوله وَجَعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا وَصَاحِبَة وَوَلَدًا تَعَالَى اللَّه عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا وَهَذِهِ الْآيَة لَهَا شَأْن عَظِيم وَنَبَأ عَجِيب وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ بِهَا لَيْلَة حَتَّى الصَّبَاح يُرَدِّدهَا . قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن فُضَيْل حَدَّثَنِي فُلَيْت الْعَامِرِيّ عَنْ جَسْرَة الْعَامِرِيَّة عَنْ أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات لَيْلَة فَقَرَأَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ يَرْكَع بِهَا وَيَسْجُد بِهَا إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم فَلَمَّا أَصْبَحَ قُلْت يَا رَسُول اللَّه مَا زِلْت تَقْرَأ هَذِهِ الْآيَة حَتَّى أَصْبَحْت تَرْكَع بِهَا وَتَسْجُد بِهَا ؟ قَالَ" إِنِّي سَأَلْت رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ الشَّفَاعَة لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِيهَا وَهِيَ نَائِلَة إِنْ شَاءَ اللَّه لِمَنْ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا" . " طَرِيق أُخْرَى وَسِيَاق آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا قُدَامَة بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَتْنِي جَسْرَة بِنْت دَجَاجَة أَنَّهَا اِنْطَلَقَتْ مُعْتَمِرَة فَانْتَهَتْ إِلَى الرَّبْذَة فَسَمِعَتْ أَبَا ذَرّ يَقُول : قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة مِنْ اللَّيَالِي فِي صَلَاة الْعِشَاء فَصَلَّى بِالْقَوْمِ ثُمَّ تَخَلَّفَ أَصْحَاب لَهُ يُصَلُّونَ فَلَمَّا رَأَى قِيَامهمْ وَتَخَلُّفَهُمْ اِنْصَرَفَ إِلَى رَحْله فَلَمَّا رَأَى الْقَوْم قَدْ أَخْلَوْا الْمَكَان رَجَعَ إِلَى مَكَانه يُصَلِّي فَجِئْت فَقُمْت خَلْفه فَأَوْمَأَ إِلَيَّ بِيَمِينِهِ فَقُمْت عَنْ يَمِينه ثُمَّ جَاءَ اِبْن مَسْعُود فَقَامَ خَلْفِي وَخَلْفه فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِشِمَالِهِ فَقَامَ عَنْ شِمَاله فَقُمْنَا ثَلَاثَتنَا يُصَلِّي كُلّ وَاحِد مِنَّا بِنَفْسِهِ وَنَتْلُو مِنْ الْقُرْآن مَا شَاءَ اللَّه أَنْ نَتْلُو وَقَامَ بِآيَةٍ مِنْ الْقُرْآن رَدَّدَهَا حَتَّى صَلَّى الْغَدَاة فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَوْمَأْت إِلَى عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنْ سَلْهُ مَا أَرَادَ إِلَى مَا صَنَعَ الْبَارِحَة فَقَالَ اِبْن مَسْعُود بِيَدِهِ لَا أَسْأَلُهُ عَنْ شَيْء حَتَّى يُحَدِّث إِلَيَّ فَقُلْت بِأَبِي وَأُمِّي قُمْت بِآيَةٍ مِنْ الْقُرْآن وَمَعَك الْقُرْآن لَوْ فَعَلَ هَذَا بَعْضُنَا لَوَجَدْنَا عَلَيْهِ قَالَ " دَعَوْت لِأُمَّتِي" قُلْت فَمَاذَا أُجِبْت أَوْ مَاذَا رُدَّ عَلَيْك ؟ قَالَ " أُجِبْت بِاَلَّذِي لَوْ اِطَّلَعَ عَلَيْهِ كَثِير مِنْهُمْ طَلْعَة تَرَكُوا الصَّلَاة " قُلْت أَفَلَا أُبَشِّر النَّاس ؟ قَالَ " بَلَى " فَانْطَلَقْت مُعْنِقًا قَرِيبًا مِنْ قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ فَقَالَ عُمَر : يَا رَسُول اللَّه إِنَّك إِنْ تَبْعَث إِلَى النَّاس بِهَذَا نَكَلُوا عَنْ الْعِبَادَات فَنَادَاهُ أَنْ " اِرْجِعْ " فَرَجَعَ وَتِلْكَ الْآيَة إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ بَكْر بْن سَوَادَة حَدَّثَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْل عِيسَى إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ " اللَّهُمَّ أُمَّتِي " وَبَكَى فَقَالَ اللَّه يَا جِبْرِيل اِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد - وَرَبّك أَعْلَم - فَاسْأَلْهُ مَا يُبْكِيه ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَم فَقَالَ اللَّه يَا جِبْرِيل اِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد فَقُلْ إِنَّا سَنُرْضِيك فِي أُمَّتك وَلَا نَسُوءك . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا حُسَيْن قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن لَهِيعَة حَدَّثَنَا اِبْن هُبَيْرَة أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا تَمِيم الْجَيْشَانِيّ يَقُول : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن الْمُسَيِّب سَمِعْت حُذَيْفَة بْن الْيَمَان يَقُول : غَابَ عَنَّا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَلَمْ يَخْرُج حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ لَنْ يَخْرُج فَلَمَّا خَرَجَ سَجَدَ سَجْدَة ظَنَنَّا أَنَّ نَفْسه قَدْ قُبِضَتْ فِيهَا فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسه قَالَ " إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ اِسْتَشَارَنِي فِي أُمَّتِي مَاذَا أَفْعَلُ بِهِمْ ؟ فَقُلْت مَا شِئْت أَيْ رَبّ هُمْ خَلْقُك وَعِبَادُك فَاسْتَشَارَنِي الثَّانِيَة فَقُلْت لَهُ كَذَلِكَ فَقَالَ لَا أُخْزِيك فِي أُمَّتك يَا مُحَمَّد وَبَشَّرَنِي أَنَّ أَوَّل مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِي مَعِي سَبْعُونَ أَلْفًا مَعَ كُلّ أَلْف سَبْعُونَ أَلْفًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِسَاب ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ اُدْعُ تُجَبْ وَسَلْ تُعْطَ فَقُلْت لِرَسُولِهِ أَوَمُعْطِيَّ رَبِّي سُؤْلِي ؟ فَقَالَ مَا أَرْسَلَنِي إِلَيْك إِلَّا لِيُعْطِيَك وَلَقَدْ أَعْطَانِي رَبِّي وَلَا فَخْر وَغَفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ وَأَنَا أَمْشِي حَيًّا صَحِيحًا وَأَعْطَانِي أَنْ لَا تَجُوع أُمَّتِي وَلَا تُغْلَب وَأَعْطَانِي الْكَوْثَر وَهُوَ نَهَر فِي الْجَنَّة يَسِيل فِي حَوْضِي وَأَعْطَانِي الْعِزّ وَالنَّصْر وَالرُّعْب يَسْعَى بَيْن يَدَيْ أُمَّتِي شَهْرًا وَأَعْطَانِي أَنِّي أَوَّل الْأَنْبِيَاء يَدْخُل الْجَنَّة وَطَيَّبَ لِي وَلِأُمَّتِي الْغَنِيمَة وَأَحَلَّ لَنَا كَثِيرًا مِمَّا شَدَّدَ عَلَى مَنْ قَبْلنَا وَلَمْ يَجْعَل عَلَيْنَا فِي الدِّين مِنْ حَرَج " .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنْ تُعَذِّب هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَة بِإِمَاتَتِك إِيَّاهُمْ عَلَيْهَا , فَإِنَّهُمْ عِبَادك , مُسْتَسْلِمُونَ لَك , لَا يَمْتَنِعُونَ مِمَّا أَرَدْت بِهِمْ وَلَا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسهمْ ضُرًّا وَلَا أَمْرًا تَنَالهُمْ بِهِ . وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ بِهِدَايَتِك إِيَّاهُمْ إِلَى التَّوْبَة مِنْهَا فَتَسْتُر عَلَيْهِمْ , فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز فِي اِنْتِقَامه مِمَّنْ أَرَادَ الِانْتِقَام مِنْهُ لَا يَقْدِر أَحَد يَدْفَعهُ عَنْهُ , الْحَكِيم فِي هِدَايَته مَنْ هَدَى مِنْ خَلْقه إِلَى التَّوْبَة وَتَوْفِيقه مَنْ وَفَّقَ مِنْهُمْ لِسَبِيلِ النَّجَاة مِنْ الْعِقَاب . كَاَلَّذِي : 10153 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ } فَتُخْرِجهُمْ مِنْ النَّصْرَانِيَّة وَتَهْدِيهِمْ إِلَى الْإِسْلَام , { فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم } وَهَذَا قَوْل عِيسَى فِي الدُّنْيَا . 10154 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم } قَالَ : وَاَللَّه مَا كَانُوا طَعَّانِينَ وَلَا لَعَّانِينَ .

تفسير القرطبي

قَوْله تَعَالَى : " إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك " شَرْط وَجَوَابه " وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " مِثْله رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : قَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِآيَةٍ لَيْلَة حَتَّى أَصْبَحَ , وَالْآيَة : " إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله فَقِيلَ : قَالَهُ عَلَى وَجْه الِاسْتِعْطَاف لَهُمْ , وَالرَّأْفَة بِهِمْ , كَمَا يَسْتَعْطِف السَّيِّد لِعَبْدِهِ ; وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ : فَإِنَّهُمْ عَصَوْك , وَقِيلَ : قَالَهُ عَلَى وَجْه التَّسْلِيم لِأَمْرِهِ وَالِاسْتِجَارَة مِنْ عَذَابه , وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُ لَا يُغْفَر لِكَافِرٍ , وَقِيلَ الْهَاء وَالْمِيم فِي " إِنْ تُعَذِّبهُمْ " لِمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى الْكُفْر , وَالْهَاء وَالْمِيم فِي " إِنْ تَغْفِر لَهُمْ " لِمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْل الْمَوْت ; وَهَذَا حَسَن , وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَعْلَم أَنَّ الْكَافِر لَا يَغْفِر لَهُ فَقَوْل مُجْتَرِئ عَلَى كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ; لِأَنَّ الْأَخْبَار مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَا تُنْسَخ . وَقِيلَ : كَانَ عِنْد عِيسَى أَنَّهُمْ أَحْدَثُوا مَعَاصِي , وَعَمِلُوا بَعْده بِمَا لَمْ يَأْمُرهُمْ بِهِ , إِلَّا أَنَّهُمْ عَلَى عَمُود دِينه , فَقَالَ : وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ مَا أَحْدَثُوا بَعْدِي مِنْ الْمَعَاصِي , وَقَالَ : " فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " وَلَمْ يَقُلْ : فَإِنَّك أَنْتَ الْغَفُور الرَّحِيم عَلَى مَا تَقْتَضِيه الْقِصَّة مِنْ التَّسْلِيم لِأَمْرِهِ , وَالتَّفْوِيض لِحُكْمِهِ . وَلَوْ قَالَ : فَإِنَّك أَنْتَ الْغَفُور الرَّحِيم لَأَوْهَمَ الدُّعَاء بِالْمَغْفِرَةِ لِمَنْ مَاتَ عَلَى شِرْكه وَذَلِكَ مُسْتَحِيل ; فَالتَّقْدِير إِنْ تُبْقِهِمْ عَلَى كُفْرهمْ حَتَّى يَمُوتُوا وَتُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك , وَإِنْ تَهْدِهِمْ إِلَى تَوْحِيدك وَطَاعَتك فَتَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الَّذِي لَا يَمْتَنِع عَلَيْك مَا تُرِيدهُ ; الْحَكِيم فِيمَا تَفْعَلهُ ; تُضِلّ مَنْ تَشَاء وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء , وَقَدْ قَرَأَ جَمَاعَة : " فَإِنَّك أَنْتَ الْغَفُور الرَّحِيم " وَلَيْسَتْ مِنْ الْمُصْحَف . ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاض فِي كِتَاب " الشِّفَا " وَقَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : وَقَدْ طَعَنَ عَلَى الْقُرْآن مَنْ قَالَ إِنَّ قَوْله : " إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " لَيْسَ بِمُشَاكِلٍ لِقَوْلِهِ : " وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ " لِأَنَّ الَّذِي يُشَاكِل الْمَغْفِرَة فَإِنَّك أَنْتَ الْغَفُور الرَّحِيم وَالْجَوَاب أَنَّهُ لَا يَحْتَمِل إِلَّا مَا أَنْزَلَهُ اللَّه وَمَتَى نُقِلَ إِلَى الَّذِي نَقَلَهُ إِلَيْهِ ضَعُفَ مَعْنَاهُ ; فَإِنَّهُ يَنْفَرِد الْغَفُور الرَّحِيم بِالشَّرْطِ الثَّانِي فَلَا يَكُون لَهُ بِالشَّرْطِ الْأَوَّل تَعَلُّق , وَهُوَ عَلَى مَا أَنْزَلَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَاجْتَمَعَ عَلَى قِرَاءَته الْمُسْلِمُونَ مَقْرُون بِالشَّرْطَيْنِ كِلَيْهِمَا أَوَّلهمَا وَآخِرهمَا ; إِذْ تَلْخِيصه إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ عَزِيز حَكِيم , وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم فِي الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا مِنْ التَّعْذِيب وَالْغُفْرَان , فَكَانَ الْعَزِيز الْحَكِيم أَلْيَق بِهَذَا الْمَكَان لِعُمُومِهِ ; فَإِنَّهُ يَجْمَع الشَّرْطَيْنِ , وَلَمْ يَصْلُح الْغَفُور الرَّحِيم إِذْ لَمْ يَحْتَمِل مِنْ الْعُمُوم مَا اِحْتَمَلَهُ الْعَزِيز الْحَكِيم , وَمَا شَهِدَ بِتَعْظِيمِ اللَّه تَعَالَى وَعَدْله وَالثَّنَاء عَلَيْهِ فِي الْآيَة كُلّهَا وَالشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَوْلَى وَأَثْبَت مَعْنًى فِي الْآيَة مِمَّا يَصْلُح لِبَعْضِ الْكَلَام دُون بَعْض . خَرَّجَ مُسْلِم مِنْ غَيْر طَرِيق عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْله عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيم " رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاس فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّك غَفُور رَحِيم " [ إِبْرَاهِيم : 36 ] وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام : " إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم " فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : ( اللَّهُمَّ أُمَّتِي ) وَبَكَى فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : ( يَا جِبْرِيل اِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد وَرَبّك أَعْلَم فَسَلْهُ مَا يُبْكِيك ) فَأَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَم . فَقَالَ اللَّه : يَا جِبْرِيل اِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد فَقُلْ لَهُ إِنَّا سَنُرْضِيك فِي أُمَّتك وَلَا نَسُوءك ) وَقَالَ بَعْضهمْ : فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير وَمَعْنَاهُ , إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْحَكِيم وَإِنْ تَغْفِر لَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك , وَوَجْه الْكَلَام عَلَى نَسَقِهِ أَوْلَى لِمَا بَيَّنَّاهُ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق

غريب الآية
إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ﴿١١٨﴾
الإعراب
(إِنْ)
حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُعَذِّبْهُمْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ فِعْلُ الشَّرْطِ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(فَإِنَّهُمْ)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنَّ) : حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (إِنَّ) :.
(عِبَادُكَ)
خَبَرُ (إِنَّ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ.
(وَإِنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنْ) : حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَغْفِرْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ فِعْلُ الشَّرْطِ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(لَهُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(فَإِنَّكَ)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنَّ) : حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (إِنَّ) :.
(أَنْتَ)
ضَمِيرُ فَصْلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ لَا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ.
(الْعَزِيزُ)
خَبَرُ (إِنَّ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ.
(الْحَكِيمُ)
خَبَرُ (إِنَّ) : ثَانٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.