سورة المائدة الآية ٣
سورة المائدة الآية ٣
حُرِّمَتۡ عَلَیۡكُمُ ٱلۡمَیۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِیرِ وَمَاۤ أُهِلَّ لِغَیۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّیَةُ وَٱلنَّطِیحَةُ وَمَاۤ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّیۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُوا۟ بِٱلۡأَزۡلَـٰمِۚ ذَ ٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡیَوۡمَ یَىِٕسَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِن دِینِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَـٰمَ دِینࣰاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِی مَخۡمَصَةٍ غَیۡرَ مُتَجَانِفࣲ لِّإِثۡمࣲ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ﴿٣﴾
تفسير السعدي
هذا الذي حولنا الله عليه في قوله " إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ " . واعلم أن الله تبارك وتعالى, لا يحرّم ما يحرّم, إلا صيانة لعباده, وحماية لهم من الضرر الموجود في المحرمات, وقد يبين للعباد ذلك, وقد لا يبين. فأخبر أنه حرم " الْمَيْتَةَ " , والمراد بالميتة: ما فقدت حياته بغير ذكاة شرعية, فإنها تحرم, لضررها, وهو احتقان الدم في جوفها ولحمها, المضر بآكلها. وكثيرا ما تموت بعلة تكون سببا لهلاكها, فتضر بالآكل. ويستثنى من ذلك, ميتة الجراد, والسمك فإنه حلال. " وَالدَّمَ " أي: المسفوح, كما قيد في الآية الأخرى. " وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ " وذلك شامل لجميع أجزائه. وإنما نص الله عليه من بين سائر الخبائث من السباع, لأن طائفة من أهل الكتاب, من النصارى, يزعمون أن الله أحله لهم. أي: فلا تغتروا بهم, بل هو محرم من جملة الخبائث. " وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ " أي ذكر عليه اسم غير الله, من الأصنام, والأولياء, والكواكب, وغير ذلك من المخلوقين. فكما أن ذكر الله تعالى يطيب الذبيحة, فذكر اسم غيره عليها, يفيدها خبثا معنويا, لأنه شرك بالله تعالى. " وَالْمُنْخَنِقَةُ " أي: الميتة بخنق, بيد, أو حبل, أو إدخالها رأسها بشيء ضيق, فتعجز عن إخراجه, حتى تموت. " وَالْمَوْقُوذَةُ " أي: الميتة بسبب الضرب, بعصا, أو حصى, أو خشبة, أو هدم شيء عليها, بقصد, أو بغير قصد. " وَالْمُتَرَدِّيَةُ " أي: الساقطة من علو, كجبل, أو جدار, أو سطح ونحوه, فتموت بذلك. " وَالنَّطِيحَةُ " وهي التي تنطحها غيرها فتموت. " وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ " من ذئب, أو أسد, أو نمر, أو من الطيور التي تفترس الصيود, فإنها إذا ماتت بسبب أكل السبع, فإنها لا تحل. وقوله " إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ " راجع لهذه المسائل, من منخنقة, وموقوذة, ومتردية, ونطيحة, وأكيلة سبع, إذا ذكيت وفيها حياة مستقرة لتتحقق الذكاة فيها. ولهذا قال الفقهاء: " لو أبان السبع أو غيره, حشوتها, أو قطع حلقومها, كان وجود حياتها, كعدمها, لعدم فائدة الذكاة فيها " . وبعضهم لم يعتبر فيها إلا وجود الحياة, فإذا ذكاها وفيها حياة, حلت, ولو كانت مبانة الحشوة, وهو ظاهر الآية الكريمة. " وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ " أي: وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام. ومعنى الاستقسام: طلب ما يقسم لكم, ويقدر بها. وهي قداح ثلاثة, كانت تستعمل في الجاهلية, مكتوب على أحدها " افعل " وعلى الثاني " لا تفعل " والثالث " غفل " لا كتابة فيه. فإذا هَمَّ أحدهم بسفر, أو عرس أو نحوهما, أجال تلك القداح المتساوية في الجرم, ثم أخرج واحدا منها. فإن خرج المكتوب عليه " افعل " مضى في أمره. وإن ظهر المكتوب عليه " لا تفعل " لم يفعل ولم يمض في شأنه. وإن ظهر الآخر, الذي لا شيء عليه, أعادها حتى يخرج أحد القدحين, فيعمل به. فحرم الله عليهم الذي في هذه الصورة, وما يشبهها, وعوضهم عنه, بالاستخارة لربهم, في جميع أمورهم. " ذَلِكُمْ فِسْقٌ " الإشارة لكل ما تقدم من المحرمات, التي حرمها الله, صيانة لعباده, وأنها فسق, أي: خروج عن طاعته, إلى طاعة الشيطان. ثم امتن على عباده بقوله: " الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ " الآية. واليوم المشار إليه, يوم عرفة, إذ أتم الله دينه, ونصر عبده ورسوله, وانخذل أهل الشرك انخذالا بليغا, بعد ما كانوا حريصين على رد المؤمنين عن دينهم, طامعين في ذلك. فلما رأوا عز الإسلام وانتصاره وظهوره, يئسوا كل اليأس من المؤمنين, أن يرجعوا إلى دينهم, وصاروا يخافون منهم ويخشون. ولهذا في هذه السنة, التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع - لم يحجج فيها مشرك, ولم يطف بالبيت عريان. ولهذا قال " فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ " أي: فلا تخشوا المشركين, واخشوا الله, الذي نصركم عليهم, وخذلهم, ورد كيدهم في نحورهم. " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ " بتمام النصر, وتكميل الشرائع, الظاهرة والباطنة, الأصول والفروع. ولهذا كان الكتاب والسنة, كافيين كل الكفاية, في أحكام الدين, وأصوله وفروعه. فكل متكلف يزعم, أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم, إلى علوم, غير علم الكتاب والسنة, من علم الكلام وغيره, فهو جاهل, مبطل في دعواه, قد زعم أن الدين لا يكمل, إلا بما قاله, ودعا إليه. وهذا من أعظم الظلم والتجهيل لله ولرسوله. " وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي " الظاهرة والباطنة " وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا " أي: اخترته واصطفيته لكم دينا, كما ارتضيتكم له. فقوموا به, شكرا لربكم, واحمدوا الذي مَنَّ عليكم, بأفضل الأديان وأشرفها وأكملها. " فَمَنِ اضْطُرَّ " أي: ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من المحرمات السابقة, في قوله " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ " . " فِي مَخْمَصَةٍ " أي: مجاعة " غَيْرَ مُتَجَانِفٍ " أي: مائل " لِإِثْمٍ " بأن لا يأكل حتى يضطر, ولا يزيد في الأكل على كفايته. " فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " حيث أباح له الأكل في هذه الحال. ورحمه, بما يقيم به بنيته, من غير نقص يلحقه في دينه.
التفسير الميسر
حرَّم الله عليكم الميتة، وهي الحيوان الذي تفارقه الحياة بدون ذكاة، وحرَّم عليكم الدم السائل المُراق، ولحم الخنزير، وما ذُكِر عليه غير اسم الله عند الذبح، والمنخنقة التي حُبِس نَفَسُها حتى ماتت، والموقوذة وهي التي ضُربت بعصا أو حجر حتى ماتت، والمُتَرَدِّية وهي التي سقطت من مكان عال أو هَوَت في بئر فماتت، والنطيحة وهي التي ضَرَبَتْها أخرى بقرنها فماتت، وحرَّم الله عليكم البهيمة التي أكلها السبُع، كالأسد والنمر والذئب، ونحو ذلك. واستثنى -سبحانه- مما حرَّمه من المنخنقة وما بعدها ما أدركتم ذكاته قبل أن يموت فهو حلال لكم، وحرَّم الله عليكم ما ذُبِح لغير الله على ما يُنصب للعبادة من حجر أو غيره، وحرَّم الله عليكم أن تطلبوا عِلْم ما قُسِم لكم أو لم يقسم بالأزلام، وهي القداح التي كانوا يستقسمون بها إذا أرادوا أمرًا قبل أن يقدموا عليه. ذلكم المذكور في الآية من المحرمات -إذا ارتُكبت- خروج عن أمر الله وطاعته إلى معصيته. الآن انقطع طمع الكفار من دينكم أن ترتدوا عنه إلى الشرك بعد أن نصَرْتُكم عليهم، فلا تخافوهم وخافوني. اليوم أكملت لكم دينكم دين الإسلام بتحقيق النصر وإتمام الشريعة، وأتممت عليكم نعمتي بإخراجكم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، ورضيت لكم الإسلام دينًا فالزموه، ولا تفارقوه. فمن اضطرَّ في مجاعة إلى أكل الميتة، وكان غير مائل عمدًا لإثم، فله تناوله، فإن الله غفور له، رحيم به.
تفسير الجلالين
"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة" أَيْ أَكْلهَا "وَالدَّم" أَيْ الْمَسْفُوح كَمَا فِي الْأَنْعَام "وَلَحْم الْخِنْزِير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ" بِأَنْ ذُبِحَ عَلَى اسْم غَيْره "وَالْمُنْخَنِقَة" الْمَيْتَة خَنْقًا "وَالْمَوْقُوذَة" الْمَقْتُولَة ضَرْبًا "وَالْمُتَرَدِّيَة" السَّاقِطَة مِنْ عُلْو إلَى أَسْفَل فَمَاتَتْ "وَالنَّطِيحَة" الْمَقْتُولَة بِنَطْحِ أُخْرَى لَهَا "وَمَا أَكَلَ السَّبُع" مِنْهُ "إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ" أَيْ أَدْرَكْتُمْ فِيهِ الرُّوح مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاء فَذَبَحْتُمُوهُ "وَمَا ذُبِحَ عَلَى" اسْم "النُّصُب" جَمْع نِصَاب وَهِيَ الْأَصْنَام "وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا" تَطْلُبُوا الْقَسْم وَالْحُكْم "بِالْأَزْلَامِ" جَمْع زَلَم بِفَتْحِ الزَّاي وَضَمّهَا مَعَ فَتْح اللَّام قِدْح بِكَسْرِ الْقَاف صَغِير لَا رِيش لَهُ وَلَا نَصْل وَكَانَتْ سَبْعَة عِنْد سَادِن الْكَعْبَة . عَلَيْهَا أَعْلَام وَكَانُوا يَحْكُمُونَهَا فَإِنْ أَمَرَتْهُمْ ائْتَمَرُوا وَإِنْ نَهَتْهُمْ انْتَهَوْا "ذَلِكُمْ فِسْق" خُرُوج عَنْ الطَّاعَة وَنَزَلَ يَوْم عَرَفَة عَام حَجَّة الْوَدَاع "الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ" أَنْ تَرْتَدُّوا عَنْهُ بَعْد طَمَعهمْ فِي ذَلِك لِمَا رَأَوْا مِنْ قُوَّته "فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ" أَحْكَامه وَفَرَائِضه فَلَمْ يَنْزِل بَعْدهَا حَلَال وَلَا حَرَام "وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي" بِإِكْمَالِهِ وَقِيلَ بِدُخُولِ مَكَّة آمِنِينَ "وَرَضِيت" أَيْ اخْتَرْت "لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة" مَجَاعَة إلَى أَيّ شَيْء مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِ فَأَكَلَهُ "غَيْر مُتَجَانِف" مَائِل "لِإِثْمٍ" مَعْصِيَة "فَإِنَّ اللَّه غَفُور" لَهُ مَا أَكَلَ "رَحِيم" بِهِ فِي إبَاحَته بِخِلَافِ الْمَائِل لِإِثْمٍ أَيْ الْمُتَلَبِّس بِهِ كَقَاطِعِ الطَّرِيق وَالْبَاغِي مَثَلًا فَلَا يَحِلّ لَهُ الْأَكْل
تفسير ابن كثير
يُخْبِر تَعَالَى عِبَاده خَبَرًا مُتَضَمَّنًا النَّهْيَ عَنْ تَعَاطِي هَذِهِ الْمُحَرَّمَات مِنْ الْمَيْتَة وَهِيَ مَا مَاتَ مِنْ الْحَيَوَان حَتْف أَنْفه مِنْ غَيْر ذَكَاة وَلَا اِصْطِيَاد وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَضَرَّة لِمَا فِيهَا مِنْ الدَّم الْمُحْتَقِن فَهِيَ ضَارَّة لِلدِّينِ وَلِلْبَدَنِ فَلِهَذَا حَرَّمَهَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْمَيْتَة السَّمَك فَإِنَّهُ حَلَال سَوَاء مَاتَ بِتَذْكِيَةٍ أَوْ غَيْرهَا لِمَا رَوَاهُ مَالِك فِي مُوَطَّئِهِ وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ فِي سُنَنهمْ وَابْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ مَاء الْبَحْر فَقَالَ : " هُوَ الطَّهُور مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ " وَهَكَذَا الْجَرَاد لِمَا سَيَأْتِي مِنْ الْحَدِيث وَقَوْله " الدَّم " يَعْنِي بِهِ الْمَسْفُوح كَقَوْلِهِ " أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا " قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا كَثِير بْن شِهَاب الْمَذْحِجِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعِيد بْن سَابِق حَدَّثَنَا عَمْرو يَعْنِي اِبْن قَيْس عَنْ سِمَاك عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الطُّحَال فَقَالَ : كُلُوهُ فَقَالُوا : إِنَّهُ دَم فَقَالَ : إِنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ . وَكَذَا رَوَاهُ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة قَالَتْ إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ الدَّم السَّافِح وَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن إِدْرِيس الشَّافِعِيّ حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالسَّمَك وَالْجَرَاد وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِد وَالطُّحَال" . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَابْن مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ وَهُوَ ضَعِيف قَالَ الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي إِدْرِيس عَنْ أُسَامَة وَعَبْد اللَّه وَعَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا قُلْت وَثَلَاثَتهمْ كُلّهمْ ضُعَفَاء وَلَكِنَّ بَعْضهمْ أَصْلَحُ مِنْ بَعْض وَقَدْ رَوَاهُ سُلَيْمَان بْن بِلَال أَحَد الْأَثْبَاتِ عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ اِبْن عُمَر فَوَقَفَهُ بَعْضهمْ عَلَيْهِ قَالَ الْحَافِظ أَبُو زُرْعَة الرَّازِيّ : وَهُوَ أَصَحُّ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحَسَن حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي الشَّوَارِب حَدَّثَنَا بَشِير بْن شُرَيْح عَنْ أَبِي غَالِب عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَهُوَ صُدَيّ بْن عَجْلَان قَالَ : بَعَثَنِي رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى قَوْمِي أَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّه وَرَسُوله وَأَعْرِض عَلَيْهِمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ فَأَتَيْتهمْ فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ جَاءُوا بِقَصْعَةٍ مِنْ دَم فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهَا يَأْكُلُونَهَا فَقَالَ هَلُمَّ يَا صُدَيّ فَكُلْ قَالَ : قُلْت وَيْحَكُمْ إِنَّمَا أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ مَنْ يُحَرِّم هَذَا عَلَيْكُمْ فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا وَمَا ذَاكَ فَتَلَوْت عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَة " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم " الْآيَة. وَرَوَاهُ الْحَافِظ ابْنُ بَكْر بْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ حَدِيث اِبْن أَبِي الشَّوَارِب بِإِسْنَادٍ مِثْله وَزَادَ بَعْده هَذَا السِّيَاق قَالَ : فَجَعَلْت أَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيَأْبَوْنَ عَلَيَّ فَقُلْت وَيْحَكُمْ اِسْقُونِي شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ فَإِنِّي شَدِيد الْعَطَش قَالَ وَعَلَيَّ عَبَاءَتِي فَقَالُوا : لَا وَلَكِنْ نَدَعُك حَتَّى تَمُوتَ عَطَشًا قَالَ فَاغْتَمَمْت وَضَرَبْت بِرَأْسِي فِي الْعَبَاء وَنِمْت عَلَى الرَّمْضَاء فِي حَرّ شَدِيدٍ قَالَ فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي بِقَدَحٍ مِنْ زُجَاجٍ لَمْ يَرَ النَّاسُ أَحْسَنَ مِنْهُ وَفِيهِ شَرَاب لَمْ يَرَ النَّاس أَلَذَّ مِنْهُ فَأَمْكَنَنِي مِنْهُ فَشَرِبْته فَلَمَّا فَرَغْت مِنْ شَرَابِي اِسْتَيْقَظْت فَلَا وَاَللَّهِ مَا عَطِشْت وَلَا عَرِيت بَعْد تِيك الشَّرْبَةِ وَرَوَاهُ الْحَكَم فِي مُسْتَدْرَكه عَنْ عَلِيّ بْن حَمَّاد عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن حَنْبَل حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن سَلَمَة بْن عَيَّاش الْعَامِرِيّ حَدَّثَنَا صَدَقَة بْن هُرْم عَنْ أَبِي غَالِب عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ بَعْد قَوْله بَعْد تِيك الشَّرْبَةِ فَسَمِعْتهمْ يَقُولُونَ أَتَاكُمْ رَجُلٌ مِنْ سَرَاة قَوْمِكُمْ فَلَمْ تُمَجِّعُوهُ بِمَذْقَةٍ فَأْتُونِي بِمَذْقَةٍ فَقُلْت لَا حَاجَة لِي فِيهَا إِنَّ اللَّه أَطْعَمَنِي وَسَقَانِي وَأَرَيْتهمْ بَطْنِي فَأَسْلَمُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَمَا أَحْسَنَ مَا أَنْشَدَ الْأَعْشَى فِيَّ قَصِيدَتَهُ الَّتِي ذَكَرَهَا اِبْن إِسْحَاق : وَإِيَّاكَ وَالْمَيْتَات لَا تَقْرَبَنَّهَا وَلَا تَأْخُذَنْ عَظْمًا حَدِيدًا فَتَفْصِدَا أَيْ لَا تَفْعَل فِعْل الْجَاهِلِيَّة وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إِذَا جَاعَ يَأْخُذُ شَيْئًا مُحَدَّدًا مِنْ عَظْمٍ وَنَحْوِهِ فَيَفْصِد بِهِ بَعِيره أَوْ حَيَوَانًا مِنْ أَيّ صِنْف كَانَ فَيَجْمَع مَا يَخْرُج مِنْهُ مِنْ الدَّم فَيَشْرَبهُ وَلِهَذَا حَرَّمَ اللَّه الدَّم عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة ثُمَّ قَالَ الْأَعْشَى : وَذَا النُّصُب الْمَنْصُوب لَا تَأْتِيَنَّهُ وَلَا تَعْبُدْ الْأَوْثَانَ وَاَللَّهَ فَاعْبُدَا " قَوْله وَلَحْم الْخِنْزِير " يَعْنِي إِنْسِيّه وَوَحْشِيّه وَاللَّحْم يَعُمّ جَمِيع أَجْزَائِهِ حَتَّى الشَّحْم وَلَا يُحْتَاج إِلَى تَحَذْلُق الظَّاهِرِيَّة فِي جُمُودهمْ هَهُنَا وَتَعَسُّفهمْ فِي الِاحْتِجَاج بِقَوْلِهِ " فَإِنَّهُ رِجْس أَوْ فِسْقًا " يَعْنُونَ قَوْله تَعَالَى " إِلَّا أَنْ يَكُون مَيْتَة أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْم خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْس " أَعَادُوا الضَّمِير فِيمَا فَهِمُوهُ عَلَى الْخِنْزِير حَتَّى يَعُمّ جَمِيع أَجْزَائِهِ وَهَذَا بَعِيد مِنْ حَيْثُ اللُّغَة فَإِنَّهُ لَا يَعُود الضَّمِير إِلَّا إِلَى الْمُضَاف دُون الْمُضَاف إِلَيْهِ وَالْأَظْهَر أَنَّ اللَّحْم يَعُمّ جَمِيع الْأَجْزَاء كَمَا هُوَ الْمَفْهُوم مِنْ لُغَة الْعَرَب وَمِنْ الْعُرْف الْمُطَّرِد وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ بُرَيْدَةَ بْن الْحُصَيْب الْأَسْلَمِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :" مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِير فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَده فِي لَحْم الْخِنْزِير وَدَمه " فَإِذَا كَانَ هَذَا التَّنْفِير لِمُجَرَّدِ اللَّمْس فَكَيْف يَكُون التَّهْدِيد وَالْوَعِيد الْأَكِيد عَلَى أَكْله وَالتَّغَذِّي بِهِ وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى شُمُول اللَّحْم لِجَمِيعِ الْأَجْزَاء مِنْ الشَّحْم وَغَيْره وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ اللَّه حَرَّمَ بَيْع الْخَمْر وَالْمَيْتَة وَالْخِنْزِير وَالْأَصْنَام فَقِيلَ يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت شُحُوم الْمَيْتَة فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُن وَتُدْهَن بِهَا الْجُلُود وَيَسْتَصْبِح بِهَا النَّاس فَقَالَ : لَا هُوَ حَرَام " وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي سُفْيَان أَنَّهُ قَالَ لِهِرَقْلَ مَلِك الرُّوم نَهَانَا عَنْ الْمَيْتَة وَالدَّم وَقَوْله " وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه " أَيْ مَا ذُبِحَ فَذُكِرَ عَلَيْهِ اِسْم غَيْر اللَّه فَهُوَ حَرَام لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْجَبَ أَنْ تُذْبَح مَخْلُوقَاته عَلَى اِسْمه الْعَظِيم فَمَتَى عُدِلَ بِهَا عَنْ ذَلِكَ وَذُكِرَ عَلَيْهَا اِسْم غَيْره مِنْ صَنَم أَوْ طَاغُوت أَوْ وَثَن أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ سَائِر الْمَخْلُوقَات فَإِنَّهَا حَرَام بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَتْرُوك التَّسْمِيَة إِمَّا عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي سُورَة الْأَنْعَام . وَقَدْ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحَسَن السَّنْجَانِيّ حَدَّثَنَا نُعَيْم بْن حَمَّاد حَدَّثَنَا اِبْن فُضَيْل عَنْ الْوَلِيد بْن جَمِيع عَنْ أَبِي الطُّفَيْل قَالَ نَزَلَ آدَم بِتَحْرِيمِ أَرْبَع " الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ " وَإِنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَة أَشْيَاء لَمْ تَحِلّ قَطُّ وَلَمْ تَزَلْ حَرَامًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض فَلَمَّا كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه عِيسَى اِبْن مَرْيَم - عَلَيْهِ السَّلَام - نَزَلَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّل الَّذِي جَاءَ بِهِ آدَم وَأُحِلَّتْ لَهُمْ مَا سِوَى ذَلِكَ فَكَذَّبُوهُ وَعَصَوْهُ وَهَذَا أَثَر غَرِيب . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُونُس حَدَّثَنَا رِبْعِيّ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ سَمِعْت الْجَارُود بْن أَبِي سَبْرَة قَالَ : هُوَ جَدِّي قَالَ كَانَ رَجُل مِنْ بَنِي رَبَاح يُقَال لَهُ اِبْن وَائِل وَكَانَ شَاعِرًا نَافَرَ غَالِبًا أَبَا الْفَرَزْدَق بِمَاءٍ بِظَهْرِ الْكُوفَة عَلَى أَنْ يَعْقِر هَذَا مِائَةً مِنْ إِبِله وَهَذَا مِائَةً مِنْ إِبِلِهِ إِذَا وَرَدَتْ الْمَاءَ فَلَمَّا وَرَدَتْ الْمَاء قَامَا إِلَيْهَا بِسَيْفَيْهِمَا فَجَعَلَا يَكْشِفَانِ عَرَاقِيبَهَا قَالَ : فَخَرَجَ النَّاس عَلَى الْحُمُرَات وَالْبِغَال يُرِيدُونَ اللَّحْم قَالَ : وَعَلِيّ بِالْكُوفَةِ قَالَ : فَخَرَجَ عَلِيّ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْضَاءِ وَهُوَ يُنَادِي يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِهَا فَإِنَّهَا أُهِلَّ بِهَا لِغَيْرِ اللَّه هَذَا أَثَر غَرِيب وَيَشْهَد لَهُ بِالصِّحَّةِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا هَارُون بْن عَبْد اللَّه ثَنَا اِبْن حَمَّاد بْن مَسْعَدَةَ عَنْ عَوْف عَنْ أَبِي رَيْحَانَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ نَهَى رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مُعَاقَرَة الْأَعْرَاب ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ مُحَمَّد بْن جَعْفَر هُوَ غُنْدَر أَوْقَفَهُ عَلَى اِبْن عَبَّاس تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا حَدَّثَنَا هَارُون بْن زَيْد بْن أَبِي الزَّرْقَاء حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا جَرِير بْن حَازِم عَنْ الزُّبَيْر بْن خِرِّيت قَالَ سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول : إِنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ طَعَام الْمُتَبَارِيَيْنِ أَنْ يُؤْكَل ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَكْثَرُ مَنْ رَوَاهُ غَيْر اِبْن جَرِير لَا يَذْكُر فِيهِ اِبْنَ عَبَّاسٍ تَفَرَّدَ بِهِ أَيْضًا قَوْله " وَالْمُنْخَنِقَة" وَهِيَ الَّتِي تَمُوت بِالْخَنْقِ إِمَّا قَصْدًا وَإِمَّا اِتِّفَاقًا بِأَنْ تَتَخَبَّل فِي وَثَاقَتِهَا فَتَمُوت فَهِيَ حَرَام وَأَمَّا" الْمَوْقُوذَة " فَهِيَ الَّتِي تُضْرَب بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ غَيْر مُحَدَّد حَتَّى تَمُوت كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْر وَاحِد عَنْ الَّتِي تُضْرَب بِالْخَشَبَةِ حَتَّى يُوقِذَهَا فَتَمُوت قَالَ قَتَادَة : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَضْرِبُونَهَا بِالْعَصَا حَتَّى إِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا . وَفِي الصَّحِيح أَنَّ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْد فَأُصِيب قَالَ : إِذَا رَمَيْت بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذ فَلَا تَأْكُلهُ فَفَرَّقَ بَيْن مَا أَصَابَهُ بِالسَّهْمِ أَوْ بِالْمِعْرَاضِ وَنَحْوه بِحَدِّهِ فَأَحَلَّهُ وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَجَعَلَهُ وَقِيذًا لَمْ يُحِلَّهُ وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ عِنْد الْفُقَهَاء وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا صَدَمَ الْجَارِحَةُ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ بِثِقَلِهِ وَلَمْ يَجْرَحهُ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّه " أَحَدهمَا" لَا يَحِلّ كَمَا فِي السَّهْم وَالْجَامِع أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَيِّت بِغَيْرِ جَرْح فَهُوَ وَقِيذ " وَالثَّانِي " أَنَّهُ يَحِلّ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِإِبَاحَةِ مَا صَادَهُ الْكَلْب وَلَمْ يَسْتَفْصِل فَدَلَّ عَلَى إِبَاحَة مَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي الْعُمُوم وَقَدْ قَرَرْت لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة فَصْلًا فَلْيُكْتَبْ هَهُنَا. " فَصْل " اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى فِيمَا إِذَا أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْد فَقَتَلَهُ بِثِقَلِهِ وَلَمْ يَجْرَحهُ أَوْ صَدَمَهُ هَلْ يَحِلّ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ : " أَحَدهمَا" أَنَّ ذَلِكَ حَلَال لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : " فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ " وَكَذَا عُمُومَات حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم وَهَذَا قَوْل حَكَاهُ الْأَصْحَاب عَنْ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه وَصَحَّحَهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ : كَالنَّوَوِيِّ وَالرَّافِعِيّ" قُلْت " وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ مِنْ كَلَام الشَّافِعِيّ فِي الْأُمّ و الْمُخْتَصَر فَإِنَّهُ قَالَ : فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ يَحْتَمِل مَعْنَيَيْنِ ثُمَّ وَجَّهَ كُلًّا مِنْهُمَا فَحَمَلَ ذَلِكَ الْأَصْحَاب مِنْهُ فَأَطْلَقُوا فِي الْمَسْأَلَة قَوْلَيْنِ عَنْهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنَّهُ فِي بَحْثه لِلْقَوْلِ بِالْحِلِّ رَشَّحَهُ قَلِيلًا وَلَمْ يُصَرِّح بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا جَزَمَ وَالْقَوْل بِذَلِكَ أَعْنِي الْحِلّ نَقَلَهُ اِبْن الصَّبَّاغ عَنْ أَبِي حَنِيفَة مِنْ رِوَايَة الْحَسَن بْن زِيَاد عَنْهُ وَلَمْ يَذْكُر غَيْر ذَلِكَ وَأَمَّا أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير فَحَكَاهُ فِي تَفْسِيره عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ وَأَبِي هُرَيْرَة وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَابْن عُمَر وَهَذَا غَرِيب جِدًّا وَلَيْسَ يُوجَد ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ عَنْهُمْ إِلَّا أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفه رَحِمَهُ اللَّه وَرَضِيَ عَنْهُ . " وَالْقَوْل الثَّانِي" أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلّ وَهُوَ أَحَد الْقَوْلَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ وَيَظْهَر مِنْ كَلَام اِبْن الصَّبَّاغ تَرْجِيحه أَيْضًا وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَرَوَاهُ أَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد عَنْ أَبِي حَنِيفَة وَهُوَ الْمَشْهُور عَنْ الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَهَذَا الْقَوْل أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ وَاَللَّه أَعْلَمُ لِأَنَّهُ أُجْرِيَ عَلَى الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة وَأَمَسّ الْأُصُول الشَّرْعِيَّة وَاحْتَجَّ اِبْن الصَّبَّاغ لَهُ بِحَدِيثِ رَافِع بْن خَدِيج قُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى أَفَنَذْبَح بِالْقَصَبِ قَالَ : " مَا أَنْهَرَ الدَّمَ تَذْكُرُ اِسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ" الْحَدِيث بِتَمَامِهِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَارِدًا عَلَى سَبَب خَاصّ فَالْعِبْرَة بِعُمُومِ اللَّفْظ عِنْد جُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع كَمَا سُئِلَ - عَلَيْهِ السَّلَام - عَنْ الْبِتْع وَهُوَ نَبِيذ الْعَسَل فَقَالَ : " كُلّ شَرَاب أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَام " أَفَيَقُول فَقِيه إِنَّ هَذَا اللَّفْظ مَخْصُوص بِشَرَابِ الْعَسَل وَهَكَذَا هَذَا كَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْء مِنْ الذَّكَاة فَقَالَ لَهُمْ كَلَامًا عَامًّا يَشْمَل ذَاكَ الْمَسْئُول عَنْهُ وَغَيْره لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَام - كَانَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِع الْكَلِم إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمَا صَدَمَهُ الْكَلْب أَوْ غَمَّهُ بِثِقَلِهِ لَيْسَ مِمَّا أَنْهَرَ دَمَهُ فَلَا يَحِلُّ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنْ قِيلَ هَذَا الْحَدِيث لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيل بِشَيْءٍ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ الْأَدِلَّة الَّتِي يُذَكَّى بِهَا وَلَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْ الشَّيْء الَّذِي يُذَكَّى وَلِهَذَا اِسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ السِّنّ وَالظُّفُر حَيْثُ قَالَ : " لَيْسَ السِّنّ وَالظُّفُر وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمَّا السِّنّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُر فَمُدَى الْحَبَشَةِ" وَالْمُسْتَثْنَى يَدُلّ عَلَى جِنْس الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْئُول عَنْهُ هُوَ الْآلَةُ فَلَا يَبْقَى فِيهِ دَلَالَة لِمَا ذَكَرْتُمْ فَالْجَوَاب عَنْ هَذَا بِأَنَّ فِي الْكَلَام مَا يُشْكِل عَلَيْكُمْ أَيْضًا حَيْثُ يَقُول : " مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اِسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ" وَلَمْ يَقُلْ فَاذْبَحُوا بِهِ فَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحُكْمَانِ مَعًا يُؤْخَذ حُكْم الْآلَةِ الَّتِي يُذَكَّى بِهَا وَحُكْم الْمُذَكَّى وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِنْهَارِ دَمِهِ بِآلَةٍ لَيْسَتْ سِنًّا وَلَا ظُفُرًا هَذَا مَسْلَك . وَالْمَسْلَك الثَّانِي : طَرِيقَة الْمُزَنِيّ وَهِيَ أَنَّ السَّهْم جَاءَ التَّصْرِيح فِيهِ بِأَنَّهُ إِنْ قَتَلَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُل وَإِنْ خَزَقَ فَكُلْ وَالْكَلْب جَاءَ مُطْلَقًا فَيُحْمَل عَلَى مَا قُيِّدَ هُنَاكَ مِنْ الْخَزْق لِأَنَّهُمَا اِشْتَرَكَا فِي الْمُوجَب وَهُوَ الصَّيْد فَيَجِبُ الْحَمْلُ هُنَا وَإِنْ اِخْتَلَفَ السَّبَب كَمَا وَجَبَ حَمْلُ مُطْلَقِ الْإِعْتَاقِ فِي الظِّهَارِ عَلَى تَقْيِيدِهِ بِالْإِيمَانِ فِي الْقَتْلِ بَلْ هَذَا أَوْلَى وَهَذَا يَتَوَجَّه لَهُ عَلَى مَنْ يَسْلَم لَهُ أَصْلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَلَيْسَ فِيهَا خِلَاف بَيْن الْأَصْحَاب قَاطِبَة فَلَا بُدّ لَهُمْ مِنْ جَوَاب عَنْ هَذَا . وَلَهُ أَنْ يَقُولهُ هَذَا قَتَلَهُ الْكَلْب بِثِقَلِهِ فَلَمْ يَحِلّ قِيَاسًا عَلَى مَا قَتَلَهُ السَّهْم بِعَرْضِهِ وَالْجَامِع أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آلَة لِلصَّيْدِ وَقَدْ مَاتَ بِثِقَلِهِ فِيهِمَا وَلَا يُعَارَض ذَلِكَ بِعُمُومِ الْآيَة لِأَنَّ الْقِيَاس مُقَدَّم عَلَى الْعُمُوم كَمَا هُوَ مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَالْجُمْهُور وَهَذَا مَسْلَك حَسَن أَيْضًا " مَسْلَك آخَر " وَهُوَ : أَنَّ قَوْله تَعَالَى " فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ " عَامّ فِيمَا قُتِلْنَ بِجَرْحٍ أَوْ غَيْره لَكِنَّ هَذَا الْمَقْتُول عَلَى هَذِهِ الصُّورَة الْمُتَنَازَع فِيهِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُون نَطِيحًا أَوْ فِي حُكْمه أَوْ مُنْخَنِقًا أَوْ فِي حُكْمه وَأَيًّا مَا كَانَ فَيَجِب تَقْدِيم هَذِهِ الْآيَة عَلَى تِلْكَ لِوُجُوهٍ " أَحَدهَا " أَنَّ الشَّارِع قَدْ اِعْتَبَرَ حُكْم هَذِهِ الْآيَة حَالَة الصَّيْد حَيْثُ يَقُول لِعَدِيِّ بْن حَاتِم وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذ فَلَا تَأْكُلهُ وَلَمْ نَعْلَم أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ فَصَلَ بَيْن حُكْمٍ وَحُكْمٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ إنَّ الْوَقِيذ مُعْتَبَرٌ حَالَةَ الصَّيْدِ وَالنَّطِيح لَيْسَ مُعْتَبَرًا فَيَكُون الْقَوْلُ بِحِلِّ الْمُتَنَازَع فِيهِ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ لَا قَائِلَ بِهِ وَهُوَ مَحْظُورٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ " الثَّانِي " أَنَّ تِلْكَ الْآيَة " فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ " لَيْسَتْ عَلَى عُمُومهَا بِالْإِجْمَاعِ بَلْ مَخْصُوصَة بِمَا صِدْنَ مِنْ الْحَيَوَان الْمَأْكُول وَخَرَجَ مِنْ عُمُوم لَفْظهَا الْحَيَوَانُ غَيْرُ الْمَأْكُولِ بِالِاتِّفَاقِ وَالْعُمُوم الْمَحْفُوظ مُقَدَّم عَلَى غَيْر الْمَحْفُوظ " الْمَسْلَك الْآخَر " أَنَّ هَذَا الصَّيْد وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ قَدْ اِحْتَقَنَ فِيهِ الدِّمَاءُ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ الرُّطُوبَاتِ فَلَا مَحَلّ قِيَاسًا عَلَى الْمَيْتَة " الْمَسْلَك الْآخَر " أَنَّ آيَةَ التَّحْرِيمِ أَعْنِي قَوْلَهُ " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة " إِلَى آخِرِهَا مُحْكَمَةٌ لَمْ يَدْخُلْهَا نَسْخٌ وَلَا تَخْصِيصٌ وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُون آيَة التَّحْلِيل مُحْكَمَة أَعْنِي قَوْله تَعَالَى " يَسْأَلُونَك مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَات " الْآيَة فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُون بَيْنهَا تَعَارُض أَصْلًا وَتَكُون السُّنَّة جَاءَتْ لِبَيَانِ ذَلِكَ وَشَاهِد ذَلِكَ قِصَّة السَّهْم فَإِنَّهُ ذَكَرَ حُكْم مَا دَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَة وَهُوَ مَا إِذَا خَزَقَهُ الْمِعْرَاض يَكُون حَلَالًا لِأَنَّهُ مِنْ الطَّيِّبَات وَمَا دَخَلَ فِي حُكْم تِلْكَ الْآيَة آيَة التَّحْرِيم وَهُوَ مَا إِذَا أَصَابَهُ بَعْضٌ فَلَا يُؤْكَلُ لِأَنَّهُ وَقِيذٌ فَيَكُونُ أَحَدَ أَفْرَادِ آيَةِ التَّحْرِيمِ وَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذَا سَوَاءٌ إِنْ كَانَ قَدْ جَرَحَهُ الْكَلْب فَهُوَ دَاخِل فِي حُكْم آيَة التَّحْلِيل وَإِنْ لَمْ يَجْرَحهُ بَلْ صَدَمَهُ أَوْ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ فَهُوَ نَطِيح أَوْ فِي حُكْمه فَلَا يَكُون حَلَالًا " فَإِنْ قِيلَ " فَلِمَ لَا فَصَّلَ فِي حُكْمِ الْكَلْبِ فَقَالَ : مَا ذَكَرْتُمْ إِنْ جَرَحَهُ فَهُوَ حَلَال وَإِنْ لَمْ يَجْرَحْهُ فَهُوَ حَرَامٌ " فَالْجَوَاب " أَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْكَلْبِ أَنْ يَقْتُلَ بِظُفُرِهِ أَوْ نَابِهِ أَوْ بِهِمَا مَعًا وَأَمَّا اِصْطِدَامُهُ هُوَ وَالصَّيْد فَنَادِرٌ وَكَذَا قَتْله إِيَّاهُ بِثِقَلِهِ فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ لِنُدُورِهِ أَوْ لِظُهُورِ حُكْمه عِنْد مَنْ عَلِمَ تَحْرِيم الْمَيْتَة وَالْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَأَمَّا السَّهْم وَالْمِعْرَاض فَتَارَة مُخْطِئٌ لِسُوءِ رَمْيِ رَامِيهِ أَوْ لِلَهْوٍ أَوْ نَحْو ذَلِكَ بَلْ خَطَؤُهُ أَكْثَرُ مِنْ إِصَابَته فَلِهَذَا ذَكَرَ كُلًّا مِنْ حُكْمَيْهِ مُفَصَّلًا وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْكَلْب مِنْ شَأْنه أَنَّهُ يَأْكُل مِنْ الصَّيْد ذَكَرَ حُكْم مَا إِذَا أَكَلَ مِنْ الصَّيْد فَقَالَ : : إِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَاف أَنْ يَكُون أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه" وَهَذَا صَحِيح ثَابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ أَيْضًا مَخْصُوص مِنْ عُمُوم آيَة التَّحْلِيل عِنْد كَثِيرِينَ فَقَالُوا : لَا يَحِلّ مَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَبِهِ قَالَ الْحَسَن وَالشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة وَصَاحِبَاهُ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل وَالشَّافِعِيّ فِي الْمَشْهُور عَنْهُ . وَرَوَى اِبْن جَرِير فِي تَفْسِيره عَنْ عَلِيّ وَسَعِيد وَسَلْمَان وَأَبِي هُرَيْرَة وَابْن عُمَر وَابْن عَبَّاس أَنَّ الصَّيْد يُؤْكَل وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْب حَتَّى قَالَ سَعِيد وَسَلْمَان وَأَبُو هُرَيْرَة وَغَيْرهمْ : يُؤْكَل وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا بَضْعَةٌ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي قَوْله الْقَدِيم وَأَمَّا فِي الْجَدِيد إِلَى قَوْلَيْنِ قَالَ ذَلِكَ : الْإِمَام أَبُو نَضْر بْن الصَّبَّاغ وَغَيْره مِنْ الْأَصْحَاب عَنْهُ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَة الْخُشَنِيّ عَنْ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي صَيْد الْكَلْبِ : " إِذَا أَرْسَلْت كَلْبَك وَذَكَرْت اِسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ وَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْك يَدُك " وَرَوَاهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُقَال لَهُ أَبُو ثَعْلَبَة قَالَ : يَا رَسُول اللَّه فَذَكَرَ نَحْوه وَقَالَ مُحَمَّد بْن جَرِير فِي تَفْسِيره : حَدَّثَنَا عِمْرَان بْن بَكَّار الْكُلَاعِيّ حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن مُوسَى هُوَ اللَّاحُونِىّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن دِينَار هُوَ الطَّاحِيّ عَنْ أَبِي إِيَاس وَهُوَ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ عَنْ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا أَرْسَلَ الرَّجُل كَلْبه عَلَى الصَّيْد فَأَدْرَكَهُ وَقَدْ أَكَلَ مِنْهُ فَلْيَأْكُلْ مَا بَقِيَ ثُمَّ إِنَّ اِبْن جَرِير عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ أَبُو قَتَادَة وَغَيْره عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ سَلْمَان مَوْقُوفًا . وَأَمَّا الْجُمْهُور فَقَدَّمُوا حَدِيث عَدِيّ عَلَى ذَلِكَ وَرَامُوا تَضْعِيف حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة وَغَيْره . وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْض الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَكَلَ بَعْد مَا اِنْتَظَرَ صَاحِبه فَطَالَ عَلَيْهِ الْفَصْل وَلَمْ يَجِئْ فَأَكَلَ مِنْهُ لِجُوعِهِ وَنَحْوه فَإِنَّهُ لَا بَأْس بِذَلِكَ وَالْحَالَة هَذِهِ لَا يَخْشَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه بِخِلَافِ مَا إِذَا أَكَلَ مِنْهُ أَوَّل وَهْلَة فَإِنَّهُ يَظْهَر مِنْهُ أَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه وَاَللَّه أَعْلَمُ . فَأَمَّا الْجَوَارِح مِنْ الطُّيُور فَنَصَّ الشَّافِعِيّ عَلَى أَنَّهَا كَالْكَلْبِ فَيَحْرُم مَا أَكَلَتْ مِنْهُ عِنْد الْجُمْهُور وَلَا يَحْرُم عِنْد الْآخَرِينَ وَاخْتَارَ الْمُزَنِيّ مِنْ أَصْحَابنَا أَنَّهُ لَا يَحْرُم أَكْل مَا أَكَلَتْ مِنْهُ الطُّيُور وَالْجَوَارِح وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد قَالُوا : لِأَنَّهُ لَا يُمْكِن تَعْلِيمهَا كَمَا يُعَلَّم الْكَلْب بِالضَّرْبِ وَنَحْوه وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَا تُعَلَّم إِلَّا بِأَكْلِهَا مِنْ الصَّيْد فَيُعْفَى عَنْ ذَلِكَ وَأَيْضًا فَالنَّصّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْكَلْب لَا فِي الطَّيْر وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَلِيّ فِي الْإِفْصَاح : إِذَا قُلْنَا يَحْرُم مَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْب فَفِي تَحْرِيم مَا أَكَلَ مِنْهُ الطَّيْر وَجْهَانِ وَأَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّب هَذَا التَّفْرِيع وَالتَّرْتِيب لِنَصِّ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه عَلَى التَّسْوِيَة بَيْنهمَا وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْمُتَرَدِّيَة فَهِيَ الَّتِي تَقَع مِنْ شَاهِق أَوْ مَوْضِع عَالٍ فَتَمُوت بِذَلِكَ فَلَا تَحِلّ قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : الْمُتَرَدِّيَة الَّتِي تَسْقُط مِنْ جَبَل وَقَالَ قَتَادَة : هِيَ الَّتِي تَتَرَدَّى فِي بِئْر وَقَالَ السُّدِّيّ : هِيَ الَّتِي تَقَع مِنْ جَبَل أَوْ تَتَرَدَّى فِي بِئْر. وَأَمَّا النَّطِيحَة فَهِيَ الَّتِي مَاتَتْ بِسَبَبِ نَطْح غَيْرهَا لَهَا فَهِيَ حَرَام وَإِنْ جَرَحَهَا الْقَرْن وَخَرَجَ مِنْهَا الدَّم وَلَوْ مِنْ مَذْبَحهَا وَالنَّطِيحَة فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة أَيْ مَنْطُوحَة وَأَكْثَرَ مَا تَرِد هَذِهِ الْبِنْيَة فِي كَلَام الْعَرَب بِدُونِ تَاء التَّأْنِيث فَيَقُولُونَ عَيْن كَحِيل وَكَفّ خَضِيب وَلَا يَقُولُونَ كَفّ خَضِيبَة وَلَا عَيْن كَحِيلَة وَأَمَّا هَذِهِ فَقَالَ بَعْض النُّحَاة : إِنَّمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهَا تَاء التَّأْنِيث لِأَنَّهَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَسْمَاء كَمَا فِي قَوْلهمْ طَرِيقَة طَوِيلَة وَقَالَ بَعْضهمْ إِنَّمَا أُتِيَ بِتَاءِ التَّأْنِيث فِيهَا لِتَدُلّ عَلَى التَّأْنِيث مِنْ أَوَّل وَهْلَة بِخِلَافِ عَيْن كَحِيل وَكَفّ خَضِيب لِأَنَّ التَّأْنِيث مُسْتَفَاد مِنْ أَوَّل الْكَلَام وَقَوْله تَعَالَى " وَمَا أَكَلَ السَّبُع " أَيْ مَا عَدَا عَلَيْهَا أَسَد أَوْ فَهْد أَوْ نَمِر أَوْ ذِئْب أَوْ كَلْب فَأَكَلَ بَعْضهَا فَمَاتَتْ بِذَلِكَ فَهِيَ حَرَام وَإِنْ كَانَ قَدْ سَالَ مِنْهَا الدَّم وَلَوْ مِنْ مَذْبَحهَا فَلَا تَحِلّ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَأْكُلُونَ مَا أَفْضَلَ السَّبُع مِنْ الشَّاة أَوْ الْبَعِير أَوْ الْبَقَرَة أَوْ نَحْو ذَلِكَ فَحَرَّمَ اللَّه ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَقَوْله " إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ " عَائِد عَلَى مَا يُمْكِن عَوْده عَلَيْهِ مِمَّا اِنْعَقَدَ سَبَب مَوْته فَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ بِذَكَاةٍ وَفِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة وَذَلِكَ إِنَّمَا يَعُود عَلَى قَوْله " وَالْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَمَا أَكَلَ السَّبُع " قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة : عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ " يَقُول إِلَّا مَا ذَبَحْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ وَفِيهِ رُوح فَكُلُوهُ فَهُوَ ذَكِيّ . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالسُّدِّيّ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ حَدَّثَنَا حَفْص بْن غِيَاث حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ فِي الْآيَة إِنْ مَصَعَتْ بِذَنَبِهَا أَوْ رَكَضَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا فَكُلْ . وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا الْقَاسِم حَدَّثَنَا الْحُسَيْن حَدَّثَنَا هُشَيْم وَعَبَّاد قَالَا : حَدَّثَنَا حَجَّاج عَنْ حُصَيْن عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الْحَارِث عَنْ عَلِيّ قَالَ : إِذَا أَدْرَكْت ذَكَاة الْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَهِيَ تُحَرِّك يَدًا أَوْ رِجْلًا فَكُلْهَا وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَعُبَيْد بْن عُمَيْر وَالضَّحَّاك وَغَيْر وَاحِد أَنَّ الْمُذَكَّاة مَنْ تَحَرَّكَتْ بِحَرَكَةٍ تَدُلّ عَلَى بَقَاء الْحَيَاة فِيهَا بَعْد الذَّبْح فَهِيَ حَلَال وَهَذَا مَذْهَب جُمْهُور الْفُقَهَاء وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل . قَالَ اِبْن وَهْب سُئِلَ مَالِك عَنْ الشَّاة الَّتِي يَخْرِق جَوْفَهَا السَّبُعُ حَتَّى تَخْرُج أَمْعَاؤُهَا فَقَالَ مَالِك : لَا أَرَى أَنْ يُذَكَّى أَيُّ شَيْءٍ يُذَكَّى مِنْهَا ؟ وَقَالَ أَشْهَب سُئِلَ مَالِك عَنْ الضَّبُع يَعْدُو عَلَى الْكَبْش فَيَدُقّ ظَهْره أَتَرَى أَنْ يُذَكَّى قَبْل أَنْ يَمُوت فَيُؤْكَل فَقَالَ : إِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَ الشَّحْرَةَ فَلَا أَرَى أَنْ يُؤْكَل وَإِنْ كَانَ أَصَابَ أَطْرَافه فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا قِيلَ لَهُ وَثَبَ عَلَيْهِ فَدَقَّ ظَهْره فَقَالَ : لَا يُعْجِبنِي هَذَا لَا يَعِيش مِنْهُ قِيلَ لَهُ فَالذِّئْب يَعْدُو عَلَى الشَّاة فَيَثْقُب بَطْنهَا وَلَا يَثْقُب الْأَمْعَاء فَقَالَ : إِذَا شَقَّ بَطْنهَا فَلَا أَيْ أَنْ تُؤْكَل هَذَا مَذْهَب مَالِك رَحِمَهُ اللَّه . وَظَاهِر الْآيَة عَامّ فِيمَا اِسْتَثْنَاهُ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه مِنْ الصُّوَر الَّتِي بَلَغَ الْحَيَوَان فِيهَا إِلَى حَالَة لَا يَعِيش بَعْدهَا فَيَحْتَاج إِلَى دَلِيل مُخَصِّص لِلْآيَةِ وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَافِع بْن خَدِيج أَنَّهُ قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّا لَاقُو الْعَدُوّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى أَفَنَذْبَح بِالْقَصَبِ ؟ فَقَالَ : " مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلُوهُ لَيْسَ السِّنّ وَالظُّفُر وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمَّا السِّنّ فَعَظْم وَأَمَّا الظُّفُر فَمُدَى الْحَبَشَة" وَفِي الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعًا وَفِيهِ نَظَر وَرُوِيَ عَنْ عُمَر مَوْقُوفًا وَهُوَ أَصَحّ " أَلَا إِنَّ الذَّكَاة فِي الْحَلْق وَاللَّبَّة وَلَا تَعْجَلُوا الْأَنْفُس أَنْ تَزْهَق" فَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَأَهْل السُّنَن مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَبِي الْعَسْرَاء الدَّارِمِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَمَا تَكُون الذَّكَاة إِلَّا مِنْ اللَّبَّة وَالْحَلْق ؟ فَقَالَ " لَوْ طَعَنْت فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَ عَنْك " . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح وَلَكِنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَا لَا يُقْدَر عَلَى ذَبْحه فِي الْحَلْق وَاللَّبَّة وَقَوْله " وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب " قَالَ مُجَاهِد وَابْن جُرَيْج : كَانَتْ النُّصُب حِجَارَة حَوْل الْكَعْبَة قَالَ اِبْن جُرَيْج : وَهِيَ ثَلَثمِائَةِ وَسِتُّونَ نُصُبًا كَانَتْ الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا يَذْبَحُونَ عِنْدهَا وَيَنْضَحُونَ مَا أَقْبَلَ مِنْهَا إِلَى الْبَيْت بِدِمَاءِ تِلْكَ الذَّبَائِح وَيُشَرِّحُونَ اللَّحْم وَيَضَعُونَهُ عَلَى النُّصُب وَكَذَا ذَكَرَهُ غَيْر وَاحِد فَنَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ عَنْ هَذَا الصَّنِيع وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَكْل هَذِهِ الذَّبَائِح الَّتِي فُعِلَتْ عِنْد النُّصُب حَتَّى وَلَوْ كَانَ يُذْكَر عَلَيْهَا اِسْم اللَّه فِي الذَّبْح عِنْد النُّصُب مِنْ الشِّرْك الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّه وَرَسُوله وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل هَذَا عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيم مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه وَقَوْله تَعَالَى" وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ " أَيْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الِاسْتِقْسَام بِالْأَزْلَامِ وَاحِدهَا زُلَم وَقَدْ تُفْتَح الزَّاي فَيُقَال زَلَم وَقَدْ كَانَتْ الْعَرَب فِي جَاهِلِيَّتهَا يَتَعَاطَوْنَ ذَلِكَ وَهِيَ عِبَارَة عَنْ قِدَاح ثَلَاثَة عَلَى أَحَدهَا مَكْتُوب اِفْعَلْ وَعَلَى الْآخَر لَا تَفْعَلْ وَالثَّالِث غُفْلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء . وَمِنْ النَّاس مَنْ قَالَ مَكْتُوب عَلَى الْوَاحِد أَمَرَنِي رَبِّي وَعَلَى الْآخَر نَهَانِي رَبِّي وَالثَّالِث غُفْل لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء فَإِذَا أَجَالَهَا فَطَلَعَ سَهْم الْأَمْر فَعَلَهُ أَوْ النَّهْي تَرَكَهُ وَإِنْ طَلَعَ الْفَارِغ أَعَادَ وَالِاسْتِقْسَام مَأْخُوذ مِنْ طَلَب الْقَسْم مِنْ هَذِهِ الْأَزْلَام هَكَذَا قَرَّرَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح حَدَّثَنَا الْحَجَّاج بْن مُحَمَّد أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج وَعُثْمَان بْن عَطَاء عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ " قَالَ وَالْأَزْلَام قِدَاح كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا فِي الْأُمُور وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَقَالَ اِبْن عَبَّاس هِيَ قِدَاح كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا الْأُمُور وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَغَيْره أَنَّ أَعْظَمَ أَصْنَام قُرَيْش صَنَم كَانَ يُقَال لَهُ هُبَل مَنْصُوب عَلَى بِئْر دَاخِل الْكَعْبَة فِيهَا مَوْضِع الْهَدَايَا وَأَمْوَال الْكَعْبَة فِيهِ كَانَ عِنْده سَبْعَة أَزْلَام مَكْتُوب فِيهَا مَا يَتَحَاكَمُونَ فِيهِ مِمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ فَمَا خَرَجَ لَهُمْ مِنْهَا رَجَعُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يَعْدِلُوا عَنْهُ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَخَلَ الْكَعْبَة وَجَدَ إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل مُصَوَّرَيْنِ فِيهَا وَفِي أَيْدِيهمَا الْأَزْلَام فَقَالَ قَاتَلَهُمْ اللَّه لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا أَبَدًا . وَفِي الصَّحِيح أَنَّ سُرَاقَة بْن مَالِك بْن جُعْشُم لَمَّا خَرَجَ فِي طَلَبِ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْر وَهُمَا ذَاهِبَانِ إِلَى الْمَدِينَة مُهَاجِرَيْنِ قَالَ فَاسْتَقْسَمْت بِالْأَزْلَامِ هَلْ أَضُرّهُمْ أَمْ لَا ؟ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَه لَا يَضُرّهُمْ قَالَ فَعَصَيْت الْأَزْلَام وَأَتْبَعْتهمْ ثُمَّ إِنَّهُ اِسْتَقْسَمَ بِهَا ثَانِيَة وَثَالِثَة كُلّ ذَلِكَ يَخْرُج الَّذِي يَكْرَه لَا يَضُرّهُمْ كَذَلِكَ وَكَانَ سُرَاقَة لَمْ يُسْلِم إِذْ ذَاكَ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْد ذَلِكَ . وَرَوَى اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد عَنْ رُقَيَّة عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ رَجَاء بْن حَيْوَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَنْ يَلِج الدَّرَجَات مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ اِسْتَقْسَمَ أَوْ رَجَعَ مِنْ سَفَر طَائِرًا : وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ قَالَ هِيَ سِهَام الْعَرَب وَكِعَاب فَارِس وَالرُّوم كَانُوا يَتَقَامَرُونَ . وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ عَنْ مُجَاهِد فِي الْأَزْلَام أَنَّهَا مَوْضُوعَة لِلْقِمَارِ فِيهِ نَظَرٌ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَال إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي الِاسْتِخَارَة تَارَة وَفِي الْقِمَار أُخْرَى وَاَللَّه أَعْلَمُ. فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه قَدْ قَرَنَ بَيْنهَا وَبَيْن الْقِمَار وَهُوَ الْمَيْسِر فَقَالَ فِي آخِر السُّورَة : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَالْأَنْصَاب وَالْأَزْلَام رِجْس مِنْ عَمَل الشَّيْطَان فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَنْ يُوقِع بَيْنكُمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء - إِلَى قَوْله - مُنْتَهُونَ " . وَهَكَذَا قَالَ هَهُنَا " وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْق " أَيْ تَعَاطِيه فِسْق وَغَيٌّ وَضَلَالَة وَجَهَالَة وَشِرْك وَقَدْ أَمَرَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ إِذَا تَرَدَّدُوا فِي أُمُورهمْ أَنْ يَسْتَخِيرُوهُ بِأَنْ يَعْبُدُوهُ ثُمَّ يَسْأَلُوهُ الْخِيَرَة فِي الْأَمْر الَّذِي يُرِيدُونَهُ . كَمَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَالْبُخَارِيّ وَأَهْل السُّنَن مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الْمَوَالِي عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمنَا الِاسْتِخَارَة فِي الْأُمُور كَمَا يُعَلِّمنَا السُّورَة مِنْ الْقُرْآن وَيَقُول : " إِذَا هَمَّ أَحَدكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْر الْفَرِيضَة ثُمَّ لْيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرك بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرك بِقُدْرَتِك وَأَسْأَلك مِنْ فَضْلك الْعَظِيم فَإِنَّك تَقْدِر وَلَا أَقْدِر وَتَعْلَم وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّام الْغُيُوب اللَّهُمَّ إِنْ كُنْت تَعْلَم أَنَّ هَذَا الْأَمْر - وَيُسَمِّيه بِاسْمِهِ - خَيْر لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَمَعَاشِي وَعَاقِبَة أَمْرِي أَوْ - قَالَ عَاجِل أَمْرِي وَآجِله - فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْت تَعْلَم أَنَّهُ شَرّ لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَمَعَاشِي وَعَاقِبَة أَمْرِي فَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْر حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ " لَفْظ أَحْمَد وَقَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث اِبْن أَبِي الْمَوَالِي وَقَوْله " الْيَوْم يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينكُمْ " قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة : عَنْ اِبْن عَبَّاس يَعْنِي يَئِسُوا أَنْ يُرَاجِعُوا دِينهمْ . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالسُّدِّيّ وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَرِد الْحَدِيث الثَّابِت فِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ الشَّيْطَان قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَة الْعَرَب وَلَكِنْ بِالتَّحْرِيشِ بَيْنهمْ " وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُمْ يَئِسُوا مِنْ مُشَابَهَة الْمُسْلِمِينَ لِمَا تَمَيَّزَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَات الْمُخَالِفَة لِلشِّرْكِ وَأَهْله وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى آمِرًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَصْبِرُوا وَيَثْبُتُوا فِي مُخَالَفَة الْكُفَّار وَلَا يَخَافُوا أَحَدًا إِلَّا اللَّه فَقَالَ " فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ " أَيْ لَا تَخَافُوهُمْ فِي مُخَالَفَتكُمْ إِيَّاهُمْ وَاخْشَوْنِي أَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَأُبِدْهُمْ وَأُظْفِرْكُمْ بِهِمْ وَأَشْفِ صُدُوركُمْ مِنْهُمْ وَأَجْعَلكُمْ فَوْقهمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَوْله" الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا " هَذِهِ أَكْبَرُ نِعَم اللَّه تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة حَيْثُ أَكْمَلَ تَعَالَى لَهُمْ دِينهمْ فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى دِين غَيْره وَلَا إِلَى نَبِيّ غَيْر نَبِيّهمْ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ وَلِهَذَا جَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى خَاتِم الْأَنْبِيَاء وَبَعَثَهُ إِلَى الْإِنْس وَالْجِنّ فَلَا حَلَال إِلَّا مَا أَحَلَّهُ وَلَا حَرَام إِلَّا مَا حَرَّمَهُ وَلَا دِين إِلَّا مَا شَرَّعَهُ وَكُلّ شَيْء أَخْبَرَ بِهِ فَهُوَ حَقّ وَصِدْق لَا كَذِب فِيهِ وَلَا خُلْف كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك صِدْقًا وَعَدْلًا " أَيْ صِدْقًا فِي الْإِخْبَار وَعَدْلًا فِي الْأَوَامِر وَالنَّوَاهِي فَلَمَّا أَكْمَلَ لَهُمْ الدِّين تَمَّتْ عَلَيْهِمْ النِّعْمَة وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا " أَيْ فَارْضَوْهُ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَإِنَّهُ الدِّين الَّذِي أَحَبَّهُ اللَّه وَرَضِيَهُ وَبَعَثَ بِهِ أَفْضَلَ الرُّسُل الْكِرَام وَأَنْزَلَ بِهِ أَشْرَفَ كُتُبه . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طُلَيْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ" وَهُوَ الْإِسْلَام أَخْبَرَ اللَّه نَبِيّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ أَكْمَلَ لَهُمْ الْإِيمَان فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى زِيَادَة أَبَدًا وَقَدْ أَتَمَّهُ اللَّه فَلَا يَنْقُصهُ أَبَدًا وَقَدْ رَضِيَهُ اللَّه فَلَا يَسْخَطهُ أَبَدًا . وَقَالَ أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة يَوْم عَرَفَة وَلَمْ يَنْزِل بَعْدهَا حَلَال وَلَا حَرَام وَرَجَعَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَاتَ . قَالَتْ أَسْمَاء بِنْت عُمَيْس : حَجَجْت مَعَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ الْحَجَّة فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِير إِذْ تَجَلَّى لَهُ جِبْرِيل فَمَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الرَّاحِلَة فَلَمْ تُطِقْ الرَّاحِلَةُ مِنْ ثِقَل مَا عَلَيْهَا مِنْ الْقُرْآن فَبَرَكَتْ فَأَتَيْته فَسَجَّيْت عَلَيْهِ بُرْدًا كَانَ عَلَيَّ . وَقَالَ اِبْن جَرِير وَغَيْر وَاحِد : مَاتَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْد يَوْم عَرَفَة بِأَحَدٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا رَوَاهُمَا اِبْن جَرِير ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع حَدَّثَنَا اِبْن فُضَيْل عَنْ هَارُون بْن عَنْتَرَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ" وَذَلِكَ يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر بَكَى عُمَر فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا يُبْكِيك ؟ قَالَ : أَبْكَانِي أَنَّا كُنَّا فِي زِيَادَة مِنْ دِيننَا فَأَمَّا إِذَا أُكْمِلَ فَإِنَّهُ لَمْ يُكْمَل شَيْء إِلَّا نَقَصَ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقْت . وَيَشْهَد لِهَذَا الْمَعْنَى الْحَدِيث الثَّابِت " إِنَّ الْإِسْلَام بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن عَوْن حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْس عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم عَنْ طَارِق بْن شِهَاب قَالَ : جَاءَ رَجُل مِنْ الْيَهُود إِلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَة فِي كِتَابكُمْ لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَر الْيَهُود نَزَلَتْ لَاِتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْم عِيدًا قَالَ وَأَيّ آيَة ؟ قَالَ قَوْله " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي " فَقَالَ عُمَر : وَاَللَّه إِنِّي لَأَعْلَم الْيَوْم الَّذِي نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالسَّاعَة الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا عَلَى رَسُول اللَّه عَشِيَّة عَرَفَة فِي يَوْم جُمُعَة . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ الْحَسَن بْن الصَّبَّاح عَنْ جَعْفَر بْن عَوْن بِهِ . وَرَوَاهُ أَيْضًا مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ طُرُق عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم وَلَفْظ الْبُخَارِيّ عِنْد تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة مِنْ طَرِيق سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ قَيْس عَنْ طَارِق قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود لِعُمَرَ : اللَّه إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَة لَوْ نَزَلَتْ فِينَا لَاِتَّخَذْنَاهَا عِيدًا فَقَالَ عُمَر : إِنِّي لَأَعْلَم حِين أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ أُنْزِلَتْ يَوْم عَرَفَة وَأَنَا وَاَللَّه بِعَرَفَة . قَالَ سُفْيَان : وَأَشُكّ كَانَ يَوْم الْجُمُعَة أَمْ لَا " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " الْآيَة وَشَكُّ سُفْيَانَ رَحِمَهُ اللَّه إِنْ كَانَ فِي الرِّوَايَة فَهُوَ تَوَرُّعٌ حَيْثُ شَكَّ هَلْ أَخْبَرَهُ شَيْخُهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا وَإِنْ كَانَ شَكًّا فِي كَوْن الْوُقُوف فِي حَجَّة الْوَدَاع كَانَ يَوْم جُمُعَة فَهَذَا مَا أَخَالهُ يَصْدُر عَنْ الثَّوْرِيّ رَحِمَهُ اللَّه . فَإِنَّ هَذَا أَمْر مَعْلُوم مَقْطُوع بِهِ لَمْ يَخْتَلِف فِيهِ أَحَد مِنْ أَصْحَاب الْمَغَازِي وَالسِّيَر وَلَا مِنْ الْفُقَهَاء وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيث مُتَوَاتِرَة لَا يُشَكّ فِي صِحَّتهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ عُمَر . وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة أَخْبَرَنَا رَجَاء بْن أَبِي سَلَمَة أَخْبَرَنَا عُبَادَةُ بْن نُسَيّ أَخْبَرَنَا أَمِيرنَا إِسْحَاق قَالَ أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير - وَهُوَ إِسْحَاق بْن حَرَشَة - عَنْ قَبِيصَة يَعْنِي - اِبْن أَبِي ذِئْب - قَالَ : قَالَ كَعْب لَوْ أَنَّ غَيْر هَذِهِ الْأُمَّة نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَة لَنَظَرُوا الْيَوْم الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عَلَيْهِمْ فَاِتَّخَذُوهُ عِيدًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ فَقَالَ عُمَر : أَيّ آيَة يَا كَعْبُ ؟ فَقَالَ " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " فَقَالَ عُمَر : قَدْ عَلِمْت الْيَوْم الَّذِي أُنْزِلَتْ وَالْمَكَان الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ فَنَزَلَتْ فِي يَوْم الْجُمُعَةِ وَيَوْم عَرَفَة وَكِلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّه لَنَا عِيدٌ . وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر حَدَّثَنَا قَبِيصَة حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَمَّار هُوَ مَوْلَى بَنِي هَاشِم أَنَّ اِبْن عَبَّاس قَرَأَ " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا " فَقَالَ يَهُودِيّ : لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَيْنَا لَاِتَّخَذْنَا يَوْمهَا عِيدًا فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْم عِيدَيْنِ اِثْنَيْنِ يَوْم عِيد وَيَوْم جُمُعَة . وَقَالَ اِبْن مَرْدُوَيْهِ : حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن كَامِل حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُون حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيّ حَدَّثَنَا قَيْس بْن الرَّبِيع عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِي عُمَر الْبَزَّار عَنْ أَبِي الْحَنِيفَة عَنْ عَلِيّ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَائِم عَشِيَّة عَرَفَة " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِر - إِسْمَاعِيل بْن عَمْرو السَّكُونِيّ - حَدَّثَنَا هِشَام بْن عَمَّار حَدَّثَنَا اِبْن عَيَّاش حَدَّثَنَا عَمْرو بْن قَيْس السَّكُونِيّ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان عَلَى الْمِنْبَر يَنْتَزِع بِهَذِهِ الْآيَة " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " حَتَّى خَتَمَهَا فَقَالَ نَزَلَتْ فِي يَوْم عَرَفَة فِي يَوْم جُمُعَة . وَرَوَى اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ عَمْرو بْن مُوسَى بْن دِحْيَة عَنْ قَتَادَة عَنْ الْحَسَن عَنْ سَمُرَة قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا " يَوْم عَرَفَة وَرَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاقِف عَلَى الْمَوْقِف فَأَمَّا مَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَابْن مَرْدُوَيْهِ وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيق اِبْن لَهِيعَة عَنْ خَالِد بْن أَبِي عِمْرَان عَنْ حَنَش بْن عَبْد اللَّه الصَّنْعَانِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : وُلِدَ نَبِيّكُمْ يَوْم الِاثْنَيْنِ وَخَرَجَ مِنْ مَكَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَدَخَلَ الْمَدِينَة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَفَتَحَ بَدْرًا يَوْم الِاثْنَيْنِ وَأُنْزِلَتْ سُورَة الْمَائِدَة يَوْم الِاثْنَيْنِ الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ . وَرُفِعَ الذِّكْر يَوْم الِاثْنَيْنِ فَإِنَّهُ أَثَر غَرِيب وَإِسْنَاده ضَعِيف . وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا مُوسَى بْن دَاوُدَ حَدَّثَنَا اِبْن لَهِيعَة عَنْ خَالِد بْن أَبِي عِمْرَان عَنْ حَنَش الصَّنْعَانِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : وُلِدَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْم الِاثْنَيْنِ وَاسْتُنْبِئَ يَوْم الِاثْنَيْنِ وَخَرَجَ مُهَاجِرًا مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَقَدِمَ الْمَدِينَة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَتُوُفِّيَ يَوْم الِاثْنَيْنِ وَوَضَعَ الْحَجَر الْأَسْوَد يَوْم الِاثْنَيْنِ هَذَا لَفْظ أَحْمَدَ وَلَمْ يَذْكُر نُزُول الْمَائِدَة يَوْم الِاثْنَيْنِ فَاَللَّه أَعْلَمُ . وَلَعَلَّ اِبْن عَبَّاس أَرَادَ أَنَّهَا نَزَلَتْ يَوْم عِيدَيْنِ اِثْنَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فَاشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَقَالَ اِبْن جَرِير : وَقَدْ قِيلَ لَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ مَعْلُوم عِنْد النَّاس ثُمَّ رُوِيَ مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " يَقُول لَيْسَ بِيَوْمٍ مَعْلُوم عِنْد النَّاس قَالَ : وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسِيره إِلَى حَجَّة الْوَدَاع . ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيق أَبَى جَعْفَر الرَّازِيّ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس قُلْت وَقَدْ رَوَى اِبْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ طَرِيق أَبِي هَارُون الْعَبْدِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْم غَدِير خُمٍّ حِينَ قَالَ لِعَلِيٍّ " مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ " ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَفِيهِ أَنَّهُ الْيَوْم الثَّامِن عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّة يَعْنِي مَرْجِعه - عَلَيْهِ السَّلَام - مِنْ حَجَّة الْوَدَاع وَلَا يَصِحّ لَا هَذَا وَلَا هَذَا بَلْ الصَّوَاب الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَة أَنَّهَا أُنْزِلَتْ يَوْم عَرَفَة وَكَانَ يَوْم جُمُعَة كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَأَوَّل مُلُوك الْإِسْلَام مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَسَمُرَة بْن جُنْدَب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَأَرْسَلَهُ الشَّعْبِيّ وَقَتَادَة بْن دِعَامَة وَشَهْر بْن حَوْشَب وَغَيْر وَاحِد مِنْ الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء وَاخْتَارَهُ اِبْن جَرِير الطَّبَرِيّ رَحِمَهُ اللَّه وَقَوْله " فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم " أَيْ فَمَنْ اِحْتَاجَ إِلَى تَنَاوُل شَيْء مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَات الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه تَعَالَى لِضَرُورَةٍ أَلْجَأَتْهُ إِلَى ذَلِكَ فَلَهُ تَنَاوُله وَاَللَّه غَفُور رَحِيم لَهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَم حَاجَة عَبْده الْمُضْطَرّ وَافْتِقَاره إِلَى ذَلِكَ فَيَتَجَاوَز عَنْهُ وَيَغْفِر لَهُ وَفِي الْمُسْنَد وَصَحِيح اِبْن حِبَّان عَنْ اِبْن عُمَر مَرْفُوعًا قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّه يُحِبّ أَنْ تُؤْتَى رُخْصَته كَمَا يَكْرَه أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَته " لَفْظ اِبْن حِبَّان وَفِي لَفْظ لِأَحْمَد " مَنْ لَمْ يَقْبَل رُخْصَة اللَّه كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْم مِثْل جِبَال عَرَفَة " . وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاء : قَدْ يَكُون تَنَاوُل الْمَيْتَة وَاجِبًا فِي بَعْض الْأَحْيَان وَهُوَ مَا إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسه وَلَمْ يَجِد غَيْرهَا وَقَدْ يَكُون مَنْدُوبًا وَقَدْ يَكُون مُبَاحًا بِحَسَبِ الْأَحْوَال وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَتَنَاوَل مِنْهَا قَدْر مَا يَسُدّ بِهِ الرَّمَق أَوْ لَهُ أَنْ يَشْبَع أَوْ يَشْبَع وَيَتَزَوَّد ؟ عَلَى أَقْوَال كَمَا هُوَ مُقَرَّر فِي كِتَاب الْأَحْكَام وَفِيمَا إِذَا وَجَدَ مَيْتَة وَطَعَامَ الْغَيْرِ أَوْ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ هَلْ يَتَنَاوَل الْمَيْتَة أَوْ ذَلِكَ الصَّيْد وَيَلْزَمهُ الْجَزَاء أَوْ ذَلِكَ الطَّعَام وَيَضْمَن بَدَلَهُ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّه وَلَيْسَ مِنْ شَرْط جَوَاز تَنَاوُل الْمَيْتَة أَنْ يَمْضِي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّام لَا يَجِد طَعَامًا كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمهُ كَثِير مِنْ الْعَوَامّ وَغَيْرهمْ بَلْ مَتَى اُضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ جَازَ لَهُ وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن مُسْلِم حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيّ حَدَّثَنَا حَسَّان بْن عَطِيَّة عَنْ أَبِي وَاقِد اللَّيْثِيّ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبنَا بِهَا الْمَخْمَصَة فَمَتَى تَحِلّ لَنَا بِهَا الْمَيْتَة ؟ فَقَالَ : " إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَغْتَبِقُوا وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بِهَا بَقْلًا فَشَأْنكُمْ بِهَا " تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه وَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرْط الصَّحِيحَيْنِ وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ عَبْد الْأَعْلَى بْن وَاصِل عَنْ مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الْأَسَدِيّ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ بِهِ لَكِنْ رَوَاهُ بَعْضهمْ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ حَسَّان بْن عَطِيَّة عَنْ مُسْلِم بْن يَزِيد عَنْ أَبِي وَاقِد بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ حَسَّان عَنْ مَرْثَد أَوْ أَبِي مَرْثَد عَنْ أَبِي وَاقِد بِهِ . وَرَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ هَنَّاد بْن السَّرِيّ عَنْ عِيسَى بْن يُونُس عَنْ حَسَّان عَنْ رَجُل قَدْ سُمِّيَ لَهُ فَذَكَرَهُ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ هَنَّاد عَنْ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ حَسَّان مُرْسَلًا وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة عَنْ اِبْن عَوْن قَالَ : وَجَدْت عِنْد الْحَسَن كِتَاب سَمُرَة فَقَرَأْته عَلَيْهِ فَكَانَ فِيهِ : وَيُجْزِي مِنْ الْأَضْرَار غَبُوقٌ أَوْ صَبُوحٌ. حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا هُشَيْم عَنْ الْحُصَيْب بْن زَيْد التَّمِيمِيّ حَدَّثَنَا الْحَسَن أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَتَى يَحِلّ الْحَرَام ؟ قَالَ : فَقَالَ : " إِلَى مَتَى يَرْوِي أَهْلَك مِنْ اللَّبَن أَوْ تَجِيء مِيرَتهمْ " حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد حَدَّثَنَا سَلَمَة عَنْ اِبْن إِسْحَاق حَدَّثَنِي عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن عُرْوَة عَنْ جَدّه عُرْوَة بْن الزُّبَيْر عَنْ جَدَّته أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَاب أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِيه فِي الَّذِي حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ وَاَلَّذِي أَحَلَّ لَهُ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُحِلّ لَك الطَّيِّبَات وَيُحَرِّم عَلَيْك الْخَبَائِث إِلَّا أَنْ تَفْتَقِر إِلَى طَعَام لَك فَتَأْكُل مِنْهُ حَتَّى تَسْتَغْنِي عَنْهُ " فَقَالَ الرَّجُل : وَمَا فَقْرِي الَّذِي يُحِلّ لِي وَمَا غَنَائِي الَّذِي يُغْنِينِي عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا كُنْت تَرْجُو غَنَاء تَطْلُبهُ فَتَبْلُغ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأَطْعِمْ أَهْلك مَا بَدَا لَك حَتَّى تَسْتَغْنِي عَنْهُ " فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ مَا غَنَائِي الَّذِي أَدَعُهُ إِذَا وَجَدْته فَقَالَ : صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا رَوَيْت أَهْلك غَبُوقًا مِنْ اللَّيْل فَاجْتَنِبْ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْك مِنْ طَعَام مَالِك فَإِنَّهُ مَيْسُور كُلّه فَلَيْسَ فِيهِ حَرَام وَمَعْنَى قَوْله " مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا" يَعْنِي بِهِ الْغَدَاء " وَمَا لَمْ تَغْتَبِقُوا " يَعْنِي بِهِ الْعَشَاء " أَوْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَأْنكُمْ بِهَا " فَكُلُوا مِنْهَا . وَقَالَ اِبْن جَرِير : يُرْوَى هَذَا الْحَرْف يَعْنِي قَوْله أَوْ تَحْتَفِئُوا عَلَى أَرْبَعَة أَوْجُه : تَحْفَئُوا بِالْهَمْزَةِ وَتَحْتَفِيُوا بِتَخْفِيفِ الْيَاء وَالْحَاء وَتَحْتَفُّوا بِتَشْدِيدٍ وَتَحْتَفُوا بِالْحَاءِ وَبِالتَّخْفِيفِ وَيَحْتَمِل الْهَمْز كَذَا رَوَاهُ فِي التَّفْسِير . " حَدِيث آخَر " قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا هَارُون بْن عَبْد اللَّه حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن دُكَيْن حَدَّثَنَا وَهْب بْن عُقْبَة الْعَامِرِيّ سَمِعْت أَبِي يُحَدِّث عَنْ الْفُجَيْع الْعَامِرِيّ أَنَّهُ أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا يَحِلّ لَنَا مِنْ الْمَيْتَة قَالَ : " مَا طَعَامكُمْ" قُلْنَا نَصْطَبِح وَنَغْتَبِق قَالَ أَبُو نُعَيْم : فَسَّرَهُ لِي عُقْبَة قَدَح غُدْوَة وَقَدَح عَشِيَّة قَالَ : ذَاكَ وَأَبِي الْجُوعُ وَأَحَلَّ لَهُمْ الْمَيْتَة عَلَى هَذِهِ الْحَال . تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَصْطَبِحُونَ وَيَغْتَبِقُونَ شَيْئًا لَا يَكْفِيهِمْ فَأَحَلَّ لَهُمْ الْمَيْتَة لِتَمَامِ كِفَايَتهمْ وَقَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يَرَى جَوَاز الْأَكْل مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغ حَدّ الشِّبَع وَلَا يَتَقَيَّد ذَلِكَ بِسَدِّ الرَّمَق وَاَللَّه أَعْلَمُ. " حَدِيث آخَر " قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا حَمَّاد حَدَّثَنَا سِمَاك عَنْ جَابِر عَنْ سَمُرَة أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ الْحَرَّة وَمَعَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ فَقَالَ لَهُ رَجُل إِنَّ نَاقَتِي ضَلَّتْ فَإِنْ وَجَدْتهَا فَأَمْسِكْهَا فَوَجَدَهَا وَلَمْ يَجِد صَاحِبهَا فَمَرِضَتْ فَقَالَتْ لَهُ اِمْرَأَته اِنْحَرْهَا فَأَبَى فَنَفَقَتْ فَقَالَتْ لَهُ اِمْرَأَته : اُسْلُخْهَا حَتَّى تُقَدِّد شَحْمهَا وَلَحْمهَا فَنَأْكُلهُ قَالَ : لَا حَتَّى أَسْأَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : " هَلْ عِنْدك غِنًى يُغْنِيك " قَالَ : لَا قَالَ : " فَكُلُوهَا" قَالَ فَجَاءَ صَاحِبهَا فَأَخْبَرَهُ الْخَبَر فَقَالَ : هَلَّا كُنْت نَحَرْتهَا ؟ قَالَ : اِسْتَحْيَيْت مِنْك . تَفَرَّدَ بِهِ وَقَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يُجَوِّز الْأَكْل وَالشِّبَع وَالتَّزَوُّد مِنْهَا مُدَّة يَغْلِب عَلَى ظَنِّهِ الِاحْتِيَاجُ إِلَيْهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَقَوْله " غَيْر مُتَجَانِف لِإِثْمٍ " أَيْ مُتَعَاطٍ لِمَعْصِيَةِ اللَّه فَإِنَّ اللَّه قَدْ أَبَاحَ ذَلِكَ لَهُ وَسَكَتَ عَنْ الْآخَر كَمَا قَالَ فِي سُورَة الْبَقَرَة " فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْر بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْم عَلَيْهِ إِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم " وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ يَقُول بِأَنَّ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ لَا يَتَرَخَّص بِشَيْءٍ مِنْ رُخَصِ السَّفَر لِأَنَّ الرُّخَص لَا تُنَال بِالْمَعَاصِي وَاَللَّه أَعْلَمُ .
تفسير القرطبي
تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ كَامِلًا فِي الْبَقَرَة . هِيَ الَّتِي تَمُوت خَنْقًا , وَهُوَ حَبْس النَّفَس سَوَاء فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ آدَمِيّ أَوْ اتَّفَقَ لَهَا ذَلِكَ فِي حَبْل أَوْ بَيْن عُودَيْنِ أَوْ نَحْوه , وَذَكَرَ قَتَادَة : أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَخْنُقُونَ الشَّاة وَغَيْرهَا فَإِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا ; وَذَكَرَ نَحْوه اِبْن عَبَّاس . الْمَوْقُوذَة هِيَ الَّتِي تُرْمَى أَوْ تُضْرَب بِحَجَرٍ أَوْ عَصًا حَتَّى تَمُوت مِنْ غَيْر تَذْكِيَة ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ ; يُقَال مِنْهُ : وَقَذَهُ يَقِذهُ وَقْذًا وَهُوَ وَقِيذ , وَالْوَقْذ شِدَّة الضَّرْب , وَفُلَان وَقِيذ أَيْ مُثْخَن ضَرْبًا . قَالَ قَتَادَة : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَيَأْكُلُونَهُ , وَقَالَ الضَّحَّاك : كَانُوا يَضْرِبُونَ الْأَنْعَام بِالْخَشَبِ لِآلِهَتِهِمْ حَتَّى يَقْتُلُوهَا فَيَأْكُلُوهَا , وَمِنْهُ الْمَقْتُولَة بِقَوْسِ الْبُنْدُق , وَقَالَ الْفَرَزْدَق : شَغَّارَة تَقِذ الْفَصِيل بِرِجْلِهَا فَطَّارَة لِقَوَادِم الْأَبْكَارِ وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْد فَأُصِيب ; فَقَالَ : ( إِذَا رَمَيْت بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلهُ ) وَفِي رِوَايَة ( فَإِنَّهُ وَقِيذ ) . قَالَ أَبُو عُمَر : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الصَّيْد بِالْبُنْدُقِ وَالْحَجَر وَالْمِعْرَاض ; فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ وَقِيذ لَمْ يُجِزْهُ إِلَّا مَا أُدْرِكَ ذَكَاته ; عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيّ وَالشَّافِعِيّ , وَخَالَفَهُمْ الشَّامِيُّونَ فِي ذَلِكَ ; قَالَ الْأَوْزَاعِيّ فِي الْمِعْرَاض : كُلْهُ خَزَقَ أَوْ لَمْ يَخْزِق ; فَقَدْ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء وَفَضَالَة بْن عُبَيْد وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَمَكْحُول لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا ; قَالَ أَبُو عُمَر : هَكَذَا ذَكَرَ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَالْمَعْرُوف عَنْ اِبْن عُمَر مَا ذَكَرَهُ مَالِك عَنْ نَافِع عَنْهُ , وَالْأَصْل فِي هَذَا الْبَاب وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل وَفِيهِ الْحُجَّة لِمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم وَفِيهِ ( وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلهُ فَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذ ) . الْمُتَرَدِّيَة هِيَ الَّتِي تَتَرَدَّى مِنْ الْعُلُوّ إِلَى السُّفْل فَتَمُوت ; كَانَ ذَلِكَ مِنْ جَبَل أَوْ فِي بِئْر وَنَحْوه ; وَهِيَ مُتَفَعِّلَة مِنْ الرَّدَى وَهُوَ الْهَلَاك ; وَسَوَاء تَرَدَّتْ بِنَفْسِهَا أَوْ رَدَّاهَا غَيْرهَا , وَإِذَا أَصَابَ السَّهْم الصَّيْد فَتَرَدَّى مِنْ جَبَل إِلَى الْأَرْض حَرُمَ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا مَاتَ بِالصَّدْمَةِ وَالتَّرَدِّي لَا بِالسَّهْمِ ; وَمِنْهُ الْحَدِيث ( وَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاء فَلَا تَأْكُلهُ فَإِنَّك لَا تَدْرِي الْمَاء قَتَلَهُ أَوْ سَهْمك ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَأْكُل الْمُتَرَدِّيَ وَلَمْ تَكُنْ تَعْتَقِد مَيْتَة إِلَّا مَا مَاتَ بِالْوَجَعِ وَنَحْوه دُون سَبَب يُعْرَف ; فَأَمَّا هَذِهِ الْأَسْبَاب فَكَانَتْ عِنْدهَا كَالذَّكَاةِ ; فَحَصَرَ الشَّرْع الذَّكَاة فِي صِفَة مَخْصُوصَة عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانهَا , وَبَقِيَتْ هَذِهِ كُلّهَا مَيْتَة , وَهَذَا كُلّه مِنْ الْمُحْكَم الْمُتَّفَق عَلَيْهِ . وَكَذَلِكَ النَّطِيحَة وَأَكِيلَة السَّبُع الَّتِي فَاتَ نَفَسُهَا بِالنَّطْحِ وَالْأَكْل . النَّطِيحَة فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة , وَهِيَ الشَّاة تَنْطَحهَا أُخْرَى أَوْ غَيْر ذَلِكَ فَتَمُوت قَبْل أَنْ تُذَكَّى , وَتَأَوَّلَ قَوْم النَّطِيحَة بِمَعْنَى النَّاطِحَة ; لِأَنَّ الشَّاتَيْنِ قَدْ تَتَنَاطَحَانِ فَتَمُوتَانِ , وَقِيلَ : نَطِيحَة وَلَمْ يَقُلْ نَطِيح , وَحَقّ فَعِيل لَا يُذْكَر فِيهِ الْهَاء كَمَا يُقَال : كَفّ خَضِيب وَلِحْيَة دَهِين ; لَكِنْ ذَكَرَ الْهَاء هَهُنَا لِأَنَّ الْهَاء إِنَّمَا تُحْذَف مِنْ الْفَعِيلَة إِذَا كَانَتْ صِفَة لِمَوْصُوفٍ مَنْطُوق بِهِ ; يُقَال : شَاة نَطِيح وَامْرَأَة قَتِيل , فَإِنْ لَمْ تَذْكُر الْمَوْصُوف أَثْبَتّ الْهَاء فَتَقُول : رَأَيْت قَتِيلَة بَنِي فُلَان وَهَذِهِ نَطِيحَة الْغَنَم ; لِأَنَّك لَوْ لَمْ تَذْكُر الْهَاء فَقُلْت : رَأَيْت قَتِيل بَنِي فُلَان لَمْ يُعْرَف أَرَجُل هُوَ أَمْ اِمْرَأَة . وَقَرَأَ أَبُو مَيْسَرَة " وَالْمَنْطُوحَة " . يُرِيدُ كُلَّ مَا افْتَرَسَهُ ذُو نَاب وَأَظْفَار مِنْ الْحَيَوَان , كَالْأَسَدِ وَالنَّمِر وَالثَّعْلَب وَالذِّئْب وَالضَّبْع وَنَحْوهَا , هَذِهِ كُلّهَا سِبَاع . يُقَال : سَبَعَ فُلَان فُلَانًا أَيْ عَضَّهُ بِسِنِّهِ , وَسَبَعَهُ أَيْ عَابَهُ وَوَقَعَ فِيهِ , وَفِي الْكَلَام إِضْمَار , أَيْ وَمَا أَكَلَ مِنْهُ السَّبُع ; لِأَنَّ مَا أَكَلَهُ السَّبُع فَقَدْ فَنِيَ , وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يُوقِف اِسْم السَّبُع عَلَى الْأَسَد , وَكَانَتْ الْعَرَب إِذَا أَخَذَ السَّبُع شَاة ثُمَّ خَلَصَتْ مِنْهُ أَكَلُوهَا , وَكَذَلِكَ إِنْ أَكَلَ بَعْضهَا ; قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره وَقَرَأَ الْحَسَن وَأَبُو حَيْوَة " السَّبْع " بِسُكُونِ الْبَاء , وَهِيَ لُغَة لِأَهْلِ نَجْد , وَقَالَ حَسَّان فِي عُتْبَة بْن أَبِي لَهَب : مَنْ يَرْجِع الْعَام إِلَى أَهْله فَمَا أَكِيلُ السَّبْع بِالرَّاجِعِ وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود : " وَأَكِيلَة السَّبُع " وَقَرَأَ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس : " وَأَكِيل السَّبُع " . نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل , عِنْد الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء , وَهُوَ رَاجِع عَلَى كُلّ مَا أُدْرِكَ ذَكَاته مِنْ الْمَذْكُورَات وَفِيهِ حَيَاة ; فَإِنَّ الذَّكَاة عَامِلَة فِيهِ ; لِأَنَّ حَقّ الِاسْتِثْنَاء أَنْ يَكُون مَصْرُوفًا إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَام , وَلَا يُجْعَل مُنْقَطِعًا إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهُ . رَوَى اِبْن عُيَيْنَة وَشَرِيك وَجَرِير عَنْ الرُّكَيْن بْن الرَّبِيع عَنْ أَبِي طَلْحَة الْأَسَدِيّ قَالَ : سَأَلْت اِبْن عَبَّاس عَنْ ذِئْب عَدَا عَلَى شَاة فَشَقَّ بَطْنهَا حَتَّى انْتَثَرَ قُصْبهَا فَأَدْرَكْت ذَكَاتهَا فَذَكَّيْتهَا فَقَالَ : كُلْ وَمَا اِنْتَثَرَ مِنْ قُصْبهَا فَلَا تَأْكُل . قَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ : السُّنَّة فِي الشَّاة عَلَى مَا وَصَفَ اِبْن عَبَّاس ; فَإِنَّهَا وَإِنْ خَرَجَتْ مَصَارِينهَا فَإِنَّهَا حَيَّة بَعْد , وَمَوْضِع الذَّكَاة مِنْهَا سَالِم ; وَإِنَّمَا يُنْظَر عِنْد الذَّبْح أَحَيَّة هِيَ أَمْ مَيِّتَة , وَلَا يُنْظَر إِلَى فِعْل هَلْ يَعِيش مِثْلهَا ؟ فَكَذَلِكَ الْمَرِيضَة ; قَالَ إِسْحَاق : وَمَنْ خَالَفَ هَذَا فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّة مِنْ جُمْهُور الصَّحَابَة وَعَامَّة الْعُلَمَاء . قُلْت : وَإِلَيْهِ ذَهَبَ اِبْن حَبِيب وَذُكِرَ عَنْ أَصْحَاب مَالِك ; وَهُوَ قَوْل اِبْن وَهْب وَالْأَشْهَرُ مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ . قَالَ الْمُزَنِيّ : وَأَحْفَظُ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا آخَر أَنَّهَا لَا تُؤْكَل إِذَا بَلَغَ مِنْهَا السَّبُع أَوْ التَّرَدِّي إِلَى مَا لَا حَيَاة مَعَهُ ; وَهُوَ قَوْل الْمَدَنِيِّينَ , وَالْمَشْهُور مِنْ قَوْل مَالِك , وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْد الْوَهَّاب فِي تَلْقِينه , وَرُوِيَ عَنْ زَيْد بْن ثَابِت ; ذَكَرَهُ مَالِك فِي مُوَطَّئِهِ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي وَجَمَاعَة الْمَالِكِيِّينَ الْبَغْدَادِيِّينَ , وَالِاسْتِثْنَاء عَلَى هَذَا الْقَوْل مُنْقَطِع ; أَيْ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الْأَشْيَاء لَكِنْ مَا ذَكَّيْتُمْ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يُحَرَّم . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : اِخْتَلَفَ قَوْل مَالِك فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء ; فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْكَل إِلَّا مَا ذُكِّيَ بِذَكَاةٍ صَحِيحَة ; وَاَلَّذِي فِي الْمُوَطَّأ أَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَبَحَهَا وَنَفَسهَا يَجْرِي , وَهِيَ تَضْطَرِب فَلْيَأْكُلْ ; وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ قَوْله الَّذِي كَتَبَهُ بِيَدِهِ وَقَرَأَهُ عَلَى النَّاس مِنْ كُلّ بَلَد طُول عُمْره ; فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الرِّوَايَات النَّادِرَة , وَقَدْ أَطْلَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى الْمَرِيضَة أَنَّ الْمَذْهَب جَوَاز تَذْكِيَتهَا وَلَوْ أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْت إِذَا كَانَتْ فِيهَا بَقِيَّة حَيَاة ; وَلَيْتَ شِعْرِي أَيّ فَرْق بَيْن بَقِيَّة حَيَاة مِنْ مَرَض , وَبَقِيَّة حَيَاة مِنْ سَبُع لَوْ اِتَّسَقَ النَّظَر , وَسَلِمَتْ مِنْ الشُّبْهَة الْفِكَرُ ! , وَقَالَ أَبُو عَمْرو : قَدْ أَجْمَعُوا فِي الْمَرِيضَة الَّتِي لَا تُرْجَى حَيَاتهَا أَنَّ ذَبْحهَا ذَكَاة لَهَا إِذَا كَانَتْ فِيهَا الْحَيَاة فِي حِين ذَبْحهَا , وَعُلِمَ ذَلِكَ مِنْهَا بِمَا ذَكَرُوا مِنْ حَرَكَة يَدهَا أَوْ رِجْلهَا أَوْ ذَنَبهَا أَوْ نَحْو ذَلِكَ ; وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا إِذَا صَارَتْ فِي حَال النَّزْع وَلَمْ تُحَرِّك يَدًا وَلَا رِجْلًا أَنَّهُ لَا ذَكَاة فِيهَا ; وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاس أَنْ يَكُون حُكْم الْمُتَرَدِّيَة وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا فِي الْآيَة , وَاَللَّه أَعْلَمُ . قَوْله تَعَالَى : " ذَكَّيْتُمْ " الذَّكَاة فِي كَلَام الْعَرَب الذَّبْح ; قَالَهُ قُطْرُب , وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ فِي [ الْمُحْكَم ] وَالْعَرَب تَقُول ( ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أُمّه ) ; قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ حَدِيث , وَذَكَّى الْحَيَوَان ذَبَحَهُ ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : يُذَكِّيهَا الْأَسَلْ قُلْت : الْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَلِيّ وَعَبْد اللَّه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أُمّه ) , وَبِهِ يَقُول جَمَاعَة أَهْل الْعِلْم , إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة أَنَّهُ قَالَ : إِذَا خَرَجَ الْجَنِين مِنْ بَطْن أُمّه مَيِّتًا لَمْ يَحِلّ أَكْله ; لِأَنَّ ذَكَاة نَفْس لَا تَكُون ذَكَاة نَفْسَيْنِ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَفِي قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أُمّه ) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجَنِين غَيْر الْأُمّ , وَهُوَ يَقُول : لَوْ أُعْتِقَتْ أَمَة حَامِل أَنَّ عِتْقه عِتْق أُمّه ; وَهَذَا يَلْزَمهُ أَنَّ ذَكَاته ذَكَاة أُمّه ; لِأَنَّهُ إِذَا أَجَازَ أَنْ يَكُون عِتْق وَاحِد عِتْق اِثْنَيْنِ جَازَ أَنْ يَكُون ذَكَاة وَاحِد ذَكَاة اِثْنَيْنِ ; عَلَى أَنَّ الْخَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابه , وَمَا عَلَيْهِ جُلّ النَّاس مُسْتَغْنًى بِهِ عَنْ قَوْل كُلّ قَائِل , وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ الْجَنِين إِذَا خَرَجَ حَيًّا أَنَّ ذَكَاة أُمّه لَيْسَتْ بِذَكَاةٍ لَهُ , وَاخْتَلَفُوا إِذَا ذُكِّيَتْ الْأُمّ وَفِي بَطْنهَا جَنِين ; فَقَالَ مَالِك وَجَمِيع أَصْحَابه : ذَكَاته ذَكَاة أُمّه إِذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقه وَنَبَتَ شَعْره , وَذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مَيِّتًا أَوْ خَرَجَ بِهِ رَمَق مِنْ الْحَيَاة , غَيْر أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يُذْبَح إِنْ خَرَجَ يَتَحَرَّك , فَإِنْ سَبَقَهُمْ بِنَفْسِهِ أُكِلَ , وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : ضَحَّيْت بِنَعْجَةٍ فَلَمَّا ذَبَحْتهَا جَعَلَ يَرْكُض وَلَدهَا فِي بَطْنهَا فَأَمَرْتهمْ أَنْ يَتْرُكُوهَا حَتَّى يَمُوت فِي بَطْنهَا , ثُمَّ أَمَرْتهمْ فَشَقُّوا جَوْفهَا فَأُخْرِجَ مِنْهُ فَذَبَحْته فَسَالَ مِنْهُ دَم ; فَأَمَرْت أَهْلِي أَنْ يَشْوُوهُ , وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن كَعْب بْن مَالِك . كَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : إِذَا أُشْعِرَ الْجَنِين فَذَكَاته ذَكَاة أُمّه . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَمِمَّنْ قَالَ ذَكَاته ذَكَاة أُمّه وَلَمْ يَذْكُر أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِر عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أُمّه أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِر " إِلَّا أَنَّهُ حَدِيث ضَعِيف ; فَمَذْهَب مَالِك هُوَ الصَّحِيح مِنْ الْأَقْوَال الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّة فُقَهَاء الْأَمْصَار . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . قَوْله تَعَالَى : " ذَكَّيْتُمْ " الذَّكَاة فِي اللُّغَة أَصْلهَا التَّمَام , وَمِنْهُ تَمَام السِّنّ , وَالْفَرَس الْمُذَكَّى الَّذِي يَأْتِي بَعْد تَمَام الْقُرُوح بِسَنَةٍ , وَذَلِكَ تَمَام اِسْتِكْمَال الْقُوَّة , وَيُقَال : ذَكَّى يُذَكِّي , وَالْعَرَب تَقُول : جَرْي الْمُذَكِّيَات غِلَاب 22 . وَالذَّكَاء حِدَّة الْقَلْب ; وَقَالَ الشَّاعِر : يُفَضِّلهُ إِذَا اِجْتَهَدُوا عَلَيْهِ تَمَامُ السِّنِّ مِنْهُ وَالذَّكَاءُ وَالذَّكَاء سُرْعَة الْفِطْنَة , وَالْفِعْل مِنْهُ ذَكِيَ يَذْكَى ذَكًا , وَالذَّكْوَة مَا تَذْكُو بِهِ النَّار , وَأَذْكَيْت الْحَرْب وَالنَّار أَوْقَدْتهمَا , وَذُكَاء اِسْم الشَّمْس ; وَذَلِكَ أَنَّهَا تَذْكُو كَالنَّارِ , وَالصُّبْح اِبْن ذُكَاء لِأَنَّهُ مِنْ ضَوْئِهَا . فَمَعْنَى " ذَكَّيْتُمْ " أَدْرَكْتُمْ ذَكَاته عَلَى التَّمَام . ذَكَّيْت الذَّبِيحَة أُذَكِّيهَا مُشْتَقَّة مِنْ التَّطَيُّب ; يُقَال : رَائِحَة ذَكِيَّة ; فَالْحَيَوَان إِذَا أُسِيلَ دَمه فَقَدْ طُيِّبَ , لِأَنَّهُ يَتَسَارَع إِلَيْهِ التَّجْفِيف ; وَفِي حَدِيث مُحَمَّد بْن عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا " ذَكَاة الْأَرْض يُبْسهَا " يُرِيد طَهَارَتهَا مِنْ النَّجَاسَة ; فَالذَّكَاة فِي الذَّبِيحَة تَطْهِيرٌ لَهَا , وَإِبَاحَةٌ لِأَكْلِهَا فَجُعِلَ يُبْسُ الْأَرْض بَعْد النَّجَاسَة تَطْهِيرًا لَهَا وَإِبَاحَةُ الصَّلَاة فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الذَّكَاة لِلذَّبِيحَةِ ; وَهُوَ قَوْل أَهْل الْعِرَاق , وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهَا فِي الشَّرْع عِبَارَة عَنْ إِنْهَار الدَّم وَفَرْي الْأَوْدَاج فِي الْمَذْبُوح , وَالنَّحْر فِي الْمَنْحُور وَالْعَقْر فِي غَيْر الْمَقْدُور , مَقْرُونًا بِنِيَّةِ الْقَصْد لِلَّهِ وَذِكْره عَلَيْهِ ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَا يَقَع بِهِ الذَّكَاة ; فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّ كُلّ مَا أَفْرَى الْأَوْدَاج وَأَنْهَرَ الدَّم فَهُوَ مِنْ آلَات الذَّكَاة مَا خَلَا السِّنّ وَالْعَظْم ; عَلَى هَذَا تَوَاتَرَتْ الْآثَار , وَقَالَ بِهِ فُقَهَاء الْأَمْصَار , وَالسِّنّ وَالظُّفْر الْمَنْهِيّ عَنْهُمَا فِي التَّذْكِيَة هُمَا غَيْر الْمَنْزُوعَيْنِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِير خَنْقًا ; وَكَذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : ذَلِكَ الْخَنْق ; فَأَمَّا الْمَنْزُوعَانِ فَإِذَا فَرَيَا الْأَوْدَاج فَجَائِز الذَّكَاة بِهِمَا عِنْدهمْ , وَقَدْ كَرِهَ قَوْم السِّنّ وَالظُّفْر وَالْعَظْم عَلَى كُلّ حَال ; مَنْزُوعَة أَوْ غَيْر مَنْزُوعَة ; مِنْهُمْ إِبْرَاهِيم وَالْحَسَن وَاللَّيْث بْن سَعْد , وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيّ ; وَحُجَّتهمْ ظَاهِر حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّا لَاقُو الْعَدُوّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى - فِي رِوَايَة - فَنُذَكِّي بِاللِّيطِ ؟ . وَفِي مُوَطَّأ مَالِك عَنْ نَافِع عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار عَنْ مُعَاذ بْن سَعْد أَوْ سَعْد بْن مُعَاذ : أَنَّ جَارِيَة لِكَعْبِ بْن مَالِك كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لَهُ بِسَلْعٍ فَأُصِيبَتْ شَاة مِنْهَا فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ , فَسُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : ( لَا بَأْس بِهَا وَكُلُوهَا ) , وَفِي مُصَنَّف أَبِي دَاوُد : أَنَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَشِقَّة الْعَصَا ؟ قَالَ : ( أَعْجِلْ وَأَرِنْ مَا أَنْهَرَ الدَّم وَذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنّ وَالظُّفْر وَسَأُحَدِّثُك أَمَّا السِّنّ فَعَظْم وَأَمَّا الظُّفْر فَمُدَى الْحَبَشَة ) الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَرُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّهُ قَالَ : مَا ذُبِحَ بِاللِّيطَةِ وَالشَّطِير وَالظُّرَر فَحِلّ ذَكِيّ . اللِّيطَة فِلْقَة الْقَصَبَة وَيُمْكِن بِهَا الذَّبْح وَالنَّحْر . وَالشَّطِير فِلْقَة الْعُود , وَقَدْ يُمْكِن بِهَا الذَّبْح لِأَنَّ لَهَا جَانِبًا دَقِيقًا , وَالظُّرَر فِلْقَة الْحَجَر يُمْكِن الذَّكَاة بِهَا وَلَا يُمْكِن النَّحْر ; وَعَكْسه الشِّظَاظ يُنْحَر بِهِ , لِأَنَّهُ كَطَرَفِ السِّنَان وَلَا يُمْكِن بِهِ الذَّبْح . قَالَ مَالِك وَجَمَاعَة : لَا تَصِحّ الذَّكَاة إِلَّا بِقَطْعِ الْحُلْقُوم وَالْوَدَجَيْنِ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَصِحّ بِقَطْعِ الْحُلْقُوم وَالْمَرِيء وَلَا يَحْتَاج إِلَى الْوَدَجَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا مَجْرَى الطَّعَام وَالشَّرَاب الَّذِي لَا يَكُون مَعَهُمَا حَيَاة , وَهُوَ الْغَرَض مِنْ الْمَوْت . وَمَالك وَغَيْره اِعْتَبَرُوا الْمَوْت عَلَى وَجْه يَطِيب مَعَهُ اللَّحْم , وَيَفْتَرِق فِيهِ الْحَلَال - وَهُوَ اللَّحْم - مِنْ الْحَرَام الَّذِي يَخْرُج بِقَطْعِ الْأَوْدَاج وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة ; وَعَلَيْهِ يَدُلّ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج فِي قَوْله : ( مَا أَنْهَرَ الدَّم ) , وَحَكَى الْبَغْدَادِيُّونَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ يُشْتَرَط قَطْع أَرْبَع : الْحُلْقُوم وَالْوَدَجَيْنِ وَالْمَرِيء ; وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْر , وَالْمَشْهُور مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ قَوْل اللَّيْث . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي قَطْع أَحَد الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُوم هَلْ هُوَ ذَكَاة أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الذَّبْح مَهْمَا كَانَ فِي الْحَلْق تَحْت الْغَلْصَمَة فَقَدْ تَمَّتْ الذَّكَاة ; وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا ذُبِحَ فَوْقهَا وَجَازَهَا إِلَى الْبَدَن هَلْ ذَلِكَ ذَكَاة أَمْ لَا , عَلَى قَوْلَيْنِ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهَا لَا تُؤْكَل ; وَكَذَلِكَ لَوْ ذَبَحَهَا مِنْ الْقَفَا وَاسْتَوْفَى الْقَطْع وَأَنْهَرَ الدَّم وَقَطَعَ الْحُلْقُوم وَالْوَدَجَيْنِ لَمْ تُؤْكَل , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : تُؤْكَل ; لِأَنَّ الْمَقْصُود قَدْ حَصَلَ , وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْل , وَهُوَ أَنَّ الذَّكَاة وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُود مِنْهَا إِنْهَار الدَّم فَفِيهَا ضَرْب مِنْ التَّعَبُّد ; وَقَدْ ذَبَحَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَلْق وَنَحَرَ فِي اللَّبَّة وَقَالَ : ( إِنَّمَا الذَّكَاة فِي الْحَلْق وَاللَّبَّة ) فَبَيَّنَ مَحِلّهَا وَعَيَّنَ مَوْضِعهَا , وَقَالَ مُبَيِّنًا لِفَائِدَتِهَا : ( مَا أَنْهَرَ الدَّم وَذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلْ ) . فَإِذَا أُهْمِلَ ذَلِكَ وَلَمْ تَقَع بِنِيَّةٍ وَلَا بِشَرْطٍ وَلَا بِصِفَةٍ مَخْصُوصَة زَالَ مِنْهَا حَظّ التَّعَبُّد , فَلَمْ تُؤْكَل لِذَلِكَ , وَاللَّه أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ رَفَعَ يَده قَبْل تَمَام الذَّكَاة ثُمَّ رَجَعَ فِي الْفَوْر وَأَكْمَلَ الذَّكَاة ; فَقِيلَ : يُجْزِئهُ , وَقِيلَ : لَا يُجْزِئهُ ; وَالْأَوَّل أَصَحّ لِأَنَّهُ جَرَحَهَا ثُمَّ ذَكَّاهَا بَعْد وَحَيَاتهَا مُسْتَجْمَعَة فِيهَا . وَيُسْتَحَبّ أَلَّا يَذْبَح إِلَّا مَنْ تُرْضَى حَاله , وَكُلّ مَنْ أَطَاقَهُ وَجَاءَ بِهِ عَلَى سُنَّته مِنْ ذِكْر أَوْ أُنْثَى بَالِغ أَوْ غَيْر بَالِغ جَازَ ذَبْحه إِذَا كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا , وَذَبْح الْمُسْلِم أَفْضَلُ مِنْ ذَبْح الْكِتَابِيّ , وَلَا يَذْبَح نُسُكًا إِلَّا مُسْلِم ; فَإِنْ ذَبَحَ النُّسُك كِتَابِيّ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ ; وَلَا يَجُوز فِي تَحْصِيل الْمَذْهَب , وَقَدْ أَجَازَهُ أَشْهَب . وَمَا اِسْتَوْحَشَ مِنْ الْإِنْسِيّ لَمْ يَجُزْ فِي ذَكَاته إِلَّا مَا يَجُوز فِي ذَكَاة الْإِنْسِيّ , فِي قَوْل مَالِك وَأَصْحَابه وَرَبِيعَة وَاللَّيْث بْن سَعْد ; وَكَذَلِكَ الْمُتَرَدِّي فِي الْبِئْر لَا تَكُون الذَّكَاة فِيهِ إِلَّا فِيمَا بَيْن الْحَلْق وَاللَّبَّة عَلَى سُنَّة الذَّكَاة , وَقَدْ خَالَفَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بَعْض أَهْل الْمَدِينَة وَغَيْرهمْ ; وَفِي الْبَاب حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَتَمَامه بَعْد قَوْله : ( فَمُدَى الْحَبَشَة ) قَالَ : وَأَصَبْنَا نَهْب إِبِل وَغَنَم فَنَدَّ مِنْهَا بَعِير فَرَمَاهُ رَجُل بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِل أَوَابِد كَأَوَابِد الْوَحْش فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْء فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا - وَفِي رِوَايَة - فَكُلُوهُ ) , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ ; قَالَ الشَّافِعِيّ : تَسْلِيط النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا الْفِعْل دَلِيل عَلَى أَنَّهُ ذَكَاة ; وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي الْعُشَرَاء عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَمَا تَكُون الذَّكَاة إِلَّا فِي الْحَلْق وَاللَّبَّة ؟ قَالَ : ( لَوْ طَعَنْت فِي فَخِذهَا لَأَجْزَأَ عَنْك ) . قَالَ يَزِيد بْن هَارُون : وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أَعْجَبَ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي دَاوُد , وَأَشَارَ عَلَى مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُفَّاظ أَنْ يَكْتُبَهُ . قَالَ أَبُو دَاوُد : لَا يَصْلُح هَذَا إِلَّا فِي الْمُتَرَدِّيَة وَالْمُسْتَوْحِش , وَقَدْ حَمَلَ اِبْن حَبِيب هَذَا الْحَدِيث عَلَى مَا سَقَطَ فِي مَهْوَاة فَلَا يُوصَل إِلَى ذَكَاته إِلَّا بِالطَّعْنِ فِي غَيْر مَوْضِع الذَّكَاة ; وَهُوَ قَوْل انْفَرَدَ بِهِ عَنْ مَالِك وَأَصْحَابه . قَالَ أَبُو عُمَر : قَوْل الشَّافِعِيّ أَظْهَر فِي أَهْل الْعِلْم , وَأَنَّهُ يُؤْكَل بِمَا يُؤْكَل بِهِ الْوَحْشِيّ ; لِحَدِيثِ رَافِع بْن خَدِيج ; وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود ; وَمِنْ جِهَة الْقِيَاس لَمَّا كَانَ الْوَحْشِيّ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ لَمْ يَحِلّ إِلَّا بِمَا يَحِلّ بِهِ الْإِنْسِيّ ; لِأَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ ; فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاس إِذَا تَوَحَّشَ أَوْ صَارَ فِي مَعْنَى الْوَحْشِيّ مِنْ الِامْتِنَاع أَنْ يَحِلّ بِمَا يَحِلّ بِهِ الْوَحْشِيّ . قُلْت : أَجَابَ عُلَمَاؤُنَا عَنْ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج بِأَنْ قَالُوا : تَسْلِيط النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى حَبْسه لَا عَلَى ذَكَاته , وَهُوَ مُقْتَضَى الْحَدِيث وَظَاهِره ; لِقَوْلِهِ : ( فَحَبَسَهُ ) وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ السَّهْم قَتَلَهُ ; وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَقْدُور عَلَيْهِ فِي غَالِب الْأَحْوَال فَلَا يُرَاعَى النَّادِر مِنْهُ , وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ فِي الصَّيْد , وَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيث بِأَنَّ السَّهْم حَبَسَهُ وَبَعْد أَنْ صَارَ مَحْبُوسًا صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ ; فَلَا يُؤْكَل إِلَّا بِالذَّبْحِ وَالنَّحْر , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَأَمَّا حَدِيث أَبِي الْعُشَرَاء فَقَدْ قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيّ : " حَدِيث غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث حَمَّاد بْن سَلَمَة , وَلَا نَعْرِف لِأَبِي الْعُشَرَاء عَنْ أَبِيهِ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَاخْتَلَفُوا فِي اِسْم أَبِي الْعُشَرَاء ; فَقَالَ بَعْضهمْ : اِسْمه أُسَامَة بْن قِهْطِم , وَيُقَال : اِسْمه يَسَار بْن بَرْز - وَيُقَال : بَلْز - وَيُقَال : اِسْمه عُطَارِد نُسِبَ إِلَى جَدّه " . فَهَذَا سَنَد مَجْهُول لَا حُجَّة فِيهِ ; وَلَوْ سُلِّمَتْ صِحَّته كَمَا قَالَ يَزِيد بْن هَارُون لَمَّا كَانَ فِيهِ حُجَّة ; إِذْ مُقْتَضَاهُ جَوَاز الذَّكَاة فِي أَيّ عُضْو كَانَ مُطْلَقًا فِي الْمَقْدُور وَغَيْره , وَلَا قَائِل بِهِ فِي الْمَقْدُور ; فَظَاهِره لَيْسَ بِمُرَادٍ قَطْعًا . وَتَأْوِيل أَبِي دَاوُد وَابْن حَبِيب لَهُ غَيْر مُتَّفَق عَلَيْهِ ; فَلَا يَكُون فِيهِ حُجَّة , وَاللَّه أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَحُجَّة مَالِك أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنِدّ الْإِنْسِيّ أَنَّهُ لَا يُذَكَّى إِلَّا بِمَا يُذَكَّى بِهِ الْمَقْدُور عَلَيْهِ , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فَهُوَ عَلَى أَصْله حَتَّى يَتَّفِقُوا . وَهَذَا لَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّ إِجْمَاعهمْ إِنَّمَا اِنْعَقَدَ عَلَى مَقْدُور عَلَيْهِ , وَهَذَا غَيْر مَقْدُور عَلَيْهِ . وَمِنْ تَمَام هَذَا الْبَاب قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ اللَّه كَتَبَ الْإِحْسَان عَلَى كُلّ شَيْء فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَة وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْح وَلْيُحِدَّ أَحَدكُمْ شَفْرَته وَلْيُرِحْ ذَبِيحَته ) رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ شَدَّاد بْن أَوْس قَالَ : ثِنْتَانِ حَفِظْتهمَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه كَتَبَ ) فَذَكَرَهُ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إِحْسَان الذَّبْح فِي الْبَهَائِم الرِّفْق بِهَا ; فَلَا يَصْرَعهَا بِعُنْفٍ وَلَا يَجُرّهَا مِنْ مَوْضِع إِلَى آخَر , وَإِحْدَاد الْآلَة , وَإِحْضَار نِيَّة الْإِبَاحَة وَالْقُرْبَة وَتَوْجِيههَا إِلَى الْقِبْلَة , وَالْإِجْهَاز , وَقَطْع الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُوم , وَإِرَاحَتهَا وَتَرْكهَا إِلَى أَنْ تَبْرُد , وَالِاعْتِرَاف لِلَّهِ بِالْمِنَّةِ , وَالشُّكْر لَهُ بِالنِّعْمَةِ ; بِأَنَّهُ سَخَّرَ لَنَا مَا لَوْ شَاءَ لَسَلَّطَهُ عَلَيْنَا , وَأَبَاحَ لَنَا مَا لَوْ شَاءَ لَحَرَّمَهُ عَلَيْنَا . وَقَالَ رَبِيعَة : مِنْ إِحْسَان الذَّبْح أَلَّا يَذْبَح بَهِيمَة وَأُخْرَى تَنْظُر إِلَيْهَا ; وَحُكِيَ جَوَازه عَنْ مَالِك ; وَالْأَوَّل أَحْسَنُ , وَأَمَّا حُسْن الْقِتْلَة فَعَامّ فِي كُلّ شَيْء مِنْ التَّذْكِيَة وَالْقِصَاص وَالْحُدُود وَغَيْرهَا , وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة قَالَا : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرِيطَة الشَّيْطَان , زَادَ اِبْن عِيسَى فِي حَدِيثه ( وَهِيَ الَّتِي تُذْبَح فَتُقْطَع وَلَا تُفْرَى الْأَوْدَاج ثُمَّ تُتْرَك فَتَمُوت ) . قَالَ اِبْن فَارِس : " النُّصُب " حَجَر كَانَ يُنْصَب فَيُعْبَد وَتُصَبّ عَلَيْهِ دِمَاء الذَّبَائِح , وَهُوَ النَّصْب أَيْضًا , وَالنَّصَائِب حِجَارَة تُنْصَب حَوَالَيْ شَفِير الْبِئْر فَتُجْعَل عَضَائِد , وَغُبَار مُنْتَصِب مُرْتَفِع , وَقِيلَ : " النُّصُب " جَمْع , وَاحِده نِصَاب كَحِمَارٍ وَحُمُر , وَقِيلَ : هُوَ اِسْم مُفْرَد وَالْجَمْع أَنْصَاب ; وَكَانَتْ ثَلَاثمِائَةٍ وَسِتِّينَ حَجَرًا , وَقَرَأَ طَلْحَة " النُّصْب " بِجَزْمِ الصَّاد . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر " النَّصْب " بِفَتْحِ النُّون وَجَزْم الصَّاد . الْجَحْدَرِيّ : بِفَتْحِ النُّون وَالصَّاد جَعَلَهُ اِسْمًا مُوَحَّدًا كَالْجَبَلِ وَالْجَمَل , وَالْجَمْع أَنْصَاب ; كَالْأَجْمَالِ وَالْأَجْبَال . قَالَ مُجَاهِد : هِيَ حِجَارَة كَانَتْ حَوَالَيْ مَكَّة يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا . قَالَ اِبْن جُرَيْج : كَانَتْ الْعَرَب تَذْبَح بِمَكَّة وَتَنْضَح بِالدَّمِ مَا أَقْبَلَ مِنْ الْبَيْت , وَيُشَرِّحُونَ اللَّحْم وَيَضَعُونَهُ عَلَى الْحِجَارَة ; فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ أَحَقّ أَنْ نُعَظِّمَ هَذَا الْبَيْت بِهَذِهِ الْأَفْعَال , فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَمْ يَكْرَه ذَلِكَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا " [ الْحَجّ : 37 ] وَنَزَلَتْ " وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب " الْمَعْنَى : وَالنِّيَّة فِيهَا تَعْظِيم النُّصُب لَا أَنَّ الذَّبْح عَلَيْهَا غَيْر جَائِز , وَقَالَ الْأَعْشَى : وَذَا النُّصُبَ الْمَنْصُوبَ لَا تَنْسُكَنَّهُ لِعَافِيَةٍ وَاَللَّهَ رَبَّك فَاعْبُدَا وَقِيلَ : " عَلَى " بِمَعْنَى اللَّام ; أَيْ لِأَجْلِهَا ; قَالَ قُطْرُب قَالَ اِبْن زَيْد : مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه شَيْء وَاحِد . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب جُزْء مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه , وَلَكِنْ خُصَّ بِالذِّكْرِ بَعْد جِنْسه لِشُهْرَةِ الْأَمْر وَشَرَف الْمَوْضِع وَتَعْظِيم النُّفُوس لَهُ . مَعْطُوف عَلَى مَا قَبْله , و " أَنْ " فِي مَحَلّ رَفْع , أَيْ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ الِاسْتِقْسَام . وَالْأَزْلَام قِدَاح الْمَيْسِر , وَاحِدهَا زَلَم وَزُلَم ; قَالَ : بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلَام كَالزَّلَمْ وَقَالَ آخَر , فَجَمَعَ : فَلَئِنْ جَذِيمَة قَتَّلَتْ سَرَوَاتهَا فَنِسَاؤُهَا يَضْرِبْنَ بِالْأَزْلَامِ وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن جَرِير : أَنَّ اِبْن وَكِيع حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُرَيْك عَنْ أَبِي حُصَيْن عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّ الْأَزْلَام حَصًى بِيض كَانُوا يَضْرِبُونَ بِهَا . قَالَ مُحَمَّد بْن جَرِير : قَالَ لَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع : هِيَ الشِّطْرَنْج . فَأَمَّا قَوْل لَبِيد : تَزِلُّ عَنْ الثَّرَى أَزْلَامهَا فَقَالُوا : أَرَادَ أَظْلَاف الْبَقَرَة الْوَحْشِيَّة , وَالْأَزْلَام لِلْعَرَبِ ثَلَاثَة أَنْوَاع : مِنْهَا الثَّلَاثَة الَّتِي كَانَ يَتَّخِذهَا كُلّ إِنْسَان لِنَفْسِهِ , عَلَى أَحَدهَا افْعَلْ , وَعَلَى الثَّانِي لَا تَفْعَل , وَالثَّالِث مُهْمَل لَا شَيْء عَلَيْهِ , فَيَجْعَلهَا فِي خَرِيطَة مَعَهُ , فَإِذَا أَرَادَ فِعْل شَيْء أَدْخَلَ يَده - وَهِيَ مُتَشَابِهَة - فَإِذَا خَرَجَ أَحَدهَا اِئْتَمَرَ وَانْتَهَى بِحَسَبِ مَا يَخْرُج لَهُ , وَإِنْ خَرَجَ الْقِدْح الَّذِي لَا شَيْء عَلَيْهِ أَعَادَ الضَّرْب ; وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي ضَرَبَ بِهَا سُرَاقَة بْن مَالِك بْن جُعْشُم حِين اِتَّبَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْر وَقْت الْهِجْرَة ; وَإِنَّمَا قِيلَ لِهَذَا الْفِعْل : اِسْتِقْسَام لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهِ الرِّزْق وَمَا يُرِيدُونَ ; كَمَا يُقَال : الِاسْتِسْقَاء فِي الِاسْتِدْعَاء لِلسَّقْيِ . وَنَظِير هَذَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّه تَعَالَى قَوْل الْمُنَجِّم : لَا تَخْرُج مِنْ أَجْل نَجْم كَذَا , وَاخْرُج مِنْ أَجْل نَجْم كَذَا , وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ : " وَمَا تَدْرِي نَفْس مَاذَا تَكْسِب غَدًا " الْآيَة [ لُقْمَان : 34 ] , وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه , وَالنَّوْع الثَّانِي : سَبْعَة قِدَاح كَانَتْ عِنْد هُبَل فِي جَوْف الْكَعْبَة مَكْتُوب عَلَيْهَا مَا يَدُور بَيْن النَّاس مِنْ النَّوَازِل , كُلّ قِدْح مِنْهَا فِيهِ كِتَاب ; قِدْح فِيهِ الْعَقْل مِنْ أَمْر الدِّيَات , وَفِي آخَر " مِنْكُمْ " وَفِي آخَر " مِنْ غَيْركُمْ " , وَفِي آخَر " مُلْصَق " , وَفِي سَائِرهَا أَحْكَام الْمِيَاه وَغَيْر ذَلِكَ , وَهِيَ الَّتِي ضَرَبَ بِهَا عَبْد الْمُطَّلِب عَلَى بَنِيهِ إِذْ كَانَ نَذَرَ نَحْر أَحَدهمْ إِذَا كَمُلُوا عَشَرَة ; الْخَبَر الْمَشْهُور ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق . وَهَذِهِ السَّبْعَة أَيْضًا كَانَتْ عِنْد كُلّ كَاهِن مِنْ كُهَّان الْعَرَب وَحُكَّامهمْ ; عَلَى نَحْو مَا كَانَتْ فِي الْكَعْبَة عِنْد هُبَل , وَالنَّوْع الثَّالِث : هُوَ قِدَاح الْمَيْسِر وَهِيَ عَشَرَة ; سَبْعَة مِنْهَا فِيهَا حُظُوظ , وَثَلَاثَة أَغْفَال , وَكَانُوا يَضْرِبُونَ بِهَا مُقَامَرَة لَهْوًا وَلَعِبًا , وَكَانَ عُقَلَاؤُهُمْ يَقْصِدُونَ بِهَا إِطْعَام الْمَسَاكِين وَالْمُعْدَم فِي زَمَن الشِّتَاء وَكَلَب الْبَرْد وَتَعَذُّر التَّحَرُّف , وَقَالَ مُجَاهِد : الْأَزْلَام هِيَ كِعَاب فَارِس وَالرُّوم الَّتِي يَتَقَامَرُونَ بِهَا , وَقَالَ سُفْيَان وَوَكِيع : هِيَ الشِّطْرَنْج ; فَالِاسْتِقْسَام بِهَذَا كُلّه هُوَ طَلَب الْقَسْم وَالنَّصِيب كَمَا بَيَّنَّا ; وَهُوَ مِنْ أَكْل الْمَال بِالْبَاطِلِ , وَهُوَ حَرَام , وَكُلّ مُقَامَرَة بِحَمَامٍ أَوْ بِنَرْدٍ أَوْ شِطْرَنْج أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْعَاب فَهُوَ اِسْتِقْسَام بِمَا هُوَ فِي مَعْنَى الْأَزْلَام حَرَام كُلّه ; وَهُوَ ضَرْب مِنْ التَّكَهُّن وَالتَّعَرُّض لِدَعْوَى عِلْم الْغَيْب . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَلِهَذَا نَهَى أَصْحَابنَا عَنْ الْأُمُور الَّتِي يَفْعَلهَا الْمُنَجِّمُونَ عَلَى الطُّرُقَات مِنْ السِّهَام الَّتِي مَعَهُمْ , وَرِقَاع الْفَأْل فِي أَشْبَاه ذَلِكَ , وَقَالَ الْكِيَا الطَّبَرِيّ : وَإِنَّمَا نَهَى اللَّه عَنْهَا فِيمَا يَتَعَلَّق بِأُمُورِ الْغَيْب ; فَإِنَّهُ لَا تَدْرِي نَفْس مَاذَا يُصِيبهَا غَدًا , فَلَيْسَ لِلْأَزْلَامِ فِي تَعْرِيف الْمُغَيَّبَات أَثَر ; فَاسْتَنْبَطَ بَعْض الْجَاهِلِينَ مِنْ هَذَا الرَّدّ عَلَى الشَّافِعِيّ فِي الْإِقْرَاع بَيْن الْمَمَالِيك فِي الْعِتْق , وَلَمْ يَعْلَم هَذَا الْجَاهِل أَنَّ الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيّ بُنِيَ عَلَى الْأَخْبَار الصَّحِيحَة , وَلَيْسَ مِمَّا يُعْتَرَض عَلَيْهِ بِالنَّهْيِ عَنْ الِاسْتِقْسَام بِالْأَزْلَامِ ; فَإِنَّ الْعِتْق حُكْم شَرْعِيّ , يَجُوز أَنْ يَجْعَل الشَّرْع خُرُوج الْقُرْعَة عَلَمًا عَلَى إِثْبَات حُكْم الْعِتْق قَطْعًا لِلْخُصُومَةِ , أَوْ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا , وَلَا يُسَاوِي ذَلِكَ قَوْل الْقَائِل : إِذَا فَعَلْت كَذَا أَوْ قُلْت كَذَا فَذَلِكَ يَدُلّك فِي الْمُسْتَقْبَل عَلَى أَمْر مِنْ الْأُمُور , فَلَا يَجُوز أَنْ يُجْعَل خُرُوج الْقِدَاح عَلَمًا عَلَى شَيْء يَتَجَدَّد فِي الْمُسْتَقْبَل , وَيَجُوز أَنْ يُجْعَل خُرُوج الْقُرْعَة عَلَمًا عَلَى الْعِتْق قَطْعًا ; فَظَهَرَ اِفْتِرَاق الْبَابَيْنِ . وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَاب طَلَب الْفَأْل , وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يُعْجِبهُ أَنْ يَسْمَع يَا رَاشِد يَا نَجِيح ; أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حَدِيث صَحِيح غَرِيب ; وَإِنَّمَا كَانَ يُعْجِبهُ الْفَأْل لِأَنَّهُ تَنْشَرِح لَهُ النَّفْس وَتَسْتَبْشِر بِقَضَاءِ الْحَاجَة وَبُلُوغ الْأَمَل ; فَيَحْسُن الظَّنّ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَقَدْ قَالَ : ( أَنَا عِنْد ظَنّ عَبْدِي بِي ) , وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يَكْرَه الطِّيَرَة ; لِأَنَّهَا مِنْ أَعْمَال أَهْل الشِّرْك ; وَلِأَنَّهَا تَجْلِب ظَنّ السُّوء بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ الْخَطَّابِيّ : الْفَرْق بَيْن الْفَأْل وَالطِّيَرَة أَنَّ الْفَأْل إِنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيق حُسْن الظَّنّ بِاَللَّهِ , وَالطِّيَرَة إِنَّمَا هِيَ مِنْ طَرِيق الِاتِّكَال عَلَى شَيْء سِوَاهُ , وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : سَأَلْت اِبْن عَوْن عَنْ الْفَأْل فَقَالَ : هُوَ أَنْ يَكُون مَرِيضًا فَيَسْمَع يَا سَالِم , أَوْ يَكُون بَاغِيًا فَيَسْمَع يَا وَاجِد ; وَهَذَا مَعْنَى حَدِيث التِّرْمِذِيّ , وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( لَا طِيَرَة وَخَيْرهَا الْفَأْل ) , قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه وَمَا الْفَأْل ؟ قَالَ : ( الْكَلِمَة الصَّالِحَة يَسْمَعهَا أَحَدكُمْ ) , وَسَيَأْتِي لِمَعْنَى الطِّيَرَة مَزِيد بَيَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا الْعِلْم بِالتَّعَلُّمِ وَالْحِلْم بِالتَّحَلُّمِ , وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْر يُعْطَهُ , وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرّ يُوقَهُ , وَثَلَاثَة لَا يَنَالُونَ الدَّرَجَات الْعُلَا ; مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ اِسْتَقْسَمَ أَوْ رَجَعَ مِنْ سَفَر مِنْ طِيَرَة . إِشَارَة إِلَى الِاسْتِقْسَام بِالْأَزْلَامِ , وَالْفِسْق الْخُرُوج , وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَقِيلَ يَرْجِع إِلَى جَمِيع مَا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِحْلَال لِجَمِيعِ هَذِهِ الْمُحَرَّمَات , وَكُلّ شَيْء مِنْهَا فِسْق وَخُرُوج مِنْ الْحَلَال إِلَى الْحَرَام , وَالِانْكِفَاف عَنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَات مِنْ الْوَفَاء بِالْعُقُودِ , إِذْ قَالَ : " أَوْفُوا بِالْعُقُودِ " [ الْمَائِدَة : 1 ] . يَعْنِي أَنْ تَرْجِعُوا إِلَى دِينهمْ كُفَّارًا . قَالَ الضَّحَّاك : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة حِين فَتْح مَكَّة ; وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَحَ مَكَّة لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَان سَنَة تِسْع , وَيُقَال : سَنَة ثَمَان , وَدَخَلَهَا وَنَادَى مُنَادِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَلَا مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَهُوَ آمِن , وَمَنْ وَضَعَ السِّلَاح فَهُوَ آمِن , وَمَنْ أَغْلَقَ بَابه فَهُوَ آمِن " , وَفِي " يَئِسَ " لُغَتَانِ , يَئِسَ يَيْأَس يَأْسًا , وَأَيِسَ يَأْيَس إِيَاسًا وَإِيَاسَة ; قَالَهُ النَّضْر بْن شُمَيْل . أَيْ لَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي فَإِنِّي أَنَا الْقَادِر عَلَى نَصْركُمْ . وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين كَانَ بِمَكَّة لَمْ تَكُنْ إِلَّا فَرِيضَة الصَّلَاة وَحْدهَا , فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَة أَنْزَلَ اللَّه الْحَلَال وَالْحَرَام إِلَى أَنْ حَجَّ ; فَلَمَّا حَجَّ وَكَمُلَ الدِّين نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " الْآيَة ; عَلَى مَا نُبَيِّنهُ . رَوَى الْأَئِمَّة عَنْ طَارِق بْن شِهَاب قَالَ : جَاءَ رَجُل مِنْ الْيَهُود إِلَى عُمَر فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ آيَة فِي كِتَابكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا أُنْزِلَتْ مَعْشَر الْيَهُود لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْم عِيدًا ; قَالَ : وَأَيّ آيَة ؟ قَالَ : " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا " فَقَالَ عُمَر : إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْم الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ وَالْمَكَان الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ ; نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَة فِي يَوْم جُمُعَة . لَفْظ مُسْلِم , وَعِنْد النَّسَائِيّ لَيْلَة جُمُعَة . وَرُوِيَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ فِي يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر وَقَرَأَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَى عُمَر ; فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا يُبْكِيك ) ؟ فَقَالَ : أَبْكَانِي أَنَّا كُنَّا فِي زِيَادَة مِنْ دِيننَا فَأَمَّا إِذْ كَمُلَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكْمُل شَيْء إِلَّا نَقَصَ . فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَدَقْت ) , وَرَوَى مُجَاهِد أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ يَوْم فَتْح مَكَّة . قُلْت : الْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ , أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْم جُمُعَة وَكَانَ يَوْم عَرَفَة بَعْد الْعَصْر فِي حَجَّة الْوَدَاع سَنَة عَشْر وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِف بِعَرَفَة عَلَى نَاقَته الْعَضْبَاء , فَكَادَ عَضُد النَّاقَة يَنْقَدّ مِنْ ثِقَلهَا فَبَرَكَتْ . و " الْيَوْم " قَدْ يُعَبَّر بِجُزْءٍ مِنْهُ عَنْ جَمِيعه , وَكَذَلِكَ عَنْ الشَّهْر بِبَعْضِهِ ; تَقُول : فَعَلْنَا فِي شَهْر كَذَا وَكَذَا وَفِي سَنَة كَذَا كَذَا , وَمَعْلُوم أَنَّك لَمْ تَسْتَوْعِب الشَّهْر وَلَا السَّنَة ; وَذَلِكَ مُسْتَعْمَل فِي لِسَان الْعَرَب وَالْعَجَم , وَالدِّين عِبَارَة عَنْ الشَّرَائِع الَّتِي شَرَعَ وَفَتَحَ لَنَا ; فَإِنَّهَا نَزَلَتْ نُجُومًا وَآخِر مَا نَزَلَ مِنْهَا هَذِهِ الْآيَة , وَلَمْ يَنْزِل بَعْدهَا حُكْم , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ , وَقَالَ الْجُمْهُور : الْمُرَاد مُعْظَم الْفَرَائِض وَالتَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم , قَالُوا : وَقَدْ نَزَلَ بَعْد ذَلِكَ قُرْآن كَثِير , وَنَزَلَتْ آيَة الرِّبَا , وَنَزَلَتْ آيَة الْكَلَالَة إِلَى غَيْر ذَلِكَ , وَإِنَّمَا كَمُلَ مُعْظَم الدِّين وَأَمْر الْحَجّ , إِذْ لَمْ يَطُفْ مَعَهُمْ فِي هَذِهِ السَّنَة مُشْرِك , وَلَا طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَان , وَوَقَفَ النَّاس كُلّهمْ بِعَرَفَة , وَقِيلَ : " أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " بِأَنْ أَهْلَكْت لَكُمْ عَدُوّكُمْ وَأَظْهَرْت دِينكُمْ عَلَى الدِّين كُلّه كَمَا تَقُول : قَدْ تَمَّ لَنَا مَا نُرِيد إِذَا كُفِيت عَدُوّك . " وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي " أَيْ بِإِكْمَالِ الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام وَإِظْهَار دِين الْإِسْلَام كَمَا وَعَدْتُكُمْ , إِذْ قُلْت : " وَلِأُتِمّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ " [ الْبَقَرَة : 150 ] وَهِيَ دُخُول مَكَّة . آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا اِنْتَظَمَتْهُ هَذِهِ الْمِلَّة الْحَنِيفِيَّة إِلَى دُخُول الْجَنَّة فِي رَحْمَة اللَّه تَعَالَى . لَعَلَّ قَائِلًا يَقُول : قَوْله تَعَالَى : " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " يَدُلّ عَلَى أَنَّ الدِّين كَانَ غَيْر كَامِل فِي وَقْت مِنْ الْأَوْقَات , وَذَلِكَ يُوجِب أَنْ يَكُون جَمِيع مَنْ مَاتَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار وَاَلَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة وَبَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْعَتَيْنِ جَمِيعًا , وَبَذَلُوا أَنْفُسهمْ لِلَّهِ مَعَ عَظِيم مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ أَنْوَاع الْمِحَن مَاتُوا عَلَى دِين نَاقِص , وَأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ كَانَ يَدْعُو النَّاس إِلَى دِين نَاقِص , وَمَعْلُوم أَنَّ النَّقْص عَيْب , وَدِين اللَّه تَعَالَى قِيَم , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " دِينًا قِيَمًا " [ الْأَنْعَام : 161 ] فَالْجَوَاب أَنْ يُقَال لَهُ : لِمَ قُلْت إِنَّ كُلّ نَقْص فَهُوَ عَيْب وَمَا دَلِيلك عَلَيْهِ ؟ ثُمَّ يُقَال لَهُ : أَرَأَيْت نُقْصَان الشَّهْر هَلْ يَكُون عَيْبًا , وَنُقْصَان صَلَاة الْمُسَافِر أَهُوَ عَيْب لَهَا , وَنُقْصَان الْعُمْر الَّذِي أَرَادَهُ اللَّه بِقَوْلِهِ : " وَمَا يُعَمَّر مِنْ مُعَمَّر وَلَا يُنْقَص مِنْ عُمُره " [ فَاطِر : 11 ] أَهُوَ عَيْب لَهُ , وَنُقْصَان أَيَّام الْحَيْض عَنْ الْمَعْهُود , وَنُقْصَان أَيَّام الْحَمْل , وَنُقْصَان الْمَال بِسَرِقَةٍ أَوْ حَرِيق أَوْ غَرَق إِذَا لَمْ يَفْتَقِر صَاحِبه , فَمَا أَنْكَرْت أَنَّ نُقْصَان أَجْزَاء الدِّين فِي الشَّرْع قَبْل أَنْ تَلْحَق بِهِ الْأَجْزَاء الْبَاقِيَة فِي عِلْم اللَّه تَعَالَى هَذِهِ لَيْسَتْ بِشَيْنٍ وَلَا عَيْب , وَمَا أَنْكَرْت أَنَّ مَعْنَى قَوْل اللَّه تَعَالَى : " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " يُخَرَّج عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون الْمُرَاد بَلَّغْته أَقْصَى الْحَدّ الَّذِي كَانَ لَهُ عِنْدِي فِيمَا قَضَيْته وَقَدَّرْته , وَذَلِكَ لَا يُوجِب أَنْ يَكُون مَا قَبْل ذَلِكَ نَاقِصًا نُقْصَان عَيْب , لَكِنَّهُ يُوصَف بِنُقْصَانٍ مُقَيَّد فَيُقَال لَهُ : إِنَّهُ كَانَ نَاقِصًا عَمَّا كَانَ عِنْد اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ مُلْحِقه بِهِ وَضَامّه إِلَيْهِ ; كَالرَّجُلِ يُبَلِّغهُ اللَّه مِائَة سَنَة فَيُقَال : أَكْمَلَ اللَّه عُمُره ; وَلَا يَجِب عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون عُمُره حِين كَانَ اِبْن سِتِّينَ كَانَ نَاقِصًا نَقْص قُصُور وَخَلَل ; فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : ( مَنْ عَمَّرَهُ اللَّه سِتِّينَ سَنَة فَقَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِ فِي الْعُمُر ) . وَلَكِنَّهُ يَجُوز أَنْ يُوصَف بِنُقْصَانٍ مُقَيَّد فَيُقَال : كَانَ نَاقِصًا عَمَّا كَانَ عِنْد اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ مُبَلِّغه إِيَّاهُ وَمُعَمِّره إِلَيْهِ . وَقَدْ بَلَغَ اللَّه بِالظُّهْرِ وَالْعَصْر وَالْعِشَاء أَرْبَع رَكَعَات ; فَلَوْ قِيلَ عِنْد ذَلِكَ أَكْمَلَهَا لَكَانَ الْكَلَام صَحِيحًا , وَلَا يَجِب عَنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ حِين كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ نَاقِصَة نَقْص قُصُور وَخَلَل ; وَلَوْ قِيلَ : كَانَتْ نَاقِصَة عَمَّا عِنْد اللَّه أَنَّهُ ضَامّه إِلَيْهَا وَزَائِده عَلَيْهَا لَكَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا فَهَكَذَا , هَذَا فِي شَرَائِع الْإِسْلَام وَمَا كَانَ شُرِعَ مِنْهَا شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى أَنْ أَنْهَى اللَّه الدِّين مُنْتَهَاهُ الَّذِي كَانَ لَهُ عِنْده , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَالْوَجْه الْآخَر : أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ " أَنَّهُ وَفَّقَهُمْ لِلْحَجِّ الَّذِي لَمْ يَكُنْ بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَرْكَان الدِّين غَيْره , فَحَجُّوا ; فَاسْتَجْمَعَ لَهُمْ الدِّين أَدَاء لِأَرْكَانِهِ وَقِيَامًا بِفَرَائِضِهِ ; فَإِنَّهُ يَقُول عَلَيْهِ السَّلَام : ( بُنِيَ الْإِسْلَام عَلَى خَمْس ) الْحَدِيث , وَقَدْ كَانُوا تَشَهَّدُوا وَصَلَّوْا وَزَكَّوْا وَصَامُوا وَجَاهَدُوا وَاعْتَمَرُوا وَلَمْ يَكُونُوا حَجُّوا ; فَلَمَّا حَجُّوا ذَلِكَ الْيَوْم مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى وَهُمْ بِالْمَوْقِفِ عَشِيَّة عَرَفَة " الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي " فَإِنَّمَا أَرَادَ أَكْمَلَ وَضْعه لَهُمْ ; وَفِي ذَلِكَ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الطَّاعَات كُلّهَا دِين وَإِيمَان وَإِسْلَام . قَوْله تَعَالَى : " وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا " أَيْ أَعْلَمْتُكُمْ بِرِضَايَ بِهِ لَكُمْ دِينًا ; فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ رَاضِيًا بِالْإِسْلَامِ لَنَا دِينًا ; فَلَا يَكُون لِاخْتِصَاصِ الرِّضَا بِذَلِكَ الْيَوْم فَائِدَةٌ إِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى ظَاهِره . و " دِينًا " نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيز , وَإِنْ شِئْت عَلَى مَفْعُول ثَانٍ , وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَرَضِيت عَنْكُمْ إِذَا اِنْقَدْتُمْ لِي بِالدِّينِ الَّذِي شَرَعْته لَكُمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد " رَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا " أَيْ وَرَضِيت إِسْلَامكُمْ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ الْيَوْم دِينًا بَاقِيًا بِكَمَالِهِ إِلَى آخِر الْآيَة لَا أَنْسَخ مِنْهُ شَيْئًا , وَاللَّه أَعْلَمُ . و " الْإِسْلَام " فِي هَذِهِ الْآيَة هُوَ الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام " [ آل عِمْرَان : 19 ] وَهُوَ الَّذِي يُفَسَّر فِي سُؤَال جِبْرِيل لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَهُوَ الْإِيمَان وَالْأَعْمَال وَالشُّعَب . يَعْنِي مَنْ دَعَتْهُ ضَرُورَة إِلَى أَكْل الْمَيْتَة وَسَائِر الْمُحَرَّمَات فِي هَذِهِ الْآيَة . وَالْمَخْمَصَة الْجُوع وَخَلَاء الْبَطْن مِنْ الطَّعَام . وَالْخَمَص ضُمُور الْبَطْن , وَرَجُل خَمِيص وَخُمْصَان وَامْرَأَة خَمِيصَة وَخُمْصَانَة ; وَمِنْهُ أَخْمَص الْقَدَم , وَيُسْتَعْمَل كَثِيرًا فِي الْجُوع وَالْغَرَث ; قَالَ الْأَعْشَى : تَبِيتُونَ فِي الْمَشْتَى مِلَاءً بُطُونكُمْ وَجَارَاتكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا أَيْ مُنْطَوِيَات عَلَى الْجُوع قَدْ أَضْمَرَ بُطُونهنَّ . وَقَالَ النَّابِغَة فِي خَمَص الْبَطْن مِنْ جِهَة ضُمْره : وَالْبَطْن ذُو عُكَن خَمِيص لَيِّن وَالنَّحْر تَنْفُجُهُ بِثَدْيٍ مُقْعَد وَفِي الْحَدِيث : ( خِمَاص الْبُطُون خِفَاف الظُّهُور ) . الْخِمَاص جَمْع الْخَمِيص الْبَطْن , وَهُوَ الضَّامِر . أَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَعِفَّاء عَنْ أَمْوَال النَّاس ; وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( إِنَّ الطَّيْر تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوح بِطَانًا ) , وَالْخَمِيصَة أَيْضًا ثَوْب ; قَالَ الْأَصْمَعِيّ : الْخَمَائِص ثِيَاب خَزّ أَوْ صُوف مُعْلَمَة , وَهِيَ سَوْدَاء , كَانَتْ مِنْ لِبَاس النَّاس , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الِاضْطِرَار وَحُكْمه فِي الْبَقَرَة . أَيْ غَيْر مَائِل لِحَرَامٍ , وَهُوَ بِمَعْنَى " غَيْر بَاغٍ وَلَا عَاد " [ الْبَقَرَة : 173 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَالْجَنَف الْمَيْل , وَالْإِثْم الْحَرَام ; وَمِنْهُ قَوْل عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَا تَجَانَفْنَا فِيهِ لِإِثْمٍ ; أَيْ مَا مِلْنَا وَلَا تَعَمَّدْنَا وَنَحْنُ نَعْلَمهُ : وَكُلّ مَائِل فَهُوَ مُتَجَانِف وَجَنِف . وَقَرَأَ النَّخَعِيّ وَيَحْيَى بْن وَثَّاب وَالسُّلَمِيّ " مُتَجَنِّف " دُون أَلِف , وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْمَعْنَى , لِأَنَّ شَدَّ الْعَيْن يَقْتَضِي مُبَالَغَة وَتَوَغُّلًا فِي الْمَعْنَى وَثُبُوتًا لِحُكْمِهِ ; وَتَفَاعُل إِنَّمَا هُوَ مُحَاكَاة الشَّيْء وَالتَّقَرُّب مِنْهُ ; أَلَا تُرَاك أَنَّك إِذَا قُلْت : تَمَايَلَ الْغُصْن فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَأَوُّدًا وَمُقَارَبَة مَيْل , وَإِذَا قُلْت : تَمَيَّلَ فَقَدْ ثَبَتَ حُكْم الْمَيْل , وَكَذَلِكَ تَصَاوَنَ الرَّجُل وَتَصَوَّنَ , وَتَعَاقَلَ وَتَعَقَّلَ ; فَالْمَعْنَى غَيْر مُتَعَمِّد لِمَعْصِيَةٍ فِي مَقْصِده ; قَالَهُ قَتَادَة وَالشَّافِعِيّ . أَيْ فَإِنَّ اللَّه لَهُ غَفُور رَحِيم فَحَذَفَ , وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : قَدْ أَصْبَحَتْ أُمّ الْخِيَار تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلّه لَمْ أَصْنَعِ أَرَادَ لَمْ أَصْنَعهُ فَحَذَفَ , وَاللَّه أَعْلَمُ .
| وَٱلدَّمُ | أي: السائلُ. |
|---|---|
| وَمَاۤ أُهِلَّ لِغَیۡرِ ٱللَّهِ | ما ذُكِرَ عليه غيرُ اسمِ اللهِ عند الذَّبْحِ. |
| وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ | التي حُبِسَ نَفَسُها حتى ماتَتْ. |
| وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ | التي ضُرِبَتْ بعصا أو حَجَرٍ حتى ماتَتْ. |
| وَٱلۡمُتَرَدِّیَةُ | التي سَقطَتْ من مكانٍ عالٍ، فماتَتْ. |
| وَٱلنَّطِیحَةُ | التي نَطَحَتْها شاةٌ أو بقرةٌ، فماتَتْ. |
| ٱلسَّبُعُ | كالأسدِ والنَّمِرِ. |
| ذَكَّیۡتُمۡ | ذَبَحْتُم قبلَ أن يموتَ، فهو حَلالٌ. |
| ٱلنُّصُبِ | حجارةٍ كان المشركونَ يذْبحون عليها في الجاهليةِ تَقَرُّباً إلى الأصنامِ. |
| وَأَن تَسۡتَقۡسِمُوا۟ بِٱلۡأَزۡلَـٰمِۚ | القِداحِ التي كانوا يَطْلُبون بها عِلْمَ ما قُسِمَ لهم. |
| فِسۡقٌ | خُروجٌ عن طاعةِ اللهِ. |
| ٱلۡیَوۡمَ | يومَ فتحِ مكةَ في السنةِ الثامنةِ من الهجرة. |
| نِعۡمَتِی | بإكمالِ الدين، وفتحِ مكةَ، وقَهْرِ الكُفَّارِ. |
| مَخۡمَصَةٍ | مَجاعةٍ. |
| مُتَجَانِفࣲ | مائلٍ. |
| لِّإِثۡمࣲ | حَرامٍ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian