صفحات الموقع

سورة الأنعام الآية ١٤٣

سورة الأنعام الآية ١٤٣

ثَمَـٰنِیَةَ أَزۡوَ ٰ⁠جࣲۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَیۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَیۡنِۗ قُلۡ ءَاۤلذَّكَرَیۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَیَیۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَیۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَیَیۡنِۖ نَبِّـُٔونِی بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ ﴿١٤٣﴾

التفسير

تفسير السعدي

وهذه الأنعام التي امتن الله بها على عباده, وجعلها كلها حلالا طيبا, فصلها بأنها: " ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ " ذكر وأنثى " وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ " كذلك. فهذه أربعة, كلها داخلة فيما أحل الله, لا فرق بين شيء منها. فقل لهؤلاء المتكلفين, الذين يحرمون منها شيئا دون شيء, أو يحرمون بعضها على الإناث دون الذكور, ملزما لهم بعدم وجود الفرق, بين ما أباحوا منها, وحرموا: " آلذَّكَرَيْنِ " من الضأن والمعز " حَرَّمَ " الله, فلستم تقولون بذلك وتطردونه. " أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ " حرم الله من الضأن والمعز, فليس هذا قولكم, لا تحريم الذكور الخالص, ولا الإناث الخلص من الصنفين. بقي إذا كان الرحم مشتملا, على ذكر وأنثى, أو على مجهول فقال: " أَمْ " تحرمون ما " اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ " أي: أنثى الضأن, وأنثى المعز, من غير فرق, بين ذكر وأنثى, فلستم تقولون أيضا بهذا القول. فإذا كنتم لا تقولون بأحد هذه الأقوال الثلاثة, التي حصرت الأقسام الممكنة في ذلك, فإلى أي شيء تذهبون؟. " نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " في قولكم ودعواكم. ومن المعلوم أنهم لا يمكنهم أن يقولوا قولا سائغا في العقل, إلا واحدا من هذه الثلاثة. وهم لا ويقولون بشيء منها إنما يقولون: إن بعض الأنعام التي يصطلحون عليها اصطلاحات من عند أنفسهم, حرام على الإناث, دون الذكور, أو محرمة في وقت من الأوقات, أو نحو ذلك من الأقوال. التي يعلم علما لا شك فيه, أن مصدرها, من الجهل المركب, والعقول المختلفة المنحرفة, والآراء الفاسدة, وأن الله, ما أنزل - بما قالوه - من سلطان, ولا لهم عليه, حجة, ولا برهان.

التفسير الميسر

هذه الأنعام التي رزقها الله عباده من الإبل والبقر والغنم ثمانية أصناف: أربعة منها من الغنم، وهي الضأن ذكورًا وإناثًا، والمعز ذكورًا وإناثًا. قل -أيها الرسول- لأولئك المشركين: هل حَرَّم الله الذكرين من الغنم؟ فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا في ذلك؛ لأنهم لا يحرمون كل ذكر من الضأن والمعز، وقل لهم: هل حَرَّم الله الأنثيين من الغنم؟ فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا أيضًا؛ لأنهم لا يحرمون كل أنثى من ولد الضأن والمعز، وقل لهم: هل حَرَّم الله ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الضأن والمعز من الحمل؟ فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا أيضًا؛ لأنهم لا يحرمون كل حَمْل مِن ذلك، خبِّروني بعلم يدل على صحة ما ذهبتم إليه، إن كنتم صادقين فيما تنسبونه إلى ربكم.

