صفحات الموقع

سورة المائدة الآية ٩٥

سورة المائدة الآية ٩٥

یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلصَّیۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمࣱۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدࣰا فَجَزَاۤءࣱ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ یَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ هَدۡیَۢا بَـٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّـٰرَةࣱ طَعَامُ مَسَـٰكِینَ أَوۡ عَدۡلُ ذَ ٰ⁠لِكَ صِیَامࣰا لِّیَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَیَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِیزࣱ ذُو ٱنتِقَامٍ ﴿٩٥﴾

التفسير

تفسير السعدي

ثم خرج بالنهي, عن قتل الصيد, في حال الإحرام فقال: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ " أي: محرمون في الحج والعمرة. والنهي عن قتله, يشمل النهي عن مقدمات القتل, وعن المشاركة في القتل, والدلالة عليه, والإعانة على قتله, حتى إن من تمام ذلك, أنه ينهى المحرم من أكل ما قتل, أو صيد لأجله. وهذا كله تعظيم لهذا النسك العظيم, أنه يحرم على المحرم, قتل وصيد ما كان حلالا له قبل الإحرام. وقوله: " وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا " قتل صيدا عمدا فعليه جزاء " مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ " أى الإبل, أو البقر, أو الغنم. فينظر ما يشبهه من ذلك, فيجب عليه مثله, يذبحه ويتصدق به. والاعتبار بالمماثلة " يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " أي: عدلان يعرفان الحكم, ووجه الشبه, كما فعل الصحابة رضي الله عنهم, حيث قضوا بالحمامة شاة, وفي النعامة بدنة, وفي بقر الوحش - على اختلاف أنواعه - بقرة. هكذا كل ما يشبه شيئا من النعم, ففيه مثله. فإن لم يشبه شيئا, ففية قيمته, كما هو القاعدة في المتلفات. وذلك الهدي لا بد أن يكون " هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ " أي: يذبح في الحرم. " أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ " أي: كفارة ذلك الجزاء, طعام مساكين, أي: يجعل مقابل المثل من النعم, طعام يطعم المساكين. قال كثير من العلماء: يقوم الجزاء, فيشتري بقيمته طعام, فيطعم كل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره. " أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ " الطعام " صِيَامًا " أي: يصوم عن إطعام كل مسكين يوما. " لِيَذُوقَ " بإيجاب الجزاء المذكور عليه " وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ " بعد ذلك " فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ " . وإنما نص الله على المتعمد لقتل الصيد, مع أن الجزاء يلزم المتعمد والمخظئ, كما هو القاعدة الشرعية - أن المتلف للنفوس والأموال المحترمة, فإنه يضمنها على أي حال كان, إذا كان إتلافه بغير حق. لأن الله رتب عليه الجزاء والعقوبة والانتقام, وهذا للمتعمد. وأما المخطئ, فليس عليه عقوبة, إنما عليه الجزاء. هذا قول جمهور العلماء. والصحيح, ما صرحت به الآية, أنه لا جزاء على غير المتعمد, كما لا إثم عليه.

التفسير الميسر

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تقتلوا صيد البر، وأنتم محرمون بحج أو عمرة، أو كنتم داخل الحرم ومَن قتل أيَّ نوعٍ من صيد البرِّ متعمدًا فجزاء ذلك أن يذبح مثل ذلك الصيد من بهيمة الأنعام: الإبل أو البقر أو الغنم، بعد أن يُقَدِّره اثنان عدلان، وأن يهديه لفقراء الحرم، أو أن يشتري بقيمة مثله طعامًا يهديه لفقراء الحرم لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم بدلا من ذلك يوما عن كل نصف صاع من ذلك الطعام، فَرَضَ الله عليه هذا الجزاء؛ ليلقى بإيجاب الجزاء المذكور عاقبة فِعْله. والذين وقعوا في شيء من ذلك قبل التحريم فإن الله تعالى قد عفا عنهم، ومَن عاد إلى المخالفة متعمدًا بعد التحريم، فإنه مُعَرَّض لانتقام الله منه. والله تعالى عزيز قويٌّ منيع في سلطانه، ومِن عزته أنه ينتقم ممن عصاه إذا أراد، لا يمنعه من ذلك مانع.

تفسير الجلالين

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم" مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة "وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء" بِالتَّنْوِينِ وَرُفِعَ مَا بَعْده أَيْ فَعَلَيْهِ جَزَاء هُوَ "مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم" أَيْ شَبَهه فِي الْخِلْقَة وَفِي قِرَاءَة بِإِضَافَةِ جَزَاء "يَحْكُم بِهِ" أَيْ بِالْمِثْلِ رَجُلَانِ "ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ" لَهُمَا فِطْنَة يُمَيِّزَانِ بِهَا أَشْبَه الْأَشْيَاء بِهِ وَقَدْ حَكَمَ ابْن عَبَّاس وَعُمَر وَعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فِي النَّعَامَة بِبَدَنَةٍ وَابْن عَبَّاس وَأَبُو عُبَيْدَة فِي بَقَر الْوَحْش وَحِمَاره بِبَقَرَةٍ وَابْن عُمَر وَابْن عَوْف فِي الظَّبْي بِشَاةٍ وَحَكَمَ بِهَا ابْن عَبَّاس وَعُمَر وَغَيْرهمَا فِي الْحَمَام لِأَنَّهُ يُشْبِههَا فِي الْعَبّ "هَدْيًا" حَال مِنْ جَزَاء "بَالِغ الْكَعْبَة" أَيْ يَبْلُغ بِهِ الْحَرَم فَيُذْبَح فِيهِ وَيَتَصَدَّق بِهِ عَلَى مَسَاكِينه وَلَا يَجُوز أَنْ يُذْبَح حَيْثُ كَانَ وَنَصْبه نَعْتًا لِمَا قَبْله وَإِنْ أُضِيف لِأَنَّ إضَافَته لَفْظِيَّة لَا تُفِيد تَعْرِيفًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّيْدِ مِثْل مِنْ النَّعَم كَالْعُصْفُورِ وَالْجَرَاد فَعَلَيْهِ قِيمَته "أَوْ" عَلَيْهِ "كَفَّارَة" غَيْر الْجَزَاء وَإِنْ وَجَدَهُ هِيَ "طَعَام مَسَاكِين" مِنْ غَالِب قُوت الْبَلَد مَا يُسَاوِي قِيمَة الْجَزَاء لِكُلِّ مِسْكِين مُدّ وَفِي قِرَاءَة بِإِضَافَةِ كَفَّارَة لِمَا بَعْده وَهِيَ لِلْبَيَانِ "أَوْ" عَلَيْهِ "عَدْل" مِثْل "ذَلِكَ" الطَّعَام "صِيَامًا" يَصُومهُ عَنْ كُلّ مُدّ يَوْم وَإِنْ وَجَدَهُ وَجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ "لِيَذُوقَ وَبَال" ثِقَل جَزَاء "أَمْره" الَّذِي فَعَلَهُ "عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَف" مِنْ قَتْل الصَّيْد قَبْل تَحْرِيمه "وَمَنْ عَادَ" إلَيْهِ "فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ وَاَللَّه عَزِيز" غَالِب عَلَى أَمْره "ذُو انْتِقَام" مِمَّنْ عَصَاهُ وَأُلْحِق بِقَتْلِهِ مُتَعَمِّدًا فِيمَا ذُكِرَ الْخَطَأ

