سورة المجادلة الآية ٤
سورة المجادلة الآية ٤
فَمَن لَّمۡ یَجِدۡ فَصِیَامُ شَهۡرَیۡنِ مُتَتَابِعَیۡنِ مِن قَبۡلِ أَن یَتَمَاۤسَّاۖ فَمَن لَّمۡ یَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّینَ مِسۡكِینࣰاۚ ذَ ٰلِكَ لِتُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَـٰفِرِینَ عَذَابٌ أَلِیمٌ ﴿٤﴾
تفسير السعدي
فمن لم يجد رقبة يعتقها , فالواجب عليه صيام شهرين متتاليين من قبل أن يطأ زوجه, فمن لم يستطع صيام الشهرين لعذر شرعي, فعليه أن يطعم ستين مسكينا ما يشبعهم , ذلك الذي بيناه لكم من أحكام الظهار; من أجل أن تصدقوا بالله وتتبعوا وسيله وتعملوا بما شرعه الله, وتتركوا ما كنتم عليه في جاهليتكم, وتلك الأحكام المذكورة هي أوامر الله وحدود فلا تتجاوزوها, وللجاحدين بها عذاب موجع.
التفسير الميسر
فمن لم يجد رقبة يُعتقها، فالواجب عليه صيام شهرين متتاليين من قبل أن يطأ زوجه، فمن لم يستطع صيام الشهرين لعذر شرعي، فعليه أن يطعم ستين مسكينًا ما يشبعهم، ذلك الذي بينَّاه لكم من أحكام الظهار؛ من أجل أن تصدِّقوا بالله وتتبعوا رسوله وتعملوا بما شرعه الله، وتتركوا ما كنتم عليه في جاهليتكم، وتلك الأحكام المذكورة هي أوامر الله وحدوده فلا تتجاوزوها، وللجاحدين بها عذاب موجع.
تفسير الجلالين
"فَمَنْ لَمْ يَجِد" رَقَبَة "فَصِيَام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ" أَيْ الصِّيَام "فَإِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا" عَلَيْهِ : أَيْ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّد لِكُلِّ مِسْكِين مُدّ مِنْ غَالِب قُوت الْبَلَد "ذَلِكَ" أَيْ التَّخْفِيف فِي الْكَفَّارَة "لِتُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله وَتِلْكَ" أَيْ الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة "حُدُود اللَّه وَلِلْكَافِرِينَ" أَيْ وَلِلْكَافِرِينَ بِهَا "عَذَاب أَلِيم" مُؤْلِم
تفسير ابن كثير
قَدْ تَقَدَّمَتْ الْأَحَادِيث الْآمِرَة بِهَذَا عَلَى التَّرْتِيب كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّة الَّذِي جَامَعَ اِمْرَأَته فِي رَمَضَان " ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله" أَيْ شَرَعْنَا هَذَا لِهَذَا . وَقَوْله تَعَالَى " وَتِلْك حُدُود اللَّه " أَيْ مَحَارِمه فَلَا تَنْتَهِكُوهَا وَقَوْله تَعَالَى " وَلِلْكَافِرِينَ عَذَاب أَلِيم " أَيْ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا وَلَا اِلْتَزَمُوا بِأَحْكَامِ هَذِهِ الشَّرِيعَة لَا تَعْتَقِدُوا أَنَّهُمْ نَاجُونَ مِنْ الْبَلَاء كَلَّا لَيْسَ الْأَمْر كَمَا زَعَمُوا بَلْ لَهُمْ عَذَاب أَلِيم أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة .
تفسير القرطبي
مَنْ لَمْ يَجِد الرَّقَبَة وَلَا ثَمَنهَا , أَوْ كَانَ مَالِكًا لَهَا إِلَّا أَنَّهُ شَدِيد الْحَاجَة إِلَيْهَا لِخِدْمَتِهِ , أَوْ كَانَ مَالِكًا لِثَمَنِهَا إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَاج إِلَيْهِ لِنَفَقَتِهِ , أَوْ كَانَ لَهُ مَسْكَن لَيْسَ لَهُ غَيْره وَلَا يَجِد شَيْئًا سِوَاهُ , فَلَهُ أَنْ يَصُوم عِنْد الشَّافِعِيّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يَصُوم وَعَلَيْهِ عِتْق وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى ذَلِكَ . وَقَالَ مَالِك : إِذَا كَانَ لَهُ دَار وَخَادِم لَزِمَهُ الْعِتْق فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الرَّقَبَة , وَهِيَ : فَعَلَيْهِ صَوْم شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ . فَإِنْ أَفْطَرَ فِي أَثْنَائِهِمَا بِغَيْرِ عُذْر اِسْتَأْنَفَهُمَا , وَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ مِنْ سَفَر أَوْ مَرَض , فَقِيلَ : يَبْنِي , قَالَهُ اِبْن الْمُسَيِّب وَالْحَسَن وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَعَمْرو بْن دِينَار وَالشَّعْبِيّ . وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ مَذْهَبَيْهِ . وَقَالَ مَالِك : إِنَّهُ إِذَا مَرِضَ فِي صِيَام كَفَّارَة الظِّهَار بَنَى إِذَا صَحَّ . وَمَذْهَب أَبِي حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ يَبْتَدِئ . وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ . إِذَا اِبْتَدَأَ الصِّيَام ثُمَّ وَجَدَ الرَّقَبَة أَتَمَّ الصِّيَام وَأَجْزَأَهُ عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ , لِأَنَّهُ بِذَلِكَ أُمِرَ حِين دَخَلَ فِيهِ . وَيَهْدِم الصَّوْم وَيَعْتِق عِنْد أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه , قِيَاسًا عَلَى الصَّغِيرَة الْمُعْتَدَّة بِالشُّهُورِ تَرَى الدَّم قَبْل اِنْقِضَائِهَا , فَإِنَّهَا تَسْتَأْنِف الْحَيْض إِجْمَاعًا مِنْ الْعُلَمَاء . وَإِذَا اِبْتَدَأَ سَفَرًا فِي صِيَامه فَأَفْطَرَ , اِبْتَدَأَ الصِّيَام عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة , لِقَوْلِهِ : " مُتَتَابِعَيْنِ " . وَيَبْنِي فِي قَوْل الْحَسَن الْبَصْرِيّ , لِأَنَّهُ عُذْر وَقِيَاسًا عَلَى رَمَضَان , فَإِنْ تَخَلَّلَهَا زَمَان لَا يَحِلّ صَوْمه فِي الْكَفَّارَة كَالْعِيدَيْنِ وَشَهْر رَمَضَان اِنْقَطَعَ . إِذَا وَطِئَ الْمُتَظَاهِر فِي خِلَال الشَّهْرَيْنِ نَهَارًا , بَطَلَ التَّتَابُع فِي قَوْل الشَّافِعِيّ , وَلَيْلًا فَلَا يَبْطُل , لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ . وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة : يَبْطُل بِكُلِّ حَال وَوَجَبَ عَلَيْهِ اِبْتِدَاء الْكَفَّارَة , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا " وَهَذَا الشَّرْط عَائِد إِلَى جُمْلَة الشَّهْرَيْنِ , وَإِلَى أَبْعَاضهمَا , فَإِذَا وَطِئَ قَبْل اِنْقِضَائِهِمَا فَلَيْسَ هُوَ الصِّيَام الْمَأْمُور بِهِ , فَلَزِمَهُ اِسْتِئْنَافه , كَمَا لَوْ قَالَ : صَلِّ قَبْل أَنْ تُكَلِّم زَيْدًا . فَكَلَّمَ زَيْدًا فِي الصَّلَاة , أَوْ قَالَ : صَلِّ قَبْل أَنْ تُبْصِر زَيْدًا فَأَبْصَرَهُ فِي الصَّلَاة لَزِمَهُ اِسْتِئْنَافهَا , لِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاة لَيْسَتْ هِيَ الصَّلَاة الْمَأْمُور بِهَا كَذَلِكَ هَذَا , وَاَللَّه أَعْلَم . وَمَنْ تَطَاوَلَ مَرَضه طُولًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَاجِز مِنْ كِبَر , وَجَازَ لَهُ الْعُدُول عَنْ الصِّيَام إِلَى الْإِطْعَام . وَلَوْ كَانَ مَرَضه مِمَّا يُرْجَى بُرْؤُهُ وَاشْتَدَّتْ حَاجَته إِلَى وَطْء اِمْرَأَته كَانَ الِاخْتِيَار لَهُ أَنْ يَنْتَظِر الْبُرْء حَتَّى يَقْدِر عَلَى الصِّيَام . وَلَوْ كَفَرَ بِالْإِطْعَامِ وَلَمْ يَنْتَظِر الْقُدْرَة عَلَى الصِّيَام أَجْزَأَهُ . وَمَنْ تَظَاهَرَ وَهُوَ مُعْسِر ثُمَّ أَيْسَرَ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْم . وَمَنْ تَظَاهَرَ وَهُوَ مُوسِر ثُمَّ أَعْسَرَ قَبْل أَنْ يُكَفِّر صَامَ . وَإِنَّمَا يُنْظَر إِلَى حَال يَوْم يُكَفِّر . وَلَوْ جَامَعَهَا فِي عَدَمه وَعُسْره وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى أَيْسَرَ لَزِمَهُ الْعِتْق . وَلَوْ اِبْتَدَأَ بِالصَّوْمِ ثُمَّ أَيْسَرَ فَإِنْ كَانَ مَضَى مِنْ صَوْمه صَدْر صَالِح نَحْو الْجُمُعَة وَشَبَههَا تَمَادَى . وَإِنْ كَانَ الْيَوْم وَالْيَوْمَيْنِ وَنَحْوهمَا تَرَكَ الصَّوْم وَعَادَ إِلَى الْعِتْق وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ غَيْر وَاجِب عَلَى مَنْ طَرَأَ الْمَاء عَلَيْهِ وَهُوَ قَدْ دَخَلَ بِالتَّيَمُّمِ فِي الصَّلَاة أَنْ يَقْطَع وَيَبْتَدِئ الطَّهَارَة عِنْد مَالِك . وَلَوْ أَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ عَنْ كَفَّارَتَيْ ظِهَار أَوْ قَتْل أَوْ فَطَرَ فِي رَمَضَان وَأَشْرَكَ بَيْنهمَا فِي كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا لَمْ يُجْزِهِ . وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة وَاحِدَة عَنْ كَفَّارَتَيْنِ . وَكَذَلِكَ لَوْ صَامَ عَنْهُمَا أَرْبَعَة أَشْهُر حَتَّى يَصُوم عَنْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا شَهْرَيْنِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ يُجْزِيه . وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ اِمْرَأَتَيْنِ لَهُ فَأَعْتَقَ رَقَبَة عَنْ إِحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ وَطْء وَاحِدَة مِنْهُمَا حَتَّى يُكَفِّر كَفَّارَة أُخْرَى . وَلَوْ عَيَّنَ الْكَفَّارَة عَنْ إِحْدَاهُمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَطَأهَا قَبْل أَنْ يُكَفِّر الْكَفَّارَة عَنْ الْأُخْرَى . وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَع نِسْوَة فَأَعْتَقَ عَنْهُنَّ ثَلَاث رِقَاب , وَصَامَ شَهْرَيْنِ , لَمْ يُجْزِهِ الْعِتْق وَلَا الصِّيَام , لِأَنَّهُ إِنَّمَا صَامَ عَنْ كُلّ وَاحِدَة خَمْسَة عَشَر يَوْمًا , فَإِنْ كَفَّرَ عَنْهُنَّ بِالْإِطْعَامِ جَازَ أَنْ يُطْعِم عَنْهُنَّ مِائَتَيْ مِسْكِين , وَإِنْ لَمْ يَقْدِر فَرَّقَ بِخِلَافِ الْعِتْق وَالصِّيَام , لِأَنَّ صِيَام الشَّهْرَيْنِ لَا يُفَرَّق وَالْإِطْعَام يُفَرَّق . فَصْل وَفِيهِ أَرْبَع مَسَائِل : الْأُولَى : ذَكَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْكَفَّارَة هُنَا مُرَتَّبَة , فَلَا سَبِيل إِلَى الصِّيَام إِلَّا عِنْد الْعَجْز عَنْ الرَّقَبَة , وَكَذَلِكَ لَا سَبِيل إِلَى الْإِطْعَام إِلَّا عِنْد عَدَم الِاسْتِطَاعَة عَلَى الصِّيَام , فَمَنْ لَمْ يُطِقْ الصِّيَام وَجَبَ عَلَيْهِ إِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مِسْكِين مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَإِنْ أَطْعَمَ مُدًّا بِمُدِّ هِشَام , وَهُوَ مُدَّانِ إِلَّا ثُلُثًا , أَوْ أَطْعَمَ مُدًّا وَنِصْفًا بِمُدِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْزَأَهُ . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ : وَأَفْضَل ذَلِكَ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَقُلْ فِي كَفَّارَة الظِّهَار " مِنْ أَوْسَط مَا تُطْعِمُونَ " [ الْمَائِدَة : 89 ] فَوَاجِب قَصْد الشِّبَع . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَالَ مَالِك فِي رِوَايَة اِبْن الْقَاسِم وَابْن عَبْد الْحَكَم : مُدّ بِمُدِّ هِشَام وَهُوَ الشِّبَع هَاهُنَا , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَطْلَقَ الطَّعَام وَلَمْ يَذْكُر الْوَسَط . وَقَالَ فِي رِوَايَة أَشْهَب : مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قِيلَ لَهُ : أَلَمْ تَكُنْ قُلْت مُدّ هِشَام ؟ قَالَ : بَلَى , مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبّ إِلَيَّ . وَكَذَلِكَ قَالَ عَنْهُ اِبْن الْقَاسِم أَيْضًا . قُلْت : وَهِيَ رِوَايَة اِبْن وَهْب وَمُطَرِّف عَنْ مَالِك : أَنَّهُ يُعْطِي مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِين بِمُدِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه . وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَغَيْره مُدّ وَاحِد لِكُلِّ مِسْكِين لَا يَلْزَمهُ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ يُكَفِّر بِالْإِطْعَامِ وَلَمْ يَلْزَمهُ صَرْف زِيَادَة عَلَى الْمُدّ , أَصْله كَفَّارَة الْإِفْطَار وَالْيَمِين . وَدَلِيلنَا قَوْله تَعَالَى : " فَإِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا " وَإِطْلَاق الْإِطْعَام يَتَنَاوَل الشِّبَع , وَذَلِكَ لَا يَحْصُل بِالْعَادَةِ بِمُدٍّ وَاحِد إِلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ . وَكَذَلِكَ قَالَ أَشْهَب : قُلْت لِمَالِك أَيُخْتَلَفُ الشِّبَع عِنْدنَا وَعِنْدكُمْ ؟ قَالَ نَعَمْ ! الشِّبَع عِنْدنَا مُدّ بِمُدِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشِّبَع عِنْدكُمْ أَكْثَر , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَنَا بِالْبَرَكَةِ دُونكُمْ , فَأَنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَكْثَر مِمَّا نَأْكُل نَحْنُ . وَقَالَ أَبُو الْحَسَن الْقَابِسِيّ : إِنَّمَا أَخَذَ أَهْل الْمَدِينَة بِمُدِّ هِشَام فِي كَفَّارَة الظِّهَار تَغْلِيظًا عَلَى الْمُتَظَاهِرِينَ الَّذِينَ شَهِدَ اللَّه عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْل وَزُورًا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَعَ الْكَلَام هَاهُنَا فِي مُدّ هِشَام كَمَا تَرَوْنَ , وَوَدِدْت أَنْ يُهَشِّم الزَّمَان ذِكْره , وَيَمْحُو مِنْ الْكُتُب رَسْمه , فَإِنَّ الْمَدِينَة الَّتِي