صفحات الموقع

سورة المائدة الآية ٥٢

سورة المائدة الآية ٥٢

فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ﴿٥٢﴾

التفسير

تفسير السعدي

ولما نهى الله المؤمنين عن توليهم, أخبر أن ممن يدعي الإيمان, طائفة تواليهم فقال: " فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ " أي: شك, ونفاق, وضعف إيمان, يقولون: إن تولينا إياهم للحاجة فإننا " نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ " أي: تكون الدائرة لليهود والنصارى فإذا كانت الدائرة لهم, فإذا لنا معه يد يكافؤننا عنها, وهذا سوء ظن منهم بالإسلام. قال تعالى - رادا لظنهم السيئ - " فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ " الذي يعز الله به الإسلام, على اليهود والنصارى, ويقهر المسلمون " أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ " ييأس به المنافقون من ظفر الكافرين, من اليهود وغيرهم. " فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا " أي: أضمروا " فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ " على ما كان منهم وضرهم بلا نفع حصل لهم. فحصل الفتح الذي نصر الله به الإسلام والمسلمين, وأذل به الكفر والكافرين. فندموا وحصل لهم من الغم, ما الله به عليم.

التفسير الميسر

يخبر الله تعالى عن جماعة من المنافقين أنهم كانوا يبادرون في موادة اليهود لما في قلوبهم من الشكِّ والنفاق، ويقولون: إنما نوادُّهم خشية أن يظفروا بالمسلمين فيصيبونا معهم، قال الله تعالى ذكره: فعسى الله أن يأتي بالفتح -أي فتح "مكة"- وينصر نَبِيَّه، ويُظْهِر الإسلام والمسلمين على الكفار، أو يُهيِّئ من الأمور ما تذهب به قوةُ اليهود والنَّصارى، فيخضعوا للمسلمين، فحينئذٍ يندم المنافقون على ما أضمروا في أنفسهم من موالاتهم.

تفسير الجلالين

"فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض" ضَعْف اعْتِقَاد كَعَبْدِ اللَّه بْن أُبَيٍّ الْمُنَافِق "يُسَارِعُونَ فِيهِمْ" فِي مُوَالَاتهمْ "يَقُولُونَ" مُعْتَذِرِينَ عَنْهَا "نَخْشَى أَنْ تُصِيبنَا دَائِرَة" يَدُور بِهَا الدَّهْر عَلَيْنَا مِنْ جَدَب أَوْ غَلَبَة وَلَا يَتِمّ أَمْر مُحَمَّد فَلَا يَمِيرُونَا "فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِي بِالْفَتْحِ" بِالنَّصْرِ لِنَبِيِّهِ بِإِظْهَارِ دِينه "أَوْ أَمْر مِنْ عِنْده" يَهْتِك سِتْر الْمُنَافِقِينَ وَافْتِضَاحهمْ "فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسهمْ" مِنْ الشَّكّ وَمُوَالَاة الْكُفَّار

تفسير ابن كثير

وَقَوْله تَعَالَى " فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض" أَيْ شَكّ وَرَيْب وَنِفَاق يُسَارِعُونَ فِيهِمْ أَيْ يُبَادِرُونَ إِلَى مُوَالَاتهمْ وَمَوَدَّتهمْ فِي الْبَاطِن وَالظَّاهِر يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبنَا دَائِرَة أَيْ يَتَأَوَّلُونَ فِي مَوَدَّتهمْ وَمُوَالَاتهمْ أَنَّهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ يَقَع أَمْر مِنْ ظَفَر الْكَافِرِينَ بِالْمُسْلِمِينَ فَتَكُون لَهُمْ أَيَادٍ عِنْد الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَيَنْفَعهُمْ ذَلِكَ عِنْد ذَلِكَ قَالَ اللَّه تَعَالَى " فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِي بِالْفَتْحِ " قَالَ السُّدِّيّ يَعْنِي فَتْح مَكَّة وَقَالَ غَيْره يَعْنِي الْقَضَاء وَالْفَصْل أَوْ أَمْر مِنْ عِنْده قَالَ السُّدِّيّ يَعْنِي ضَرْب الْجِزْيَة عَلَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى" فَيُصْبِحُوا " يَعْنِي الَّذِينَ وَالَوْا الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ الْمُنَافِقِينَ عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسهمْ مِنْ الْمُوَالَاة نَادِمِينَ أَيْ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ مِمَّا لَمْ يُجْدِ عَنْهُمْ شَيْئًا وَلَا دَفَعَ عَنْهُمْ مَحْذُورًا بَلْ كَانَ عَيْن الْمَفْسَدَة فَإِنَّهُمْ فُضِحُوا وَأَظْهَرَ اللَّه أَمْرهمْ فِي الدُّنْيَا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْد أَنْ كَانُوا مَسْتُورِينَ لَا يُدْرَى كَيْف حَالهمْ فَلَمَّا اِنْعَقَدَتْ الْأَسْبَاب الْفَاضِحَة لَهُمْ تَبَيَّنَ أَمْرهمْ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فَتَعَجَّبُوا مِنْهُمْ كَيْف كَانُوا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيَتَأَوَّلُونَ فَبَانَ كَذِبهمْ وَافْتِرَاؤُهُمْ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبنَا دَائِرَة } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِهَا عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ ابْن سَلُول . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9489 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : سَمِعْت أَبِي , عَنْ عَطِيَّة بْن سَعْد : { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , { يُسَارِعُونَ فِيهِمْ } فِي وِلَايَتهمْ , { يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبنَا دَائِرَة } إِلَى آخِر الْآيَة { فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسهمْ نَادِمِينَ } . 9490 حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثنا اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني وَالِدِي إِسْحَاق بْن يَسَار , عَنْ عُبَادَة بْن الْوَلِيد بْن عُبَادَة بْن الصَّامِت : { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } يَعْنِي : عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , { يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبنَا دَائِرَة } لِقَوْلِهِ : إِنِّي أَخْشَى دَائِرَة تُصِيبنِي . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْم مِنْ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُنَاصِحُونَ الْيَهُود وَيَغُشُّونَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَقُولُونَ : نَخْشَى أَنْ تَكُون دَائِرَة لِلْيَهُودِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9491 حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض يُسَارِعُونَ فِيهِمْ } قَالَ : الْمُنَافِقُونَ فِي مُصَانَعَة يَهُود وَمُنَاجَاتهمْ , وَاسْتِرْضَاعهمْ أَوْلَادهمْ إِيَّاهُمْ . وَقَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { نَخْشَى أَنْ تُصِيبنَا دَائِرَة } قَالَ : يَقُول : نَخْشَى أَنْ تَكُون الدَّائِرَة لِلْيَهُودِ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 9492 حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } إِلَى قَوْله : { نَادِمِينَ } أُنَاس مِنْ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَوَدُّونَ الْيَهُود وَيُنَاصِحُونَهُمْ دُون الْمُؤْمِنِينَ . 9493 حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } قَالَ : شَكّ ; { يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبنَا دَائِرَة } وَالدَّائِرَة : ظُهُور الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا أَنْ يُقَال : إِنَّ ذَلِكَ مِنْ اللَّه خَبَر عَنْ نَاس مِنْ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُوَالُونَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَيَغُشُّونَ الْمُؤْمِنِينَ , وَيَقُولُونَ : نَخْشَى أَنْ تَدُور دَوَائِر , إِمَّا لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , وَإِمَّا لِأَهْلِ الشِّرْك مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان أَوْ غَيْرهمْ عَلَى أَهْل الْإِسْلَام , أَوْ تَنْزِل بِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ نَازِلَة , فَيَكُون بِمَا إِلَيْهِمْ حَاجَة . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَانَ مِنْ قَوْل عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون كَانَ مِنْ قَوْل غَيْره , غَيْر أَنَّهُ لَا شَكّ أَنَّهُ مِنْ قَوْل الْمُنَافِقِينَ . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَن : فَتَرَى يَا مُحَمَّد الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض وَشَكّ إِيمَان بِنُبُوَّتِك , وَتَصْدِيق مَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّك { يُسَارِعُونَ فِيهِمْ } يَعْنِي فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى . وَيَعْنِي بِمُسَارَعَتِهِمْ فِيهِمْ : مُسَارَعَتهمْ فِي مُوَالَاتهمْ وَمُصَانَعَتهمْ . { يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبنَا دَائِرَة } يَقُول هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ : إِنَّمَا نُسَارِع فِي مُوَالَاة هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى خَوْفًا مِنْ دَائِرَة تَدُور عَلَيْنَا مِنْ عَدُوّنَا . وَيَعْنِي بِالدَّائِرَةِ : الدَّوْلَة , كَمَا قَالَ الرَّاجِز : تَرُدُّ عَنْك الْقَدَر الْمَقْدُورَا وَدَائِرَات الدَّهْر أَنْ تَدُورَا يَعْنِي : أَنْ تَدُول لِلدَّهْرِ دَوْلَة فَنَحْتَاج إِلَى نُصْرَتهمْ إِيَّانَا , فَنَحْنُ نُوَالِيهِمْ لِذَلِكَ . فَقَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَهُمْ : { فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِي بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْر مِنْ عِنْده فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسهمْ نَادِمِينَ } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِي بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْر مِنْ عِنْده } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِي بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْر مِنْ عِنْده } فَلَعَلَّ اللَّه أَنْ يَأْتِي بِالْفَتْحِ . ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل الْفَتْح فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهِ هَاهُنَا الْقَضَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9494 حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِي بِالْفَتْحِ } قَالَ : بِالْقَضَاءِ . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِهِ فَتْح مَكَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9495 حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِي بِالْفَتْحِ } قَالَ : فَتْح مَكَّة . وَالْفَتْح فِي كَلَام الْعَرَب : هُوَ الْقَضَاء كَمَا قَالَ قَتَادَة , وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { رَبّنَا اِفْتَحْ بَيْننَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ } . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ الْقَضَاء الَّذِي وَعَدَ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِي بِالْفَتْحِ } فَتْح مَكَّة ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ عَظِيم قَضَاء اللَّه وَفَصْل حُكْمه بَيْن أَهْل الْإِيمَان وَالْكُفْر , وَيُقَرَّر عِنْد أَهْل الْكُفْر وَالنِّفَاق أَنَّ اللَّه مُعْلِي كَلِمَته وَمُوهِن كَيْد الْكَافِرِينَ . وَأَمَّا قَوْله : { أَوْ أَمْر مِنْ عِنْده } فَإِنَّ السُّدِّيّ كَانَ يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 9496 حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَوْ أَمْر مِنْ عِنْده } قَالَ : الْأَمْر : الْجِزْيَة . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْأَمْر الَّذِي وَعَدَ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِي بِهِ , هُوَ الْجِزْيَة , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون غَيْرهَا . غَيْر أَنَّهُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ فَهُوَ مِمَّا فِيهِ إِدَالَة الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَهْل الْكُفْر بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ , وَمِمَّا يَسُوء الْمُنَافِقِينَ وَلَا يَسُرّهُمْ ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْر إِذَا جَاءَ أَصْبَحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسهمْ نَادِمِينَ . وَأَمَّا قَوْله : { فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسهمْ نَادِمِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُوَالُونَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَعَلَّ اللَّه أَنْ يَأْتِي بِأَمْرٍ مِنْ عِنْده يُدِيل بِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْكُفْر , فَيُصْبِح هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسهمْ مِنْ مُخَالَّة الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَمَوَدَّتهمْ وَبِغْضَة الْمُؤْمِنِينَ وَمُحَادَّتهمْ نَادِمِينَ . كَمَا : 9497 حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسهمْ نَادِمِينَ } مِنْ مُوَادَّتهمْ الْيَهُود , وَمِنْ غِشّهمْ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْله .

تفسير القرطبي

شَكّ وَنِفَاق , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " وَالْمُرَاد اِبْن أُبَيّ وَأَصْحَابه أَيْ فِي مُوَالَاتهمْ وَمُعَاوَنَتهمْ . أَيْ يَدُور الدَّهْر عَلَيْنَا إِمَّا بِقَحْطٍ فَلَا يُمَيِّزُونَنَا وَلَا يُفْضِلُوا عَلَيْنَا , وَإِمَّا أَنْ يَظْفَر الْيَهُود بِالْمُسْلِمِينَ فَلَا يَدُوم الْأَمْر لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهَذَا الْقَوْل أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى ; كَأَنَّهُ مِنْ دَارَتْ تَدُور , أَيْ نَخْشَى أَنْ يَدُور الْأَمْر ; وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " فَعَسَى اللَّه أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ " ; وَقَالَ الشَّاعِر : يَرُدّ عَنْك الْقَدَر الْمَقْدُورَا وَدَائِرَاتِ الدَّهْر أَنْ تَدُورَا يَعْنِي دُوَلَ الدَّهْر الدَّائِرَة مِنْ قَوْم إِلَى قَوْم وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْفَتْح , فَقِيلَ : الْفَتْح الْفَصْل وَالْحُكْم , عَنْ قَتَادَة وَغَيْره . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَتَى اللَّه بِالْفَتْحِ فَقُتِلَتْ مُقَاتِلَة بَنِي قُرَيْظَة وَسُبِيَتْ ذَرَارِيّهمْ وَأُجْلِيَ بَنُو النَّضِير . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : هُوَ فَتْح بِلَاد الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَقَالَ السُّدِّيّ : يَعْنِي بِالْفَتْحِ فَتْح مَكَّة . قَالَ السُّدِّيّ : هُوَ الْجِزْيَة . الْحَسَن : إِظْهَار أَمْر الْمُنَافِقِينَ وَالْإِخْبَار بِأَسْمَائِهِمْ وَالْأَمْر بِقَتْلِهِمْ , وَقِيلَ : الْخِصْب وَالسَّعَة لِلْمُسْلِمِينَ أَيْ فَيُصْبِحُوا نَادِمِينَ عَلَى تَوَلِّيهمْ الْكُفَّارَ إِذَا رَأَوْا نَصْر اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ , وَإِذَا عَايَنُوا عِنْد الْمَوْت فَبُشِّرُوا بِالْعَذَابِ .

غريب الآية
فَتَرَى ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡ یَقُولُونَ نَخۡشَىٰۤ أَن تُصِیبَنَا دَاۤىِٕرَةࣱۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرࣲ مِّنۡ عِندِهِۦ فَیُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَاۤ أَسَرُّوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ نَـٰدِمِینَ ﴿٥٢﴾
مَّرَضࣱنفاقٌ، وشكٌّ.
یُسَـٰرِعُونَ فِیهِمۡيبادِرُون في مُوالاةِ اليهودِ.
دَاۤىِٕرَةࣱۚمايَدُور من المَكارهِ، فينتصرُ اليهودُ، فينالون منَّا.
بِٱلۡفَتۡحِفتحِ مكة.
مَاۤ أَسَرُّوا۟ما أضمَرُوه من موالاةِ الكافرين.
الإعراب
(فَتَرَى)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(تَرَى) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(قُلُوبِهِمْ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(مَرَضٌ)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(يُسَارِعُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(فِيهِمْ)
(فِي) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(يَقُولُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(نَخْشَى)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "نَحْنُ".
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُصِيبَنَا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(نَخْشَى) :.
(دَائِرَةٌ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَعَسَى)
"الْفَاءُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(عَسَى) : فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ عَسَى مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَأْتِيَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ (عَسَى) :.
(بِالْفَتْحِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْفَتْحِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَوْ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَمْرٍ)
مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(عِنْدِهِ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(فَيُصْبِحُوا)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يُصْبِحُوا) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَعْطُوفٌ نَاسِخٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ (يُصْبِحُ) :.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(نَادِمِينَ) :.
(أَسَرُّوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَنْفُسِهِمْ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(نَادِمِينَ)
خَبَرُ أَصْبَحَ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.