تفسير ابن كثير

قَالَ تَعَالَى " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم" وَهَذَا تَحْرِيم مِنْهُ تَعَالَى لِقَتْلِ الصَّيْد فِي حَال الْإِحْرَام وَنَهْي عَنْ تَعَاطِيه فِيهِ وَهَذَا إِنَّمَا يَتَنَاوَل مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى الْمَأْكُول وَلَوْ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْره فَأَمَّا غَيْر الْمَأْكُول مِنْ حَيَوَانَات الْبَرّ فَعِنْد الشَّافِعِيّ يَجُوز لِلْمُحْرِمِ قَتْلهَا وَالْجُمْهُور عَلَى تَحْرِيم قَتْلهَا أَيْضًا وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " خَمْس فَوَاسِق يُقْتَلْنَ فِي الْحِلّ وَالْحَرَم : الْغُرَاب وَالْحَدَأَة وَالْعَقْرَب وَالْفَأْرَة وَالْكَلْب الْعَقُور " . وَقَالَ مَالِك عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " خَمْس مِنْ الدَّوَابّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِم فِي قَتْلهنَّ جُنَاح : الْغُرَاب وَالْحَدَأَة وَالْعَقْرَب وَالْفَأْرَة وَالْكَلْب الْعَقُور " أَخْرَجَاهُ وَرَوَاهُ أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر مِثْله قَالَ أَيُّوب فَقُلْت لِنَافِعٍ فَالْحَيَّة قَالَ الْحَيَّة لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا يُخْتَلَف فِي قَتْلهَا وَمِنْ الْعُلَمَاء كَمَالِكٍ وَأَحْمَد مَنْ أَلْحَقَ بِالْكَلْبِ الْعَقُور الذِّئْب وَالسَّبُع وَالنَّمِر وَالْفَهْد لِأَنَّهَا أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْهُ فَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ الْكَلْب الْعَقُور يَشْمَل هَذِهِ السِّبَاع الْعَادِيَة كُلّهَا وَاسْتَأْنَسَ مَنْ قَالَ بِهَذَا بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَعَا عَلَى عُتْبَة بْن أَبِي لَهَب قَالَ" اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبك بِالشَّامِ " فَأَكَلَهُ السَّبُع بِالزَّرْقَاءِ قَالُوا فَإِنْ قَتَلَ مَا عَدَاهُنَّ فَدَاهُ كَالضَّبُعِ وَالثَّعْلَب وَالْوَبْر وَنَحْو ذَلِكَ قَالَ مَالِك وَكَذَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صِغَار هَذِهِ الْخَمْس الْمَنْصُوص عَلَيْهَا وَصِغَار الْمُلْحَق بِهَا مِنْ السِّبَاع الْعَوَادِي وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَجُوز لِلْمُحْرِمِ قَتْل مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه وَلَا فَرْق بَيْن صِغَاره وَكِبَاره وَجَعَلَ الْعِلَّة الْجَامِعَة كَوْنهَا لَا تُؤْكَل وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَقْتُل الْمُحْرِم الْكَلْب الْعَقُور وَالذِّئْب لِأَنَّهُ كَلْب بَرِّيّ فَإِنْ قَتَلَ غَيْرهمَا فَدَاهُ إِلَّا أَنْ يَصُول عَلَيْهِ سَبُع غَيْرهمَا فَيَقْتُلهُ فَلَا فِدَاء عَلَيْهِ وَهَذَا قَوْل الْأَوْزَاعِيّ وَالْحَسَن بْن صَالِح بْن حُيَيّ وَقَالَ زُفَر بْن الْهُذَيْل يَفْدِي مَا سِوَى ذَلِكَ وَإِنْ صَالَ عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعْض النَّاس الْمُرَاد بِالْغُرَابِ هَهُنَا الْأَبْقَع وَهُوَ الَّذِي فِي بَطْنه وَظَهْره بَيَاض دُون الْأَدْرَع وَهُوَ الْأَسْوَد وَالْأَعْصَم وَهُوَ الْأَبْيَض لِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ الْفَلَّاس عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ " خَمْس يَقْتُلهُنَّ الْمُحْرِم : الْحَيَّة وَالْفَأْرَة وَالْحَدَأَة وَالْغُرَاب الْأَبْقَع وَالْكَلْب الْعَقُور " وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ إِطْلَاق لَفْظه وَقَالَ مَالِك - رَحِمَهُ اللَّه - لَا يَقْتُل الْمُحْرِم الْغُرَاب إِلَّا إِذَا صَالَ عَلَيْهِ وَآذَاهُ وَقَالَ مُجَاهِد بْن جُبَيْر وَطَائِفَة لَا يَقْتُلهُ بَلْ يَرْمِيه وَيُرْوَى مِثْله عَنْ عَلِيّ وَقَدْ رَوَى هُشَيْم حَدَّثَنَا يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نُعْم عَنْ أَبِي سَعِيد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يَقْتُل الْمُحْرِم فَقَالَ " الْحَيَّة وَالْعَقْرَب وَالْفُوَيْسِقَة وَيَرْمِي الْغُرَاب وَلَا يَقْتُلهُ وَالْكَلْب الْعَقُور وَالْحَدَأَة وَالسَّبُع الْعَادِي " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ أَحْمَد بْن مَنِيع كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْم وَابْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي كُرَيْب وَعَنْ مُحَمَّد بْن فُضَيْل كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيد بْن أَبِي زِيَاد وَهُوَ ضَعِيف وَقَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حَسَن . وَقَوْله تَعَالَى " وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة عَنْ أَيُّوب قَالَ نُبِّئْت عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يُحْكَم عَلَى مَنْ أَصَابَ صَيْدًا خَطَأ إِنَّمَا يُحْكَم عَلَى مَنْ أَصَابَهُ مُتَعَمِّدًا وَهَذَا مَذْهَب غَرِيب عَنْ طَاوُسٍ وَهُوَ مُتَمَسِّك بِظَاهِرِ الْآيَة . وَقَالَ مُجَاهِد بْن جُبَيْر الْمُرَاد بِالْمُتَعَمِّدِ هُنَا الْقَاصِد إِلَى قَتْل الصَّيْد النَّاسِي لِإِحْرَامِهِ فَأَمَّا الْمُتَعَمِّد لِقَتْلِ الصَّيْد مَعَ ذِكْره لِإِحْرَامِهِ فَذَاكَ أَمْره أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُكَفِّر وَقَدْ بَطَلَ إِحْرَامه . رَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْهُ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح وَلَيْث بْن أَبِي سُلَيْم وَغَيْرهمَا عَنْهُ وَهُوَ قَوْل غَرِيب أَيْضًا وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّ الْعَامِد وَالنَّاسِي سَوَاء فِي وُجُوب الْجَزَاء عَلَيْهِ وَقَالَ الزُّهْرِيّ دَلَّ الْكِتَاب عَلَى الْعَامِد وَجَرَتْ السُّنَّة عَلَى النَّاسِي وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْقُرْآن دَلَّ عَلَى وُجُوب الْجَزَاء عَلَى الْمُتَعَمِّد وَعَلَى تَأْثِيمه بِقَوْلِهِ لِيَذُوقَ وَبَال أَمْره " عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ " وَجَاءَتْ السُّنَّة مِنْ أَحْكَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْكَام أَصْحَابه بِوُجُوبِ الْجَزَاء فِي الْخَطَأ كَمَا دَلَّ الْكِتَاب عَلَيْهِ فِي الْعَمْد وَأَيْضًا فَإِنَّ قَتْل الصَّيْد إِتْلَاف وَالْإِتْلَاف مَضْمُون فِي الْعَمْد وَفِي النِّسْيَان لَكِنَّ الْمُتَعَمِّد مَأْثُوم وَالْمُخْطِئ غَيْر مَلُوم وَقَوْله تَعَالَى " فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " قَرَأَ بَعْضهمْ بِالْإِضَافَةِ وَقَرَأَ آخَرُونَ بِعَطْفِهَا " فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " وَحَكَى اِبْن جَرِير أَنَّ اِبْن مَسْعُود قَرَأَ" فَجَزَاؤُهُ مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " وَفِي قَوْله " فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " عَلَى كُلّ مِنْ الْقِرَاءَتَيْنِ دَلِيل لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَالْجُمْهُور مِنْ وُجُوب الْجَزَاء مِنْ مِثْل مَا قَتَلَهُ الْمُحْرِم إِذَا كَانَ لَهُ مِثْل مِنْ الْحَيَوَان الْإِنْسِيّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة - رَحِمَهُ اللَّه - حَيْثُ أَوْجَبَ الْقِيمَة سَوَاء كَانَ الصَّيْد الْمَقْتُول مِثْلِيًّا أَوْ غَيْر مِثْلِيّ قَالَ وَهُوَ مُخَيَّر إِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ وَإِنْ شَاءَ اِشْتَرَى بِهِ هَدْيًا وَاَلَّذِي حَكَمَ بِهِ الصَّحَابَة فِي الْمِثْل أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ فَإِنَّهُمْ حَكَمُوا فِي النَّعَامَة بِبَدَنَةٍ وَفِي بَقَرَة الْوَحْش بِبَقَرَةٍ وَفِي الْغَزَال بِعَنْزٍ وَذِكْرُ قَضَايَا الصَّحَابَة وَأَسَانِيدهَا مُقَرَّرٌ فِي كِتَاب الْأَحْكَام وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ الصَّيْد مِثْلِيًّا فَقَدْ حَكَمَ اِبْن عَبَّاس فِيهِ بِثَمَنِهِ يُحْمَل إِلَى مَكَّة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ . وَقَوْله تَعَالَى " يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ " يَعْنِي أَنَّهُ يَحْكُم بِالْجَزَاءِ فِي الْمِثْل أَوْ بِالْقِيمَةِ فِي غَيْر الْمِثْل عَدْلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْقَاتِل هَلْ يَجُوز أَنْ يَكُون أَحَد الْحَكَمَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ : " أَحَدهمَا " لَا لِأَنَّهُ قَدْ يُتَّهَم فِي حُكْمه عَلَى نَفْسه وَهَذَا مَذْهَب مَالِك " وَالثَّانِي" نَعَمْ لِعُمُومِ الْآيَة وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْحَاكِم لَا يَكُون مَحْكُومًا عَلَيْهِ فِي صُورَة وَاحِدَة قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم - الْفَضْل بْن دُكَيْن - حَدَّثَنَا جَعْفَر - هُوَ اِبْن بُرْقَان - عَنْ مَيْمُون بْن مِهْرَان أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى أَبَا بَكْر فَقَالَ : قَتَلْت صَيْدًا وَأَنَا مُحْرِم فَمَا تَرَى عَلَى مِنْ الْجَزَاء ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - لِأُبَيّ بْن كَعْب وَهُوَ جَالِس عِنْده : مَا تَرَى فِيهَا قَالَ : فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ أَتَيْتُك وَأَنْتَ خَلِيفَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلك فَإِذَا أَنْتَ تَسْأَل غَيْرك فَقَالَ أَبُو بَكْر وَمَا تُنْكِرُ ؟ يَقُول اللَّه تَعَالَى " فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ " فَشَاوَرْت صَاحِبِي حَتَّى إِذَا اِتَّفَقْنَا عَلَى أَمْر أَمَرْنَاك بِهِ وَهَذَا إِسْنَاد جَيِّد لَكِنَّهُ مُنْقَطِع بَيْن مَيْمُون وَبَيْن الصِّدِّيق وَمِثْله يُحْتَمَل هَهُنَا فَبَيَّنَ لَهُ الصِّدِّيق الْحُكْم بِرِفْقٍ وَتُؤَدَة لَمَّا رَآهُ أَعْرَابِيًّا جَاهِلًا وَإِنَّمَا دَوَاء الْجَهْل التَّعْلِيم فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمُعْتَرِض مَنْسُوبًا إِلَى الْعِلْم فَقَدْ قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا هَنَّاد وَأَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيع بْن الْجَرَّاح عَنْ الْمَسْعُودِيّ عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَر عَنْ قَبِيصَة بْن جَابِر قَالَ خَرَجْنَا حُجَّاجًا فَكُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا الْغَدَاة اِقْتَدْنَا رَوَاحِلنَا نَتَمَاشَى نَتَحَدَّث قَالَ فَبَيْنَمَا نَحْنُ ذَات غَدَاة إِذْ سَنَحَ لَنَا ظَبْي أَوْ بَرِحَ فَرَمَاهُ رَجُل كَانَ مَعَنَا بِحَجَرٍ فَمَا أَخْطَأَ حَشَاهُ فَرَكِبَ وَوَدَعَهُ مَيِّتًا قَالَ فَعَظَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّة خَرَجْت مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّة قَالَ وَإِذَا إِلَى جَنْبه رَجُل كَأَنَّ وَجْهه قَلْب فِضَّة يَعْنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فَالْتَفَتَ عُمَر إِلَى صَاحِبه فَكَلَّمَهُ قَالَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الرَّجُل فَقَالَ أَعَمْدًا قَتَلْته أَمْ خَطَأ ؟ فَقَالَ الرَّجُل لَقَدْ تَعَمَّدْت رَمْيه وَمَا أَرَدْت قَتْله فَقَالَ عُمَر مَا أَرَاك إِلَّا قَدْ أَشْرَكْت بَيْن الْعَمْد وَالْخَطَأ اِعْمِدْ إِلَى شَاة فَاذْبَحْهَا وَتَصَدَّقْ بِلَحْمِهَا وَاسْتَبْقِ إِهَابهَا قَالَ فَقُمْنَا مِنْ عِنْده فَقُلْت لِصَاحِبِي أَيّهَا الرَّجُل عَظِّمْ شَعَائِر اللَّه فَمَا دَرَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَا يُفْتِيك حَتَّى سَأَلَ صَاحِبه اِعْمِدْ إِلَى نَاقَتك فَانْحَرْهَا فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَعْنِي أَنْ يُجْزِئ عَنْك قَالَ قَبِيصَة وَلَا أَذْكُر الْآيَة مِنْ سُورَة الْمَائِدَة " يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ " فَبَلَغَ مَقَالَتِي فَلَمْ يَفْجَأْنَا مِنْهُ إِلَّا وَمَعَهُ الدِّرَّة قَالَ فَعَلَا صَاحِبِي ضَرْبًا بِالدِّرَّةِ أَقَتَلْت فِي الْحَرَم وَسَفَّهْت فِي الْحَكَم قَالَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقُلْت يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لَا أُحِلّ لَك الْيَوْم شَيْئًا يَحْرُم عَلَيْك مِنِّي فَقَالَ يَا قَبِيصَة بْن جَابِر إِنِّي أَرَاك شَابّ السِّنّ فَسِيح الصَّدْر بَيِّن اللِّسَان وَإِنَّ الشَّابّ يَكُون فِيهِ تِسْعَة أَخْلَاق حَسَنَة وَخُلُق سَيِّئ فَيُفْسِد الْخُلُق السَّيِّئ الْأَخْلَاق الْحَسَنَة فَإِيَّاكَ وَعَثَرَات الشَّبَاب . وَرَوَى هُشَيْم هَذِهِ الْقِصَّة عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر عَنْ قَبِيصَة بِنَحْوِهِ . وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ حُصَيْن عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ قَبِيصَة بِنَحْوِهِ وَذَكَرَهَا مُرْسَلَة عَنْ عُمَر بْن بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيّ وَمُحَمَّد بْن سِيرِينَ وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ مَنْصُور عَنْ أَبِي وَائِل أَخْبَرَنِي اِبْن جَرِير الْبَجَلِيّ قَالَ أَصَبْت ظَبْيًا وَأَنَا مُحْرِم فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعُمَرَ فَقَالَ اِئْتِ رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانك فَلْيَحْكُمَا عَلَيْك فَأَتَيْت عَبْد الرَّحْمَن وَسَعْدًا فَحَكَمَا عَلَيَّ بِتَيْسٍ أَعْفَرَ وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع حَدَّثَنَا اِبْن عُيَيْنَةَ مِنْ مُخَارِق عَنْ طَارِق قَالَ أَوْطَأَ أَرْبَدُ ظَبْيًا فَقَتَلَهُ وَهُوَ مُحْرِم فَأَتَى عُمَر لِيَحْكُم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عُمَر اُحْكُمْ مَعِي فَحَكَمَا فِيهِ جَدْيًا قَدْ جَمَعَ الْمَاء وَالشَّجَر ثُمَّ قَالَ عُمَر " يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ " وَفِي هَذَا دَلَالَة عَلَى جَوَاز كَوْن الْقَاتِل أَحَد الْحَكَمَيْنِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد رَحِمَهُمَا اللَّه . وَاخْتَلَفُوا هَلْ تُسْتَأْنَف الْحُكُومَة فِي كُلّ مَا يُصِيبهُ الْمُحْرِم فَيَجِب أَنْ يَحْكُم فِيهِ ذَوَا عَدْل وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ فِي مِثْله الصَّحَابَة أَوْ يَكْتَفِي بِأَحْكَامِ الصَّحَابَة الْمُتَقَدِّمَة ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد يُتَّبَع فِي ذَلِكَ مَا حَكَمَتْ بِهِ الصَّحَابَة وَجَعَلَاهُ شَرْعًا مُقَرَّرًا لَا يُعْدَل عَنْهُ وَمَا لَمْ يَحْكُم فِيهِ الصَّحَابَة يُرْجَع فِيهِ إِلَى عَدْلَيْنِ وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة : بَلْ يَجِب الْحُكْم فِي كُلّ فَرْد فَرْد سَوَاء وُجِدَ لِلصَّحَابَةِ فِي مِثْله حُكْمٌ أَمْ لَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى " يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ " وَقَوْله تَعَالَى " هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة " أَيْ وَاصِلًا إِلَى الْكَعْبَة وَالْمُرَاد وُصُوله إِلَى الْحَرَم بِأَنْ يُذْبَح هُنَاكَ وَيُفَرَّق لَحْمه عَلَى مَسَاكِين الْحَرَم وَهَذَا أَمْر مُتَّفَق عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَة وَقَوْله " أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَوْ عَدْل ذَلِكَ " صِيَامًا أَيْ إِذَا لَمْ يَجِد الْمُحْرِم مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم أَوْ لَمْ يَكُنْ الصَّيْد الْمَقْتُول مِنْ ذَوَات الْأَمْثَال أَوْ قُلْنَا بِالتَّخْيِيرِ فِي هَذَا الْمَقَام بَيْن الْجَزَاء وَالْإِطْعَام وَالصِّيَام كَمَا هُوَ قَوْل مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن وَأَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ وَالْمَشْهُور عَنْ أَحْمَد - رَحِمَهُ اللَّه - لِظَاهِرِ" أَوْ " بِأَنَّهَا لِلتَّخْيِيرِ وَالْقَوْل الْآخَر أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيب فَصُورَة ذَلِكَ أَنْ يُعْدَل إِلَى الْقِيمَة فَيُقَوَّم الصَّيْد الْمَقْتُول عِنْد مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَحَمَّاد وَإِبْرَاهِيم وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يُقَوَّم مِثْله مِنْ النَّعَم لَوْ كَانَ مَوْجُودًا ثُمَّ يَشْتَرِي بِهِ طَعَامًا فَيَتَصَدَّق بِهِ فَيَصْرِف لِكُلِّ مِسْكِين مُدّ مِنْهُ عِنْد الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَفُقَهَاء الْحِجَاز وَاخْتَارَهُ اِبْن جَرِير وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : يُطْعِم كُلّ مِسْكِين مُدَّيْنِ وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد. وَقَالَ أَحْمَد مُدّ مِنْ حِنْطَة أَوْ مُدَّانِ مِنْ غَيْره فَإِنْ لَمْ يَجِد أَوْ قُلْنَا بِالتَّخْيِيرِ صَامَ عَنْ إِطْعَام كُلّ مِسْكِين يَوْمًا . وَقَالَ اِبْن جَرِير وَقَالَ آخَرُونَ يَصُوم مَكَان كُلّ صَاع يَوْمًا كَمَا فِي جَزَاء الْمُتَرَفِّه بِالْحَلْقِ وَنَحْوه فَإِنَّ الشَّارِع أَمَرَ كَعْب بْن عُجْرَة أَنْ يَقْسِم فَرْقًا بَيْن سِتَّة أَوْ يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام وَالْفَرْق ثَلَاثَة آصُع وَاخْتَلَفُوا فِي مَكَان هَذَا الْإِطْعَام فَقَالَ الشَّافِعِيّ مَكَانه الْحَرَم وَهُوَ قَوْل عَطَاء وَقَالَ مَالِك يُطْعِم فِي الْمَكَان الَّذِي أَصَابَ فِيهِ الصَّيْد أَوْ أَقْرَبَ الْأَمَاكِن إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ فِي الْحَرَم وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ فِي غَيْره. ذَكَرَ أَقْوَال السَّلَف فِي هَذَا الْمَقَام قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن الْمُغِيرَة حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ مَنْصُور عَنْ الْحَكَم عَنْ مِقْسَم عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى " فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا " قَالَ إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِم الصَّيْد حُكِمَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مِنْ النَّعَم فَإِنْ لَمْ يَجِد نُظِرَ كَمْ ثَمَنه ثُمَّ قُوِّمَ ثَمَنُهُ طَعَامًا فَصَامَ مَكَان كُلّ نِصْف صَاع يَوْمًا قَالَ اللَّه تَعَالَى " أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا " قَالَ إِنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ الصِّيَام أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ الطَّعَام وُجِدَ جَزَاؤُهُ وَرَوَاهُ اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق جَرِير . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا " فَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِم شَيْئًا مِنْ الصَّيْد حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ فَإِنْ قَتَلَ ظَبْيًا أَوْ نَحْوه فَعَلَيْهِ شَاة تُذْبَح بِمَكَّة فَإِنْ لَمْ يَجِد فَإِطْعَام سِتَّة مَسَاكِين فَإِنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فَإِنْ قَتَلَ إِيَّلًا أَوْ نَحْوه فَعَلَيْهِ بَقَرَة فَإِنْ لَمْ يَجِد أَطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا فَإِنْ لَمْ يَجِد صَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا وَإِنْ قَتَلَ نَعَامَة أَوْ حِمَار وَحْش أَوْ نَحْوه فَعَلَيْهِ بَدَنَة مِنْ الْإِبِل فَإِنْ لَمْ يَجِد أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا فَإِنْ لَمْ يَجِد صَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا . رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَابْن جَرِير وَزَادَ : الطَّعَام مُدّ مُدّ يُشْبِعهُمْ وَقَالَ جَابِر الْجُعْفِيّ عَنْ عَامِر الشَّعْبِيّ وَعَطَاء وَمُجَاهِد " أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا" قَالُوا إِنَّمَا الطَّعَام مُدّ مُدّ لِمَنْ لَا يَبْلُغ الْهَدْيَ. رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَكَذَا رَوَى اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد وَأَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيب . وَقَالَ عَطَاء وَعِكْرِمَة وَمُجَاهِد فِي رِوَايَة الضَّحَّاك وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ هِيَ عَلَى الْخِيَار وَهِيَ رِوَايَة اللَّيْث عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس وَاخْتَارَ ذَلِكَ اِبْن جَرِير - رَحِمَهُ اللَّه - وَقَوْله لِيَذُوقَ وَبَال أَمْره أَيْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لِيَذُوقَ عُقُوبَة فِعْله الَّذِي اِرْتَكَبَ فِيهِ الْمُخَالَفَة " عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَفَ " أَيْ فِي زَمَان الْجَاهِلِيَّة لِمَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَام وَاتَّبَعَ شَرْع اللَّه وَلَمْ يَرْتَكِب الْمَعْصِيَة ثُمَّ قَالَ " وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ " أَيْ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْد تَحْرِيمه فِي الْإِسْلَام وَبُلُوغ الْحُكْم الشَّرْعِيّ إِلَيْهِ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ وَاَللَّه عَزِيز ذُو اِنْتِقَام. قَالَ اِبْن جُرَيْج قُلْت لِعَطَاءٍ مَا " عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَفَ" ؟ قَالَ عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة قَالَ : قُلْت وَمَا " وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ " قَالَ : وَمَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَام فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْكَفَّارَة قَالَ : قُلْت فَهَلْ فِي الْعَوْد مِنْ حَدّ تَعْلَمهُ قَالَ لَا قَالَ : قُلْت فَتَرَى حَقًّا عَلَى الْإِمَام أَنْ يُعَاقِبهُ ؟ قَالَ لَا هُوَ ذَنْب أَذْنَبَهُ فِيمَا بَيْنه وَبَيْن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَلَكِنْ يَفْتَدِي وَرَوَاهُ اِبْن جَرِير وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ بِالْكَفَّارَةِ قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعَطَاء ثُمَّ الْجُمْهُور مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف عَلَى أَنَّهُ مَتَى قَتَلَ الْمُحْرِم الصَّيْد وَجَبَ الْجَزَاء وَلَا فَرْق بَيْن الْأُولَى وَالثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَإِنْ تَكَرَّرَ مَا تَكَرَّرَ سَوَاء الْخَطَأ فِي ذَلِكَ وَالْعَمْد وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ مَنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنْ الصَّيْد خَطَأ وَهُوَ مُحْرِم يُحْكَم عَلَيْهِ فِيهِ كُلَّمَا قَتَلَهُ فَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا يُحْكَم عَلَيْهِ فِيهِ مَرَّة وَاحِدَة فَإِنْ عَادَ يُقَال لَهُ : يَنْتَقِم اللَّه مِنْك كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد وَابْن أَبِي عَدِيّ جَمِيعًا عَنْ هِشَام هُوَ اِبْن حَسَّان عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِيمَنْ أَصَابَ صَيْدًا يُحْكَم عَلَيْهِ ثُمَّ عَادَ قَالَ لَا يُحْكَم عَلَيْهِ يَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ وَهَكَذَا قَالَ شُرَيْح وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ رَوَاهُنَّ اِبْن جَرِير ثُمَّ اِخْتَارَ الْقَوْل الْأَوَّل وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن يَزِيد الْعَبْدِيّ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ زَيْد أَبِي الْمُعَلَّى عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ صَيْدًا فَتَجَوَّزَ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ فَأَصَابَ صَيْدًا آخَر فَنَزَلَتْ نَار مِنْ السَّمَاء فَأَحْرَقَتْهُ فَهُوَ قَوْله " مَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ " وَقَالَ اِبْن جَرِير فِي قَوْله وَاَللَّه " عَزِيز ذُو اِنْتِقَام " يَقُول عَزَّ ذِكْره وَاَللَّه مَنِيع فِي سُلْطَانه لَا يَقْهَرهُ قَاهِر وَلَا يَمْنَعهُ مِنْ الِانْتِقَام مِمَّنْ اِنْتَقَمَ مِنْهُ وَلَا مِنْ عُقُوبَة مَنْ أَرَادَ عُقُوبَته مَانِع لِأَنَّ الْخَلْق خَلْقه وَالْأَمْر أَمْره لَهُ الْعِزَّة وَالْمَنَعَة وَقَوْله " ذُو اِنْتِقَام " يَعْنِي أَنَّهُ ذُو مُعَاقَبَة لِمَنْ عَصَاهُ عَلَى مَعْصِيَته إِيَّاهُ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد } الَّذِي بَيَّنْت لَكُمْ , وَهُوَ صَيْد الْبَرّ دُون صَيْد الْبَحْر ; { وَأَنْتُمْ حُرُم } يَقُول : وَأَنْتُمْ مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة وَالْحُرُم : جَمْع حَرَام , وَالذَّكَر وَالْأُنْثَى فِيهِ بِلَفْظٍ وَاحِد , تَقُول : هَذَا رَجُل حَرَام وَهَذِهِ اِمْرَأَة حَرَام , فَإِذَا قِيلَ مُحْرِم , قِيلَ لِلْمَرْأَةِ مُحْرِمَة . وَالْإِحْرَام : هُوَ الدُّخُول فِيهِ , يُقَال : أَحْرَمَ الْقَوْم : إِذَا دَخَلُوا فِي الشَّهْر الْحَرَام , أَوْ فِي الْحُرُم . فَتَأْوِيل الْكَلَام : لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد وَأَنْتُمْ مُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة . وَقَوْله : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } فَإِنَّ هَذَا إِعْلَام مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ حُكْم الْقَاتِل مِنْ الْمُحْرِمِينَ الصَّيْد الَّذِي نَهَاهُ عَنْ قَتْله مُتَعَمِّدًا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي صِفَة الْعَمْد الَّذِي أَوْجَبَ اللَّه عَلَى صَاحِبه بِهِ الْكَفَّارَة وَالْجَزَاء فِي قَتْله الصَّيْد . فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ الْعَمْد لِقَتْلِ الصَّيْد مَعَ نِسْيَان قَاتِله إِحْرَامه فِي حَال قَتْله , وَقَالَ : إِنْ قَتَلَهُ وَهُوَ ذَاكِر إِحْرَامه مُتَعَمِّدًا قَتْله فَلَا حُكْم عَلَيْهِ وَأَمْره إِلَى اللَّه . قَالُوا : وَهَذَا أَجَلّ أَمْرًا مِنْ أَنْ يَحْكُم عَلَيْهِ أَوْ يَكُون لَهُ كَفَّارَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9782 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد . { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ , فَذَلِكَ الَّذِي يَحْكُم عَلَيْهِ . فَإِنْ قَتَلَهُ ذَاكِرًا لِحُرْمِهِ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ , لَمْ يُحْكَم عَلَيْهِ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع وَابْن حُمَيْد , قَالَا : ثنا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد فِي الَّذِي يَقْتُل الصَّيْد مُتَعَمِّدًا , وَهُوَ يَعْلَم أَنَّهُ مُحْرِم وَمُتَعَمِّد قَتْله , قَالَ : لَا يُحْكَم عَلَيْهِ , وَلَا حَجّ لَهُ . وَقَوْله : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } قَالَ : هُوَ الْعَمْد الْمُكَفَّر , وَفِيهِ الْكَفَّارَة وَالْخَطَأ أَنْ يُصِيبهُ , وَهُوَ نَاسٍ إِحْرَامه , مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ , أَوْ يُصِيبهُ وَهُوَ يُرِيد غَيْره , فَذَلِكَ يُحْكَم عَلَيْهِ مَرَّة . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } غَيْر نَاسٍ لِحُرْمِهِ وَلَا مُرِيد غَيْره , فَقَدْ حَلَّ وَلَيْسَتْ لَهُ رُخْصَة . وَمَنْ قَتَلَهُ نَاسِيًا أَوْ أَرَادَ غَيْره فَأَخْطَأَ بِهِ , فَذَلِكَ الْعَمْد الْمُكَفَّر . * - حَدَّثَنَا يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } قَالَ : مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ , نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ . * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة الْيَرْبُوعِيّ , قَالَ : ثنا الْفُضَيْل بْن عِيَاض , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْعَمْد هُوَ الْخَطَأ الْمُكَفَّر . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَ : ثنا يُونُس بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَاحِد بْن زِيَاد , قَالَ : ثنا لَيْث قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : قَوْل اللَّه : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } قَالَ : فَالْعَمْد الَّذِي ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُصِيب الصَّيْد وَهُوَ يُرِيد غَيْره فَيُصِيبهُ , فَهَذَا الْعَمْد الْمُكَفَّر ; فَأَمَّا الَّذِي يُصِيبهُ غَيْر نَاسٍ وَلَا مُرِيد لِغَيْرِهِ , فَهَذَا لَا يُحْكَم عَلَيْهِ , هَذَا أَجَلّ مِنْ أَنْ يُحْكَم عَلَيْهِ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , وَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَا : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , عَنْ شُعْبَة , عَنْ الْهَيْثَم , عَنْ الْحَكَم , عَنْ مُجَاهِد , أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } قَالَ : يَقْتُلهُ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ , نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي عَدِيّ , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ الْهَيْثَم , عَنْ الْحَكَم , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 9783 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } غَيْر نَاس لِحُرْمِهِ وَلَا مُرِيد غَيْره , فَقَدْ حَلَّ وَلَيْسَتْ لَهُ رُخْصَة . وَمَنْ قَتَلَهُ نَاسِيًا لِحُرْمِهِ أَوْ أَرَادَ غَيْره فَأَخْطَأَ بِهِ , فَذَلِكَ الْعَمْد الْمُكَفَّر . 9784 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا سَهْل بْن يُوسُف , عَنْ عَمْرو , عَنْ الْحَسَن : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } لِلصَّيْدِ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ , { فَمَنْ اِعْتَدَى بَعْد ذَلِكَ } مُتَعَمِّدًا لِلصَّيْدِ يَذْكُر إِحْرَامه . * - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي عَدِيّ , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم , قَالَ : كَانَ الْحَسَن يُفْتِي فِيمَنْ قَتَلَ الصَّيْد مُتَعَمِّدًا ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ : لَمْ يَحْكُم عَلَيْهِ . قَالَ إِسْمَاعِيل , وَقَالَ حَمَّاد عَنْ إِبْرَاهِيم , مِثْل ذَلِكَ . 9785 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَفَّان بْن مُسْلِم , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة , قَالَ : أَمَرَنِي جَعْفَر بْن أَبِي وَحْشِيَّة أَنْ أَسْأَل عَمْرو بْن دِينَار عَنْ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } . الْآيَة , فَسَأَلْته , فَقَالَ : كَانَ عَطَاء يَقُول : هُوَ بِالْخِيَارِ أَيّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ , إِنْ شَاءَ أَهْدَى وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ وَإِنْ شَاءَ صَامَ . فَأَخْبَرْت بِهِ جَعْفَرًا , وَقُلْت : مَا سَمِعْت فِيهِ ؟ فَتَلَكَّأَ سَاعَة ثُمَّ جَعَلَ يَضْحَك , وَلَا يُخْبِرنِي , ثُمَّ قَالَ : كَانَ سَعِيد بْن جُبَيْر يَقُول : يُحْكَم عَلَيْهِ مِنْ النَّعَم هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة , فَإِنْ لَمْ يَجِد يُحْكَم عَلَيْهِ ثَمَنه , فَقُوِّمَ طَعَامًا فَتَصَدَّقَ بِهِ , فَإِنْ لَمْ يَجِد عَلَيْهِ حُكْم الصِّيَام فِيهِ مِنْ ثَلَاثَة أَيَّام إِلَى عَشَرَة . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِع بْن يَزِيد , قَالَ أَخْبَرَنِي اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } غَيْر نَاسٍ لِحُرْمِهِ وَلَا مُرِيد غَيْره فَقَدْ حَلَّ وَلَيْسَتْ لَهُ رُخْصَة , وَمَنْ قَتَلَهُ نَاسِيًا أَوْ أَرَادَ غَيْره فَأَخْطَأَ بِهِ , فَذَلِكَ الْعَمْد الْمُكَفَّر . 9786 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : أَمَّا الَّذِي يَتَعَمَّد فِيهِ لِلصَّيْدِ وَهُوَ نَاسٍ لِحُرْمِهِ أَوْ جَاهِل أَنَّ قَتْله غَيْر مُحَرَّم , فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحْكَم عَلَيْهِمْ . فَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا بَعْد نَهْي اللَّه وَهُوَ يَعْرِف أَنَّهُ مُحْرِم وَأَنَّهُ حَرَام , فَذَلِكَ يُوَكَّل إِلَى نِقْمَة اللَّه , وَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ اللَّه عَلَيْهِ النِّقْمَة . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } قَالَ : مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ , نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ هُوَ الْعَمْد مِنْ الْمُحْرِم لِقَتْلِ الصَّيْد ذَاكِرًا لِحُرْمِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9787 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , قَالَ : يُحْكَم عَلَيْهِ فِي الْعَمْد وَالْخَطَأ وَالنِّسْيَان . 9788 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا اِبْن جُرَيْج , وَحَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ طَاوُس : وَاَللَّه مَا قَالَ اللَّه إِلَّا : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } . 9789 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنِي بَعْض أَصْحَابنَا عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّهُ قَالَ : نَزَلَ الْقُرْآن بِالْعَمْدِ , وَجَرَتْ السُّنَّة فِي الْخَطَأ . يَعْنِي فِي الْمُحْرِم يُصِيب الصَّيْد . 9790 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم } قَالَ : إِنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا أَوْ نَاسِيًا حُكِمَ عَلَيْهِ , وَإِنْ عَادَ مُتَعَمِّدًا عُجِّلَتْ لَهُ الْعُقُوبَة , إِلَّا أَنْ يَعْفُو اللَّه . 9791 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَتْ الْكَفَّارَة فِي الْعَمْد , وَلَكِنْ غُلِّظَ عَلَيْهِمْ فِي الْخَطَأ كَيْ يَتَّقُوا . * - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة وَوَكِيع , قَالَا : ثنا الْأَعْمَش , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , نَحْوه . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِع بْن يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : كَانَ طَاوُس يَقُول : وَاَللَّه مَا قَالَ اللَّه إِلَّا : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى حَرَّمَ قَتْل صَيْد الْبَرّ عَلَى كُلّ مُحْرِم فِي حَال إِحْرَامه مَا دَامَ حَرَامًا , بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد } ثُمَّ بَيَّنَ حُكْم مَنْ قَتَلَ مَا قَتَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَال إِحْرَامه مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ , وَلَمْ يُخَصِّص بِهِ الْمُتَعَمِّد قَتْله فِي حَال نِسْيَانه إِحْرَامه , وَلَا الْمُخْطِئ فِي قَتْله فِي حَال ذِكْره إِحْرَامه , بَلْ عَمَّ فِي التَّنْزِيل بِإِيجَابِ الْجَزَاء كُلّ قَاتِل صَيْد فِي حَال إِحْرَامه مُتَعَمِّدًا . وَغَيْر جَائِز إِحَالَة ظَاهِر التَّنْزِيل إِلَى بَاطِنٍ مِنْ التَّأْوِيل لَا دَلَالَة عَلَيْهِ مِنْ نَصّ كِتَاب وَلَا خَبَر لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا إِجْمَاع مِنْ الْأُمَّة وَلَا دَلَالَة مِنْ بَعْض هَذِهِ الْوُجُوه . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَسَوَاء كَانَ قَاتِل الصَّيْد مِنْ الْمُحْرِمِينَ عَامِدًا قَتْلَهُ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ , أَوْ عَامِدًا قَتْلَهُ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ , أَوْ قَاصِدًا غَيْره فَقَتَلَهُ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ , فِي أَنَّ عَلَى جَمِيعهمْ مِنْ الْجَزَاء مَا قَالَ رَبّنَا تَعَالَى وَهُوَ : { مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل } مِنْ الْمُسْلِمِينَ { أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } وَهَذَا قَوْل عَطَاء وَالزُّهْرِيّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمَا , دُون الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد . وَأَمَّا مَا يَلْزَم بِالْخَطَأِ قَاتِله , فَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْل فِيهِ فِي كِتَابنَا وَكِتَاب لَطِيف الْقَوْل فِي أَحْكَام الشَّرَائِع " بِمَا أَغْنَى عَنْ ذِكْره فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَلَيْسَ هَذَا الْمَوْضِع مَوْضِع ذِكْره ; لِأَنَّ قَصْدنَا فِي هَذَا الْكِتَاب الْإِبَانَة عَنْ تَأْوِيل التَّنْزِيل , وَلَيْسَ فِي التَّنْزِيل لِلْخَطَإِ ذِكْر فَنَذْكُر أَحْكَامه . وَأَمَّا قَوْله : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ } يَعْنِي بِذَلِكَ : جَزَاء الصَّيْد الْمَقْتُول ; يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَعَلَى قَاتِل الصَّيْد جَزَاء الصَّيْد الْمَقْتُول مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " فَجَزَاؤُهُ مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَبَعْض الْبَصْرِيِّينَ : " فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " بِإِضَافَةِ الْجَزَاء إِلَى الْمِثْل وَخَفْض الْمِثْل . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : { فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَلَ } بِتَنْوِينِ " الْجَزَاء " وَرَفْع " الْمِثْل " بِتَأْوِيلِ : فَعَلَيْهِ جَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَلَ } بِتَنْوِينِ الْجَزَاء . وَرَفْع الْمِثْل , لِأَنَّ الْجَزَاء هُوَ الْمِثْل , فَلَا وَجْه لِإِضَافَةِ الشَّيْء إِلَى نَفْسه . وَأَحْسِب أَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِالْإِضَافَةِ , رَأَوْا أَنَّ الْوَاجِب عَلَى قَاتِل الصَّيْد أَنْ يَجْزِي مِثْله مِنْ الصَّيْد بِمِثْلٍ مِنْ النَّعَم ; وَلَيْسَ ذَلِكَ كَاَلَّذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ , بَلْ الْوَاجِب عَلَى قَاتِله أَنْ يَجْزِي الْمَقْتُول نَظِيره مِنْ النَّعَم . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَالْمِثْل هُوَ الْجَزَاء الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَى قَاتِل الصَّيْد , وَلَنْ يُضَاف الشَّيْء إِلَى نَفْسه , وَلِذَلِكَ لَمْ يَقْرَأ ذَلِكَ قَارِئ عَلِمْنَاهُ بِالتَّنْوِينِ وَنَصْب الْمِثْل . وَلَوْ كَانَ الْمِثْل غَيْر الْجَزَاء لَجَازَ فِي الْمِثْل النَّصْب إِذَا نَوَّنَ الْجَزَاء , كَمَا نَصَبَ الْيَتِيم إِذْ كَانَ غَيْر الْإِطْعَام فِي قَوْله : { أَوْ إِطْعَام فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَة } وَكَمَا نَصَبَ الْأَمْوَات وَالْأَحْيَاء وَنَوَّنَ الْكِفَات فِي قَوْله : { أَلَمْ نَجْعَل الْأَرْض كِفَاتًا أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا } إِذْ كَانَ الْكِفَات غَيْر الْأَحْيَاء وَالْأَمْوَات . وَكَذَلِكَ الْجَزَاء , لَوْ كَانَ غَيْر الْمِثْل لَاتَّسَعَتْ الْقِرَاءَة فِي الْمِثْل بِالنَّصْبِ إِذَا نَوَّنَ الْجَزَاء , وَلَكِنَّ ذَلِكَ ضَاقَ فَلَمْ يَقْرَأهُ أَحَد بِتَنْوِينِ الْجَزَاء وَنَصْب الْمِثْل , إِذْ كَانَ الْمِثْل هُوَ الْجَزَاء , وَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا , فَعَلَيْهِ جَزَاء هُوَ مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي صِفَة الْجَزَاء , وَكَيْفَ يَجْزِي قَاتِل الصَّيْد مِنْ الْمُحْرِمِينَ مَا قَتَلَ بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَم . فَقَالَ بَعْضهمْ : يَنْظُر إِلَى أَشْبَه الْأَشْيَاء بِهِ شَبَهًا مِنْ النَّعَم , فَيَجْزِيه بِهِ وَيُهْدِيه إِلَى الْكَعْبَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9792 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } قَالَ : أَمَّا جَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم , فَإِنْ قَتَلَ نَعَامَة أَوْ حِمَارًا فَعَلَيْهِ بَدَنَة , وَإِنْ قَتَلَ بَقَرَة أَوْ أَيِّلًا أَوْ أَرْوَى فَعَلَيْهِ بَقَرَة , أَوْ قَتَلَ غَزَالًا أَوْ أَرْنَبًا فَعَلَيْهِ شَاة . وَإِنْ قَتَلَ ضَبًّا أَوْ حِرْبَاء أَوْ يَرْبُوعًا , فَعَلَيْهِ سَخْلَة قَدْ أَكَلَتْ الْعُشْب وَشَرِبَتْ اللَّبَن . 9793 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا هَارُون بْن الْمُغِيرَة , عَنْ أَبِي مُجَاهِد , قَالَ : سُئِلَ عَطَاء : أَيُغْرَمُ فِي صَغِير الصَّيْد كَمَا يُغْرَم فِي كَبِيره ؟ قَالَ : أَلَيْسَ يَقُول اللَّه تَعَالَى : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } . 9794 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } قَالَ : عَلَيْهِ مِنْ النَّعَم مِثْله . 9795 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ الْحَكَم , عَنْ مِقْسَم , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } قَالَ : إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِم الصَّيْد وَجَبَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مِنْ النَّعَم , فَإِنْ وَجَدَ جَزَاءَهُ ذَبَحَهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ , فَإِنْ لَمْ يَجِد جَزَاءَهُ قُوِّمَ الْجَزَاء دَرَاهِم ثُمَّ قُوِّمَ الدَّرَاهِم حِنْطَة ثُمَّ صَامَ مَكَان كُلّ نِصْف صَاع يَوْمًا . قَالَ : وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ الصَّوْم , فَإِذَا وَجَدَ طَعَامًا وَجَدَ جَزَاء . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع وَابْن حُمَيْد , قَالَا : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ الْحَكَم , عَنْ مِقْسَم , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } قَالَ : إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِم الصَّيْد حُكِمَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مِنْ النَّعَم , فَإِنْ لَمْ يَجِد نُظِرَ كَمْ ثَمَنه - قَالَ اِبْن حُمَيْد : نُظِرَ كَمْ قِيمَته - فَقُوِّمَ عَلَيْهِ ثَمَنه طَعَامًا , فَصَامَ مَكَان كُلّ نِصْف صَاع يَوْمًا , أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين , أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا . قَالَ : إِنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ : الصِّيَام , فَإِذَا وَجَدَ الطَّعَام وَجَدَ جَزَاءَهُ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُون , عَنْ سُفْيَان بْن حُسَيْن , عَنْ الْحَكَم , عَنْ مِقْسَم , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } فَإِنْ لَمْ يَجِد هَدْيًا , قُوِّمَ الْهَدْي عَلَيْهِ طَعَامًا وَصَامَ عَنْ كُلّ صَاع يَوْمَيْنِ . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد . قَالَ : ثنا عَبْد بْن حُمَيْد , عَنْ مَنْصُور , عَنْ الْحَكَم , عَنْ مِقْسَم , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة } قَالَ : إِذَا أَصَابَ الرَّجُل الصَّيْد حُكِمَ عَلَيْهِ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْده قُوِّمَ عَلَيْهِ ثَمَنه طَعَامًا ثُمَّ صَامَ لِكُلِّ نِصْف صَاع يَوْمًا . 9796 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَيَعْقُوب , قَالَا : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر , عَنْ قَبِيصَة بْن جَابِر , قَالَ : اِبْتَدَرْت وَصَاحِب لِي ظَبْيًا فِي الْعَقَبَة , فَأَصَبْته . فَأَتَيْت عُمَر بْن الْخَطَّاب فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ , فَأَقْبَلَ عَلَى رَجُل إِلَى جَنْبه , فَنَظَرَا فِي ذَلِكَ , فَقَالَ : اِذْبَحْ كَبْشًا . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْن , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنِي قَبِيصَة بْن جَابِر نَحْوًا مِمَّا حَدَّثَ بِهِ عَبْد الْمَلِك . 9797 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ الْمَسْعُودِيّ , عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر , عَنْ قَبِيصَة بْن جَابِر , قَالَ : قَتَلَ صَاحِب لِي ظَبْيًا وَهُوَ مُحْرِم , فَأَمَرَهُ عُمَر أَنْ يَذْبَح شَاة فَيَتَصَدَّق بِلَحْمِهَا وَيَسْقِي إِهَابهَا . 9798 - حَدَّثَنِي هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيّ , قَالَ : قَتَلَ رَجُل مِنْ الْأَعْرَاب وَهُوَ مُحْرِم ظَبْيًا , فَسَأَلَ عُمَر , فَقَالَ لَهُ عُمَر : أَهْدِ شَاة . 9799 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ حُصَيْن , وَحَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن فُضَيْل , قَالَ : ثنا حُصَيْن , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : قَالَ قَبِيصَة بْن جَابِر : أَصَبْت ظَبْيًا وَأَنَا مُحْرِم , فَأَتَيْت عُمَر فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ , فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , فَقُلْت : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ أَمْره أَهْوَن مِنْ ذَلِكَ ! قَالَ : فَضَرَبَنِي بِالدِّرَّةِ حَتَّى سَابَقْته عَدْوًا . قَالَ : ثُمَّ قَالَ : قَتَلْت الصَّيْد وَأَنْتَ مُحْرِم ثُمَّ تَغْمِص الْفُتْيَا ؟ قَالَ : فَجَاءَ عَبْد الرَّحْمَن , فَحَكَمَا شَاة . 9800 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } قَالَ : إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِم شَيْئًا مِنْ الصَّيْد حُكِمَ عَلَيْهِ , فَإِنْ قَتَلَ ظَبْيًا أَوْ نَحْوه فَعَلَيْهِ شَاة تُذْبَح بِمَكَّة , فَإِنْ لَمْ يَجِد فَإِطْعَام سِتَّة مَسَاكِين , فَإِنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام , فَإِنْ قَتَلَ أَيِّلًا أَوْ نَحْوه فَعَلَيْهِ بَقَرَة ; وَإِنْ قَتَلَ نَعَامَة أَوْ حِمَار وَحْش أَوْ نَحْوه فَعَلَيْهِ بَدَنَة مِنْ الْإِبِل . 9801 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : أَرَأَيْت إِنْ قَتَلْت صَيْدًا فَإِذَا هُوَ أَعْوَر أَوْ أَعْرَج أَوْ مَنْقُوص أَغْرَم مِثْله ؟ قَالَ : نَعَمْ , إِنْ شِئْت . قُلْت : أُوفِي أَحَبّ إِلَيْك ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَقَالَ عَطَاء : وَإِنْ قَتَلْت وَلَد الظَّبْي فَفِيهِ وَلَد شَاة , وَإِنْ قَتَلْت وَلَد بَقَرَة وَحْشِيَّة فَفِيهِ وَلَد بَقَرَة إِنْسِيَّة مِثْله , فَكُلّ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ . 9802 - حَدَّثَنِي عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ الْفَضْل بْن خَالِد , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان الْبَاهِلِيّ , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم يَقُول : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } مَا كَانَ مِنْ صَيْد الْبَرّ مِمَّا لَيْسَ لَهُ قَرْن الْحِمَار وَالنَّعَامَة فَعَلَيْهِ مِثْله مِنْ الْإِبِل , وَمَا كَانَ ذَا قَرْن مِنْ صَيْد الْبَرّ مِنْ وَعْل أَوْ أَيِّل فَجَزَاؤُهُ مِنْ الْبَقَر , وَمَا كَانَ مِنْ ظَبْي فَمِنْ الْغَنَم مِثْله , وَمَا كَانَ مِنْ أَرْنَب فَفِيهَا ثنيَّة , وَمَا كَانَ مِنْ يَرْبُوع وَشَبَهه فَفِيهِ حَمَل صَغِير , وَمَا كَانَ مِنْ جَرَادَة أَوْ نَحْوهَا فَفِيهِ قَبْضَة مِنْ طَعَام , وَمَا كَانَ مِنْ طَيْر الْبَرّ فَفِيهِ أَنْ يُقَوَّم وَيُتَصَدَّق بِثَمَنِهِ , وَإِنْ شَاءَ صَامَ لِكُلٍّ نِصْف صَاع يَوْمًا . وَإِنْ أَصَابَ فَرْخ طَيْر بَرِّيَّة أَوْ بَيْضهَا فَالْقِيمَة فِيهَا طَعَام أَوْ صَوْم عَلَى الَّذِي يَكُون فِي الطَّيْر . غَيْر أَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِي بَيْض النَّعَام إِذَا أَصَابَهَا الْمُحْرِم أَنْ يَحْمِل الْفَحْل عَلَى عِدَّة مَنْ أَصَابَ مِنْ الْبَيْض عَلَى بِكَارَةِ الْإِبِل , فَمَا لَقَّحَ مِنْهَا أَهْدَاهُ إِلَى الْبَيْت , وَمَا فَسَدَ مِنْهَا فَلَا شَيْء فِيهِ . 9803 - حَدَّثَنَا اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِع , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : مَنْ قَتَلَهُ - يَعْنِي الصَّيْد - نَاسِيًا , أَوْ أَرَادَ غَيْره فَأَخْطَأَ بِهِ , فَذَلِكَ الْعَمْد الْمُكَفَّر , فَعَلَيْهِ مِثْله هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة , فَإِنْ لَمْ يَجِد اِبْتَاعَ بِثَمَنِهِ طَعَامًا , فَإِنْ لَمْ يَجِد صَامَ عَنْ كُلّ مُدّ يَوْمًا . وَقَالَ عَطَاء : فَإِنْ أَصَابَ إِنْسَان نَعَامَة , كَانَ لَهُ إِنْ كَانَ ذَا يَسَار مَا شَاءَ , إِنْ شَاءَ يُهْدِي جَزُورًا أَوْ عَدْلهَا طَعَامًا أَوْ عَدْلهَا صِيَامًا , أَيّهنَّ شَاءَ ; مِنْ أَجْل قَوْله : { فَجَزَاء } أَوْ كَذَا قَالَ : فَكُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن أَوْ أَوْ , فَلْيَخْتَرْ مِنْهُ صَاحِبه مَا شَاءَ . 9804 - حَدَّثَنَا اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِع , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَسَن بْن مُسْلِم , قَالَ : مَنْ أَصَابَ مِنْ الصَّيْد مَا يَبْلُغ أَنْ يَكُون شَاة فَصَاعِدًا , فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ اللَّه تَعَالَى : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } وَأَمَّا { كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين } فَذَلِكَ الَّذِي لَا يَبْلُغ أَنْ يَكُون فِيهِ هَدْي , الْعُصْفُور يُقْتَل فَلَا يَكُون فِيهِ . قَالَ : أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا , عَدْل النَّعَامَة , أَوْ عَدْل الْعُصْفُور , أَوْ عَدْل ذَلِكَ كُلّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ يُقَوَّم الصَّيْد الْمَقْتُول قِيمَته مِنْ الدَّرَاهِم , ثُمَّ يَشْتَرِي الْقَاتِل بِقِيمَتِهِ نِدًّا مِنْ النَّعَم , ثُمَّ يُهْدِيه إِلَى الْكَعْبَة ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9805 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدَة , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : مَا أَصَابَ الْمُحْرِم مِنْ شَيْء حُكِمَ فِيهِ قِيمَته . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ حَمَّاد , قَالَ : سَمِعْت إِبْرَاهِيم يَقُول : فِي كُلّ شَيْء مِنْ الصَّيْد ثَمَنه . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيل الْآيَة , مَا قَالَ عُمَر وَابْن عَبَّاس وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا : إِنَّ الْمَقْتُول مِنْ الصَّيْد يَجْزِي بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَم , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } وَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون مِثْل الَّذِي قَتَلَ مِنْ الصَّيْد دَرَاهِم وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { مِنْ النَّعَم } لِأَنَّ الدَّرَاهِم لَيْسَتْ مِنْ النَّعَم فِي شَيْء . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ الدَّرَاهِم وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِثْلًا لِلْمَقْتُولِ مِنْ الصَّيْد , فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بِهَا الْمِثْل مِنْ النَّعَم , فَيُهْدِيه الْقَاتِل , فَيَكُون بِفِعْلِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ جَازِيًا بِمَا قَتَلَ مِنْ الصَّيْد مِثْلًا مِنْ النَّعَم ؟ قِيلَ لَهُ : أَفَرَأَيْت إِنْ كَانَ الْمَقْتُول مِنْ الصَّيْد صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ سَلِيمًا , أَوْ كَانَ الْمَقْتُول مِنْ الصَّيْد كَبِيرًا أَوْ سَلِيمًا بِقِيمَتِهِ مِنْ النَّعَم إِلَّا صَغِيرًا أَوْ مَعِيبًا , أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِي بِقِيمَتِهِ خِلَافه وَخِلَاف صِفَته فَيُهْدِيه , أَمْ لَا يَجُوز ذَلِكَ لَهُ , وَهُوَ لَا يَجُوز إِلَّا خِلَافه ؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَشْتَرِي بِقِيمَتِهِ إِلَّا مِثْله , تُرِكَ قَوْله فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ أَهْل هَذِهِ الْمَقَالَة يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَشْتَرِي بِقِيمَتِهِ ذَلِكَ فَيُهْدِيه إِلَّا مَا يَجُوز فِي الضَّحَايَا , وَإِذَا أَجَازُوا شِرَى مِثْل الْمَقْتُول مِنْ الصَّيْد بِقِيمَتِهِ وَإِهْدَاءَهَا وَقَدْ يَكُون الْمَقْتُول صَغِيرًا مَعِيبًا , أَجَازُوا فِي الْهَدْي مَا لَا يَجُوز فِي الْأَضَاحِيّ , وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يَشْتَرِي بِقِيمَتِهِ فَيُهْدِيه إِلَّا مَا يَجُوز فِي الضَّحَايَا أَوْضَحَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْله الْخِلَافَ لِظَاهِرِ التَّنْزِيل ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى قَاتِل الصَّيْد مِنْ الْمُحْرِمِينَ عَمْدًا الْمِثْل مِنْ النَّعَم إِذَا وَجَدُوهُ , وَقَدْ زَعَمَ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِ الْمِثْل مِنْ النَّعَم وَهُوَ إِلَى ذَلِكَ وَاجِد سَبِيلًا . وَيُقَال لِقَائِلِ ذَلِكَ : أَرَأَيْت إِنْ قَالَ قَائِل آخَر : مَا عَلَى قَاتِل مَا لَا تَبْلُغ مِنْ الصَّيْد قِيمَته مَا يُصَاب بِهِ مِنْ النَّعَم مَا يَجُوز فِي الْأَضَاحِيّ مِنْ إِطْعَام وَلَا صِيَام ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا خَيَّرَ قَاتِل الصَّيْد مِنْ الْمُحْرِمِينَ فِي أَحَد الثَّلَاثَة الْأَشْيَاء الَّتِي سَمَّاهَا فِي كِتَابه , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَى وَاحِد مِنْ ذَلِكَ سَبِيل سَقَطَ عَنْهُ فَرْض الْآخَرِينَ ; لِأَنَّ الْخِيَار إِنَّمَا كَانَ لَهُ وَلَهُ إِلَى الثَّلَاثَة سَبِيل ; فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَى بَعْض ذَلِكَ سَبِيل بَطَلَ فَرْض الْجَزَاء عَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ عُنِيَ بِالْآيَةِ ; نَظِير الَّذِي قُلْت أَنْتَ إِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَقْتُول مِنْ الصَّيْد يَبْلُغ قِيمَته مَا يُصَاب مِنْ النَّعَم مِمَّا يَجُوز فِي الضَّحَايَا , فَقَدْ سَقَطَ فَرْض الْجَزَاء بِالْمِثْلِ مِنْ النَّعَم عَنْهُ , وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْجَزَاء بِالْإِطْعَامِ أَوْ الصِّيَام ; هَلْ بَيْنك وَبَيْنه فَرْق مِنْ أَصْل أَوْ نَظِير ؟ فَلَنْ يَقُول فِي أَحَدهمَا قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَر مِثْله . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَحْكُم بِذَلِكَ الْجَزَاء الَّذِي هُوَ مِثْل الْمَقْتُول مِنْ الصَّيْد مِنْ النَّعَم عَدْلَانِ مِنْكُمْ , يَعْنِي : فَقِيهَانِ عَالِمَانِ مِنْ أَهْل الدِّين وَالْفَضْل . { هَدْيًا } يَقُول : يَقْضِي بِالْجَزَاءِ ذَوَا عَدْل أَنْ يُهْدَى فَيَبْلُغ الْكَعْبَة . وَالْهَاء فِي قَوْله " يَحْكُم بِهِ " عَائِدَة عَلَى الْجَزَاء , وَوَجْه حُكْم الْعَدْلَيْنِ إِذَا أَرَادَا أَنْ يَحْكُمَا بِمِثْلِ الْمَقْتُول مِنْ الصَّيْد مِنْ النَّعَم عَلَى الْقَاتِل أَنْ يَنْظُرَا إِلَى الْمَقْتُول وَيَسْتَوْصِفَاهُ , فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ أَصَابَ ظَبْيًا صَغِيرًا حَكَمَا عَلَيْهِ مِنْ وَلَد الضَّأْن بِنَظِيرِ ذَلِكَ الَّذِي قَتَلَهُ فِي السِّنّ وَالْجِسْم , فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ كَبِيرًا حَكَمَا عَلَيْهِ مِنْ الضَّأْن بِكَبِيرٍ , وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَ حِمَار وَحْش حَكَمَا عَلَيْهِ بِبَقَرَةٍ إِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَ كَبِيرًا مِنْ الْبَقَر , وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَصَغِيرًا , وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُول ذَكَرًا فَمِثْله مِنْ ذُكُور الْبَقَر , وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَمِثْله مِنْ الْبَقَر أُنْثَى , ثُمَّ كَذَلِكَ يَنْظُرَانِ إِلَى أَشْبَه الْأَشْيَاء بِالْمَقْتُولِ مِنْ الصَّيْد شَبَهًا مِنْ النَّعَم فَيَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى اِخْتِلَاف فِي ذَلِكَ بَيْنهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ : 9806 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيّ , قَالَ : كَانَ رَجُلَانِ مِنْ الْأَعْرَاب مُحْرِمَيْنِ , فَأَحَاشَ أَحَدهمَا ظَبْيًا فَقَتَلَهُ الْآخَر , فَأَتَيَا عُمَر وَعِنْده عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , فَقَالَ لَهُ عُمَر : وَمَا تَرَى ؟ قَالَ : شَاة . قَالَ : وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ , اِذْهَبَا فَأَهْدِيَا شَاة فَلَمَّا مَضَيَا , قَالَ أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ : مَا دَرَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَا يَقُول حَتَّى سَأَلَ صَاحِبه . فَسَمِعَهَا عُمَر , فَرَدَّهُمَا فَقَالَ : هَلْ تَقْرَآنِ سُورَة الْمَائِدَة ؟ فَقَالَا : لَا . فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمَا : { يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ } ثُمَّ قَالَ : اِسْتَعَنْت بِصَاحِبِي هَذَا . 9807 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَيَعْقُوب , قَالَا : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر , عَنْ قَبِيصَة بْن جَابِر , قَالَ : اِبْتَدَرْت أَنَا وَصَاحِب لِي ظَبْيًا فِي الْعَقَبَة , فَأَصَبْته . فَأَتَيْت عُمَر بْن الْخَطَّاب , فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ , فَأَقْبَلَ عَلَى رَجُل إِلَى جَنْبه , فَنَظَرَا فِي ذَلِكَ . قَالَ : فَقَالَ : اِذْبَحْ كَبْشًا ! قَالَ يَعْقُوب فِي حَدِيثه : فَقَالَ لِي اِذْبَحْ شَاة . فَانْصَرَفْت فَأَتَيْت صَاحِبِي , قُلْت : إِنَّ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَدْرِ مَا يَقُول ! فَقَالَ صَاحِبِي : اِنْحَرْ نَاقَتك ! فَسَمِعَهَا عُمَر بْن الْخَطَّاب , فَأَقْبَلَ عَلَيَّ ضَرْبًا بِالدِّرَّةِ , وَقَالَ : تَقْتُل الصَّيْد وَأَنْتَ مُحْرِم وَتَغْمِص الْفُتْيَا ! إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه : { يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ } هَذَا اِبْن عَوْف وَأَنَا عُمَر . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْن , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنِي قَبِيصَة بْن جَابِر , بِنَحْوِ مَا حَدَّثَ بِهِ عَبْد الْمَلِك . 9808 - حَدَّثَنَا هَنَّاد وَأَبُو هِشَام , قَالَا : ثنا وَكِيع , عَنْ الْمَسْعُودِيّ , عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر , عَنْ قَبِيصَة بْن جَابِر , قَالَ : خَرَجْنَا حُجَّاجًا فَكُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا الْغَدَاة , اِقْتَدَرْنَا رَوَاحِلنَا نَتَمَاشَى نَتَحَدَّثُ . قَالَ : فَبَيْنَمَا نَحْنُ ذَات غَدَاة إِذْ سَنَحَ لَنَا ظَبْي أَوْ بَرِحَ , فَرَمَاهُ رَجُل مِنَّا بِحَجَرٍ , فَمَا أَخْطَأَ خُشَشَاءه , فَرَكِبَ رَدْعَهُ مَيِّتًا . قَالَ : فَعَظَّمْنَا عَلَيْهِ ; فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّة , خَرَجْت مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا عُمَر , فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّة , قَالَ : وَإِذَا إِلَى جَنْبه رَجُل كَأَنَّ وَجْهه قُلْب فِضَّة - يَعْنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف - فَالْتَفَتَ إِلَى صَاحِبه فَكَلَّمَهُ ; قَالَ : ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الرَّجُل , قَالَ : أَعَمْدًا قَتَلْته أَمْ خَطَأ ؟ قَالَ الرَّجُل : لَقَدْ تَعَمَّدْت رَمْيه , وَمَا أَرَدْت قَتْله . فَقَالَ عُمَر : مَا أَرَاك إِلَّا قَدْ أَشْرَكْت بَيْن الْعَمْد وَالْخَطَأ , اِعْمِدْ إِلَى شَاة فَاذْبَحْهَا , وَتَصَدَّقْ بِلَحْمِهَا , وَأَسْقِ إِهَابهَا ! قَالَ : فَقُمْنَا مِنْ عِنْده , فَقُلْت : أَيّهَا الرَّجُل عَظِّمْ شَعَائِر اللَّه فَمَا دَرَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَا يُفْتِيك حَتَّى سَأَلَ صَاحِبه , اِعْمِدْ إِلَى نَاقَتك فَانْحَرْهَا ! فَفَعَلَ ذَاكَ . قَالَ قَبِيصَة : وَلَا أَذْكُر الْآيَة مِنْ سُورَة الْمَائِدَة : { يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ } قَالَ : فَبَلَغَ عُمَر مَقَالَتِي , فَلَمْ يَفْجَأنَا إِلَّا وَمَعَهُ الدِّرَّة , قَالَ : فَعَلَا صَاحِبِي ضَرْبًا بِالدِّرَّةِ , وَجَعَلَ يَقُول : أَقَتَلْت فِي الْحَرَم وَسَفَّهْت الْحُكْم ! قَالَ : ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقُلْت : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , لَا أُحِلّ لَك الْيَوْم شَيْئًا يَحْرُم عَلَيْك مِنِّي . قَالَ : يَا قَبِيصَة بْن جَابِر , إِنِّي أَرَاك شَابّ السِّنّ فَسِيح الصَّدْر بَيِّن اللِّسَان , وَإِنَّ الشَّابّ يَكُون فِيهِ تِسْعَة أَخْلَاق حَسَنَة وَخُلُق سَيِّئ , فَيُفْسِد الْخُلُق السَّيِّئ الْأَخْلَاق الْحَسَنَة , فَإِيَّاكَ وَعَثَرَات الشَّبَاب ! 9809 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ مُخَارِق , عَنْ طَارِق , قَالَ : . أَوْطَأَ أَرْبَدُ ضَبًّا فَقَتَلَهُ وَهُوَ مُحْرِم , فَأَتَى عُمَر لِيَحْكُم عَلَيْهِ , فَقَالَ لَهُ عُمَر : اُحْكُمْ مَعِي ! فَحَكَمَا فِيهِ جَدْيًا قَدْ جَمَعَ الْمَاء وَالشَّجَر , ثُمَّ قَالَ عُمَر : { يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ } . 9810 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا جَامِع بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ صَيْدًا , فَأَتَى اِبْن عُمَر فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ وَعِنْده عَبْد اللَّه بْن صَفْوَان , فَقَالَ اِبْن عُمَر لِابْنِ صَفْوَان : إِمَّا أَنْ أَقُول فَتُصَدِّقنِي , وَإِمَّا أَنْ تَقُول فَأُصَدِّقك ! فَقَالَ اِبْن صَفْوَان : بَلْ أَنْتَ فَقُلْ ! فَقَالَ اِبْن عُمَر , وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن صَفْوَان . 9811 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَام , عَنْ اِبْن سِيرِينَ , عَنْ شُرَيْح , أَنَّهُ قَالَ : لَوْ وَجَدْت حُكْمًا عَدْلًا لَحَكَمْت فِي الثَّعْلَب جَدْيًا , وَجَدْي أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ الثَّعْلَب . 9812 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بُكَيْر , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَبِي مِجْلَز : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ اِبْن عُمَر عَنْ رَجُل أَصَابَ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِم , وَعِنْده اِبْن صَفْوَان , فَقَالَ لَهُ اِبْن عُمَر : إِمَّا أَنْ تَقُول فَأُصَدِّقك , أَوْ أَقُول فَتُصَدِّقنِي ! قَالَ : قُلْ وَأُصَدِّقك . 9813 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي وَائِل , قَالَ : أَخْبَرَنِي اِبْن جَرِير الْبَجَلِيّ , قَالَ : أَصَبْت ظَبْيًا وَأَنَا مُحْرِم , فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعُمَر , فَقَالَ : اِئْتِ رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانك فَلْيَحْكُمَا عَلَيْك ! فَأَتَيْت عَبْد الرَّحْمَن وَسَعْدًا , فَحَكَمَا عَلَيَّ تَيْسًا أَعْفَر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : الْأَعْفَر : الْأَبْيَض . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ مَنْصُور بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَر , مِثْله . 9814 - حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاق , عَنْ شَرِيك , عَنْ أَشْعَث بْن سَوَّار , عَنْ اِبْن سِيرِينَ , قَالَ : كَانَ رَجُل عَلَى نَاقَة وَهُوَ مُحْرِم , فَأَبْصَرَ ظَبْيًا يَأْوِي إِلَى أَكَمَة , فَقَالَ : لِأَنْظُر أَنَا أَسْبِق إِلَى هَذِهِ الْأَكَمَة أَمْ هَذَا الظَّبْي ؟ فَوَقَعَت عَنْز مِنْ الظِّبَاء تَحْت قَوَائِم نَاقَته فَقَتَلَتْهَا . فَأَتَى عُمَر , فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ , فَحَكَمَ عَلَيْهِ هُوَ وَابْن عَوْف عَنْزًا عَفْرَاء . قَالَ : وَهِيَ الْبَيْضَاء . 9815 - يَعْقُوب , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَيُّوب , عَنْ مُحَمَّد : أَنَّ رَجُلًا أَوْطَأَ ظَبْيًا وَهُوَ مُحْرِم . فَأَتَى عُمَر فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَإِلَى جَنْبه عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف , فَأَقْبَلَ عَلَى عَبْد الرَّحْمَن فَكَلَّمَهُ , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الرَّجُل , فَقَالَ : أَهْدِ عَنْزًا عَفْرَاء ! 9816 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّهُ كَانَ يَقُول : مَا أَصَابَ الْمُحْرِم مِنْ شَيْء لَمْ يَمْضِ فِيهِ حُكُومَة , اِسْتَقْبَلَ بِهِ , فَيَحْكُم فِيهِ ذَوَا عَدْل . 9817 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثني وَهْب بْن جَرِير , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ يَعْلَى , عَنْ عَمْرو بْن حَبَشِيّ قَالَ : سَمِعْت رَجُلًا يَسْأَل عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ رَجُل أَصَابَ وَلَد أَرْنَب فَقَالَ : فِيهِ وَلَد مَاعِز فِيمَا أَرَى أَنَا . ثُمَّ قَالَ لِي : أَكَذَاك ؟ فَقُلْت : أَنْتَ أَعْلَم مِنِّي . فَقَالَ : قَالَ اللَّه تَعَالَى : { يَحْكُم لَهُ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ } . 9818 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي عَدِيّ , وَسَهْل بْن يُوسُف , عَنْ حُمَيْد , عَنْ بَكْر : أَنَّ رَجُلَيْنِ أَبْصَرَا ظَبْيًا وَهُمَا مُحْرِمَانِ , فَتَرَاهَنَا , وَجَعَلَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لِمَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ . فَسَبَقَ إِلَيْهِ أَحَدهمَا , فَرَمَاهُ بِعَصَاهُ فَقَتَلَهُ . فَلَمَّا قَدِمَا مَكَّة , أَتَيَا عُمَر يَخْتَصِمَانِ إِلَيْهِ وَعِنْده عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف . فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ عُمَر : هَذَا قِمَار , وَلَا أُجِيزهُ ! ثُمَّ نَظَرَ إِلَى عَبْد الرَّحْمَن , فَقَالَ : مَا تَرَى ؟ قَالَ : شَاة . فَقَالَ عُمَر : وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ . فَلَمَّا قَفَّى الرَّجُلَانِ مِنْ عِنْد عُمَر , قَالَ أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ : مَا دَرَى عُمَر مَا يَقُول حَتَّى سَأَلَ الرَّجُل ! فَرَدَّهُمَا عُمَر فَقَالَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِعُمَر وَحْده فَقَالَ : { يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ } وَأَنَا عُمَر , وَهَذَا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ يَنْظُر الْعَدْلَانِ إِلَى الصَّيْد الْمَقْتُول فَيُقَوِّمَانِهِ قِيمَته دَرَاهِم , ثُمَّ يَأْمُرَانِ الْقَاتِل أَنْ يَشْتَرِي بِذَلِكَ مِنْ النَّعَم هَدْيًا . فَالْحَاكِمَانِ فِي قَوْل هَؤُلَاءِ بِالْقِيمَةِ , وَإِنَّمَا يَحْتَاج إِلَيْهِمَا لِتَقْوِيمِ الصَّيْد قِيمَته فِي الْمَوْضِع الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ فِيمَا مَضَى قَبْل أَنَّهُ كَانَ يَقُول : مَا أَصَابَ الْمُحْرِم مِنْ شَيْء حُكِمَ فِيهِ قِيمَته , وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ مُتَفَقِّهَة الْكُوفِيِّينَ . وَأَمَّا قَوْله : { هَدْيًا } فَإِنَّهُ مَصْدَر عَلَى الْحَال مِنْ الْهَاء الَّتِي فِي قَوْله : { يَحْكُم بِهِ } , وَقَوْله : { بَالِغ الْكَعْبَة } مِنْ نَعْت الْهَدْي وَصِفَته . وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُنْعَت بِهِ وَهُوَ مُضَاف إِلَى مَعْرِفَة ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّكِرَة , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { بَالِغ الْكَعْبَة } يَبْلُغ الْكَعْبَة , فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُضَافًا فَمَعْنَاهُ التَّنْوِين ; لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَال , وَهُوَ نَظِير قَوْله : { هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا } فَوَصَفَ بِقَوْلِهِ : " مُمْطِرنَا " عَارِضًا ; لِأَنَّ فِي " مُمْطِرنَا " مَعْنَى التَّنْوِين ; لِأَنَّ تَأْوِيله الِاسْتِقْبَال , فَمَعْنَاهُ : هَذَا عَارِض يُمْطِرنَا , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوْ عَلَيْهِ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين . وَالْكَفَّارَة مَعْطُوفَة عَلَى " الْجَزَاء " فِي قَوْله : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة : { أَوْ كَفَّارَةُ طَعَامِ مَسَاكِين } بِالْإِضَافَةِ . وَأَمَّا قُرَّاء أَهْل الْعِرَاق , فَإِنَّ عَامَّتهمْ قَرَءُوا ذَلِكَ بِتَنْوِينِ الْكَفَّارَة وَرَفَعَ الطَّعَام : { أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِين } وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ , قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ بِتَنْوِينِ الْكَفَّارَة وَرَفْع الطَّعَام , لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي قَوْله : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْقَاتِل وَهُوَ مُحْرِم صَيْدًا عَمْدًا , لَا يَخْلُو مِنْ وُجُوب بَعْض هَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى مِنْ مِثْل الْمَقْتُول هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة , أَوْ طَعَام مِسْكِين كَفَّارَة لِمَا فَعَلَ , أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا ; لِأَنَّهُ مُخَيَّر فِي أَيّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ , . أَنَّهُ بِأَيِّهَا كَانَ كَفَّرَ فَقَدْ أَدَّى الْوَاجِب عَلَيْهِ ; وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِعْلَام مِنْ اللَّه تَعَالَى عِبَاده أَنَّ قَاتِل ذَلِكَ كَمَا وَصَفَ لَنْ يَخْرُج حُكْمه مِنْ إِحْدَى الْخِلَال الثَّلَاثَة . قَالُوا : فَحُكْمه إِنْ كَانَ عَلَى الْمِثْل قَادِرًا أَنْ يُحْكَم عَلَيْهِ بِمِثْلِ الْمَقْتُول مِنْ النَّعَم , لَا يَجْزِيه غَيْر ذَلِكَ مَا دَامَ لِلْمِثْلِ وَاجِدًا . قَالُوا : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَاجِدًا , أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ مِثْل مِنْ النَّعَم , فَكَفَّارَته حِينَئِذٍ إِطْعَام مَسَاكِين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9819 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْره } قَالَ : إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِم شَيْئًا مِنْ الصَّيْد حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ , فَإِنْ قَتَلَ ظَبْيًا أَوْ نَحْوه فَعَلَيْهِ شَاة تُذْبَح بِمَكَّة . فَإِنْ لَمْ يَجِدهَا , فَإِطْعَام سِتَّة مَسَاكِين . فَإِنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام . وَإِنْ قَتَلَ أَيِّلًا أَوْ نَحْوه , فَعَلَيْهِ بَقَرَة . فَإِنْ لَمْ يَجِد , أَطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا , فَإِنْ لَمْ يَجِد صَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا . وَإِنْ قَتَلَ نَعَامَة أَوْ حِمَار وَحْش أَوْ نَحْوه , فَعَلَيْهِ بَدَنَة مِنْ الْإِبِل . فَإِنْ لَمْ يَجِد أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا , فَإِنْ لَمْ يَجِد صَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا . وَالطَّعَام مُدّ مُدّ يُشْبِعهُمْ . 9820 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم } إِلَى قَوْله : { يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ } فَالْكَفَّارَة مِنْ قَتْل مَا دُون الْأَرْنَب إِطْعَام . 9821 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ الْحَكَم , عَنْ مِقْسَم , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِم الصَّيْد حُكِمَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مِنْ النَّعَم , فَإِنْ وَجَدَ جَزَاء ذَبَحَهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ , وَإِنْ لَمْ يَجِد جَزَاءَهُ قُوِّمَ الْجَزَاء دَرَاهِم , ثُمَّ قُوِّمَتْ الدَّرَاهِم حِنْطَة , ثُمَّ صَامَ مَكَان كُلّ صَاع يَوْمًا . قَالَ : إِنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ : الصَّوْم , فَإِذَا وَجَدَ طَعَامًا وَجَدَ جَزَاء . 9822 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ زُهَيْر , عَنْ جَابِر , عَنْ عَطَاء وَمُجَاهِد وَعَامِر : { أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ } قَالَ : إِنَّمَا الطَّعَام لِمَنْ لَمْ يَجِد الْهَدْي . 9823 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِم شَيْئًا مِنْ الصَّيْد عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مِنْ النَّعَم , فَإِنْ لَمْ يَجِد قُوِّمَ الْجَزَاء دَرَاهِم , ثُمَّ قُوِّمَتْ الدَّرَاهِم طَعَامًا , ثُمَّ صَامَ لِكُلِّ نِصْف صَاع يَوْمًا . 9824 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ حَمَّاد , قَالَ : إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِم الصَّيْد فَحُكِمَ عَلَيْهِ , فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ مَا لَا يُتِمّ نِصْف صَاع صَامَ لَهُ يَوْمًا , وَلَا يَكُون الصَّوْم إِلَّا عَلَى مَنْ لَمْ يَجِد ثَمَن هَدْي فَيُحْكَم عَلَيْهِ الطَّعَام . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْده طَعَام يَتَصَدَّق بِهِ , حُكِمَ عَلَيْهِ الصَّوْم , فَصَامَ مَكَان كُلّ نِصْف صَاع يَوْمًا . { كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين } قَالَ : فِيمَا لَا يَبْلُغ ثَمَن هَدْي . { أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } مِنْ الْجَزَاء إِذَا لَمْ يَجِد مَا يَشْتَرِي بِهِ هَدْيًا , أَوْ مَا يَتَصَدَّق بِهِ , مِمَّا لَا يَبْلُغ ثَمَن هَدْي , حُكِمَ عَلَيْهِ الصِّيَام مَكَان كُلّ نِصْف صَاع يَوْمًا . 9825 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } قَالَ : عَلَيْهِ مِنْ النَّعَم مِثْله هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة , وَمَنْ لَمْ يَجِد اِبْتَاعَ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا , فَيُطْعِم كُلّ مِسْكِين مُدَّيْنِ , فَإِنْ لَمْ يَجِد صَامَ عَنْ كُلّ مُدَّيْنِ يَوْمًا . 9826 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } إِلَى قَوْله : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ } قَالَ : إِذَا قَتَلَ صَيْدًا فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم , فَإِنْ لَمْ يَجِد مَا حُكِمَ عَلَيْهِ قُوِّمَ الْفِدَاء كَمْ هُوَ دِرْهَمًا , وَقُدِّرَ ثَمَن ذَلِكَ بِالطَّعَامِ عَلَى الْمِسْكِين , فَصَامَ عَنْ كُلّ مِسْكِين يَوْمًا , وَلَا يَحِلّ طَعَام الْمِسْكِين ; لِأَنَّ مَنْ وَجَدَ طَعَام الْمِسْكِين فَهُوَ يَجِد الْفِدَاء . 9827 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ لِي الْحَسَن بْن مُسْلِم : مَنْ أَصَابَ الصَّيْد مِمَّا جَزَاؤُهُ شَاة , فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ اللَّه تَعَالَى : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ } وَمَا كَانَ مِنْ كَفَّارَة طَعَام مِسْكِين مِثْل الْعُصْفُورَة يَقْتُل وَلَا يَبْلُغ أَنْ يَكُون فِيهِ هَدْي { أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } قَالَ عَدْل النَّعَامَة أَوْ الْعُصْفُور , أَوْ عَدْل ذَلِكَ كُلّه . فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَطَاءٍ , فَقَالَ : كُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن " أَوْ أَوْ " , فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَخْتَار مَا شَاءَ . 9828 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن هَارُون , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَان بْن حُسَيْن , عَنْ الْحَكَم , عَنْ مَقْسِم , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } فَإِنْ لَمْ يَجِد جَزَاء , قُوِّمَ عَلَيْهِ الْجَزَاء طَعَامًا ثُمَّ صَاع لِكُلِّ صَاع يَوْمَيْنِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ لِلْقَاتِلِ صَيْدًا عَمْدًا وَهُوَ مُحْرِم الْخِيَار بَيْن إِحْدَى الْكَفَّارَات الثَّلَاث وَهِيَ الْجَزَاء بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَم وَالطَّعَام وَالصَّوْم . قَالُوا : وَإِنَّمَا تَأْوِيل قَوْله : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْزِي بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَم , أَوْ يُكَفِّر بِإِطْعَامِ مَسَاكِين أَوْ بِعَدْلِ الطَّعَام مِنْ الصِّيَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9829 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم يَحْكُم لَهُ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } قَالَ : إِنْ أَصَابَ إِنْسَان مُحْرِم نَعَامَة , فَإِنَّ لَهُ إِنْ كَانَ ذَا يَسَار أَنْ يُهْدِي مَا شَاءَ جَزُورًا أَوْ عَدْلهَا طَعَامًا أَوْ عَدْلهَا صِيَامًا . قَالَ : كُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن " أَوْ أَوْ " , فَلْيَخْتَرْ مِنْهُ صَاحِبه مَا شَاءَ . 9830 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاج , عَنْ عَطَاء , فِي قَوْله : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } قَالَ : " مَا كَانَ فِي الْقِرَآن أَوْ كَذَا أَوْ كَذَا " , فَصَاحِبه فِيهِ بِالْخِيَارِ , أَيّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ . 9831 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَسْبَاط وَعَبْد الْأَعْلَى , عَنْ دَاوُد , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : مَا كَانَ فِي الْقُرْآن " أَوْ أَوْ " , فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ , وَمَا كَانَ " فَمَنْ لَمْ يَجِد " فَالْأَوَّل , ثُمَّ الَّذِي يَلِيه . 9832 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا حَفْص , عَنْ عَمْرو , عَنْ الْحَسَن , مِثْله . 9833 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا لَيْث , عَنْ عَطَاء وَمُجَاهِد , أَنَّهُمَا قَالَا فِي قَوْله : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } قَالَا : مَا كَانَ فِي الْقُرْآن " أَوْ كَذَا أَوْ كَذَا " , فَصَاحِبه فِيهِ بِالْخِيَارِ أَيّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ . 9834 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : مَا كَانَ فِي الْقُرْآن " أَوْ كَذَا أَوْ كَذَا " , فَصَاحِبه فِيهِ بِالْخِيَارِ , أَيّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ . 9834 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَة , عَنْ الْحَسَن . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا عُبَيْدَة , عَنْ إِبْرَاهِيم قَالَا : كُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن " أَوْ أَوْ " , فَهُوَ بِالْخِيَارِ , أَيّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ . 9836 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا حَفْص , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن " أَوْ أَوْ " فَصَاحِبه مُخَيَّر فِيهِ , وَكُلّ شَيْء فَمَنْ لَمْ يَجِد فَالْأَوَّل , ثُمَّ الَّذِي يَلِيه . وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِتَخْيِيرِ قَاتِل الصَّيْد مِنْ الْمُحْرِمِينَ بَيْن الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة فِي صِفَة اللَّازِم لَهُ مِنْ التَّكْفِير بِالْإِطْعَامِ وَالصَّوْم إِذَا اِخْتَارَ الْكَفَّارَة بِأَحَدِهِمَا دُون الْهَدْي , فَقَالَ بَعْضهمْ : إِذَا اِخْتَارَ التَّكْفِير بِذَلِكَ , فَإِنَّ الْوَاجِب عَلَيْهِ أَنْ يُقَوَّم الْمِثْل مِنْ النَّعَم طَعَامًا , ثُمَّ يَصُوم مَكَان كُلّ مُدّ يَوْمًا ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9837 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : مَا { أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } ؟ قَالَ : إِنْ أَصَابَ مَا عَدْله شَاة أُقِيمَتْ الشَّاة طَعَامًا , ثُمَّ جُعِلَ مَكَان كُلّ مُدّ يَوْمًا يَصُومهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْوَاجِب عَلَيْهِ إِذَا أَرَادَ التَّكْفِير بِالْإِطْعَامِ أَوْ الصَّوْم , أَنْ يُقَوِّم الصَّيْد الْمَقْتُول طَعَامًا , ثُمَّ يَتَصَدَّق بِالطَّعَامِ إِنْ اِخْتَارَ الصَّدَقَة , وَإِنْ اِخْتَارَ الصَّوْم صَامَ . ثُمَّ اِخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الصَّوْم , فَقَالَ بَعْضهمْ : يَصُوم لِكُلِّ مُدّ يَوْمًا . وَقَالَ آخَرُونَ : يَصُوم مَكَان كُلّ نِصْف صَاع يَوْمًا . وَقَالَ آخَرُونَ : يَصُوم مَكَان كُلّ صَاع يَوْمًا . ذِكْر مَنْ قَالَ : الْمُتَقَوِّم لِإِطْعَامٍ هُوَ الصَّيْد الْمَقْتُول : 9838 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا جَامِع بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ قَتَادَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد } الْآيَة , قَالَ : كَانَ قَتَادَة يَقُول : يَحْكُمَانِ فِي النَّعَم , فَإِنْ كَانَ لَيْسَ صَيْده مَا يَبْلُغ ذَلِكَ , نَظَرُوا ثَمَنه فَقَوَّمُوهُ طَعَامًا , ثُمَّ صَامَ مَكَان كُلّ صَاع يَوْمَيْنِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا مَعْنَى لِلتَّكْفِيرِ بِالْإِطْعَامِ ; لِأَنَّ مَنْ وَجَدَ سَبِيلًا إِلَى التَّكْفِير بِالْإِطْعَامِ , فَهُوَ وَاجِد إِلَى الْجَزَاء بِالْمِثْلِ مِنْ النَّعَم سَبِيلًا , وَمَنْ وَجَدَ إِلَى الْجَزَاء بِالْمِثْلِ مِنْ النَّعَم سَبِيلًا لَمْ يُجْزِهِ التَّكْفِير بِغَيْرِهِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره الْكَفَّارَة بِالْإِطْعَامِ فِي هَذَا الْمَوْضِع لِيَدُلّ عَلَى صِفَة التَّكْفِير بِالصَّوْمِ لَا أَنَّهُ جَعَلَ التَّكْفِير بِالْإِطْعَامِ إِحْدَى الْكَفَّارَات الَّتِي يُكَفَّر بِهَا قَتْل الصَّيْد , وَقَدْ ذَكَرْنَا تَأْوِيل ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل . وَأَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي قَوْله اللَّه تَعَالَى : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } أَنْ يَكُون مُرَادًا بِهِ : فَعَلَى قَاتِله مُتَعَمِّدًا مِثْل الَّذِي قَتَلَ مِنْ النَّعَم , لَا الْقِيمَة إِنْ اِخْتَارَ أَنْ يَجْزِيه بِالْمِثْلِ مِنْ النَّعَم ; وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيمَة إِنَّمَا هِيَ مِنْ الدَّنَانِير أَوْ الدَّرَاهِم أَوْ الدَّنَانِير لَيْسَتْ لِلصَّيْدِ بِمِثْلٍ , وَاَللَّه تَعَالَى إِنَّمَا أَوْجَبَ الْجَزَاء مِثْلًا مِنْ النَّعَم . وَأَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي قَوْله . { أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } أَنْ يَكُون تَخْيِيرًا , وَأَنْ يَكُون لِلْقَاتِلِ الْخِيَار فِي تَكْفِيره بِقَتْلِهِ الصَّيْد وَهُوَ مُحْرِم بِأَيِّ هَذِهِ الْكَفَّارَات الثَّلَاث شَاءَ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ مَا أَوْجَبَ فِي قَتْل الصَّيْد مِنْ الْجَزَاء وَالْكَفَّارَة عُقُوبَة لِفِعْلِهِ , وَتَكْفِيرًا لِذَنْبِهِ فِي إِتْلَافه مَا أَتْلَفَ مِنْ الصَّيْد الَّذِي كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ إِتْلَافه فِي حَال إِحْرَامه , وَقَدْ كَانَ حَلَالًا لَهُ قَبْل حَال إِحْرَامه , كَمَا جَعَلَ الْفِدْيَة مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك فِي حَلْق الشَّعْر الَّذِي حَلَقَهُ الْمُحْرِم فِي حَال إِحْرَامه , وَقَدْ كَانَ لَهُ حَلْقه قَبْل حَال إِحْرَامه , ثُمَّ مُنِعَ مِنْ حَلْقه فِي حَال إِحْرَامه نَظِير الصَّيْد , ثُمَّ جَعَلَ عَلَيْهِ إِنْ حَلَقَهُ جَزَاء مِنْ حَلْقه إِيَّاهُ , فَأَجْمَعَ الْجَمِيع عَلَى أَنَّهُ فِي حَلْقه إِيَّاهُ إِذَا حَلَقَهُ مِنْ إِيذَائِهِ مُخَيَّر فِي تَكْفِيره , فَعَلَيْهِ ذَلِكَ بِأَيِّ الْكَفَّارَات الثَّلَاث شَاءَ , فَمِثْله إِنْ شَاءَ اللَّه قَاتِل الصَّيْد مِنْ الْمُحْرِمِينَ , وَأَنَّهُ مُخَيَّر فِي تَكْفِيره قَتْله الصَّيْد بِأَيِّ الْكَفَّارَات الثَّلَاث شَاءَ , لَا فَرْق بَيْن ذَلِكَ . وَمَنْ أَبَى مَا قُلْنَا فِيهِ , قِيلَ لَهُ : حُكْم اللَّه تَعَالَى عَلَى قَاتِل الصَّيْد بِالْمِثْلِ مِنْ النَّعَم , أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين ; أَوْ عَدْله صِيَامًا , كَمَا حَكَمَ عَلَى الْحَالِق بِفِدْيَةٍ مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك , فَزَعَمْت أَنَّ أَحَدهمَا مُخَيَّر فِي تَكْفِير مَا جَعَلَ مِنْهُ , عِوَض لِأَيِّ الثَّلَاث شَاءَ , وَأَنْكَرْت أَنْ يَكُون ذَلِكَ لِلْآخَرِ , فَهَلْ بَيْنك وَبَيْن مَنْ عَكَسَ عَلَيْك الْأَمْر فِي ذَلِكَ فَجَعَلَ الْخِيَار فِيهِ حَيْثُ أَبَيْت وَأَبَى حَيْثُ جَعَلْته لَهُ فَرْقٌ مِنْ أَصْل أَوْ نَظِير ؟ فَلَنْ يَقُول فِي أَحَدهمَا قَوْلًا , إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَر مِثْله . ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي صِفَة التَّقْوِيم إِذَا أَرَادَ التَّكْفِير بِالْإِطْعَامِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : يُقَوَّم الصَّيْد قِيمَته بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ , وَهُوَ قَوْل إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ , وَحَمَّاد , وَأَبِي حَنِيفَة , وَأَبِي يُوسُف , وَمُحَمَّد , وَقَدْ ذَكَرْت الرِّوَايَة عَنْ إِبْرَاهِيم وَحَمَّاد فِيمَا مَضَى بِمَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ , وَهُوَ نَصّ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ يُقَوَّم ذَلِكَ بِسِعْرِ الْأَرْض الَّتِي يُكَفِّر بِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9839 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , قَالَ فِي مُحْرِم أَصَابَ صَيْدًا بِخُرَاسَان , قَالَ : يُكَفِّر بِمَكَّة أَوْ بِمِنًى , وَقَالَ : يُقَوَّم الطَّعَام بِسِعْرِ الْأَرْض الَّتِي يُكَفِّر بِهَا . 9840 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو يَمَان , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ الشَّعْبِيّ , فِي رَجُل أَصَابَ صَيْدًا بِخُرَاسَان , قَالَ : يُحْكُم عَلَيْهِ بِمَكَّة . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا , أَنَّ قَاتِل الصَّيْد إِذَا جَزَاهُ بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَم , فَإِنَّمَا يَجْزِيه بِنَظِيرِهِ فِي خَلْق وَقَدْره فِي جِسْمه مِنْ أَقْرَب الْأَشْيَاء بِهِ شَبَهًا مِنْ الْأَنْعَام , فَإِذَا جَزَاهُ بِالْإِطْعَامِ قَوَّمَهُ قِيمَته بِمَوْضِعِهِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ هُنَالِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّكْفِير بِالْإِطْعَامِ , ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ وَإِنْ شَاءَ بِمَكَّة وَإِنْ شَاءَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاضِع حَيْثُ شَاءَ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا شَرَطَ بُلُوغ الْكَعْبَة بِالْهَدْيِ فِي قَتْل الصَّيْد دُون غَيْره مِنْ جَزَائِهِ , فَلِلْجَازِي بِغَيْرِ الْهَدْي أَنْ يَجْزِيه بِالْإِطْعَامِ وَالصَّوْم حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْأَرْض . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9841 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي عَرُوبَة , عَنْ أَبِي مَعْشَر , عَنْ إِبْرَاهِيم قَالَ : مَا كَانَ مِنْ دَم فَبِمَكَّة , وَمَا كَانَ مِنْ صَدَقَة أَوْ صَوْم حَيْثُ شَاءَ . وَقَدْ خَالَفَ ذَلِكَ مُخَالِفُونَ , فَقَالُوا : لَا يُجْزِئ الْهَدْي وَالْإِطْعَام إِلَّا بِمَكَّة , فَأَمَّا الصَّوْم فَإِنْ كَفَّرَ بِهِ يَصُوم حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْأَرْض . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9842 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ قَيْس بْن سَعْد , عَنْ عَطَاء , قَالَ : الدَّم وَالطَّعَام بِمَكَّة , وَالصِّيَام حَيْثُ شَاءَ . 9843 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ مَالِك بْن مِغْوَل , عَنْ عَطَاء , قَالَ : كَفَّارَة الْحَجّ بِمَكَّة . 9844 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : أَيْنَ يَتَصَدَّق بِالطَّعَامِ إِنْ بَدَا لَهُ ؟ قَالَ : بِمَكَّة مِنْ أَجْل أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْهَدْي , قَالَ : { فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم أَوْ هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة } مِنْ أَجْل أَنَّهُ أَصَابَهُ فِي حَرَم - يُرِيد الْبَيْت - فَجَزَاؤُهُ عِنْد الْبَيْت . فَأَمَّا الْهَدْي , فَإِنَّهُ جَرَّاء مَا قَتَلَ مِنْ الصَّيْد , فَلَنْ يُجْزِئهُ مِنْ كَفَّارَة مَا قَتَلَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُبْلِغهُ الْكَعْبَة طَيِّبًا , وَيَنْحَرهُ أَوْ يَذْبَحهُ , وَيَتَصَدَّق بِهِ عَلَى مَسَاكِين الْحَرَم . وَيَعْنِي بِالْكَعْبَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْحَرَم كُلّه , وَلِمَنْ قَدِمَ بِهَدْيِهِ الْوَاجِب مِنْ جَزَاء الصَّيْد أَنْ يَنْحَرهُ فِي كُلّ وَقْت شَاءَ قَبْل يَوْم النَّحْر وَبَعْده , وَيُطْعِمهُ ; وَكَذَلِكَ إِنْ كَفَّرَ بِالطَّعَامِ فَلَهُ أَنْ يُكَفِّر بِهِ مَتَى أَحَبَّ وَحَيْثُ أَحَبَّ , وَإِنْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ فَكَذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , خَلَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ اِخْتِلَافهمْ فِي التَّكْفِير بِالْإِطْعَامِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9845 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : { أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } هَلْ لِصِيَامِهِ وَقْت ؟ قَالَ : لَا , إِذْ شَاءَ وَحَيْثُ شَاءَ , وَتَعْجِيله أَحَبّ إِلَيَّ . 9846 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : رَجُل أَصَابَ صَيْدًا فِي الْحَجّ أَوْ الْعُمْرَة , فَأَرْسَلَ بِجَزَائِهِ إِلَى الْحَرَم فِي الْمُحَرَّم أَوْ غَيْره مِنْ الشُّهُور , أَيُجْزِئُ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ثُمَّ قَرَأَ : { هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة } قَالَ هَنَّاد : قَالَ يَحْيَى : وَبِهِ نَأْخُذ . 9847 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج وَابْن أَبِي سُلَيْم , عَنْ عَطَاء , قَالَ : إِذَا قَدِمْت مَكَّة بِجَزَاءِ صَيْد فَانْحَرْهُ , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : { هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة } إِلَّا أَنْ يَقْدَم فِي الْعَشْر , فَيُؤَخِّر إِلَى يَوْم النَّحْر . 9848 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , قَالَ : يَتَصَدَّق الَّذِي يُصِيب الصَّيْد بِمَكَّة , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : { هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : أَوْ عَلَى قَاتِل الصَّيْد مُحْرِمًا عَدْل الصَّيْد الْمَقْتُول مِنْ الصِّيَام , وَذَلِكَ أَنْ يُقَوَّم الصَّيْد حَيًّا غَيْر مُتَقَوِّل قِيمَته مِنْ الطَّعَام بِالْمَوْضِعِ الَّذِي قَتَلَهُ فِيهِ الْمُحْرِم , ثُمَّ يَصُوم مَكَان كُلّ مُدّ يَوْمًا ; وَذُكِرَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَلَ الْمُدّ مِنْ الطَّعَام بِصَوْمِ يَوْم فِي كَفَّارَة الْمُوَاقِع فِي شَهْر رَمَضَان . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَهَلَّا جَعَلْت مَكَان كُلّ صَاع فِي جَزَاء الصَّيْد صَوْم يَوْم قِيَاسًا عَلَى حُكْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَظِيره , وَذَلِكَ حُكْمه عَلَى كَعْب بْن عُجْرَة , إِذْ أَمَرَهُ أَنْ يُطْعِم إِنْ كَفَّرَ بِالْإِطْعَامِ فَرَقًا مِنْ طَعَام وَذَلِكَ ثَلَاثَة آصُع بَيْن سِتَّة مَسَاكِين , فَإِنْ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ أَنْ يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام , فَجَعَلَ الْأَيَّام الثَّلَاثَة فِي الصَّوْم عَدْلًا مِنْ إِطْعَام ثَلَاثَة آصُع , فَإِنَّ ذَلِكَ بِالْكَفَّارَةِ فِي جَزَاء الصَّيْد أَشْبَه مِنْ الْكَفَّارَة فِي قَتْل الصَّيْد بِكَفَّارَةِ الْمُوَاقِع اِمْرَأَته فِي شَهْر رَمَضَان ؟ قِيلَ : إِنَّ الْقِيَاس إِنَّمَا هُوَ رَدّ الْفُرُوع الْمُخْتَلِف فِيهَا إِلَى نَظَائِرهَا مِنْ الْأُصُول الْمُجْمَع عَلَيْهَا , وَلَا خِلَاف بَيْن الْجَمِيع مِنْ الْحُجَّة , أَنَّهُ لَا يُجْزِئ مُكَفِّرًا كَفَّرَ فِي قَتْل الصَّيْد بِالصَّوْمِ , أَنْ يَعْدِل صَوْم يَوْم بِصَاعِ طَعَام . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ غَيْر جَائِز خِلَافهَا فِيمَا حَدَثَ بِهِ مِنْ الدِّين مُجْمِعَة عَلَيْهِ صَحَّ بِذَلِكَ أَنَّ حُكْم مُعَادَلَة الصَّوْم الطَّعَام فِي قَتْل الصَّيْد مُخَالِف حُكْم مُعَادَلَته إِيَّاهُ فِي كَفَّارَة الْحَلْق , إِذَا كَانَ غَيْر جَائِز , وَدَاخِل عَلَى آخَر قِيَاسًا ; وَإِنَّمَا يَجُوز أَنْ يُقَاسَ الْفَرْع عَلَى الْأَصْل , وَسَوَاء قَالَ قَائِل : هَلَّا رَدَدْت حُكْم الصَّوْم فِي كَفَّارَة قَتْل الصَّيْد عَلَى حُكْمه فِي حَلْق الْأَذَى فِيمَا يَعْدِل بِهِ مِنْ الطَّعَام ; وَآخَر قَالَ : هَلَّا رَدَدْت حُكْم الصَّوْم فِي الْحَلْق عَلَى حُكْمه فِي كَفَّارَة قَتْل الصَّيْد فِيمَا يُعْدَل بِهِ مِنْ الطَّعَام , فَتُوجِب عَلَيْهِ مَكَان كُلّ مُدّ , أَوْ مَكَان كُلّ نِصْف صَاع صَوْم يَوْم . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ الْعَدْل فِي كَلَام الْعَرَب بِالْفَتْحِ , وَهُوَ قَدْر الشَّيْء مِنْ غَيْر جِنْسه , وَأَنَّ الْعَدْل هُوَ قَدْره مِنْ جِنْسه . وَقَدْ كَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب يَقُول : الْعَدْل مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : عَدَلْت بِهَذَا عَدْلًا حَسَنًا . قَالَ : وَالْعَدْل أَيْضًا بِالْفَتْحِ : الْمِثْل , وَلَكِنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْن الْعَدْل فِي هَذَا وَبَيْن عِدْل الْمَتَاع , بِأَنْ كَسَرُوا الْعَيْن مِنْ عِدْل الْمَتَاع , وَفَتَحُوهَا مِنْ قَوْلهمْ : { وَلَا يُقْبَل مِنْهَا عَدْلٌ } وَقَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } كَمَا قَالُوا : اِمْرَأَة رَزَان , وَحَجَر رَزِين . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْعَدْل : هُوَ الْقِسْط فِي الْحَقّ , وَالْعِدْل بِالْكَسْرِ : الْمِثْل , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِد فِيمَا مَضَى . وَأَمَّا نَصْب " الصِّيَام " فَإِنَّهُ عَلَى التَّفْسِير كَمَا يُقَال عِنْدِي مِلْء زِقّ سَمْنًا , وَقَدْر رِطْل عَسَلًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9849 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : مَا عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا ؟ قَالَ : عَدْل الطَّعَام مِنْ الصِّيَام . قَالَ : لِكُلٍّ يَوْمًا يُؤْخَذ زَعَمَ بِصِيَامِ رَمَضَان وَبِالظِّهَارِ . وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ رَأْي يَرَاهُ وَلَمْ يَسْمَعهُ مِنْ أَحَد , وَلَمْ تَمْضِ بِهِ سُنَّة . قَالَ : ثُمَّ عَاوَدْته بَعْد ذَلِكَ بِحِينٍ , قُلْت : مَا عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا ؟ قَالَ : إِنْ أَصَابَ مَا عَدْله شَاة , قُوِّمَتْ طَعَامًا ثُمَّ صَامَ مَكَان كُلّ مُدّ يَوْمًا . قَالَ : وَلَمْ أَسْأَلهُ : هَذَا رَأْي أَوْ سُنَّة مَسْنُونَة ؟ 9850 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } قَالَ : بِصَوْمِ ثَلَاثَة أَيَّام , إِلَى عَشَرَة أَيَّام . 9851 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ حَمَّاد : { أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } مِنْ الْجَزَاء إِذَا لَمْ يَجِد مَا يَشْتَرِي بِهِ هَدْيًا أَوْ مَا يَتَصَدَّق بِهِ مِمَّا لَا يَبْلُغ ثَمَن هَدْي , حُكِمَ عَلَيْهِ الصِّيَام مَكَان كُلّ نِصْف صَاع يَوْمًا . 9852 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا } قَالَ : إِذْ قَتَلَ الْمُحْرِم شَيْئًا مِنْ الصَّيْد حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ , فَإِنْ قَتَلَ ظَبْيًا أَوْ نَحْوه فَعَلَيْهِ شَاة تُذْبَح بِمَكَّة , فَإِنْ لَمْ يَجِد فَإِطْعَام سِتَّة مَسَاكِين , فَإِنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام . وَإِنْ قَتَلَ أَيِّلًا أَوْ نَحْوه فَعَلَيْهِ بَقَرَة , فَإِنْ لَمْ يَجِد أَطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا , فَإِنْ لَمْ يَجِد صَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا وَإِنْ قَتَلَ نَعَامَة أَوْ حِمَار وَحْش أَوْ نَحْوه , فَعَلَيْهِ بَدَنَة مِنْ الْإِبِل , فَإِنْ لَمْ يَجِد أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا , فَإِنْ لَمْ يَجِد صَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا , وَالطَّعَام مُدّ مُدّ يُشْبِعهُمْ . 9853 - حَدَّثَنَا اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة , عَنْ سَعِيد , الْمُحْرِم يُصِيب الصَّيْد فَيَكُون عَلَيْهِ الْفِدْيَة شَاة , أَوْ الْبَقَرَة أَوْ الْبَدَنَة , فَإِنْ لَمْ يَجِد فَمَا عَدْل ذَلِكَ مِنْ الصِّيَام أَوْ الصَّدَقَة ؟ قَالَ : ثَمَن ذَلِكَ ; فَإِنْ لَمْ يَجِد ثَمَنه قُوِّمَ ثَمَنُهُ طَعَامًا يَتَصَدَّق بِهِ لِكُلِّ مِسْكِين مُدّ , ثُمَّ يَصُوم لِكُلِّ مُدّ يَوْمًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لِيَذُوقَ وَبَال أَمْره } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَوْجَبْت عَلَى قَاتِل الصَّيْد مُحْرِمًا مَا أَوْجَبْت مِنْ الْحَقّ أَوْ الْكَفَّارَة الَّذِي ذَكَرْت فِي هَذِهِ الْآيَة , كَيْ يَذُوق وَبَال أَمْره وَعَذَابه , يَعْنِي " بِأَمْرِهِ " : ذَنْبه وَفِعْله الَّذِي فَعَلَهُ مِنْ قَتْلِهِ مَا نَهَاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ قَتْلِهِ فِي حَال إِحْرَامه يَقُول : فَأَلْزَمْتُهُ الْكَفَّارَة الَّتِي أَلْزَمْتُهُ إِيَّاهَا , لِأُذِيقَهُ عُقُوبَة ذَنْبه بِإِلْزَامِهِ الْغَرَامَة , وَالْعَمَل بِبَدَنِهِ مِمَّا يُتْعِبهُ وَيَشُقّ عَلَيْهِ . وَأَصْل الْوَبَال : الشِّدَّة فِي الْمَكْرُوه . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه : { فَعَصَى فِرْعَوْن الرَّسُول فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا } وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : { لِيَذُوقَ وَبَال أَمْرِهِ } أَنَّ الْكَفَّارَات اللَّازِمَة فِي الْأَمْوَال وَالْأَبْدَانِ عُقُوبَات مِنْهُ لِخَلْقِهِ , وَإِنْ كَانَتْ تَمْحِيصًا لَهُمْ , وَكَفَّارَة لِذُنُوبِهِمْ الَّتِي كَفَّرُوهَا بِهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9854 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا وَبَال أَمْرِهِ , فَعُقُوبَة أَمْره . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَفَا اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَمَّا سَلَفَ مِنْكُمْ فِي جَاهِلِيَّتكُمْ مِنْ إِصَابَتكُمْ الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم وَقَتْلكُمُوهُ , فَلَا يُؤَاخِذكُمْ بِمَا كَانَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ قَبْل تَحْرِيمه إِيَّاهُ عَلَيْكُمْ , وَلَا يَلْزَمكُمْ لَهُ كَفَّارَة فِي مَال وَلَا نَفْس , وَلَكِنْ مَنْ عَادَ مِنْكُمْ لِقَتْلِهِ وَهُوَ مُحْرِم بَعْد تَحْرِيمه بِالْمَعْنَى الَّذِي يَقْتُلهُ فِي حَال كُفْره وَقَبْل تَحْرِيمه عَلَيْهِ مِنْ اِسْتِحْلَاله قَتْله , فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي مَعْنَاهُ : مَنْ عَادَ لِقَتْلِهِ بَعْد تَحْرِيمه فِي الْإِسْلَام فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ فِي الْآخِرَة , فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْ الْجَزَاء وَالْكَفَّارَة فِيهَا مَا بَيَّنْت . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضهمْ نَحْو الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9855 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : مَا { عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَفَ } ؟ قَالَ : عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة , قَالَ : قُلْت : وَمَا { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ } ؟ قَالَ : مَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَام , فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ , وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْكَفَّارَة . 9856 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ , فَذَكَرَ نَحْوه , وَزَادَ فِيهِ , وَقَالَ : وَإِنْ عَادَ فَقَتَلَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَة . قُلْت : هَلْ فِي الْعَوْد مِنْ حَدّ يُعْلَم ؟ قَالَ : لَا , قُلْت : فَتَرَى حَقًّا عَلَى الْإِمَام أَنْ يُعَاقِبهُ ؟ قَالَ : هُوَ ذَنْب أَذْنَبه فِيمَا بَيْنه وَبَيْن اللَّه , وَلَكِنْ يَفْتَدِي . * - حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بَكْر , وَأَبُو خَالِد , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ } قَالَ : فِي الْإِسْلَام , وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْكَفَّارَة , قُلْت : عَلَيْهِ مِنْ الْإِمَام عُقُوبَة ؟ قَالَ : لَا . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء : { عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَفَ } عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة , { وَمَنْ عَادَ } قَالَ : فِي الْإِسْلَام , { فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ } وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَة . قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : فَعَلَيْهِ مِنْ الْإِمَام عُقُوبَة ؟ قَالَ : لَا . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , قَالَ : يُحْكَم عَلَيْهِ فِي الْخَطَإِ وَالْعَمْد وَالنِّسْيَان ; وَكُلَّمَا أَصَابَ ; قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَف } قَالَ : مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة , { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ } مَعَ الْكَفَّارَة . قَالَ سُفْيَان : قَالَ اِبْن جُرَيْج : فَقُلْت : أَيُعَاقِبُهُ السُّلْطَان ؟ قَالَ : لَا . 9857 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بَكْر وَأَبُو خَالِد , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : { عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَف } ؟ قَالَ : عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة . 9858 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ أَبِي بِشْر , عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح , أَنَّهُ قَالَ : يُحْكَم عَلَيْهِ كُلَّمَا عَادَ . 9859 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كُلَّمَا أَصَابَ الْمُحْرِم الصَّيْد نَاسِيًا حُكِمَ عَلَيْهِ . 9860 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة الْيَرْبُوعِيّ , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن عِيَاض , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : كُلَّمَا أَصَابَ الصَّيْدَ الْمُحْرِمُ حُكِمَ عَلَيْهِ . * - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ عَطَاء , قَالَ : مَنْ قَتَلَ الصَّيْد ثُمَّ عَادَ حُكِمَ عَلَيْهِ . 9861 - حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : يُحْكَمُ عَلَيْهِ فَيَخْلَع , أَوْ يَتْرُك . 9862 - حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : الَّذِي يُصِيب الصَّيْد وَهُوَ مُحْرِم فَيُحْكَم عَلَيْهِ ثُمَّ يَعُود ؟ قَالَ : يُحْكَم عَلَيْهِ . 9863 - حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا كَثِير بْن هِشَام , قَالَ : ثنا الْفُرَات بْن سَلْمَان , عَنْ عَبْد الْكَرِيم , عَنْ عَطَاء , قَالَ : يُحْكَم عَلَيْهِ كُلَّمَا عَادَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَف مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّة , وَمَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَام فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ بِإِلْزَامِهِ الْكَفَّارَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9864 - حَدَّثَنِي اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ زُهَيْر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعَطَاء , فِي قَوْله اللَّه تَعَالَى : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ } قَالَا : يَنْتَقِم اللَّه , يَعْنِي بِالْجَزَاءِ . { عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَفَ } فِي الْجَاهِلِيَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : فِي ذَلِكَ : عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَف مِنْ قَتْل مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ الصَّيْد حَرَامًا فِي أَوَّل مَرَّة , وَمَنْ عَادَ ثَانِيَة لِقَتْلِهِ بَعْد أُولَى حَرَامًا , فَاَللَّه وَلِيّ الِانْتِقَام مِنْهُ دُون كَفَّارَة تَلْزَمهُ لِقَتْلِهِ إِيَّاهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9865 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : مَنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنْ الصَّيْد خَطَأ وَهُوَ مُحْرِم , حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ مَرَّة وَاحِدَة , فَإِنْ عَادَ يُقَال لَهُ : يَنْتَقِم اللَّه مِنْك , كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . 9866 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن طَلْحَة الْيَرْبُوعِيّ , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن عِيَاض , عَنْ هِشَام , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ . إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِم الصَّيْد حُكِمَ عَلَيْهِ , فَإِنْ عَادَ لَمْ يُحْكَم عَلَيْهِ , وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ . ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ وَاَللَّهُ عَزِيز ذُو اِنْتِقَام } . 9867 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر , قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى شُرَيْح , فَقَالَ : إِنِّي أَصَبْت صَيْدًا وَأَنَا مُحْرِم . فَقَالَ : هَلْ أَصَبْت قَبْل ذَلِكَ شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : لَوْ قُلْت نَعَمْ وَكَلْتُك إِلَى اللَّه , يَكُون هُوَ يَنْتَقِم مِنْك , إِنَّهُ عَزِيز ذُو اِنْتِقَام ! قَالَ دَاوُد : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْن جُبَيْر , فَقَالَ : بَلْ يَحْكُم عَلَيْهِ , أَوْ يَخْلَع . 9868 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب وَعَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَا : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : إِذَا أَصَابَ الرَّجُل الصَّيْد وَهُوَ مُحْرِم , وَقِيلَ لَهُ أَصَبْت صَيْدًا مِثْل هَذَا ؟ قَالَ : فَإِنْ قَالَ : نَعَمْ , قِيلَ لَهُ : اِذْهَبْ , فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْك ! وَإِنْ قَالَ لَا , حَكَمَ عَلَيْهِ . 9869 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ شُعْبَة , عَنْ سُلَيْمَان , عَنْ إِبْرَاهِيم فِي الَّذِي يَقْتُل الصَّيْد , ثُمَّ يَعُود , قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ : مَنْ عَادَ لَا يُحْكَم عَلَيْهِ , أَمْره إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . * - حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ الشَّعْبِيّ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى شُرَيْحًا , فَقَالَ : أَصَبْت صَيْدًا . قَالَ : أَصَبْت قَبْله صَيْدًا ؟ قَالَ : لَا , قَالَ : أَمَا إِنَّك لَوْ قُلْت نَعَمْ , لَمْ أَحْكُم عَلَيْك . * - حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي عَدِيّ , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ الشَّعْبِيّ , عَنْ شُرَيْح , مِثْله . * - حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ الْأَشْعَث , عَنْ مُحَمَّد , عَنْ شُرَيْح فِي الَّذِي يُصِيب الصَّيْد , قَالَ : يُحْكَم عَلَيْهِ , فَإِنْ عَادَ اِنْتَقَمَ اللَّه مِنْهُ . 9870 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام بْن سَلْم , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ } قَالَ : يُحْكَم عَلَيْهِ فِي الْعَمْد مَرَّة وَاحِدَة , فَإِنْ عَادَ لَمْ يُحْكَم عَلَيْهِ وَقِيلَ لَهُ : اِذْهَبْ يَنْتَقِم اللَّه مِنْك , وَيُحْكَم عَلَيْهِ فِي الْخَطَأ أَبَدًا . 9871 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ خُصَيْف , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : رَخَّصَ فِي قَتْل الصَّيْد مَرَّة , فَمَنْ عَادَ لَمْ يَدَعهُ اللَّه تَعَالَى حَتَّى يَنْتَقِم مِنْهُ . * - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ خُصَيْف , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , مِثْله . * - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد وَابْن أَبِي عَدِيّ جَمِيعًا , عَنْ هِشَام , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِيمَنْ أَصَابَ صَيْدًا , فَحُكِمَ عَلَيْهِ , ثُمَّ أَعَادَ , قَالَ : لَا يُحْكَم , يَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ . 9872 - حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : إِنَّمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } يَقُول : مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ , فَذَلِكَ الَّذِي يُحْكَم عَلَيْهِ , فَإِنْ عَادَ لَا يُحْكَم عَلَيْهِ , وَقِيلَ لَهُ : يَنْتَقِم اللَّه مِنْك . * - حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا كَثِير بْن هِشَام , قَالَ : ثنا الْفُرَات بْن سَلْمَان , عَنْ عَبْد الْكَرِيم , عَنْ مُجَاهِد : إِنْ عَادَ لَمْ يُحْكَم عَلَيْهِ , وَقِيلَ لَهُ : يَنْتَقِم اللَّه مِنْك . 9873 - حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا الْأَشْعَث , عَنْ الْحَسَن . فِي الَّذِي يُصِيب الصَّيْد , فَيُحْكَم عَلَيْهِ ثُمَّ يَعُود , قَالَ : لَا يُحْكَم عَلَيْهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَفَ مِنْ قَتْلكُمْ الصَّيْد قَبْل تَحْرِيم اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ عَلَيْكُمْ , وَمَنْ عَادَ لِقَتْلِهِ بَعْد تَحْرِيم اللَّه إِيَّاهُ عَلَيْهِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ , عَامِدًا لِقَتْلِهِ , ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ , فَإِنَّ اللَّه هُوَ الْمُنْتَقِم مِنْهُ , وَلَا كَفَّارَة لِذَنْبِهِ ذَلِكَ , وَلَا جَزَاء يَلْزَمهُ لَهُ فِي الدُّنْيَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9874 - حَدَّثَنَا يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ } قَالَ : مَنْ عَادَ بَعْد نَهْي اللَّه بَعْد أَنْ يَعْرِف أَنَّهُ مُحْرِم وَأَنَّهُ ذَاكِر لِحُرْمِهِ لَمْ يَنْبَغِ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُم عَلَيْهِ , وَوَكَلُوهُ إِلَى نِقْمَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . فَأَمَّا الَّذِي يَتَعَمَّد قَتْل الصَّيْد وَهُوَ نَاسٍ لِحُرْمِهِ , أَوْ جَاهِل أَنَّ قَتْله مُحَرَّم , فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحْكَم عَلَيْهِمْ . فَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا بَعْد نَهْي اللَّه وَهُوَ يَعْرِف أَنَّهُ مُحْرِم وَأَنَّهُ حَرَام , فَذَلِكَ يُوَكَّل إِلَى نِقْمَة اللَّه , فَذَلِكَ الَّذِي جَعَلَ اللَّه عَلَيْهِ النِّقْمَة . وَهَذَا شَبِيه بِقَوْلِ مُجَاهِد الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ شَخْص بِعَيْنِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9875 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا زَيْد أَبُو الْمُعَلَّى : أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِم , فَتُجُوِّزَ لَهُ عَنْهُ . ثُمَّ عَادَ , فَأَرْسَلَ اللَّه عَلَيْهِ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُ , فَذَلِكَ قَوْله : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ } قَالَ : فِي الْإِسْلَام 34 . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدنَا , قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : وَمَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَام لِقَتْلِهِ بَعْد نَهْي اللَّه تَعَالَى عَنْهُ , فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ , وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْكَفَّارَة ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَنْتَقِم مِنْهُ لَمْ يُخْبِرنَا , وَقَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِي قَتْله الصَّيْد عَمْدًا مَا أَوْجَبَ مِنْ الْجَزَاء أَوْ الْكَفَّارَة بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم } أَنَّهُ قَدْ أَزَالَ عَنْهُ الْكَفَّارَة فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة , بَلْ أَعْلَمَ عِبَاده مَا أَوْجَبَ مِنْ الْحُكْم عَلَى قَاتِل الصَّيْد مِنْ الْمُحْرِمِينَ عَمْدًا , ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ مُنْتَقِم مِمَّنْ عَادَ , وَلَمْ يَقُلْ : وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا . فَإِنْ ظَنَّ ظَانّ أَنَّ الْكَفَّارَة مُزِيلَة لِلْعِقَابِ , وَلَوْ كَانَتْ الْكَفَّارَة لَازِمَة لَهُ فِي الدُّنْيَا لَبَطَلَ الْعِقَاب فِي الْآخِرَة , فَقَدْ ظَنَّ خَطَأ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُخَالِف بَيْن عُقُوبَات مَعَاصِيه بِمَا شَاءَ , وَأَحَبَّ فَيَزِيد فِي عُقُوبَته عَلَى بَعْض مَعَاصِيه مِمَّا يَنْقُص مِنْ بَعْض , وَيَنْقُص مِنْ بَعْض مِمَّا يَزِيد فِي بَعْض , كَاَلَّذِي فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي مُخَالَفَته بَيْن عُقُوبَته الزَّانِي الْبِكْر وَالزَّانِي الثَّيِّب الْمُحْصَن , وَبَيْن سَارِق رُبُع دِينَار وَبَيْن سَارِق أَقَلّ مِنْ ذَلِكَ ; فَكَذَلِكَ خَالَفَ بَيْن عُقُوبَته قَاتِل الصَّيْد مِنْ الْمُحْرِمِينَ عَمْدًا اِبْتِدَاء وَبَيْن عُقُوبَته عَوْدًا بَعْد بَدْء , فَأَوْجَبَ عَلَى الْبَادِئ الْمِثْل مِنْ النَّعَم , أَوْ الْكَفَّارَة بِالْإِطْعَامِ , أَوْ الْعَدْل مِنْ الصِّيَام , وَجَعَلَ ذَلِكَ عُقُوبَة جُرْمه بِقَوْلِهِ : { لِيَذُوقَ وَبَال أَمْره } وَجَعَلَ عَلَى الْعَائِد بَعْد الْبَدْء , وَزَادَهُ مِنْ عُقُوبَته مَا أَخْبَرَ عِبَاده أَنَّهُ فَاعِل مِنْ الِانْتِقَام تَغْلِيظًا مِنْهُ لِلْعَوْدِ بَعْد الْبَدْء . وَلَوْ كَانَتْ عُقُوبَاته عَلَى الْأَشْيَاء مُتَّفِقَة , لَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُون حَدّ فِي شَيْء مُخَالِفًا حَدًّا فِي غَيْره , وَلَا عِقَاب فِي الْآخِرَة أَغْلَظ مِنْ عِقَاب , وَذَلِكَ خِلَاف مَا جَاءَ بِهِ مُحْكَم الْفُرْقَان . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض الزَّاعِمِينَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَام بَعْد نَهْي اللَّه عَنْ قَتْله لِقَتْلِهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي كَانَ الْقَوْم يَقْتُلُونَهُ فِي جَاهِلِيَّتهمْ , فَعَفَا لَهُمْ عَنْهُ عِنْد تَحْرِيم قَتْله عَلَيْهِمْ , وَذَلِكَ قَتْله عَلَى اِسْتِحْلَال قَتْله . قَالَ : فَأَمَّا إِذَا قَتَلَهُ عَلَى غَيْر ذَلِكَ الْوَجْه , وَذَلِكَ أَنْ يَقْتُلهُ عَلَى وَجْه الْفُسُوق لَا عَلَى وَجْه الِاسْتِحْلَال , فَعَلَيْهِ الْجَزَاء وَالْكَفَّارَة كُلَّمَا عَادَ . وَهَذَا قَوْل لَا نَعْلَم قَائِلًا قَالَهُ مِنْ أَهْل التَّأْوِيل , وَكَفَى خَطَأ بِقَوْلِهِ خُرُوجه عَنْ أَقْوَال أَهْل الْعِلْم لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى خَطَئِهِ دَلَالَة سِوَاهُ , فَكَيْفَ وَظَاهِر التَّنْزِيل يُنْبِئ عَنْ فَسَاده ؟ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَمَّ بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ } كُلّ عَائِد لِقَتْلِ الصَّيْد بِالْمَعْنَى الَّذِي تَقَدَّمَ النَّهْي مِنْهُ بِهِ فِي أَوَّل الْآيَة , وَلَمْ يَخُصّ بِهِ عَائِدًا مِنْهُمْ دُون عَائِد , فَمَنْ اِدَّعَى فِي التَّنْزِيل مَا لَيْسَ فِي ظَاهِره كُلِّفَ الْبُرْهَان عَلَى دَعْوَاهُ مِنْ الْوَجْه الَّذِي يَجِب التَّسْلِيم لَهُ . وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ عَادَ فِي قَتْله مُتَعَمِّدًا بَعْد بَدْء لِقَتْلٍ تَقَدَّمَ مِنْهُ فِي حَال إِحْرَامه فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ , فَإِنَّ مَعْنَى قَوْله : { عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَفَ } إِنَّمَا هُوَ : عَفَا اللَّه عَمَّا سَلَفَ مِنْ ذَنْبه بِقَتْلِهِ الصَّيْد بَدْءًا , فَإِنَّ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { لِيَذُوقَ وَبَال أَمْره } دَلِيلًا وَاضِحًا عَلَى أَنَّ الْقَوْل فِي ذَلِكَ غَيْر مَا قَالَ ; لِأَنَّ الْعَفْو عَنْ الْجُرْم تَرْك الْمُؤَاخَذَة بِهِ , وَمَنْ أُذِيقَ وَبَال جُرْمه فَقَدْ عُوقِبَ بِهِ , وَغَيْر جَائِز أَنْ يُقَال لِمَنْ عُوقِبَ قَدْ عُفِيَ عَنْهُ , وَخَبَر اللَّه أَصْدَق مِنْ أَنْ يَقَع فِيهِ تَنَاقُض . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا يُنْكِر أَنْ يَكُون قَاتِل الصَّيْد مِنْ الْمُحْرِمِينَ فِي أَوَّل مَرَّة قَدْ أُذِيقَ وَبَال أَمْره بِمَا أُلْزِمَ مِنْ الْجَزَاء وَالْكَفَّارَة , وَعُفِيَ لَهُ مِنْ الْعُقُوبَة بِأَكْثَر مِنْ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُعَاقِبهُ بِهِ ؟ قِيلَ لَهُ : فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا أَنْ يَكُون تَأْوِيل الْآيَة عِنْدك وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ أَهْل التَّأْوِيل , فَمَا يُنْكِر أَنْ يَكُون الِانْتِقَام الَّذِي أَوْعَدَهُ اللَّه عَلَى الْعَوْد بَعْد الْبَدْء , هُوَ تِلْكَ الزِّيَادَة الَّتِي عَفَاهَا عَنْهُ فِي أَوَّل مَرَّة مِمَّا كَانَ لَهُ فِعْله بِهِ مَعَ الَّذِي أَذَاقَهُ مِنْ وَبَال أَمْره , فَيُذِيقهُ فِي عَوْده بَعْد الْبَدْء وَبَال أَمْره الَّذِي أَذَاقَهُ الْمَرَّة الْأُولَى , وَيَتْرُك عَفْوه عَمَّا عَفَا عَنْهُ فِي الْبَدْء , فَيُؤَاخِذهُ بِهِ ؟ فَلَمْ يَقُلْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَر مِثْله . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه عَزِيز ذُو اِنْتِقَام } يَقُول عَزَّ وَجَلَّ : وَاَللَّه مَنِيع فِي سُلْطَانه , لَا يَقْهَرهُ قَاهِر , وَلَا يَمْنَعهُ مِنْ الِانْتِقَام مِمَّنْ اِنْتَقَمَ مِنْهُ , وَلَا مِنْ عُقُوبَة مَنْ أَرَادَ عُقُوبَته مَانِع , لِأَنَّ الْخَلْق خَلْقه , وَالْأَمْر أَمْره , لَهُ الْعِزَّة وَالْمَنَعَة . وَأَمَّا قَوْله : { ذُو اِنْتِقَام } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : مُعَاقَبَته لِمَنْ عَصَاهُ عَلَى مَعْصِيَته إِيَّاهُ .

تفسير القرطبي

هَذَا خِطَاب عَامّ لِكُلِّ مُسْلِم ذَكَر وَأُنْثَى , وَهَذَا النَّهْي هُوَ الِابْتِلَاء الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّه بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْد " الْآيَة , وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا الْيَسَر وَاسْمه عَمْرو بْن مَالِك الْأَنْصَارِيّ كَانَ مُحْرِمًا عَام الْحُدَيْبِيَة بِعُمْرَةٍ فَقَتَلَ حِمَار وَحْش فَنَزَلَتْ فِيهِ " لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم " . الْقَتْل هُوَ كُلّ فِعْل يُفِيت الرُّوح , وَهُوَ أَنْوَاع : مِنْهَا النَّحْر وَالذَّبْح وَالْخَنْق وَالرَّضْخ وَشِبْهه ; فَحَرَّمَ اللَّه تَعَالَى عَلَى الْمُحْرِم فِي الصَّيْد كُلّ فِعْل يَكُون مُفِيتًا لِلرُّوحِ . الثَّالِثَة مَنْ قَتَلَ صَيْدًا أَوْ ذَبَحَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ جَزَاء وَاحِد لِقَتْلِهِ دُون أَكْله ; وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : عَلَيْهِ جَزَاء مَا أَكَلَ ; يَعْنِي قِيمَته , وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَا : لَا شَيْء عَلَيْهِ سِوَى الِاسْتِغْفَار ; لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ الْمَيْتَة كَمَا لَوْ تَنَاوَلَ مَيْتَة أُخْرَى ; وَلِهَذَا لَوْ أَكَلَهَا مُحْرِم آخَر لَا يَلْزَمهُ إِلَّا الِاسْتِغْفَار , وَحُجَّة أَبِي حَنِيفَة أَنَّهُ تَنَاوَلَ مَحْظُور إِحْرَامه ; لِأَنَّ قَتْله كَانَ مِنْ مَحْظُورَات الْإِحْرَام , وَمَعْلُوم أَنَّ الْمَقْصُود مِنْ الْقَتْل هُوَ التَّنَاوُل , فَإِذَا كَانَ مَا يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْمَقْصُود - مَحْظُور إِحْرَامه - مُوجِبًا عَلَيْهِ الْجَزَاء فَمَا هُوَ الْمَقْصُود كَانَ أَوْلَى . لَا يَجُوز عِنْدنَا ذَبْح الْمُحْرِم لِلصَّيْدِ , لِنَهْيِ اللَّه سُبْحَانه الْمُحْرِم عَنْ قَتْله ; وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : ذَبْح الْمُحْرِم لِلصَّيْدِ ذَكَاة ; وَتَعَلَّقَ بِأَنَّهُ ذَبْح صَدَرَ مِنْ أَهْله وَهُوَ الْمُسْلِم , مُضَاف إِلَى مَحَلّه وَهُوَ الْأَنْعَام ; فَأَفَادَ مَقْصُوده مِنْ حِلّ الْأَكْل ; أَصْله ذَبْح الْحَلَال . قُلْنَا : قَوْلكُمْ ذَبْح صَدَرَ مِنْ أَهْله فَالْمُحْرِم لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَبْحِ الصَّيْد ; إِذْ الْأَهْلِيَّة لَا تُسْتَفَاد عَقْلًا , وَإِنَّمَا يُفِيدهَا الشَّرْع ; وَذَلِكَ بِإِذْنِهِ فِي الذَّبْح , أَوْ بِنَفْيِهَا وَذَلِكَ بِنَهْيِهِ عَنْ الذَّبْح , وَالْمُحْرِم مَنْهِيّ عَنْ ذَبْح الصَّيْد ; لِقَوْلِهِ : " لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد " فَقَدْ اِنْتَفَتْ الْأَهْلِيَّة بِالنَّهْيِ , وَقَوْلكُمْ أَفَادَ مَقْصُوده فَقَدْ اِتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الْمُحْرِم إِذَا ذَبَحَ الصَّيْد لَا يَحِلّ لَهُ أَكْله , وَإِنَّمَا يَأْكُل مِنْهُ غَيْره عِنْدكُمْ ; فَإِذَا كَانَ الذَّبْح لَا يُفِيد الْحِلّ لِلذَّابِحِ فَأَوْلَى وَأَحْرَى أَلَّا يُفِيدهُ لِغَيْرِهِ , لِأَنَّ الْفَرْع تَبَع لِلْأَصْلِ فِي أَحْكَامه ; فَلَا يَصِحّ أَنْ يَثْبُت لَهُ مَا لَا يَثْبُت لِأَصْلِهِ . " الصَّيْد " مَصْدَر عُومِلَ مُعَامَلَة الْأَسْمَاء , فَأُوقِعَ عَلَى الْحَيَوَان الْمَصِيد ; وَلَفْظ الصَّيْد هُنَا عَامّ فِي كُلّ صَيْد بَرِّيّ وَبَحْرِيّ حَتَّى جَاءَ قَوْله تَعَالَى : " وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْد الْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا " [ الْمَائِدَة : 96 ] فَأَبَاحَ صَيْد الْبَحْر إِبَاحَة مُطْلَقَة ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي الْآيَة بَعْد هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي خُرُوج السِّبَاع مِنْ صَيْد الْبَرّ وَتَخْصِيصهَا مِنْهُ ; فَقَالَ مَالِك : كُلّ شَيْء لَا يَعْدُو مِنْ السِّبَاع مِثْل الْهِرّ وَالثَّعْلَب وَالضَّبْع وَمَا أَشْبَهَهَا فَلَا يَقْتُلهُ الْمُحْرِم , وَإِنْ قَتَلَهُ فَدَاهُ . قَالَ : وَصِغَار الذِّئَاب لَا أَرَى أَنْ يَقْتُلهَا الْمُحْرِم , فَإِنْ قَتَلَهَا فَدَاهَا ; وَهِيَ مِثْل فِرَاخ الْغِرْبَان , وَلَا بَأْس بِقَتْلِ كُلّ مَا عَدَا عَلَى النَّاس فِي الْأَغْلَب ; مِثْل الْأَسَد وَالذِّئْب وَالنَّمِر وَالْفَهْد ; وَكَذَلِكَ لَا بَأْس عَلَيْهِ بِقَتْلِ الْحَيَّات وَالْعَقَارِب وَالْفَأْرَة وَالْغُرَاب وَالْحِدَأَة . قَالَ إِسْمَاعِيل : إِنَّمَا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( خَمْس فَوَاسِق يُقْتَلْنَ فِي الْحِلّ وَالْحَرَم ) الْحَدِيث ; فَسَمَّاهُنَّ فُسَّاقًا ; وَوَصَفَهُنَّ بِأَفْعَالِهِنَّ ; لِأَنَّ الْفَاسِق فَاعِل لِلْفِسْقِ , وَالصِّغَار لَا فِعْل لَهُنَّ , وَوَصَفَ الْكَلْب بِالْعَقُورِ وَأَوْلَاده لَا تَعْقِر ; فَلَا تَدْخُل فِي هَذَا النَّعْت . قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيل : الْكَلْب الْعَقُور مِمَّا يَعْظُم ضَرَره عَلَى النَّاس . قَالَ : وَمِنْ ذَلِكَ الْحَيَّة وَالْعَقْرَب ; لِأَنَّهُ يُخَاف مِنْهُمَا , وَكَذَلِكَ الْحِدَأَة وَالْغُرَاب ; لِأَنَّهُمَا يَخْطَفَانِ اللَّحْم مِنْ أَيْدِي النَّاس . قَالَ اِبْن بُكَيْر : إِنَّمَا أُذِنَ فِي قَتْل الْعَقْرَب لِأَنَّهَا ذَات حُمَة ; وَفِي الْفَأْرَة لِقَرْضِهَا السِّقَاء وَالْحِذَاء اللَّذَيْنِ بِهِمَا قِوَام الْمُسَافِر , وَفِي الْغُرَاب لِوُقُوعِهِ عَلَى الظَّهْر وَنَقْبه عَنْ لُحُومهَا ; وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ قَالَ : لَا يُقْتَل الْغُرَاب وَلَا الْحِدَأَة إِلَّا أَنْ يَضُرَّا . قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيل : وَاخْتُلِفَ فِي الزُّنْبُور ; فَشَبَّهَهُ بَعْضهمْ بِالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَب , قَالَ : وَلَوْلَا أَنَّ الزُّنْبُور لَا يَبْتَدِئ لَكَانَ أَغْلَظ عَلَى النَّاس مِنْ الْحَيَّة وَالْعَقْرَب , وَلَكِنَّهُ لَيْسَ فِي طَبْعه مِنْ الْعَدَاء مَا فِي الْحَيَّة وَالْعَقْرَب , وَإِنَّمَا يَحْمَى الزُّنْبُور إِذَا أُوذِيَ . قَالَ : فَإِذَا عَرَضَ الزُّنْبُور لِأَحَدٍ فَدَفَعَهُ عَنْ نَفْسه لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْء فِي قَتْله ; وَثَبَتَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب إِبَاحَة قَتْل الزُّنْبُور , وَقَالَ مَالِك : يُطْعِم قَاتِله شَيْئًا ; وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِك فِيمَنْ قَتَلَ الْبُرْغُوث وَالذُّبَاب وَالنَّمْل وَنَحْوه , وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي : لَا شَيْء عَلَى قَاتِل هَذِهِ كُلّهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يَقْتُل الْمُحْرِم مِنْ السِّبَاع إِلَّا الْكَلْب الْعَقُور وَالذِّئْب خَاصَّة , سَوَاء اِبْتَدَآهُ 230 أَوْ اِبْتَدَأَهُمَا ; وَإِنْ قَتَلَ غَيْره مِنْ السِّبَاع فَدَاهُ . قَالَ : فَإِنْ اِبْتَدَأَهُ غَيْرهمَا مِنْ السِّبَاع فَقَتَلَهُ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ ; قَالَ : وَلَا شَيْء عَلَيْهِ فِي قَتْل الْحَيَّة وَالْعَقْرَب وَالْغُرَاب وَالْحِدَأَة , هَذِهِ جُمْلَة قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه إِلَّا زُفَر ; وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَالْحَسَن ; وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّ دَوَابّ بِأَعْيَانِهَا وَأَرْخَصَ لِلْمُحْرِمِ فِي قَتْلهَا مِنْ أَجْل ضَرَرهَا ; فَلَا وَجْه أَنْ يُزَاد عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى شَيْء فَيَدْخُل فِي مَعْنَاهَا . قُلْت : الْعَجَب مِنْ أَبِي حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه يَحْمِل التُّرَاب عَلَى الْبُرّ بِعِلَّةِ الْكَيْل , وَلَا يَحْمِل السِّبَاع الْعَادِيَة عَلَى الْكَلْب بِعِلَّةِ الْفِسْق وَالْعَقْر , كَمَا فَعَلَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ رَحِمَهُمَا اللَّه ! وَقَالَ زُفَر بْن الْهُذَيْل : لَا يُقْتَل إِلَّا الذِّئْب وَحْده , وَمَنْ قَتَلَ غَيْره وَهُوَ مُحْرِم فَعَلَيْهِ الْفِدْيَة , سَوَاء اِبْتَدَأَهُ أَوْ لَمْ يَبْتَدِئهُ ; لِأَنَّهُ عَجْمَاء فَكَانَ فِعْله هَدَرًا ; وَهَذَا رَدّ لِلْحَدِيثِ وَمُخَالَفَة لَهُ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : كُلّ مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه فَلِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْتُلهُ ; وَصِغَار ذَلِكَ وَكِبَاره سَوَاء , إِلَّا السِّمْع وَهُوَ الْمُتَوَلِّد بَيْن الذِّئْب وَالضَّبْع , قَالَ : وَلَيْسَ فِي الرَّخَمَة وَالْخَنَافِس وَالْقِرْدَانِ وَالْحَلَم وَمَا لَا يُؤْكَل لَحْمه شَيْء ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الصَّيْد , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ صَيْد الْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا " [ الْمَائِدَة : 96 ] فَدَلَّ أَنَّ الصَّيْد الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ لَهُمْ قَبْل الْإِحْرَام حَلَالًا ; حَكَى عَنْهُ هَذِهِ الْجُمْلَة الْمُزَنِيّ وَالرَّبِيع ; فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ تُفْدَى الْقَمْلَة وَهِيَ تُؤْذِي وَلَا تُؤْكَل ؟ قِيلَ لَهُ : لَيْسَ تُفْدَى إِلَّا عَلَى مَا يُفْدَى بِهِ الشَّعْر وَالظُّفْر وَلُبْس مَا لَيْسَ لَهُ لُبْسه ; لِأَنَّ فِي طَرْح الْقَمْلَة إِمَاطَة الْأَذَى عَنْ نَفْسه إِذَا كَانَتْ فِي رَأْسه وَلِحْيَته , فَكَأَنَّهُ أَمَاطَ بَعْض شَعْره ; فَأَمَّا إِذَا ظَهَرَتْ فَقُتِلَتْ فَإِنَّهَا لَا تُؤْذِي , وَقَوْل أَبِي ثَوْر فِي هَذَا الْبَاب كَقَوْلِ الشَّافِعِيّ ; قَالَهُ أَبُو عُمَر . رَوَى الْأَئِمَّة عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( خَمْس مِنْ الدَّوَابّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِم فِي قَتْلهنَّ جُنَاح : الْغُرَاب وَالْحِدَأَة وَالْعَقْرَب وَالْفَأْرَة وَالْكَلْب الْعَقُور ) . اللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ ; وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق , وَفِي كِتَاب مُسْلِم عَنْ عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( خَمْس فَوَاسِق يُقْتَلْنَ فِي الْحِلّ وَالْحَرَم الْحَيَّة وَالْغُرَاب الْأَبْقَع وَالْفَأْرَة وَالْكَلْب الْعَقُور وَالْحُدَيَّا ) , وَبِهِ قَالَتْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْعِلْم قَالُوا : لَا يُقْتَل مِنْ الْغِرْبَان إِلَّا الْأَبْقَع خَاصَّة ; لِأَنَّهُ تَقْيِيد مُطْلَق . وَفِي كِتَاب أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيَرْمِي الْغُرَاب وَلَا يَقْتُلهُ ) , وَبِهِ قَالَ مُجَاهِد , وَجُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى الْقَوْل بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَعِنْد أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ : وَالسَّبُع الْعَادِي ; وَهَذَا تَنْبِيه عَلَى الْعِلَّة . عَامّ فِي النَّوْعَيْنِ مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء , الْأَحْرَار وَالْعَبِيد ; يُقَال : رَجُل حَرَام وَامْرَأَة حَرَام , وَجَمْع ذَلِكَ حُرُم ; كَقَوْلِهِمْ : قَذَال وَقُذُل . وَأَحْرَمَ الرَّجُل دَخَلَ فِي الْحَرَم ; كَمَا يُقَال : أَسْهَلَ دَخَلَ فِي السَّهْل , وَهَذَا اللَّفْظ يَتَنَاوَل الزَّمَان وَالْمَكَان وَحَالَة الْإِحْرَام بِالِاشْتِرَاكِ لَا بِالْعُمُومِ . يُقَال : رَجُل حَرَام إِذَا دَخَلَ فِي الْأَشْهُر الْحُرُم أَوْ فِي الْحَرَم , أَوْ تَلَبَّسَ بِالْإِحْرَامِ ; إِلَّا أَنَّ تَحْرِيم الزَّمَان خَرَجَ بِالْإِجْمَاعِ عَنْ أَنْ يَكُون مُعْتَبَرًا , وَبَقِيَ تَحْرِيم الْمَكَان وَحَالَة الْإِحْرَام عَلَى أَصْل التَّكْلِيف ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . حَرَم الْمَكَان حَرَمَانِ , حَرَم الْمَدِينَة وَحَرَم مَكَّة وَزَادَ الشَّافِعِيّ الطَّائِف , فَلَا يَجُوز عِنْده قَطْع شَجَره , وَلَا صَيْد صَيْده , وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا جَزَاء عَلَيْهِ فَأَمَّا حَرَم الْمَدِينَة فَلَا يَجُوز فِيهِ الِاصْطِيَاد لِأَحَدٍ وَلَا قَطْع الشَّجَر كَحَرَمِ مَكَّة , فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ وَلَا جَزَاء عَلَيْهِ عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابهمَا , وَقَالَ اِبْن أَبِي ذِئْب : عَلَيْهِ الْجَزَاء , وَقَالَ سَعْد : جَزَاؤُهُ أَخْذ سَلَبه , وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : صَيْد الْمَدِينَة غَيْر مُحَرَّم , وَكَذَلِكَ قَطْع شَجَرهَا , وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْض مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبه بِحَدِيثِ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَصِيد فِي حُدُود الْمَدِينَة أَوْ يَقْطَع شَجَرهَا فَخُذُوا سَلَبه ) , وَأَخَذَ سَعْد سَلَب مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ . قَالَ : وَقَدْ اِتَّفَقَ الْفُقَهَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْخَذ سَلَب مَنْ صَادَ فِي الْمَدِينَة , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخ , وَاحْتَجَّ لَهُمْ الطَّحَاوِيّ أَيْضًا بِحَدِيثِ أَنَس - مَا فَعَلَ النُّغَيْر ; فَلَمْ يُنْكِر صَيْده وَإِمْسَاكه - وَهَذَا كُلّه لَا حُجَّة فِيهِ . أَمَّا الْحَدِيث الْأَوَّل فَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ , وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِي نَسْخ أَخْذ السَّلَب مَا يُسْقِط مَا صَحَّ مِنْ تَحْرِيم الْمَدِينَة , فَكَمْ مِنْ مُحْرِم لَيْسَ عَلَيْهِ عُقُوبَة فِي الدُّنْيَا , وَأَمَّا الْحَدِيث الثَّانِي فَيَجُوز أَنْ يَكُون صَيْد فِي غَيْر الْحَرَم , وَكَذَلِكَ حَدِيث عَائِشَة ; أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْش فَإِذَا خَرَجَ لَعِبَ وَاشْتَدَّ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ , فَإِذَا أَحَسَّ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَضَ , فَلَمْ يَتَرَمْرَم كَرَاهِيَة أَنْ يُؤْذِيَهُ , وَدَلِيلنَا عَلَيْهِمْ مَا رَوَاهُ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ : لَوْ رَأَيْت الظِّبَاء تَرْتَع بِالْمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتهَا , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا بَيْن لَابَتَيْهَا حَرَام ) فَقَوْل أَبِي هُرَيْرَة مَا ذَعَرْتهَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز تَرْوِيع الصَّيْد فِي حَرَم الْمَدِينَة , كَمَا لَا يَجُوز تَرْوِيعه فِي حَرَم مَكَّة , وَكَذَلِكَ نَزْع زَيْد بْن ثَابِت النُّهَس - وَهُوَ طَائِر - مِنْ يَد شُرَحْبِيل بْن سَعْد كَانَ صَادَهُ بِالْمَدِينَةِ ; دَلِيل عَلَى أَنَّ الصَّحَابَة فَهِمُوا مُرَاد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَحْرِيم صَيْد الْمَدِينَة , فَلَمْ يُجِيزُوا فِيهَا الِاصْطِيَاد وَلَا تَمَلُّك مَا يُصْطَاد . وَمُتَعَلَّق اِبْن أَبِي ذِئْب قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيح : ( اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة وَإِنِّي أُحَرِّم الْمَدِينَة مِثْل مَا حَرَّمَ بِهِ مَكَّة وَمِثْله مَعَهُ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَد شَجَرهَا وَلَا يُنَفَّر صَيْدهَا ) وَلِأَنَّهُ حَرَّمَ مَنْع الِاصْطِيَاد فِيهِ فَتَعَلَّقَ الْجَزَاء بِهِ كَحَرَمِ مَكَّة . قَالَ الْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب : وَهَذَا قَوْل أَقْيَس عِنْدِي عَلَى أُصُولنَا , لَا سِيَّمَا أَنَّ الْمَدِينَة عِنْد أَصْحَابنَا أَفْضَل مِنْ مَكَّة , وَأَنَّ الصَّلَاة فِيهَا أَفْضَل مِنْ الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام , وَمِنْ حُجَّة مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي أَلَّا يُحْكَم عَلَيْهِ بِجَزَاءٍ وَلَا أَخْذ سَلَب - فِي الْمَشْهُور مِنْ قَوْل الشَّافِعِيّ - عُمُوم قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيح : ( الْمَدِينَة حَرَم مَا بَيْن عَيْر إِلَى ثَوْر فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَل اللَّه مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة صَرْفًا وَلَا عَدْلًا ) فَأَرْسَلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَعِيد الشَّدِيد وَلَمْ يَذْكُر كَفَّارَة . وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ سَعْد فَذَلِكَ مَذْهَب لَهُ مَخْصُوص بِهِ ; لِمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الصَّحِيح أَنَّهُ رَكِبَ إِلَى قَصْره بِالْعَقِيقِ , فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَع شَجَرًا - أَوْ يَخْبِطهُ - فَسَلَبَهُ , فَلَمَّا رَجَعَ سَعْد جَاءَهُ أَهْل الْعَبْد فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدّ عَلَى غُلَامهمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامهمْ ; فَقَالَ : مَعَاذ اللَّه أَنْ أَرُدّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَبَى أَنْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ ; فَقَوْله : ( نَفَّلَنِيهِ ) ظَاهِره الْخُصُوص , وَاللَّه أَعْلَمُ . ذَكَرَ اللَّه سُبْحَانه الْمُتَعَمِّد وَلَمْ يَذْكُر الْمُخْطِئ وَالنَّاسِي ; وَالْمُتَعَمِّد هُنَا هُوَ الْقَاصِد لِلشَّيْءِ مَعَ الْعِلْم بِالْإِحْرَامِ , وَالْمُخْطِئ هُوَ الَّذِي يَقْصِد شَيْئًا فَيُصِيب صَيْدًا , وَالنَّاسِي هُوَ الَّذِي يَتَعَمَّد الصَّيْد وَلَا يَذْكُر إِحْرَامه , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ عَلَى خَمْسَة أَقْوَال : الْأَوَّل : مَا أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : إِنَّمَا التَّكْفِير فِي الْعَمْد , وَإِنَّمَا غَلَّظُوا فِي الْخَطَأ لِئَلَّا يَعُودُوا . الثَّانِي : أَنَّ قَوْله : " مُتَعَمِّدًا " خَرَجَ عَلَى الْغَالِب , فَأُلْحِقَ بِهِ النَّادِر كَأُصُولِ الشَّرِيعَة . الثَّالِث : أَنَّهُ لَا شَيْء عَلَى الْمُخْطِئ وَالنَّاسِي ; وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيّ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر , وَبِهِ قَالَ طَاوُس وَأَبُو ثَوْر , وَهُوَ قَوْل دَاوُد , وَتَعَلَّقَ أَحْمَد بِأَنْ قَالَ : لَمَّا خَصَّ اللَّه سُبْحَانه الْمُتَعَمِّد بِالذِّكْرِ , دَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْره بِخِلَافِهِ , وَزَادَ بِأَنْ قَالَ : الْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة فَمَنْ اِدَّعَى شَغْلهَا فَعَلَيْهِ الدَّلِيل . الرَّابِع : أَنَّهُ يُحْكَم عَلَيْهِ فِي الْعَمْد وَالْخَطَأ وَالنِّسْيَان ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَرُوِيَ عَنْ عُمَر وَطَاوُس وَالْحَسَن وَإِبْرَاهِيم وَالزُّهْرِيّ , وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمْ . قَالَ الزُّهْرِيّ : وَجَبَ الْجَزَاء فِي الْعَمْد بِالْقُرْآنِ , وَفِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان بِالسُّنَّةِ ; قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنْ كَانَ يُرِيد بِالسُّنَّةِ الْآثَار الَّتِي وَرَدَتْ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعُمَر فَنِعِمَّا هِيَ , وَمَا أَحْسَنهَا أُسْوَة . الْخَامِس : أَنْ يَقْتُلهُ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ - وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد - لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْد ذَلِكَ : " وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ " . قَالَ : وَلَوْ كَانَ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَة لِأَوَّلِ مَرَّة , قَالَ : فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ ; قَالَ مُجَاهِد : فَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ فَقَدْ حَلَّ وَلَا حَجّ لَهُ لِارْتِكَابِهِ مَحْظُور إِحْرَامه , فَبَطَلَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاة , أَوْ أَحْدَثَ فِيهَا ; قَالَ : وَمَنْ أَخْطَأَ فَذَلِكَ الَّذِي يُجْزِئهُ , وَدَلِيلنَا عَلَى مُجَاهِد أَنَّ اللَّه سُبْحَانه أَوْجَبَ الْجَزَاء وَلَمْ يَذْكُر الْفَسَاد , وَلَا فَرْق بَيْن أَنْ يَكُون ذَاكِرًا لِلْإِحْرَامِ أَوْ نَاسِيًا لَهُ , وَلَا يَصِحّ اِعْتِبَار الْحَجّ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ ; وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا حُكْم عَلَيْهِ فِي قَتْله مُتَعَمِّدًا , وَيَسْتَغْفِر اللَّه , وَحَجّه تَامّ ; وَبِهِ قَالَ اِبْن زَيْد , وَدَلِيلنَا عَلَى دَاوُد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الضَّبْع فَقَالَ : ( هِيَ صَيْد ) وَجَعَلَ فِيهَا إِذَا أَصَابَهَا الْمُحْرِم كَبْشًا , وَلَمْ يَقُلْ عَمْدًا وَلَا خَطَأ . وَقَالَ اِبْن بُكَيْر مِنْ عُلَمَائِنَا : قَوْله سُبْحَانه : " مُتَعَمِّدًا " لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّجَاوُز عَنْ الْخَطَأ , وَإِنَّمَا أَرَادَ " مُتَعَمِّدًا " لِيُبَيِّن أَنَّهُ لَيْسَ كَابْنِ آدَم الَّذِي لَمْ يَجْعَل فِي قَتْله مُتَعَمِّدًا كَفَّارَة , وَأَنَّ الصَّيْد فِيهِ كَفَّارَة , وَلَمْ يُرِدْ بِهِ إِسْقَاط الْجَزَاء فِي قَتْل الْخَطَأ , وَاللَّه أَعْلَمُ . فَإِنْ قَتَلَهُ فِي إِحْرَامه مَرَّة بَعْد مَرَّة حُكِمَ عَلَيْهِ كُلَّمَا قَتَلَهُ فِي قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَغَيْرهمْ ; لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " فَالنَّهْي دَائِم مُسْتَمِرّ عَلَيْهِ مَا دَامَ مُحْرِمًا فَمَتَى قَتَلَهُ فَالْجَزَاء لِأَجْلِ ذَلِكَ لَازِم لَهُ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَا يَحْكُم عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْإِسْلَام , وَلَا يَحْكُم عَلَيْهِ إِلَّا مَرَّة وَاحِدَة , فَإِنْ عَادَ ثَانِيَة فَلَا يَحْكُم عَلَيْهِ , وَيُقَال لَهُ : يَنْتَقِم اللَّه مِنْك ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ " , وَبِهِ قَالَ الْحَسَن وَإِبْرَاهِيم وَمُجَاهِد وَشُرَيْح , وَدَلِيلنَا عَلَيْهِمْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَمَادِي التَّحْرِيم فِي الْإِحْرَام , وَتَوَجُّه الْخِطَاب عَلَيْهِ فِي دِين الْإِسْلَام . فِيهِ سِتّ مَسَائِل : الْأُولَى : فِيهِ أَرْبَعَة قِرَاءَات ; " فَجَزَاءٌ مِثْلُ " بِرَفْعِ جَزَاء وَتَنْوِينه , و " مِثْل " عَلَى الصِّفَة , وَالْخَبَر مُضْمَر , التَّقْدِير فَعَلَيْهِ جَزَاء مُمَاثِل وَاجِب أَوْ لَازِم مِنْ النَّعَم , وَهَذِهِ الْقِرَاءَة تَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْمِثْل هُوَ الْجَزَاء بِعَيْنِهِ . و " جَزَاءُ " بِالرَّفْعِ غَيْر مُنَوَّن و " مِثْلِ " بِالْإِضَافَةِ أَيْ فَعَلَيْهِ جَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ , و " مِثْل " مُقْحَمَة كَقَوْلِك أَنَا أُكْرِم مِثْلك , وَأَنْتَ تَقْصِد أَنَا أُكْرِمك , وَنَظِير هَذَا قَوْله تَعَالَى : " أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس كَمَنْ مَثَله فِي الظُّلُمَات " [ الْأَنْعَام : 122 ] التَّقْدِير كَمَنْ هُوَ فِي الظُّلُمَات ; وَقَوْله : " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء " [ الشُّورَى : 11 ] أَيْ لَيْسَ كَهُوَ شَيْء , وَهَذِهِ الْقِرَاءَة تَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْجَزَاء غَيْر الْمِثْل ; إِذْ الشَّيْء لَا يُضَاف إِلَى نَفْسه , وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : إِنَّمَا يَجِب عَلَيْهِ جَزَاء الْمَقْتُول , لَا جَزَاء مِثْل الْمَقْتُول , وَالْإِضَافَة تُوجِب جَزَاء الْمِثْل لَا جَزَاء الْمَقْتُول . وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ عَلَى مَا يَأْتِي , وَقَوْله : " مِنْ النَّعَم " صِفَة لِجَزَاءٍ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ جَمِيعًا , وَقَرَأَ الْحَسَن " مِنْ النَّعْم " بِإِسْكَانِ الْعَيْن وَهِيَ لُغَة , وَقَرَأَ عَبْد الرَّحْمَن " فَجَزَاءٌ " بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِين " مِثْلَ " بِالنَّصْب ; قَالَ أَبُو الْفَتْح : " مِثْل " مَنْصُوبَة بِنَفْسِ الْجَزَاء ; وَالْمَعْنَى أَنْ يُجْزَى مِثْل مَا قَتَلَ , وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود وَالْأَعْمَش " فَجَزَاؤُهُ مِثْل " بِإِظْهَارِ ( هَاء ) ; وَيَحْتَمِل أَنْ يَعُود عَلَى الصَّيْد أَوْ عَلَى الصَّائِد الْقَاتِل . الثَّانِيَة : الْجَزَاء إِنَّمَا يَجِب بِقَتْلِ الصَّيْد لَا بِنَفْسِ أَخْذه كَمَا قَالَ تَعَالَى , وَفِي ( الْمُدَوَّنَة ) : مَنْ اِصْطَادَ طَائِرًا فَنَتَفَ رِيشه ثُمَّ حَبَسَهُ حَتَّى نَسَلَ رِيشه فَطَارَ , قَالَ : لَا جَزَاء عَلَيْهِ . قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ يَد صَيْد أَوْ رِجْله أَوْ شَيْئًا مِنْ أَعْضَائِهِ وَسَلِمَتْ نَفْسه وَصَحَّ وَلَحِقَ بِالصَّيْدِ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ , وَقِيلَ : عَلَيْهِ مِنْ الْجَزَاء بِقَدْرِ مَا نَقَصَهُ . وَلَوْ ذَهَبَ وَلَمْ يَدْرِ مَا فَعَلَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ , وَلَوْ زَمِنَ الصَّيْد وَلَمْ يَلْحَق الصَّيْد , أَوْ تَرَكَهُ مَخُوفًا عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ كَامِلًا . الثَّالِثَة : مَا يُجْزَى مِنْ الصَّيْد شَيْئَانِ : دَوَابّ وَطَيْر ; فَيُجْزَى مَا كَانَ مِنْ الدَّوَابّ بِنَظِيرِهِ فِي الْخِلْقَة وَالصُّورَة , فَفِي النَّعَامَة بَدَنَة , وَفِي حِمَار الْوَحْش وَبَقَرَة الْوَحْش بَقَرَة , وَفِي الظَّبْي شَاة ; وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ , وَأَقَلّ مَا يَجْزِي عِنْد مَالِك مَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي وَكَانَ أُضْحِيَّة ; وَذَلِكَ كَالْجَذَعِ مِنْ الضَّأْن وَالثَّنِيّ مِمَّا سِوَاهُ , وَمَا لَمْ يَبْلُغ جَزَاؤُهُ ذَلِكَ فَفِيهِ إِطْعَام أَوْ صِيَام , وَفِي الْحَمَام كُلّه قِيمَته إِلَّا حَمَام مَكَّة ; فَإِنَّ فِي الْحَمَامَة مِنْهُ شَاة اِتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ فِي ذَلِكَ , وَالدُّبْسِيّ وَالْفَوَاخِت وَالْقُمْرِيّ وَذَوَات الْأَطْوَاق كُلّه حَمَام , وَحَكَى اِبْن عَبْد الْحَكَم عَنْ مَالِك أَنَّ فِي حَمَام مَكَّة وَفِرَاخهَا شَاة ; قَالَ : وَكَذَلِكَ حَمَام الْحَرَم ; قَالَ : وَفِي حَمَام الْحِلّ حُكُومَة , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِنَّمَا يُعْتَبَر الْمِثْل فِي الْقِيمَة دُون الْخِلْقَة , فَيُقَوَّم الصَّيْد دَرَاهِم فِي الْمَكَان الَّذِي قَتَلَهُ فِيهِ , أَوْ فِي أَقْرَب مَوْضِع إِلَيْهِ إِنْ كَانَ لَا يُبَاع الصَّيْد فِي مَوْضِع قَتْله ; فَيَشْتَرِي بِتِلْكَ الْقِيمَة هَدْيًا إِنْ شَاءَ , أَوْ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا وَيُطْعِم الْمَسَاكِين كُلّ مِسْكِين نِصْف صَاع مِنْ بُرّ , أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِير , أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْر , وَأَمَّا الشَّافِعِيّ فَإِنَّهُ يَرَى الْمِثْل مِنْ النَّعَم ثُمَّ يُقَوَّم الْمِثْل كَمَا فِي الْمُتْلَفَات يُقَوَّم الْمِثْل , وَتُؤْخَذ قِيمَة الْمِثْل كَقِيمَةِ الشَّيْء ; فَإِنَّ الْمِثْل هُوَ الْأَصْل فِي الْوُجُوب ; وَهَذَا بَيِّن وَعَلَيْهِ تُخَرَّج قِرَاءَة الْإِضَافَة " فَجَزَاء مِثْل " . اِحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَة فَقَالَ : لَوْ كَانَ الشَّبَه مِنْ طَرِيق الْخِلْقَة مُعْتَبَرًا , فِي النَّعَامَة بَدَنَة , وَفِي الْحِمَار بَقَرَة , وَفِي الظَّبْي شَاة , لَمَا أَوْقَفَهُ عَلَى عَدْلَيْنِ يَحْكُمَانِ بِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ عُلِمَ فَلَا يَحْتَاج إِلَى الِارْتِيَاء وَالنَّظَر ; وَإِنَّمَا يَفْتَقِر إِلَى الْعُدُول وَالنَّظَر مَا تُشْكِل الْحَال فِيهِ , وَيَضْطَرِب وَجْه النَّظَر عَلَيْهِ . وَدَلِيلنَا عَلَيْهِ قَوْل اللَّه تَعَالَى : " فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " الْآيَة . فَالْمِثْل يَقْتَضِي بِظَاهِرَةِ الْمِثْل الْخِلْقِيّ الصُّورِيّ دُون الْمَعْنَى , ثُمَّ قَالَ : " مِنْ النَّعَم " فَبَيَّنَ جِنْس الْمِثْل ; ثُمَّ قَالَ : " يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ " وَهَذَا ضَمِير رَاجِع إِلَى مِثْل مِنْ النَّعَم ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّم ذِكْر لِسِوَاهُ يَرْجِع الضَّمِير عَلَيْهِ ; ثُمَّ قَالَ : " هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة " وَاَلَّذِي يُتَصَوَّر فِيهِ الْهَدْي مِثْل الْمَقْتُول مِنْ النَّعَم , فَأَمَّا الْقِيمَة فَلَا يُتَصَوَّر أَنْ تَكُون هَدْيًا , وَلَا جَرَى لَهَا ذِكْر فِي نَفْس الْآيَة ; فَصَحَّ مَا ذَكَرْنَاهُ , وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَقَوْلهمْ : لَوْ كَانَ الشَّبَه مُعْتَبَرًا لَمَا أَوْقَفَهُ عَلَى عَدْلَيْنِ ; فَالْجَوَاب أَنَّ اِعْتِبَار الْعَدْلَيْنِ إِنَّمَا وَجَبَ لِلنَّظَرِ فِي حَال الصَّيْد مِنْ صِغَر وَكِبَر , وَمَا لَا جِنْس لَهُ مِمَّا لَهُ جِنْس , وَإِلْحَاق مَا لَمْ يَقَع عَلَيْهِ نَصّ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ النَّصّ . الرَّابِعَة : مَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّة فَأَغْلَقَ بَاب بَيْته عَلَى فِرَاخ حَمَام فَمَاتَتْ فَعَلَيْهِ فِي كُلّ فَرْخ شَاة . قَالَ مَالِك : وَفِي صِغَار الصَّيْد مِثْل مَا فِي كِبَاره ; وَهُوَ قَوْل عَطَاء , وَلَا يُفْدَى عِنْد مَالِك شَيْء بِعَنَاقٍ وَلَا جَفْرَة ; قَالَ مَالِك : وَذَلِكَ مِثْل الدِّيَة ; الصَّغِير وَالْكَبِير فِيهَا سَوَاء , وَفِي الضَّبّ عِنْده وَالْيَرْبُوع قِيمَتهمَا طَعَامًا , وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَة مَنْ يُخَالِفهُ فِي صِغَار الصَّيْد , وَفِي اِعْتِبَار الْجَذَع وَالثَّنِيّ , وَيَقُول بِقَوْلِ عُمَر : فِي الْأَرْنَب عَنَاق وَفِي الْيَرْبُوع جَفْرَة ; رَوَاهُ مَالِك مَوْقُوفًا , وَرَوَى أَبُو الزُّبَيْر عَنْ جَابِر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( فِي الضَّبْع إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِم كَبْش وَفِي الظَّبْي شَاة وَفِي الْأَرْنَب عَنَاق وَفِي الْيَرْبُوع جَفْرَة ) قَالَ : وَالْجَفْرَة الَّتِي قَدْ ارْتَعَتْ , وَفِي طَرِيق آخَر قُلْت لِأَبِي الزُّبَيْر : وَمَا الْجَفْرَة ؟ قَالَ : الَّتِي قَدْ فُطِمَتْ وَرَعَتْ . خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : فِي النَّعَامَة بَدَنَة , وَفِي فَرْخهَا فَصِيل , وَفِي حِمَار الْوَحْش بَقَرَة , وَفِي سَخْلَة عِجْل ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى حَكَمَ بِالْمِثْلِيَّةِ فِي الْخِلْقَة , وَالصِّغَر وَالْكِبَر مُتَفَاوِتَانِ فَيَجِب اِعْتِبَار الصَّغِير فِيهِ وَالْكَبِير كَسَائِرِ الْمُتْلَفَات . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا صَحِيح وَهُوَ اِخْتِيَار عُلَمَائِنَا ; قَالُوا : وَلَوْ كَانَ الصَّيْد أَعْوَر أَوْ أَعْرَج أَوْ كَسِيرًا لَكَانَ الْمِثْل عَلَى صِفَته لِتَتَحَقَّق الْمِثْلِيَّة , فَلَا يَلْزَم الْمُتْلِف فَوْق مَا أَتْلَفَ , وَدَلِيلنَا قَوْله تَعَالَى : " فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " وَلَمْ يُفْصَل بَيْن صَغِير وَكَبِير , وَقَوْله : " هَدْيًا " يَقْتَضِي مَا يَتَنَاوَلهُ اِسْم الْهَدْي لِحَقِّ الْإِطْلَاق , وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْهَدْي التَّامّ , وَاللَّه أَعْلَمُ . الْخَامِسَة : فِي بَيْض النَّعَامَة عُشْر ثَمَن الْبَدَنَة عِنْد مَالِك , وَفِي بَيْض الْحَمَامَة الْمَكِّيَّة عِنْده عُشْر ثَمَن الشَّاة . قَالَ اِبْن الْقَاسِم : وَسَوَاء كَانَ فِيهَا فَرْخ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَا لَمْ يَسْتَهِلّ الْفَرْخ بَعْد الْكَسْر ; فَإِنْ اِسْتَهَلَّ فَعَلَيْهِ الْجَزَاء كَامِلًا كَجَزَاءِ الْكَبِير مِنْ ذَلِكَ الطَّيْر . قَالَ اِبْن الْمَوَّاز : بِحُكُومَةِ عَدْلَيْنِ , وَأَكْثَر الْعُلَمَاء يَرَوْنَ فِي بَيْض كُلّ طَائِر الْقِيمَة . رَوَى عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي بَيْض نَعَام أَصَابَهُ مُحْرِم بِقَدْرِ ثَمَنه ; خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ , وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي كُلّ بَيْضَة نَعَام صِيَام يَوْم أَوْ إِطْعَام مِسْكِين ) . السَّادِسَة : وَأَمَّا مَا لَا مِثْل لَهُ كَالْعَصَافِيرِ وَالْفِيَلَة فَقِيمَة لَحْمه أَوْ عَدْله مِنْ الطَّعَام , دُون مَا يُرَاد لَهُ مِنْ الْأَغْرَاض ; لِأَنَّ الْمُرَاعَى فِيمَا لَهُ مِثْل وُجُوب مِثْله , فَإِنْ عُدِمَ الْمِثْل فَالْقِيمَة قَائِمَة مَقَامه كَالْغَصْبِ وَغَيْره , وَلِأَنَّ النَّاس قَائِلَانِ - أَيْ عَلَى مَذْهَبَيْنِ - مُعْتَبِر لِلْقِيمَةِ فِي جَمِيع الصَّيْد ; وَمُقْتَصِر بِهَا عَلَى مَا لَا مِثْل لَهُ مِنْ النَّعَم ; فَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الْإِجْمَاع عَلَى اِعْتِبَار الْقِيمَة فِيمَا لَا مِثْل لَهُ , وَأَمَّا الْفِيل فَقِيلَ : فِيهِ بَدَنَة مِنْ الْهِجَان الْعِظَام الَّتِي لَهَا سَنَامَانِ ; وَهِيَ بِيض خُرَاسَانِيَّة , فَإِذَا لَمْ يُوجَد شَيْء مِنْ هَذِهِ الْإِبِل فَيُنْظَر إِلَى قِيمَته طَعَامًا , فَيَكُون عَلَيْهِ ذَلِكَ , وَالْعَمَل فِيهِ أَنْ يُجْعَل الْفِيل فِي مَرْكَب , وَيُنْظَر إِلَى مُنْتَهَى مَا يَنْزِل الْمَرْكَب فِي الْمَاء , ثُمَّ يُخْرَج الْفِيل وَيُجْعَل فِي الْمَرْكَب طَعَام حَتَّى يَنْزِل إِلَى الْحَدّ الَّذِي نَزَلَ وَالْفِيل فِيهِ , وَهَذَا عَدْله مِنْ الطَّعَام , وَأَمَّا أَنْ يُنْظَر إِلَى قِيمَته فَهُوَ يَكُون لَهُ ثَمَن عَظِيم لِأَجْلِ عِظَامه وَأَنْيَابه فَيَكْثُر الطَّعَام وَذَلِكَ ضَرَر . فِيهِ سَبْع مَسَائِل : الْأُولَى : رَوَى مَالِك عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن قُرَيْب عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب فَقَالَ : إِنِّي أَجْرَيْت أَنَا وَصَاحِب لِي فَرَسَيْنِ نَسْتَبِق إِلَى ثَغْرَة ثَنِيَّة , فَأَصَبْنَا ظَبْيًا وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ فَمَاذَا تَرَى ؟ فَقَالَ عُمَر لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبه : تَعَالَ حَتَّى أَحْكُم أَنَا وَأَنْتَ ; فَحَكَمَا عَلَيْهِ بِعَنْزٍ ; فَوَلَّى الرَّجُل وَهُوَ يَقُول : هَذَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَحْكُم فِي ظَبْي حَتَّى دَعَا رَجُلًا يَحْكُم مَعَهُ , فَسَمِعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَوْل الرَّجُل فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ , هَلْ تَقْرَأ سُورَة " الْمَائِدَة " ؟ فَقَالَ : لَا ; قَالَ : هَلْ تَعْرِف الرَّجُل الَّذِي حَكَمَ مَعِي ؟ فَقَالَ : لَا , فَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : لَوْ أَخْبَرْتنِي أَنَّك تَقْرَأ سُورَة " الْمَائِدَة " لَأَوْجَعْتُك ضَرْبًا , ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّه سُبْحَانه يَقُول فِي كِتَابه : " يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة " وَهَذَا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف . الثَّانِيَة : إِذَا اِتَّفَقَ الْحَكَمَانِ لَزِمَ الْحُكْم ; وَبِهِ قَالَ الْحَسَن وَالشَّافِعِيّ , وَإِنْ اِخْتَلَفَا نُظِرَ فِي غَيْرهمَا , وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْمَوَّاز : لَا يَأْخُذ بِأَرْفَع مِنْ قَوْلَيْهِمَا ; لِأَنَّهُ عَمَل بِغَيْرِ تَحْكِيم , وَكَذَلِكَ لَا يَنْتَقِل عَنْ الْمِثْل الْخِلْقِيّ إِذَا حَكَمَا بِهِ إِلَى الطَّعَام ; لِأَنَّهُ أَمْر قَدْ لَزِمَ ; قَالَهُ اِبْن شَعْبَان , وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : إِنْ أَمَرَهُمَا أَنْ يَحْكُمَا بِالْجَزَاءِ مِنْ الْمِثْل فَفَعَلَا , فَأَرَادَ أَنْ يَنْتَقِل إِلَى الطَّعَام جَازَ , وَقَالَ اِبْن وَهْب رَحِمَهُ اللَّه فِي ( الْعُتْبِيَّة ) : مِنْ السُّنَّة أَنْ يُخَيِّر الْحَكَمَانِ مَنْ أَصَابَ الصَّيْد , كَمَا خَيَّرَهُ اللَّه فِي أَنْ يُخْرِج " هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة أَوْ كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا " فَإِنْ اِخْتَارَ الْهَدْي حَكَمَا عَلَيْهِ بِمَا يَرَيَانِهِ نَظِيرًا لِمَا أَصَابَ مَا بَيْنهمَا وَبَيْن أَنْ يَكُون عَدْل ذَلِكَ شَاة لِأَنَّهَا أَدْنَى الْهَدْي ; وَمَا لَمْ يَبْلُغ شَاة حَكَمَا فِيهِ بِالطَّعَامِ ثُمَّ خُيِّرَ فِي أَنْ يُطْعِمَهُ , أَوْ يَصُوم مَكَان كُلّ مُدّ يَوْمًا ; وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِك فِي ( الْمُدَوَّنَة ) . الثَّالِثَة : وَيُسْتَأْنَف الْحُكْم فِي كُلّ مَا مَضَتْ فِيهِ حُكُومَة أَوْ لَمْ تَمْضِ , وَلَوْ اِجْتَزَأَ بِحُكُومَةِ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فِيمَا حَكَمُوا بِهِ مِنْ جَزَاء الصَّيْد كَانَ حَسَنًا , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ مَا عَدَا حَمَام مَكَّة وَحِمَار الْوَحْش وَالظَّبْي وَالنَّعَامَة لَا بُدّ فِيهِ مِنْ الْحُكُومَة , وَيُجْتَزَأ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَة بِحُكُومَةِ مَنْ مَضَى مِنْ السَّلَف رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . الرَّابِعَة : لَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْجَانِي أَحَد الْحَكَمَيْنِ , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة , وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي أَحَد قَوْلَيْهِ : يَكُون الْجَانِي أَحَد الْحَكَمَيْنِ ; وَهَذَا تَسَامُح مِنْهُ ; فَإِنَّ ظَاهِر الْآيَة يَقْتَضِي جَانِيًا وَحَكَمَيْنِ فَحَذْف بَعْض الْعَدَد إِسْقَاط لِلظَّاهِرِ , وَإِفْسَاد لِلْمَعْنَى ; لِأَنَّ حُكْم الْمَرْء لِنَفْسِهِ لَا يَجُوز , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَاسْتَغْنَى بِنَفْسِهِ عَنْ غَيْره ; لِأَنَّهُ حُكْم بَيْنه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى فَزِيَادَة ثَانٍ إِلَيْهِ دَلِيل عَلَى اِسْتِئْنَاف الْحُكْم بِرَجُلَيْنِ . الْخَامِسَة : إِذَا اِشْتَرَكَ جَمَاعَة مُحْرِمُونَ فِي قَتْل صَيْد فَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة : عَلَى كُلّ وَاحِد جَزَاء كَامِل . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : عَلَيْهِمْ كُلّهمْ كَفَّارَة وَاحِدَة لِقَضَاءِ عُمَر وَعَبْد الرَّحْمَن , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ أَنَّ مَوَالِيَ لِابْنِ الزُّبَيْر أَحْرَمُوا إِذْ مَرَّتْ بِهِمْ ضَبْع فَحَذَفُوهَا بِعِصِيِّهِمْ فَأَصَابُوهَا , فَوَقَعَ فِي أَنْفُسهمْ , فَأَتَوْا اِبْن عُمَر فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ : عَلَيْكُمْ كُلّكُمْ كَبْش ; قَالُوا : أَوْ عَلَى كُلّ وَاحِد مِنَّا كَبْش ; قَالَ : إِنَّكُمْ لَمُعَزَّز بِكُمْ , عَلَيْكُمْ كُلّكُمْ كَبْش . قَالَ اللُّغَوِيُّونَ : لَمُعَزَّز بِكُمْ أَيْ لَمُشَدَّد عَلَيْكُمْ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْم أَصَابُوا ضَبْعًا قَالَ : عَلَيْهِمْ كَبْش يَتَخَارَجُونَهُ بَيْنهمْ , وَدَلِيلنَا قَوْل اللَّه سُبْحَانه : " وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم " وَهَذَا خِطَاب لِكُلِّ قَاتِل , وَكُلّ وَاحِد مِنْ الْقَاتِلِينَ لِلصَّيْدِ قَاتِل نَفْسًا عَلَى التَّمَام وَالْكَمَال , بِدَلِيلِ قَتْل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ , وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاص , وَقَدْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ إِجْمَاعًا مِنَّا وَمِنْهُمْ ; فَثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ . السَّادِسَة : قَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِذَا قَتَلَ جَمَاعَة صَيْدًا فِي الْحَرَم وَكُلّهمْ مُحِلُّونَ , عَلَيْهِمْ جَزَاء وَاحِد , بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَهُ الْمُحْرِمُونَ فِي الْحِلّ وَالْحَرَم ; فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِف , وَقَالَ مَالِك : عَلَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ جَزَاء كَامِل , بِنَاء عَلَى أَنَّ الرَّجُل يَكُون مُحْرِمًا بِدُخُولِهِ الْحَرَم , كَمَا يَكُون مُحْرِمًا بِتَلْبِيَتِهِ بِالْإِحْرَامِ , وَكُلّ وَاحِد مِنْ الْفِعْلَيْنِ قَدْ أَكْسَبَهُ صِفَة تَعَلَّقَ بِهَا نَهْي , فَهُوَ هَاتِك لَهَا فِي الْحَالَتَيْنِ . السَّابِعَة : وَحُجَّة أَبِي حَنِيفَة مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو زَيْد الدَّبُوسِيّ قَالَ : السِّرّ فِيهِ أَنَّ الْجِنَايَة فِي الْإِحْرَام عَلَى الْعِبَادَة , وَقَدْ اِرْتَكَبَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ مَحْظُور إِحْرَامه , وَإِذَا قَتَلَ الْمُحِلُّونَ صَيْدًا فِي الْحَرَم فَإِنَّمَا أَتْلَفُوا دَابَّة مُحَرَّمَة بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَتْلَفَ جَمَاعَة دَابَّة ; فَإِنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ قَاتِل دَابَّة , وَيَشْتَرِكُونَ فِي الْقِيمَة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَأَبُو حَنِيفَة أَقْوَى مِنَّا , وَهَذَا الدَّلِيل يَسْتَهِين بِهِ عُلَمَاؤُنَا وَهُوَ عَسِير الِانْفِصَال عَلَيْنَا . الْمَعْنَى أَنَّهُمَا إِذَا حَكَمَا بِالْهَدْيِ فَإِنَّهُ يُفْعَل بِهِ مَا يُفْعَل بِالْهَدْيِ مِنْ الْإِشْعَار وَالتَّقْلِيد , وَيُرْسَل مِنْ الْحِلّ إِلَى مَكَّة , وَيُنْحَر وَيُتَصَدَّق بِهِ فِيهَا ; لِقَوْلِهِ : " هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة " وَلَمْ يُرِدْ الْكَعْبَة بِعَيْنِهَا فَإِنَّ الْهَدْي لَا يَبْلُغهَا , إِذْ هِيَ فِي الْمَسْجِد , وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَم وَلَا خِلَاف فِي هَذَا , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يَحْتَاج الْهَدْي إِلَى الْحِلّ بِنَاء عَلَى أَنَّ الصَّغِير مِنْ الْهَدْي يَجِب فِي الصَّغِير مِنْ الصَّيْد , فَإِنَّهُ يُبْتَاع فِي الْحَرَم وَيُهْدَى فِيهِ . الْكَفَّارَة إِنَّمَا هِيَ عَنْ الصَّيْد لَا عَنْ الْهَدْي . قَالَ اِبْن وَهْب قَالَ مَالِك : أَحْسَن مَا سَمِعْت فِي الَّذِي يَقْتُل الصَّيْد فَيُحْكَم عَلَيْهِ فِيهِ , أَنَّهُ يُقَوِّم الصَّيْد الَّذِي أَصَابَ , فَيَنْظُر كَمْ ثَمَنه مِنْ الطَّعَام , فَيُطْعِم لِكُلِّ مِسْكِين مُدًّا , أَوْ يَصُوم مَكَان كُلّ مُدّ يَوْمًا , وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم عَنْهُ : إِنْ قَوَّمَ الصَّيْد دَرَاهِم ثُمَّ قَوَّمَهَا طَعَامًا أَجْزَأَهُ ; وَالصَّوَاب الْأَوَّل , وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم مِثْله قَالَ عَنْهُ : وَهُوَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَة بِالْخِيَارِ ; أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا , وَبِهِ قَالَ عَطَاء وَجُمْهُور الْفُقَهَاء ; لِأَنَّ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ قَالَ مَالِك : كُلّ شَيْء فِي كِتَاب اللَّه فِي الْكَفَّارَات كَذَا أَوْ كَذَا فَصَاحِبه مُخَيَّر فِي ذَلِكَ أَيّ ذَلِكَ أَحَبَّ أَنْ يَفْعَل فَعَلَ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِم ظَبْيًا أَوْ نَحْوه فَعَلَيْهِ شَاة تُذْبَح بِمَكَّة ; فَإِنْ لَمْ يَجِد فَإِطْعَام سِتَّة مَسَاكِين , فَإِنْ لَمْ يَجِد فَعَلَيْهِ صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام ; وَإِنْ قَتَلَ إِيَّلًا أَوْ نَحْوه فَعَلَيْهِ بَقَرَة , فَإِنْ لَمْ يَجِد أَطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا , فَإِنْ لَمْ يَجِد صَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا ; وَإِنْ قَتَلَ نَعَامَة أَوْ حِمَارًا فَعَلَيْهِ بَدَنَة , فَإِنْ لَمْ يَجِد فَإِطْعَام ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا , فَإِنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام ثَلَاثِينَ يَوْمًا , وَالطَّعَام مُدّ مُدّ لِشِبَعِهِمْ . وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَحَمَّاد بْن سَلَمَة , قَالُوا : وَالْمَعْنَى " أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامٌ " إِنْ لَمْ يَجِد الْهَدْي , وَحَكَى الطَّبَرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِم الصَّيْد حُكِمَ عَلَيْهِ بِجَزَائِهِ , فَإِنْ وَجَدَ جَزَاءَهُ ذَبَحَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْده جَزَاؤُهُ قُوِّمَ جَزَاؤُهُ بِدَرَاهِم , ثُمَّ قُوِّمَتْ الدَّرَاهِم حِنْطَة , ثُمَّ صَامَ مَكَان كُلّ نِصْف صَاع يَوْمًا ; وَقَالَ : إِنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ تَبْيِين أَمْر الصِّيَام , فَمَنْ لَمْ يَجِد طَعَامًا , فَإِنَّهُ يَجِد جَزَاءَهُ , وَأَسْنَدَهُ أَيْضًا عَنْ السُّدِّيّ , وَيُعْتَرَض هَذَا الْقَوْل بِظَاهِرِ الْآيَة فَإِنَّهُ يُنَافِرهُ . اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْوَقْت الَّذِي يُعْتَبَر فِيهِ الْمُتْلَف ; فَقَالَ قَوْم : يَوْم الْإِتْلَاف , وَقَالَ آخَرُونَ : يَوْم الْقَضَاء , وَقَالَ آخَرُونَ : يَلْزَم الْمُتْلِف أَكْثَر الْقِيمَتَيْنِ , مِنْ يَوْم الْإِتْلَاف إِلَى يَوْم الْحُكْم . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا كَاخْتِلَافِهِمْ , وَالصَّحِيح أَنَّهُ تَلْزَمهُ الْقِيمَة يَوْم الْإِتْلَاف ; وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْوُجُود كَانَ حَقًّا لِلْمُتْلَفِ عَلَيْهِ , فَإِذَا أَعْدَمَهُ الْمُتْلِف لَزِمَهُ إِيجَاده بِمِثْلِهِ , وَذَلِكَ فِي وَقْت الْعَدَم . أَمَّا الْهَدْي فَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَا بُدّ لَهُ مِنْ مَكَّة ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة " , وَأَمَّا الْإِطْعَام فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْل مَالِك هَلْ يَكُون بِمَكَّة أَوْ بِمَوْضِعِ الْإِصَابَة ; وَإِلَى كَوْنه بِمَكَّة ذَهَبَ الشَّافِعِيّ , وَقَالَ عَطَاء : مَا كَانَ مِنْ دَم أَوْ طَعَام فَبِمَكَّة وَيَصُوم حَيْثُ يَشَاء ; وَهُوَ قَوْل مَالِك فِي الصَّوْم , وَلَا خِلَاف فِيهِ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْوَهَّاب : وَلَا يَجُوز إِخْرَاج شَيْء مِنْ جَزَاء الصَّيْد بِغَيْرِ الْحَرَم إِلَّا الصِّيَام , وَقَالَ حَمَّاد وَأَبُو حَنِيفَة : يُكَفِّر بِمَوْضِعِ الْإِصَابَة مُطْلَقًا , وَقَالَ الطَّبَرِيّ : يُكَفِّر حَيْثُ شَاءَ مُطْلَقًا , فَأَمَّا قَوْل أَبِي حَنِيفَة فَلَا وَجْه لَهُ فِي النَّظَر , وَلَا أَثَر فِيهِ . وَأَمَّا مَنْ قَالَ يَصُوم حَيْثُ شَاءَ ; فَلِأَنَّ الصَّوْم عِبَادَة تَخْتَصّ بِالصَّائِمِ فَتَكُون فِي كُلّ مَوْضِع كَصِيَامِ سَائِر الْكَفَّارَات وَغَيْرهَا . وَأَمَّا وَجْه الْقَوْل بِأَنَّ الطَّعَام يَكُون بِمَكَّة ; فَلِأَنَّهُ بَدَل عَنْ الْهَدْي أَوْ نَظِير لَهُ , وَالْهَدْي حَقّ لِمَسَاكِين مَكَّة , فَلِذَلِكَ يَكُون بِمَكَّة بَدَله أَوْ نَظِيره , وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَكُون بِكُلِّ مَوْضِع ; فَاعْتِبَار بِكُلِّ طَعَام وَفِدْيَة , فَإِنَّهَا تَجُوز بِكُلِّ مَوْضِع , وَاَللَّه أَعْلَم . الْعَدْل وَالْعِدْل بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْرهَا لُغَتَانِ وَهُمَا الْمِثْل ; قَالَهُ الْكِسَائِيّ , وَقَالَ الْفَرَّاء : عِدْل الشَّيْء بِكَسْرِ الْعَيْن مِثْله مِنْ جِنْسه , وَبِفَتْحِ الْعَيْن مِثْله مِنْ غَيْر جِنْسه , وَيُؤْثَر هَذَا الْقَوْل عَنْ الْكِسَائِيّ , تَقُول : عِنْدِي عَدْل دَرَاهِمك مِنْ الدَّرَاهِم , وَعِنْدِي عَدْل دَرَاهِمك مِنْ الثِّيَاب ; وَالصَّحِيح عَنْ الْكِسَائِيّ أَنَّهُمَا لُغَتَانِ , وَهُوَ قَوْل الْبَصْرِيِّينَ , وَلَا يَصِحّ أَنْ يُمَاثِل الصِّيَام الطَّعَام فِي وَجْه أَقْرَب مِنْ الْعَدَد قَالَ مَالِك : يَصُوم عَنْ كُلّ مُدّ يَوْمًا , وَإِنْ زَادَ عَلَى شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة ; وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ , وَقَالَ يَحْيَى بْن عُمَر مِنْ أَصْحَابنَا : إِنَّمَا يُقَال كَمْ مِنْ رَجُل يَشْبَع مِنْ هَذَا الصَّيْد فَعُرِفَ الْعَدَد , ثُمَّ يُقَال : كَمْ مِنْ الطَّعَام يُشْبِع هَذَا الْعَدَد ; فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ ذَلِكَ الطَّعَام , وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَدَد أَمْدَاده , وَهَذَا قَوْل حَسَن اِحْتَاطَ فِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُون قِيمَة الصَّيْد مِنْ الطَّعَام قَلِيلَة ; فَبِهَذَا النَّظَر يَكْثُر الْإِطْعَام , وَمِنْ أَهْل الْعِلْم مَنْ لَا يَرَى أَنْ يَتَجَاوَز فِي صِيَام الْجَزَاء شَهْرَيْنِ ; قَالُوا : لِأَنَّهَا أَعْلَى الْكَفَّارَات , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ , وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه : يَصُوم عَنْ كُلّ مُدَّيْنِ يَوْمًا اِعْتِبَارًا بِفِدْيَةِ الْأَذَى . الذَّوْق هُنَا مُسْتَعَار كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " ذُقْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيز الْكَرِيم " [ الدُّخَان : 49 ] , وَقَالَ : " فَأَذَاقَهَا اللَّه لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف " [ النَّحْل : 112 ] , وَحَقِيقَة الذَّوْق إِنَّمَا هِيَ فِي حَاسَّة اللِّسَان , وَهِيَ فِي هَذَا كُلّه مُسْتَعَارَة وَمِنْهُ الْحَدِيث ( ذَاقَ طَعْم الْإِيمَان مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا ) . الْحَدِيث وَالْوَبَال سُوء الْعَاقِبَة , وَالْمَرْعَى الْوَبِيل هُوَ الَّذِي يُتَأَذَّى بِهِ بَعْد أَكْلِهِ , وَطَعَام وَبِيل إِذَا كَانَ ثَقِيلًا ; وَمِنْهُ قَوْله : عَقِيلَة شَيْخ كَالْوَبِيلِ يَلَنْدَدِ فَمَرَّتْ كَهَاة ذَات خَيْف جُلَالَة وَعَبَّرَ بِأَمْرِهِ عَنْ جَمِيع حَاله . يَعْنِي فِي جَاهِلِيَّتكُمْ مِنْ قَتْلكُمْ الصَّيْد ; قَالَهُ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَجَمَاعَة مَعَهُ , وَقِيلَ : قَبْل نُزُول الْكَفَّارَة . يَعْنِي لِلْمَنْهِيِّ أَيْ بِالْكَفَّارَةِ , وَقِيلَ : الْمَعْنَى " فَيَنْتَقِم اللَّه مِنْهُ " يَعْنِي فِي الْآخِرَة إِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا ; وَيَكْفُر فِي ظَاهِر الْحُكْم , وَقَالَ شُرَيْح وَسَعِيد بْن جُبَيْر : يُحْكَم عَلَيْهِ فِي أَوَّل مَرَّة , فَإِذَا عَادَ لَمْ يُحْكَم عَلَيْهِ , وَقِيلَ لَهُ : اِذْهَبْ يَنْتَقِم اللَّه مِنْك , أَيْ ذَنْبك أَعْظَم مِنْ أَنْ يُكَفَّر , كَمَا أَنَّ الْيَمِين الْفَاجِرَة لَا كَفَّارَة لَهَا عِنْد أَكْثَر أَهْله الْعِلْم لِعِظَمِ إِثْمهَا , وَالْمُتَوَرِّعُونَ يَتَّقُونَ النِّقْمَة بِالتَّكْفِيرِ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس : يُمْلَأ ظَهْره سَوْطًا حَتَّى يَمُوت , وَرُوِيَ عَنْ زَيْد بْن أَبِي الْمُعَلَّى : أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِم فَتُجُوِّزَ عَنْهُ , ثُمَّ عَادَ فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَارًا مِنْ السَّمَاء فَأَحْرَقَتْهُ ; وَهَذِهِ عِبْرَة لِلْأُمَّةِ وَكَفّ لِلْمُعْتَدِينَ عَنْ الْمَعْصِيَة . " عَزِيز " أَيْ مَنِيع فِي مُلْكه , وَلَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ مَا يُرِيدهُ . " ذُو اِنْتِقَام " مِمَّنْ عَصَاهُ إِنْ شَاءَ .

غريب الآية
یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلصَّیۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمࣱۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدࣰا فَجَزَاۤءࣱ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ یَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ هَدۡیَۢا بَـٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّـٰرَةࣱ طَعَامُ مَسَـٰكِینَ أَوۡ عَدۡلُ ذَ ٰ⁠لِكَ صِیَامࣰا لِّیَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَیَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِیزࣱ ذُو ٱنتِقَامٍ ﴿٩٥﴾
حُرُمࣱۚمُحْرِمُون بحَجٍّ أو عُمْرَةٍ.
مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِيَذْبَحُ مثلَ ذلك الصيدِ من بهيمةِ الأنعامِ: الإبلِ، أو البقرِ، أو الغنمِ.
ٱلۡكَعۡبَةِالحَرَمِ.
طَعَامُ مَسَـٰكِینَيَشْتري بقيمةِ المِثْل من النَّعَمِ طعاماً يُهديه لفقراءِ الحَرَمِ.
عَدۡلُ ذَ ٰ⁠لِكَما عادَلَه من غيرِ جِنْسِه، فيصومُ بدَلَ الإطعامِ يوماً عن كل نصفِ صاعٍ. والجاني مُخَيَّرٌ بين الأنواعِ المذكورة.
وَبَالَ أَمۡرِهِۦعاقبةَ فِعْلهِ.
سَلَفَۚمضى قبلَ التحريمِ.
ذَوَا عَدۡلࣲذوا رُشْدٍ وأمانةٍ.
الإعراب
(يَاأَيُّهَا)
(يَا) : حَرْفُ نِدَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(أَيُّ) : مُنَادًى مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ، وَ(هَا) : حَرْفُ تَنْبِيهٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتٌ.
(آمَنُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(لَا)
حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَقْتُلُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(الصَّيْدَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَأَنْتُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ حَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَنْتُمْ) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(حُرُمٌ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ.
(وَمَنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَنْ) : اسْمُ شَرْطٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(قَتَلَهُ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(مِنْكُمْ)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(مُتَعَمِّدًا)
حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَجَزَاءٌ)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(جَزَاءٌ) : مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِثْلُ)
خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَالشَّرْطُ وَجَوَابُهُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (مَنْ) :.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(قَتَلَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(النَّعَمِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(يَحْكُمُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(بِهِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(ذَوَا)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْأَلِفُ لِأَنَّهُ مُثَنًّى وَحُذِفَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ.
(عَدْلٍ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْكُمْ)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَعْتٌ.
(هَدْيًا)
حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(بَالِغَ)
نَعْتٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْكَعْبَةِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَوْ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كَفَّارَةٌ)
مَعْطُوفٌ عَلَى (جَزَاءٌ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(طَعَامُ)
عَطْفُ بَيَانٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَسَاكِينَ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ.
(أَوْ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(عَدْلُ)
مَعْطُوفٌ عَلَى (جَزَاءٌ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(ذَلِكَ)
اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(صِيَامًا)
تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(لِيَذُوقَ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(يَذُوقَ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(وَبَالَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَمْرِهِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(عَفَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَمَّا)
(عَنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(مَا) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(سَلَفَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(وَمَنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَنْ) : اسْمُ شَرْطٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(عَادَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(فَيَنْتَقِمُ)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يَنْتَقِمُ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَجُمْلَةُ: (هُوَ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) : فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَالشَّرْطُ وَجَوَابُهُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (مَنْ) :.
(مِنْهُ)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(وَاللَّهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَاسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَزِيزٌ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(ذُو)
نَعْتٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ.
(انْتِقَامٍ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.