نَزَلَ الْوَحْي بِهَا وَاسْتَقَرَّ الرَّسُول , بِهَا وَوَقَعَ عِنْدهمْ الظِّهَار , وَقِيلَ لَهُمْ فِيهِ : " فَإِطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا " فَهِمُوهُ وَعَرَفُوا الْمُرَاد بِهِ وَأَنَّهُ الشِّبَع , وَقَدْره مَعْرُوف عِنْدهمْ مُتَقَرِّر لَدَيْهِمْ , وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ الشِّبَع فِي الْأَخْبَار كَثِيرًا , وَاسْتَمَرَّتْ الْحَال عَلَى ذَلِكَ أَيَّام الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ حَتَّى نَفَخَ الشَّيْطَان فِي أُذُن هِشَام , فَرَأَى أَنَّ مُدّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُشْبِعهُ , وَلَا مِثْله مِنْ حَوَاشِيه وَنُظَرَائِهِ , فَسَوَّلَ لَهُ أَنْ يَتَّخِذ مُدًّا يَكُون فِيهِ شِبَعه , فَجَعَلَهُ رِطْلَيْنِ وَحَمَلَ النَّاس عَلَيْهِ , فَإِذَا اِبْتَلَّ عَادَ نَحْو الثَّلَاثَة الْأَرْطَال , فَغَيَّرَ السُّنَّة وَأَذْهَبَ مَحَلّ الْبَرَكَة . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين دَعَا رَبّه لِأَهْلِ الْمَدِينَة بِأَنْ تَبْقَى لَهُمْ الْبَرَكَة فِي مُدّهمْ وَصَاعهمْ , مِثْل مَا بَارَكَ لِإِبْرَاهِيم بِمَكَّة , فَكَانَتْ الْبَرَكَة تَجْرِي بِدَعْوَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُدّه , فَسَعَى الشَّيْطَان فِي تَغْيِير هَذِهِ السُّنَّة وَإِذْهَاب هَذِهِ الْبَرَكَة , فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ فِي ذَلِكَ إِلَّا هِشَام , فَكَانَ مِنْ حَقّ الْعُلَمَاء أَنْ يُلْغُوا ذِكْره وَيَمْحُوَا رَسْمه إِذَا لَمْ يُغَيِّرُوا أَمْره , وَأَمَّا أَنْ يُحِيلُوا عَلَى ذِكْره فِي الْأَحْكَام , وَيَجْعَلُوهُ تَفْسِيرًا لِمَا ذَكَرَ اللَّه وَرَسُوله بَعْد أَنْ كَانَ مُفَسَّرًا عِنْد الصَّحَابَة الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ فَخَطْب جَسِيم , وَلِذَلِكَ كَانَتْ رِوَايَة أَشْهَب فِي ذِكْر مُدَّيْنِ بِمُدِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَفَّارَة الظِّهَار أَحَبّ إِلَيْنَا مِنْ الرِّوَايَة بِأَنَّهَا بِمُدِّ هِشَام . أَلَا تَرَى كَيْفَ نَبَّهَ مَالِك عَلَى هَذَا الْعِلْم بِقَوْلِهِ لِأَشْهَب : الشِّبَع عِنْدنَا بِمُدِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالشِّبَع عِنْدكُمْ أَكْثَر لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَنَا بِالْبَرَكَةِ . وَبِهَذَا أَقُول , فَإِنَّ الْعِبَادَة إِذَا أُدِّيَتْ بِالسُّنَّةِ , فَإِنْ كَانَتْ بِالْبَدَنِ كَانَتْ أَسْرَع إِلَى الْقَبُول , وَإِنْ كَانَتْ بِالْمَالِ كَانَ قَلِيلهَا أَثْقَل فِي الْمِيزَان , وَأَبْرَك فِي يَد الْآخِذ , وَأَطْيَب فِي شِدْقه , وَأَقَلّ آفَة فِي بَطْنه , وَأَكْثَر إِقَامَة لِصُلْبِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم . الثَّانِيَة : وَلَا يُجْزِئ عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ أَنْ يُطْعِم أَقَلّ مِنْ سِتِّينَ مِسْكِينًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : إِنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا كُلّ يَوْم نِصْف صَاع حَتَّى يُكْمِل الْعَدَد أَجْزَأَهُ . الثَّالِثَة : قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : مِنْ غَرِيب الْأَمْر أَنَّ أَبَا حَنِيفَة قَالَ إِنَّ الْحَجَر عَلَى الْحُرّ بَاطِل . وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَتَحْرِير رَقَبَة " وَلَمْ يُفَرِّق بَيْن الرَّشِيد وَالسَّفِيه , وَهَذَا فِقْه ضَعِيف لَا يُنَاسِب قَدْره , فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَة عَامَّة , وَقَدْ كَانَ الْقَضَاء بِالْحَجَرِ فِي أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشِيًا وَالنَّظَر يَقْتَضِيه , وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَر لِصِغَرٍ أَوْ لِوِلَايَةٍ وَبَلَغَ سَفِيهًا قَدْ نُهِيَ عَنْ دَفْع الْمَال إِلَيْهِ , فَكَيْفَ يَنْفُذ فِعْله فِيهِ وَالْخَاصّ يَقْضِي عَلَى الْعَامّ . الرَّابِعَة : وَحُكْم الظِّهَار عِنْد بَعْض الْعُلَمَاء نَاسِخ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَوْن الظِّهَار طَلَاقًا , وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي قِلَابَة وَغَيْرهمَا . أَيْ ذَلِكَ الَّذِي وَصَفْنَا مِنْ التَّغْلِيظ فِي الْكَفَّارَة " لِتُؤْمِنُوا " أَيْ لِتُصَدِّقُوا أَنَّ اللَّه أَمَرَ بِهِ . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْض الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَة إِيمَان بِاَللَّهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى , لِمَا ذَكَرَهَا وَأَوْجَبَهَا قَالَ : " ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله " أَيْ ذَلِكَ لِتَكُونُوا مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى وَاقِفِينَ عِنْد حُدُوده لَا تَتَعَدَّوْهَا , فَسَمَّى التَّكْفِير لِأَنَّهُ طَاعَة وَمُرَاعَاة لِلْحَدِّ إِيمَانًا , فَثَبَتَ أَنَّ كُلّ مَا أَشْبَهَهُ فَهُوَ إِيمَان . فَإِنْ قِيلَ : مَعْنَى قَوْله : " ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله " أَيْ لِئَلَّا تَعُودُوا لِلظِّهَارِ الَّذِي هُوَ مُنْكَر مِنْ الْقَوْل وَزُور . وَقِيلَ لَهُ : قَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون هَذَا مَقْصُودًا وَالْأَوَّل مَقْصُودًا , فَيَكُون الْمَعْنَى ذَلِكَ لِئَلَّا تَعُودُوا لِلْقَوْلِ الْمُنْكَر وَالزُّور , بَلْ تَدْعُونَهُمَا طَاعَة لِلَّهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى إِذْ كَانَ قَدْ حَرَّمَهُمَا , وَلِتَجْتَنِبُوا الْمُظَاهِر مِنْهَا إِلَى أَنْ تُكَفِّرُوا , إِذْ كَانَ اللَّه مَنَعَ مِنْ مَسِيسهَا , وَتُكَفِّرُوا إِذْ كَانَ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ بِالْكَفَّارَةِ وَأَلْزَمَ إِخْرَاجهَا مِنْكُمْ , فَتَكُونُوا بِهَذَا كُلّه مُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله , لِأَنَّهَا حُدُود تَحْفَظُونَهَا , وَطَاعَات تَوَدُّونَهَا وَالطَّاعَة لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيمَان . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . أَيْ بَيَّنَ مَعْصِيَته وَطَاعَته , فَمَعْصِيَته الظِّهَار وَطَاعَته الْكَفَّارَة . أَيْ لِمَنْ لَمْ يُصَدِّق بِأَحْكَامِ اللَّه تَعَالَى عَذَاب جَهَنَّم .
| مِسۡكِینࣰاۚ | هو الَّذِي لا يَمْلِكُ ما يَكْفِيهِ ويَسُدُّ حاجَتَهُ. |
|---|
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian