صفحات الموقع

سورة المجادلة الآية ٣

سورة المجادلة الآية ٣

وَٱلَّذِینَ یُظَـٰهِرُونَ مِن نِّسَاۤىِٕهِمۡ ثُمَّ یَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟ فَتَحۡرِیرُ رَقَبَةࣲ مِّن قَبۡلِ أَن یَتَمَاۤسَّاۚ ذَ ٰ⁠لِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ ﴿٣﴾

التفسير

تفسير السعدي

والذين يحرمون نساءهم على أنفسهم بالمظافرة منهن, ثم يرجعون عن قولهم ويعزمون على وطء نسائهم , فعلى الزوج المظاهر- والحالة هذه- كفارة التحريم , وهي عتق رقبة مؤمنة عبد أو أمة قبل أن يطأ زوجته التي ظاهر منها , ذلكم هو حكم الله فيمن ظاهر من زوجه توعظون به , أيها المؤمنون; لكي لا تقعوا في الظهار وقول الزور , وتكفروا إن وقعتم فيه , ولكي لا تعودوا إليه , والله لا يخفى عليه شيء من أعمالكم , وهو مجازيكم عليها.

التفسير الميسر

والذين يحرِّمون نساءهم على أنفسهم بالمظاهَرة منهن، ثم يرجعون عن قولهم ويعزمون على وطء نسائهم، فعلى الزوج المظاهِر- والحالة هذه- كفارة التحريم، وهي عتق رقبة مؤمنة عبد أو أمة قبل أن يطأ زوجته التي ظاهر منها، ذلكم هو حكم الله فيمن ظاهر مِن زوجته توعظون به، أيها المؤمنون؛ لكي لا تقعوا في الظهار وقول الزور، وتُكَفِّروا إن وقعتم فيه، ولكي لا تعودوا إليه، والله لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهو مجازيكم عليها.

تفسير الجلالين

"وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا" أَيْ فِيهِ بِأَنْ يُخَالِفُوهُ بِإِمْسَاكِ الْمُظَاهِر مِنْهَا الَّذِي هُوَ خِلَاف مَقْصُود الظِّهَار مِنْ وَصْف الْمَرْأَة بِالتَّحْرِيمِ "فَتَحْرِير رِقْبَة" أَيْ إعْتَاقهَا عَلَيْهِ "مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا" بِالْوَطْءِ

تفسير ابن كثير

وَقَوْله تَعَالَى " وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا " اِخْتَلَفَ السَّلَف وَالْأَئِمَّة فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى " ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا " فَقَالَ بَعْض النَّاس الْعَوْد هُوَ أَنْ يَعُود إِلَى لَفْظ الظِّهَار فَيُكَرِّرهُ وَهَذَا الْقَوْل بَاطِل وَهُوَ اِخْتِيَار اِبْن حَزْم وَقَوْل دَاوُد حَكَاهُ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ عَنْ بُكَيْر بْن الْأَشَجّ وَالْفَرَّاء وَفِرْقَة مِنْ أَهْل الْكَلَام وَقَالَ الشَّافِعِيّ هُوَ أَنْ يُمْسِكهَا بَعْد الْمُظَاهَرَة زَمَانًا يُمْكِنهُ أَنْ يُطَلِّق فِيهِ فَلَا يُطَلِّق وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل هُوَ أَنْ يَعُود إِلَى الْجِمَاع أَوْ يَعْزِم عَلَيْهِ فَلَا تَحِلّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّر بِهَذِهِ الْكَفَّارَة وَقَدْ حُكِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ الْعَزْم عَلَى الْجِمَاع أَوْ الْإِمْسَاك عَنْهُ وَعَنْهُ أَنَّهُ الْجِمَاع وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة هُوَ أَنْ يَعُود إِلَى الظِّهَار بَعْد تَحْرِيمه وَرَفْع مَا كَانَ عَلَيْهِ أَمْر الْجَاهِلِيَّة فَمَتَى ظَاهَرَ الرَّجُل مِنْ اِمْرَأَته فَقَدْ حَرَّمَهَا تَحْرِيمًا لَا يَرْفَعهُ إِلَّا الْكَفَّارَة . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابه وَاللَّيْث بْن سَعْد وَقَالَ اِبْن لَهِيعَة حَدَّثَنِي عَطَاء عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر " ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا " يَعْنِي يُرِيدُونَ أَنْ يَعُودُوا فِي الْجِمَاع الَّذِي حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسهمْ وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ يَعْنِي الْغَشَيَان فِي الْفَرْج وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَغْشَى فِيمَا دُون الْفَرْج قَبْل أَنْ يُكَفِّر وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا " وَالْمَسّ النِّكَاح وَكَذَا قَالَ عَطَاء وَالزُّهْرِيّ وَقَتَادَة وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَقَالَ الزُّهْرِيّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَبِّلهَا وَلَا يَمَسّهَا حَتَّى يُكَفِّر . وَقَدْ رَوَى أَهْل السُّنَن مِنْ حَدِيث عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي ظَاهَرْت مِنْ اِمْرَأَتِي فَوَقَعْت عَلَيْهَا قَبْل أَنْ أُكَفِّر فَقَالَ " مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمك اللَّه" قَالَ رَأَيْت خَلْخَالهَا فِي ضَوْء الْقَمَر قَالَ " فَلَا تَقْرَبهَا حَتَّى تَفْعَل مَا أَمَرَك اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن غَرِيب صَحِيح . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث عِكْرِمَة مُرْسَلًا قَالَ النَّسَائِيّ وَهُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ. وَقَوْله تَعَالَى " فَتَحْرِير رَقَبَة " أَيْ فَإِعْتَاق رَقَبَة كَامِلَة مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا فَهَاهُنَا الرَّقَبَة مُطْلَقَة غَيْر مُقَيَّدَة بِالْإِيمَانِ وَفِي كَفَّارَة الْقَتْل مُقَيَّدَة بِالْإِيمَانِ فَحَمَلَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه مَا أُطْلِق هَهُنَا عَلَى مَا قُيِّدَ هُنَاكَ لِاتِّحَادِ الْمُوجِب وَهُوَ عِتْق الرَّقَبَة وَاعْتَضَدَ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ مَالِك بِسَنَدِهِ عَنْ مُعَاوِيَة بْن الْحَكَم السُّلَمِيّ فِي قِصَّة الْجَارِيَة السَّوْدَاء وَأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَة " وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده وَمُسْلِم فِي صَحِيحه . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَزَّار حَدَّثَنَا يُوسُف بْن مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر عَنْ إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم بْن يَسَار عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ طَاوُس عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أَتَى رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ إِنِّي ظَاهَرْت مِنْ اِمْرَأَتِي ثُمَّ وَقَعْت عَلَيْهَا قَبْل أَنْ أُكَفِّر فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" أَلَمْ يَقُلْ اللَّه تَعَالَى " مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا " قَالَ أَعْجَبَتْنِي قَالَ " أَمْسِكْ حَتَّى تُكَفِّر " ثُمَّ قَالَ الْبَزَّار لَا يُرْوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس بِأَحْسَن مِنْ هَذَا وَإِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم تَكَلَّمَ فِيهِ وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَة كَثِيرَة مِنْ أَهْل الْعِلْم وَفِيهِ مِنْ الْفِقْه أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرهُ إِلَّا بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَة . وَقَوْله تَعَالَى " ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ" أَيْ تَزْجُرُونَ بِهِ " وَاَللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير " أَيْ خَبِير بِمَا يُصْلِحكُمْ عَلِيم بِأَحْوَالِكُمْ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ لِنِسَائِهِمْ : أَنْتُنَّ عَلَيْنَا كَظُهُورِ أُمَّهَاتنَا . وَقَوْله : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي مَعْنَى الْعُود لِمَا قَالَ الْمَظَاهِر , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ الرُّجُوع فِي تَحْرِيم مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسه مِنْ زَوْجَته الَّتِي كَانَتْ لَهُ حَلَالًا قَبْل تَظَاهُره , فَيُحِلّهَا بَعْد تَحْرِيمه إِيَّاهَا عَلَى نَفْسه بِعَزْمِهِ عَلَى غِشْيَانهَا وَوَطْئِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26123 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } قَالَ : يُرِيد أَنْ يَغْشَى بَعْد قَوْله . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } قَالَ : حَرَّمَهَا , ثُمَّ يُرِيد أَنْ يَعُود لَهَا فَيَطَأهَا . وَقَالَ آخَرُونَ نَحْو هَذَا الْقَوْل , إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إِمْسَاكه إِيَّاهَا بَعْد تَظْهِيره مِنْهَا , وَتَرْكه فِرَاقهَا عَوْد مِنْهُ لِمَا قَالَ , عَزَمَ عَلَى الْوَطْء أَوْ لَمْ يَعْزِم . وَكَانَ أَبُو الْعَالِيَة يَقُول : مَعْنَى قَوْله : { لِمَا قَالُوا } : فِيمَا قَالُوا . 26124 - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنِي عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا دَاوُد , قَالَ : سَمِعْت أَبَا الْعَالِيَة يَقُول فِي قَوْله : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } : أَيْ يَرْجِع فِيهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى : فَتَحْرِير رَقَبَة مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا , فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام , فَإِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا , ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا إِنَّا لَا نَفْعَلهُ فَيَفْعَلُونَهُ هَذَا الظِّهَار يَقُول : هِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي , وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْكَلَام , فَإِذَا أَعْتَقَ رَقَبَة أَوْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا عَادَ لِمَا قَدْ قَالَ : هُوَ عَلَيَّ حَرَام يَفْعَلهُ . وَكَأَنَّ قَائِل هَذَا الْقَوْل كَانَ يَرَى أَنَّ هَذَا مِنْ الْمُقَدَّم الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِير . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } يَصْلُح فِيهَا فِي الْعَرَبِيَّة : ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى مَا قَالُوا , وَفِيمَا قَالُوا , يُرِيدُونَ النِّكَاح , يُرِيد : يَرْجِعُونَ عَمَّا قَالُوا , وَفِي نَقْضِ مَا قَالُوا , قَالَ : وَيَجُوز فِي الْعَرَبِيَّة أَنْ تَقُول : إِنْ عَادَ لِمَا فَعَلَ , تُرِيد إِنْ فَعَلَ مَرَّة أُخْرَى , وَيَجُوز إِنْ عَادَ لِمَا فَعَلَ : إِنْ نَقَضَ مَا فَعَلَ , وَهُوَ كَمَا تَقُول : حَلَفَ أَنْ يَضْرِبك , فَيَكُون مَعْنَاهُ : حَلَفَ لَا يَضْرِبك , وَحَلَفَ لَيَضْرِبَنَّكَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : مَعْنَى اللَّام فِي قَوْله { لِمَا قَالُوا } بِمَعْنَى إِلَى أَوْ فِي , لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : ثُمَّ يَعُودُونَ لِنَقْضِ مَا قَالُوا مِنْ التَّحْرِيم فَيُحَلِّلُونَهُ . وَإِنْ قِيلَ مَعْنَاهُ : ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى تَحْلِيل مَا حَرَّمُوا , أَوْ فِي تَحْلِيل مَا حَرَّمُوا فَصَوَاب , لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ عَوْد لَهُ , فَتَأْوِيل الْكَلَام : ثُمَّ يَعُودُونَ لِتَحْلِيلِ مَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسهمْ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّه لَهُمْ . وَقَوْله : { فَتَحْرِير رَقَبَة مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا } يَقُول : فَعَلَيْهِ تَحْرِير رَقَبَة , يَعْنِي عِتْق رَقَبَة عَبْد أَوْ أَمَة , مِنْ قَبْل أَنْ يَمَاسّ الرَّجُل الْمُظَاهِر اِمْرَأَته الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا أَوْ تَمَاسّه . وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى بِالْمَسِيسِ فِي هَذَا الْمَوْضِع نَظِير اِخْتِلَافهمْ فِي قَوْله : { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ } 2 237 وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ هُنَالِكَ . وَسَنَذْكُرُ بَعْض مَا لَمْ نَذْكُرهُ هُنَالِكَ : 26125 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } فَهُوَ الرَّجُل يَقُول لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ; فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ , فَلَيْسَ يَحِلّ لَهُ أَنْ يَقْرَبهَا بِنِكَاحٍ وَلَا غَيْره حَتَّى يُكَفِّر عَنْ يَمِينه بِعِتْقِ رَقَبَة { فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيَام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا } وَالْمَسّ : النِّكَاح { فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا } وَإِنْ هُوَ قَالَ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا , فَلَيْسَ يَقَع فِي ذَلِكَ ظِهَار حَتَّى يَحْنَث , فَإِنْ حَنِثَ فَلَا يَقْرَبهَا حَتَّى يُكَفِّر , وَلَا يَقَع فِي الظِّهَار طَلَاق . 26126 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ , قَالَ : ثَنَا أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَغْشَى الْمُظَاهِر دُون الْفَرْج . 26127 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثَنَا زَيْد , قَالَ : قَالَ سُفْيَان : إِنَّمَا الْمُظَاهَرَة عَنْ الْجِمَاع ; وَلَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقْضِي حَاجَته دُون الْفَرْج أَوْ فَوْق الْفَرْج , أَوْ حَيْثُ يَشَاء , أَوْ يُبَاشِر . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ كُلّ مَعَانِي الْمَسِيس , وَقَالُوا : الْآيَة عَلَى الْعُمُوم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26128 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا وُهَيْب , عَنْ يُونُس , قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَرِهَ لِلْمُظَاهِرِ الْمَسِيس . وَقَوْله : { ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوْجَبَ رَبّكُمْ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ عِظَة لَكُمْ تَتَّعِظُونَ بِهِ , فَتَنْتَهُونَ عَنْ الظِّهَار وَقَوْل الزُّور . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاَللَّه بِأَعْمَالِكُمْ الَّتِي تَعْمَلُونَهَا أَيّهَا النَّاس ذُو خِبْرَة لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهَا , وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا , فَانْتَهُوا عَنْ قَوْل الْمُنْكَر وَالزُّور .

تفسير القرطبي

هَذَا اِبْتِدَاء وَالْخَبَر " فَتَحْرِير رَقَبَة " وَحُذِفَ عَلَيْهِمْ لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ , أَيْ فَعَلَيْهِمْ تَحْرِير رَقَبَة . وَقِيلَ : أَيْ فَكَفَّارَتهمْ عِتْق رَقَبَة . وَالْمُجْمَع عَلَيْهِ عِنْد الْعُلَمَاء فِي الظِّهَار قَوْل الرَّجُل لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي . وَهُوَ قَوْل الْمُنْكَر وَالزُّور الَّذِي عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : " وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْل وَزُورًا " [ الْمُجَادَلَة : 2 ] فَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْل حُرِّمَ عَلَيْهِ وَطْء اِمْرَأَته . فَمَنْ عَادَ لِمَا قَالَ لَزِمَتْهُ كَفَّارَة الظِّهَار , لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَاَلَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِير رَقَبَة " وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ كَفَّارَة الظِّهَار لَا تَلْزَم بِالْقَوْلِ خَاصَّة حَتَّى يَنْضَمّ إِلَيْهَا الْعَوْد , وَهَذَا حَرْف مُشَكَّل اِخْتَلَفَ النَّاس فِيهِ عَلَى أَقْوَال سَبْعَة : الْأَوَّل : أَنَّهُ الْعَزْم عَلَى الْوَطْء , وَهُوَ مَشْهُور قَوْل الْعِرَاقِيِّينَ أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه . وَرُوِيَ عَنْ مَالِك : فَإِنْ عَزَمَ عَلَى وَطْئِهَا كَانَ عَوْدًا , وَإِنْ لَمْ يَعْزِم لَمْ يَكُنْ عَوْدًا . الثَّانِي : الْعَزْم عَلَى الْإِمْسَاك بَعْد التَّظَاهُر مِنْهَا , قَالَهُ مَالِك . الثَّالِث : الْعَزْم عَلَيْهِمَا . وَهُوَ قَوْل مَالِك فِي مُوَطَّئِهِ , قَالَ مَالِك فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَاَلَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا " قَالَ : سَمِعْت أَنَّ تَفْسِير ذَلِكَ أَنْ يُظَاهِر الرَّجُل مِنْ اِمْرَأَته ثُمَّ يُجْمِع عَلَى إِصَابَتهَا وَإِمْسَاكهَا , فَإِنْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَة , وَإِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ يُجْمِع بَعْد تَظَاهُره مِنْهَا عَلَى إِمْسَاكهَا وَإِصَابَتهَا فَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ . قَالَ مَالِك : وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْد ذَلِكَ لَمْ يَمَسّهَا حَتَّى يُكَفِّر كَفَّارَة التَّظَاهُر . الْقَوْل الرَّابِع : أَنَّهُ الْوَطْء نَفْسه فَإِنْ لَمْ يَطَأ لَمْ يَكُنْ عَوْدًا , قَالَهُ الْحَسَن وَمَالِك أَيْضًا . الْخَامِس : وَقَالَ الْإِمَام الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : هُوَ أَنْ يُمْسِكهَا زَوْجَة بَعْد الظِّهَار مَعَ الْقُدْرَة عَلَى الطَّلَاق , لِأَنَّهُ لَمَّا ظَاهَرَ قَصْد التَّحْرِيم , فَإِنْ وَصَلَ بِهِ الطَّلَاق فَقَدْ جَرَى عَلَى خِلَاف مَا اِبْتَدَأَهُ مِنْ إِيقَاع التَّحْرِيم وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ . وَإِنْ أَمْسَكَ عَنْ الطَّلَاق فَقَدْ عَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَتَجِب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة . السَّادِس : أَنَّ الظِّهَار يُوجِب تَحْرِيمًا لَا يَرْفَعهُ إِلَّا الْكَفَّارَة . وَمَعْنَى الْعَوْد عِنْد الْقَائِلِينَ بِهَذَا : أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيح وَطْأَهَا إِلَّا بِكَفَّارَةٍ يُقَدِّمهَا , قَالَهُ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَاللَّيْث بْن سَعْد . السَّابِع هُوَ تَكْرِير الظِّهَار بِلَفْظِهِ . وَهَذَا قَوْل أَهْل الظَّاهِر النَّافِينَ لِلْقِيَاسِ , قَالُوا : إِذَا كَرَّرَ اللَّفْظ بِالظِّهَارِ فَهُوَ الْعَوْد , وَإِنْ لَمْ يُكَرِّر فَلَيْسَ بِعُودٍ . وَيُسْنَد ذَلِكَ إِلَى بُكَيْر بْن الْأَشَجّ وَأَبِي الْعَالِيَة وَأَبِي حَنِيفَة أَيْضًا , وَهُوَ قَوْل الْفَرَّاء . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : وَظَاهِر الْآيَة يَشْهَد لَهُ , لِأَنَّهُ قَالَ : " ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا " أَيْ إِلَى قَوْل مَا قَالُوا . وَرَوَى عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَاَلَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا " هُوَ أَنْ يَقُول لَهَا أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإِذَا قَالَ لَهَا ذَلِكَ فَلَيْسَتْ تَحِلّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّر كَفَّارَة الظِّهَار . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فَأَمَّا الْقَوْل بِأَنَّهُ الْعَوْد إِلَى لَفْظ الظِّهَار فَهُوَ بَاطِل قَطْعًا لَا يَصِحّ عَنْ بُكَيْر , وَإِنَّمَا يُشْبِه أَنْ يَكُون مِنْ جَهَالَة دَاوُد وَأَشْيَاعه . وَقَدْ رُوِيَتْ قَصَص الْمُتَظَاهِرِينَ وَلَيْسَ فِي ذِكْر الْكَفَّارَة عَلَيْهِمْ ذِكْر لِعَوْدِ الْقَوْل مِنْهُمْ , وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَعْنَى يَنْقُضهُ , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُنْكَر مِنْ الْقَوْل وَزُور , فَكَيْفَ يُقَال لَهُ إِذَا أَعَدْت الْقَوْل الْمُحَرَّم وَالسَّبَب الْمَحْظُور وَجَبَتْ عَلَيْك الْكَفَّارَة , وَهَذَا لَا يُعْقَل , أَلَا تَرَى أَنَّ كُلّ سَبَب يُوجِب الْكَفَّارَة لَا تُشْتَرَط فِيهِ الْإِعَادَة مِنْ قَتْل وَوَطْء فِي صَوْم أَوْ غَيْره . قُلْت : قَوْل يُشْبِه أَنْ يَكُون مِنْ جَهَالَة دَاوُد وَأَشْيَاعه حُمِلَ مِنْهُ عَلَيْهِ , وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ دَاوُد مَنْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمْ , وَأَمَّا قَوْل الشَّافِعِيّ : بِأَنَّهُ تَرَكَ الطَّلَاق مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ فَيَنْقُضهُ ثَلَاثَة أُمُور أُمَّهَات : الْأَوَّل : أَنَّهُ قَالَ : " ثُمَّ " وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يَقْتَضِي التَّرَاخِي . الثَّانِي : أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " ثُمَّ يَعُودُونَ " يَقْتَضِي وُجُود فِعْل مِنْ جِهَة وَمُرُور الزَّمَان لَيْسَ بِفِعْلٍ مِنْهُ . الثَّالِث : أَنَّ الطَّلَاق الرَّجْعِيّ لَا يُنَافِي الْبَقَاء عَلَى الْمِلْك فَلَمْ يَسْقُط حُكْم الظِّهَار كَالْإِيلَاءِ . فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا رَآهَا كَالْأُمِّ لَمْ يُمْسِكهَا إِذْ لَا يَصِحّ إِمْسَاك الْأُمّ بِالنِّكَاحِ . وَهَذِهِ عُمْدَة أَهْل مَا وَرَاء النَّهَر . قُلْنَا : إِذَا عَزَمَ عَلَى خِلَاف مَا قَالَ وَرَّاهَا خِلَاف الْأُمّ كُفْر وَعَادَ إِلَى أَهْله . وَتَحْقِيق هَذَا الْقَوْل : أَنَّ الْعَزْم قَوْل نَفْسِي , وَهَذَا رَجُل قَالَ قَوْلًا اِقْتَضَى التَّحْلِيل وَهُوَ النِّكَاح , وَقَالَ قَوْلًا اِقْتَضَى التَّحْرِيم وَهُوَ الظِّهَار , ثُمَّ عَادَ لِمَا قَالَ وَهُوَ التَّحْلِيل , وَلَا يَصِحّ أَنْ يَكُون مِنْهُ اِبْتِدَاء عَقْد , لِأَنَّ الْعَقْد بَاقٍ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ قَوْل عَزْم يُخَالِف مَا اِعْتَقَدَهُ وَقَالَهُ فِي نَفْسه مِنْ الظِّهَار الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كُفْر وَعَادَ إِلَى أَهْله , لِقَوْلِهِ : " مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا " . وَهَذَا تَفْسِير بَالِغ فِي فَنّه . قَالَ بَعْض أَهْل التَّأْوِيل : الْآيَة فِيهَا تَقْدِيم وَتَأْخِير , وَالْمَعْنَى " وَاَلَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ " إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْجِمَاع " فَتَحْرِير رَقَبَة " لِمَا قَالُوا , أَيْ فَعَلَيْهِمْ تَحْرِير رَقَبَة مِنْ أَجْل مَا قَالُوا , فَالْجَار فِي قَوْله : " لِمَا قَالُوا " مُتَعَلِّق بِالْمَحْذُوفِ الَّذِي هُوَ خَبَر الِابْتِدَاء وَهُوَ عَلَيْهِمْ , قَالَ الْأَخْفَش . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمَعْنَى ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى إِرَادَة الْجِمَاع مِنْ أَجْل مَا قَالُوا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى الَّذِينَ كَانُوا يَظَّهَّرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّة , ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا كَانُوا قَالُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّة فِي الْإِسْلَام فَكَفَّارَة مَنْ عَادَ أَنْ يُحَرِّر رَقَبَة . الْفَرَّاء : اللَّام بِمَعْنَى عَنْ وَالْمَعْنَى ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَمَّا قَالُوا وَيُرِيدُونَ الْوَطْء . وَقَالَ الْأَخْفَش : لِمَا قَالُوا وَإِلَى مَا قَالُوا وَاحِد , وَاللَّام وَإِلَى يَتَعَاقَبَانِ , قَالَ : " الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا " [ الْأَعْرَاف : 43 ] وَقَالَ : " فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاط الْجَحِيم " [ الصَّافَّات : 23 ] وَقَالَ : " بِأَنَّ رَبّك أَوْحَى لَهَا " [ الزَّلْزَلَة : 5 ] وَقَالَ : " وَأُوحِيَ إِلَى نُوح " [ هُود : 36 ] . أَيْ فَعَلَيْهِ إِعْتَاق رَقَبَة , يُقَال : حَرَّرْته أَيْ جَعَلْته حُرًّا . ثُمَّ هَذِهِ الرَّقَبَة يَجِب أَنْ تَكُون كَامِلَة سَلِيمَة مِنْ كُلّ عَيْب , مِنْ كَمَالِهَا إِسْلَامهَا عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ , كَالرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَة الْقَتْل . وَعِنْد أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه تُجْزِي الْكَفَّارَة وَمَنْ فِيهَا شَائِبَة رِقّ كَالْمُكَاتَبَةِ وَغَيْرهَا . فَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ فَلَا يُجْزِيه عِنْدنَا وَلَا عِنْد أَبِي حَنِيفَة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ يُجْزِئ , لِأَنَّ نِصْف الْعَبْدَيْنِ فِي مَعْنَى الْعَبْد الْوَاحِد , وَلِأَنَّ الْكَفَّارَة بِالْعِتْقِ طَرِيقهَا الْمَال فَجَازَ أَنْ يَدْخُلهَا التَّبْعِيض وَالتَّجْزِيء كَالْإِطْعَامِ , وَدَلِيلنَا قَوْله تَعَالَى : " فَتَحْرِير رَقَبَة " وَهَذَا الِاسْم عِبَارَة عَنْ شَخْص وَاحِد , وَبَعْض الرَّقَبَة لَيْسَ بِرَقَبَةٍ , وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلهُ التَّلْفِيق , لِأَنَّ الْعِبَادَة الْمُتَعَلِّقَة بِالرَّقَبَةِ لَا يَقُوم النِّصْف مِنْ رَقَبَتَيْنِ مَقَامهَا , أَصْله إِذَا اِشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي أُضْحِيَّتَيْنِ , وَلِأَنَّهُ لَوْ أَمَرَ رَجُلَيْنِ أَنْ يَحُجَّا عَنْهُ حَجَّة لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحُجّ عَنْهُ وَاحِد مِنْهُمَا نِصْفهَا كَذَلِكَ هَذَا , وَلِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُشْتَرَى رَقَبَة فَتَعْتِق عَنْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْتِق عَنْهُ نِصْف عَبْدَيْنِ , كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتنَا وَبِهَذَا يَبْطُل دَلِيلهمْ . وَالْإِطْعَام وَغَيْره لَا يَتَجَزَّى فِي الْكَفَّارَة عِنْدنَا . أَيْ يُجَامِعهَا فَلَا يَجُوز لِلْمُظَاهِرِ الْوَطْء قَبْل التَّكْفِير , فَإِنْ جَامَعَهَا قَبْل التَّكْفِير أَثِمَ وَعَصَى وَلَا يَسْقُط عَنْهُ التَّكْفِير . وَحُكِيَ عَنْ مُجَاهِد : أَنَّهُ إِذَا وَطِئَ قَبْل أَنْ يَشْرَع فِي التَّكْفِير لَزِمَتْهُ كَفَّارَة أُخْرَى . وَعَنْ غَيْره : أَنَّ الْكَفَّارَة الْوَاجِبَة بِالظِّهَارِ تَسْقُط عَنْهُ وَلَا يَلْزَمهُ شَيْء أَصْلًا , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْجَبَ الْكَفَّارَة وَأَمَرَ بِهَا قَبْل الْمَسِيس , فَإِذَا أَخَّرَهَا حَتَّى مَسَّ فَقَدْ فَاتَ وَقْتهَا . وَالصَّحِيح ثُبُوت الْكَفَّارَة , لِأَنَّهُ بِوَطْئِهِ اِرْتَكَبَ إِثْمًا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْقِطًا لِلْكَفَّارَةِ , وَيَأْتِي بِهَا قَضَاء كَمَا لَوْ أَخَّرَ الصَّلَاة عَنْ وَقْتهَا . وَفِي حَدِيث أَوْس بْن الصَّامِت لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ وَطِئَ اِمْرَأَته أَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ . وَهَذَا نَصّ وَسَوَاء كَانَتْ كَفَّارَة بِالْعِتْقِ أَوْ الصَّوْم أَوْ الْإِطْعَام . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِنْ كَانَتْ كَفَّارَته بِالْإِطْعَامِ جَازَ أَنْ يَطَأ ثُمَّ يُطْعِم , فَأَمَّا غَيْر الْوَطْء مِنْ , الْقُبْلَة وَالْمُبَاشَرَة وَالتَّلَذُّذ فَلَا يَحْرُم فِي قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء . وَقَالَهُ الْحَسَن وَسُفْيَان , وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ . وَقِيلَ : وَكُلّ ذَلِكَ مُحَرَّم وَكُلّ مَعَانِي الْمَسِيس , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَأَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ . أَيْ تُؤْمَرُونَ بِهِ مِنْ التَّكْفِير وَغَيْره .

غريب الآية
وَٱلَّذِینَ یُظَـٰهِرُونَ مِن نِّسَاۤىِٕهِمۡ ثُمَّ یَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟ فَتَحۡرِیرُ رَقَبَةࣲ مِّن قَبۡلِ أَن یَتَمَاۤسَّاۚ ذَ ٰ⁠لِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ ﴿٣﴾
یُظَـٰهِرُونَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُم لِزوجَتِهِ: «أنْتِ عَليَّ كَظَهْرِ أُمِّي» أي في حُرْمَةِ النِّكَاحِ.
یَتَمَاۤسَّاۚيَمَسَّ أَحَدُهُما الآخَرَ، وهي كِنايةٌ عَنِ الِجماعِ.
الإعراب
(وَالَّذِينَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الَّذِينَ) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(يُظَاهِرُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(نِسَائِهِمْ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(ثُمَّ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحٍ.
(يَعُودُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَعْطُوفٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(لِمَا)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(مَا) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(قَالُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(فَتَحْرِيرُ)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ رَابِطٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(تَحْرِيرُ) : خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ "جَزَاؤُهُمْ" مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (الَّذِينَ) :.
(رَقَبَةٍ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(قَبْلِ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَتَمَاسَّا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"أَلِفُ الِاثْنَيْنِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(ذَلِكُمْ)
اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(تُوعَظُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَائِبُ فَاعِلٍ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ.
(بِهِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(وَاللَّهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَاسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(بِمَا)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(مَا) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(خَبِيرٌ) :.
(تَعْمَلُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(خَبِيرٌ)
خَبَرُ اسْمِ الْجَلَالَةِ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.