تفسير الجلالين

"ثَمَانِيَة أَزْوَاج" أَصْنَاف بَدَل مِنْ حَمُولَة وَفُرُشًا "مِنْ الضَّأْن" زَوْجَيْنِ "اثْنَيْنِ" ذَكَر وَأُنْثَى "وَمِنْ الْمَعْز" بِالْفَتْحِ وَالسُّكُون "اثْنَيْنِ قُلْ" يَا مُحَمَّد لِمَنْ حَرَّمَ ذُكُور الْأَنْعَام تَارَة وَإِنَاثهمْ أُخْرَى وَنَسَبَ ذَلِكَ إلَى اللَّه "آلذَّكَرَيْنِ" مِنْ الضَّأْن وَالْمَعْز "حَرَّمَ" اللَّه عَلَيْكُمْ "أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ" مِنْهُمَا "أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ" ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى "نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ" عَنْ كَيْفِيَّة تَحْرِيم ذَلِكَ "إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" فِيهِ الْمَعْنَى مِنْ أَيْنَ جَاءَ التَّحْرِيم ؟ فَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَل الذُّكُورَة فَجَمِيع الذُّكُور حَرَام أَوْ الْأُنُوثَة فَجَمِيع الْإِنَاث أَوْ اشْتِمَال الرَّحِم فَالزَّوْجَانِ فَمِنْ أَيْنَ التَّخْصِيص ؟ وَالِاسْتِفْهَام لِلْإِنْكَارِ

تفسير ابن كثير

هَذَا بَيَان لِجَهْلِ الْعَرَب قَبْل الْإِسْلَام فِيمَا كَانُوا حَرَّمُوا مِنْ الْأَنْعَام وَجَعَلُوهَا أَجْزَاء وَأَنْوَاعًا بِحِيرَةً وَسَائِبَةً وَوَصِيلَةً وَحَامًا وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَنْوَاع الَّتِي اِبْتَدَعُوهَا فِي الْأَنْعَام وَالزُّرُوع وَالثِّمَار فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ أَنْشَأَ جَنَّات مَعْرُوشَات وَغَيْر مَعْرُوشَات وَأَنَّهُ أَنْشَأَ مِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفُرُشًا . ثُمَّ بَيَّنَ أَصْنَاف الْأَنْعَام إِلَى غَنَم وَهُوَ بَيَاض وَهُوَ الضَّأْن وَسَوَاد وَهُوَ الْمَعْز ذَكَرَهُ وَأُنْثَاهُ وَإِلَى إِبِل ذُكُورهَا وَإِنَاثهَا وَبَقَر كَذَلِكَ وَأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُحَرِّم شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا شَيْئًا مِنْ أَوْلَادهَا بَلْ كُلّهَا مَخْلُوقَة لِبَنِي آدَم أَكْلًا وَرُكُوبًا وَحَمُولَة وَحَلْبًا وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ وُجُوه الْمَنَافِع كَمَا قَالَ " وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزْوَاج " الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى " أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ " رَدَّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلهمْ " مَا فِي بُطُون هَذِهِ الْأَنْعَام خَالِصَة لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّم عَلَى أَزْوَاجنَا" الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى " نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" أَيْ أَخْبِرُونِي عَنْ يَقِين كَيْفَ حَرَّمَ اللَّه عَلَيْكُمْ مَا زَعَمْتُمْ تَحْرِيمه مِنْ الْبَحِيرَة وَالسَّائِبَة وَالْوَصِيلَة وَالْحَام وَنَحْو ذَلِكَ وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله" ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ" فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَزْوَاج " قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ" يَقُول لِمَ أُحَرِّم شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ " أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ " يَعْنِي هَلْ يَشْتَمِل الرَّحِم إِلَّا عَلَى ذَكَر أَوْ أُنْثَى فَلِمَ تُحَرِّمُونَ بَعْض وَتُحِلُّونَ بَعْضًا ؟ " نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " يَقُول تَعَالَى : كُلّه حَلَال .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وَهَذَا تَقْرِيع مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْعَادِلِينَ بِهِ الْأَوْثَان مِنْ عَبَدَة الْأَصْنَام الَّذِي بَحَرُوا الْبَحَائِر وَسَيَّبُوا السَّوَائِب وَوَصَلُوا الْوَصَائِل , وَتَعْلِيم مِنْهُ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ , الْحُجَّة عَلَيْهِمْ فِي تَحْرِيمهمْ مَا حَرَّمُوا مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ : { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّات مَعْرُوشَات وَغَيْر مَعْرُوشَات } وَمِنْ الْأَنْعَام أَنْشَأَ حَمُولَة وَفَرْشًا . ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْحَمُولَة وَالْفَرْش , فَقَالَ : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج } وَإِنَّمَا نُصِبَ الثَّمَانِيَة , لِأَنَّهَا تَرْجَمَة عَنْ الْحَمُولَة وَالْفَرْش وَبَدَل مِنْهَا ; كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَمِنْ الْأَنْعَام أَنْشَأَ ثَمَانِيَة أَزْوَاج ; فَلَمَّا قَدَّمَ قَبْل الثَّمَانِيَة الْحَمُولَة وَالْفَرْش بَيَّنَ ذَلِكَ بَعْد , فَقَالَ : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج } عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى { مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } فَذَلِكَ أَرْبَعَة , لِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْ الْأُنْثَيَيْنِ مِنْ الضَّأْن زَوْج , فَالْأُنْثَى مِنْهُ زَوْج الذَّكَر , وَالذَّكَر مِنْهُ زَوْج الْأُنْثَى , وَكَذَلِكَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعْز وَمِنْ سَائِر الْحَيَوَان ; فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { ثَمَانِيهِ أَزْوَاج } كَمَا قَالَ : { وَمِنْ كُلّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } 51 49 لِأَنَّ الذَّكَر زَوْج الْأُنْثَى وَالْأُنْثَى زَوْج الذَّكَر , فَهُمَا زَوْجَانِ كَانَا اِثْنَيْنِ فَهُمَا زَوْجَانِ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجهَا لِيَسْكُن إِلَيْهَا } 7 189 وَكَمَا قَالَ : { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } 33 37 . وَكَمَا : 10942 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ } ذَكَر وَأُنْثَى , { وَمِنْ الْإِبِل اِثْنَيْنِ } ذَكَر وَأُنْثَى , { وَمِنْ الْإِبِل اِثْنَيْنِ } ذَكَر وَأُنْثَى . وَيُقَال لِلِاثْنَيْنِ : هُمَا زَوْج كَمَا قَالَ لَبِيد : مِنْ كُلّ مَحْفُوف يُظِلّ عِصِيّه زَوْج عَلَيْهِ كِلَّة وَقِرَامهَا ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّه مِنْ هَذِهِ الثِّمَار وَاللُّحُوم , وَارْكَبُوا هَذِهِ الْحَمُولَة أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ , فَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان فِي تَحْرِيم مَا حَرَّمَ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَة بِغَيْرِ أَمْرِي إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ . قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَرَّمُوا مَا حَرَّمُوا مِنْ الْحَرْث وَالْأَنْعَام , اِتِّبَاعًا لِلشَّيْطَانِ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مُحَرِّمُونَ مِنْ ذَلِكَ : { آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ } رَبّكُمْ أَيّهَا الْكَذَبَة عَلَى اللَّه مِنْ الضَّأْن وَالْمَعْز , فَإِنَّهُمْ إِنْ اِدَّعَوْا ذَلِكَ وَأَقَرُّوا بِهِ , كَذَّبُوا أَنْفُسهمْ وَأَبَانُوا جَهْلهمْ , لِأَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا : يُحَرِّم الذَّكَرَيْنِ مِنْ ذَلِكَ , أَوْجَبُوا تَحْرِيم كُلّ ذَكَرَيْنِ مِنْ وَلَد الضَّأْن وَالْمَعْز , وَهُمْ يَسْتَمْتِعُونَ بِلُحُومِ الذُّكْرَان مِنْهَا وَظُهُورهَا , وَفِي ذَلِكَ فَسَاد دَعْوَاهُمْ وَتَكْذِيب قَوْلهمْ . { أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ } فَإِنَّهُمْ إِنْ قَالُوا : حَرَّمَ رَبُّنَا الْأُنْثَيَيْنِ , أَوْجَبُوا تَحْرِيم لُحُوم كُلّ أُنْثَى مِنْ وَلَد الضَّأْن وَالْمَعْز عَلَى أَنْفُسهمْ وَظُهُورهَا , وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا تَكْذِيب لَهُمْ , وَدَحْض دَعْوَاهُمْ أَنَّ رَبّهمْ حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , إِذْ كَانُوا يَسْتَمْتِعُونَ بِلُحُومِ بَعْض ذَلِكَ وَظُهُوره . { أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } يَقُول : أَمْ حَرَّمَ مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ , يَعْنِي أَرْحَام أُنْثَى الضَّأْن وَأُنْثَى الْمَعْز ; فَلِذَلِكَ قَالَ : أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ . وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا لَوْ أَقَرُّوا بِهِ فَقَالُوا : حَرَّمَ عَلَيْنَا مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ , بُطُول قَوْلهمْ وَبَيَان كَذِبِهِمْ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقِرُّونَ بِإِقْرَارِهِمْ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ذُكُور الضَّأْن وَالْمَعْز وَإِنَاثهَا أَنْ يَأْكُلُوا لُحُومهَا أَوْ يَرْكَبُوا ظُهُورهَا , وَقَدْ كَانُوا يَسْتَمْتِعُونَ بِبَعْضِ ذُكُورهَا وَإِنَاثهَا , وَ " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } نَصْب عَطْفًا بِهَا عَلَى " الْأُنْثَيَيْنِ " . { نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ } يَقُول : قُلْ لَهُمْ : خَبِّرُونِي بِعِلْمٍ ذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ , أَيّ ذَلِكَ حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ وَكَيْف حَرَّمَ , { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فِيمَا تَنْحَلُونَهُ رَبّكُمْ مِنْ دَعْوَاكُمْ وَتُضِيفُونَهُ إِلَيْهِ مِنْ تَحْرِيمكُمْ . وَإِنَّمَا هَذَا إِعْلَام مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ أَنَّ كُلّ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي ذَلِكَ وَأَضَافُوهُ إِلَى اللَّه , فَهُوَ كَذِب عَلَى اللَّه , وَأَنَّهُ لَمْ يُحَرِّم شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا اِتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ خُطُوَات الشَّيْطَان , وَخَالَفُوا أَمْرَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10943 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } . . . الْآيَة , إِنَّ كُلّ هَذَا لَمْ أُحَرِّم مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى . 10944 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } قَالَ : سَلْهُمْ { آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } : أَيْ لَمْ أُحَرِّم مِنْ هَذَا شَيْئًا . { بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فَذَكَرَ مَنْ الْإِبِل وَالْبَقَر نَحْو ذَلِكَ . 10945 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج } فِي شَأْن مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ مِنْ الْبَحِيرَة . 10946 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج } قَالَ : هَذَا فِي شَأْن مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ مِنْ الْبَحَائِر وَالسُّيَّب . قَالَ اِبْن جُرَيْج : يَقُول : مِنْ أَيْنَ حَرَّمْت هَذَا مِنْ قِبَل آلذَّكَرَيْنِ أَمْ مِنْ قِبَل الْأُنْثَيَيْنِ , أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ ؟ وَإِنَّهَا لَا تَشْتَمِل إِلَّا عَلَى ذَكَر أَوْ أُنْثَى , فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ التَّحْرِيم ؟ فَأَجَابُوا هُمْ : وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . 10947 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَر اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْإِبِل اِثْنَيْنِ } , يَقُول : أَنْزَلْت لَكُمْ ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ هَذَا الَّذِي عَدَّدْت ذَكَر وَأُنْثَى , فَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمْت عَلَيْكُمْ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ ؟ يَقُول : أَيْ مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ مَا تَشْتَمِل إِلَّا عَلَى ذَكَر أَوْ أُنْثَى , فَمَا حَرَّمَتْ عَلَيْكُمْ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى مِنْ الثَّمَانِيَة , إِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا مِنْ أَجْل مَا حَرَّمُوا مِنْ الْأَنْعَام . 10948 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنْ الْحَسَن : { أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } قَالَ : مَا حَمَلَتْ الرَّحِم . 10949 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ } قَالَ : هَذَا لِقَوْلِهِمْ : { مَا فِي بُطُون هَذِهِ الْأَنْعَام خَالِصَة لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّم عَلَى أَزْوَاجنَا } . قَالَ : وَقَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } قَالَ : الْأَنْعَام : هِيَ الْإِبِل وَالضَّأْن وَالْمَعْز , هَذِهِ الْأَنْعَام الَّتِي قَالَ اللَّه ثَمَانِيَة أَزْوَاج . قَالَ : وَقَالَ فِي قَوْله : { هَذِهِ أَنْعَام وَحَرْث حِجْر } نَحْتَجِرها عَلَى مَنْ نُرِيد وَعَمَّنْ نُرِيد , وَقَوْله : { وَأَنْعَام حُرِّمَتْ ظُهُورهَا } قَالَ : لَا يَرْكَبهَا أَحَد , { وَأَنْعَام لَا يَذْكُرُونَ اِسْم اللَّه عَلَيْهَا } فَقَالَ : { آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ } أَيْ هَذَيْنِ حَرَّمَ عَلَى هَؤُلَاءِ , أَيْ أَنْ تَكُون لِهَؤُلَاءِ حِلًّا وَعَلَى هَؤُلَاءِ حَرَامًا . 10950 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } يَعْنِي : هَلْ تَشْتَمِل الرَّحِم إِلَّا عَلَى ذَكَر أَوْ أُنْثَى , فَهُمْ يُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَيُحِلُّونَ بَعْضًا ؟ . 10951 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَزْوَاج , { وَمِنْ الْإِبِل اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَحْر اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ } يَقُول : لَمْ أُحَرِّم شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . { نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يَقُول : كُلّه حَلَال . وَالضَّأْن : جَمْع لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه , وَقَدْ يُجْمَع الضَّأْن : الضَّئِين وَالضِّئِين , مِثْل الشَّعِير وَالشِّعِير , كَمَا يُجْمَع الْعَبْد عَلَى عَبِيد وَعِبِيد . وَأَمَّا الْوَاحِد مِنْ ذُكُوره فَضَائِن , وَالْأُنْثَى ضَائِنَة , وَجَمْع الضَّائِنَة : ضَوَائِن , وَكَذَلِكَ الْمَعْز جَمْع عَلَى غَيْر وَاحِد , وَكَذَلِكَ الْمِعْزَى ; وَأَمَّا الْمَاعِز , فَجَمْعه مَوَاعِز .

تفسير القرطبي

" ثَمَانِيَة " مَنْصُوب بِفِعْلٍ مُضْمَر , أَيْ وَأَنْشَأَ " ثَمَانِيَة أَزْوَاج " ; عَنْ الْكِسَائِيّ . وَقَالَ الْأَخْفَش سَعِيد : هُوَ مَنْصُوب عَلَى الْبَدَل مِنْ " حَمُولَة وَفَرْشًا " . وَقَالَ الْأَخْفَش عَلِيّ بْن سُلَيْمَان : يَكُون مَنْصُوبًا ب " كُلُوا " ; أَيْ كُلُوا لَحْم ثَمَانِيَة أَزْوَاج . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا عَلَى الْبَدَل مِنْ " مَا " عَلَى الْمَوْضِع . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا بِمَعْنَى كُلُوا الْمُبَاح " ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ " . وَنَزَلَتْ الْآيَة فِي مَالِك بْن عَوْف وَأَصْحَابه حَيْثُ قَالُوا : " مَا فِي بُطُون هَذِهِ الْأَنْعَام خَالِصَة لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّم عَلَى أَزْوَاجنَا " فَنَبَّهَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّه وَالْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى مَا أَحَلَّهُ لَهُمْ ; لِئَلَّا يَكُونُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَرَّمَ مَا أَحَلَّهُ اللَّه تَعَالَى . وَالزَّوْج خِلَاف الْفَرْد ; يُقَال : زَوْج أَوْ فَرْد . كَمَا يُقَال : خَسًا أَوْ زَكًا , شَفْع أَوْ وَتْر . فَقَوْله : " ثَمَانِيَة أَزْوَاج " يَعْنِي ثَمَانِيَة أَفْرَاد . وَكُلّ فَرْد عِنْد الْعَرَب يَحْتَاج إِلَى آخَر يُسَمَّى زَوْجًا , فَيُقَال لِلذَّكَرِ زَوْج وَلِلْأُنْثَى زَوْج . وَيَقَع لَفْظ الزَّوْج لِلْوَاحِدِ وَلِلِاثْنَيْنِ ; يُقَال هُمَا زَوْجَانِ , وَهُمَا زَوْج ; كَمَا يُقَال : هُمَا سِيَّانِ وَهُمَا سَوَاء . وَتَقُول : اِشْتَرَيْت زَوْجَيْ حَمَام . وَأَنْتَ تَعْنِي ذَكَرًا وَأُنْثَى . أَيْ الذَّكَر وَالْأُنْثَى . وَالضَّأْن : ذَوَات الصُّوف مِنْ الْغَنَم , وَهِيَ جَمْع ضَائِن . وَالْأُنْثَى ضَائِنَة , وَالْجَمْع ضَوَائِن . وَقِيلَ : هُوَ جَمْع لَا وَاحِد لَهُ . وَقِيلَ فِي جَمْعه : ضَئِين ; كَعَبْدٍ وَعَبِيد . وَيُقَال فِيهِ ضَئِين . كَمَا يُقَال فِي شَعِير : شَعِير , كُسِرَتْ الضَّاد اِتِّبَاعًا . وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف " مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ " بِفَتْحِ الْهَمْزَة , وَهِيَ لُغَة مَسْمُوعَة عِنْد الْبَصْرِيِّينَ . وَهُوَ مُطَّرِد عِنْد الْكُوفِيِّينَ فِي كُلّ مَا ثَانِيه حَرْف حَلْق . وَكَذَلِكَ الْفَتْح وَالْإِسْكَان فِي الْمَعْز . وَقَرَأَ أَبَان بْن عُثْمَان " مِنْ الضَّأْن اِثْنَانِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَانِ " رَفْعًا بِالِابْتِدَاءِ . وَفِي حَرْف أُبَيّ . وَهِيَ قِرَاءَة الْأَكْثَر . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَأَبُو عَمْرو بِالْفَتْحِ . قَالَ النَّحَّاس : الْأَكْثَر فِي كَلَام الْعَرَب الْمَعْز وَالضَّأْن بِالْإِسْكَانِ . وَيَدُلّ عَلَى هَذَا قَوْلهمْ فِي الْجَمْع : مَعِيز ; فَهَذَا جَمْع مَعْز . كَمَا يُقَال : عَبْد وَعَبِيد . قَالَ أَمْرُؤُ الْقَيْس : وَيَمْنَحهَا بَنُو شَمَجَى بْن جَرْم مَعِيزهمْ حَنَانك ذَا الْحَنَان وَمِثْله ضَأْن وَضَئِين . وَالْمَعْز مِنْ الْغَنَم خِلَاف الضَّأْن , وَهِيَ ذَوَات الْأَشْعَار وَالْأَذْنَاب الْقِصَار , وَهُوَ اِسْم جِنْس , وَكَذَلِكَ الْمَعْز وَالْمَعِيز وَالْأُمْعُوز وَالْمِعْزَى . وَوَاحِد الْمَعْز مَاعِز ; مِثْل صَاحِب وَصَحْب وَتَاجِر وَتَجْرِ . وَالْأُنْثَى مَاعِزَة وَهِيَ الْعَنْز , وَالْجَمْع مَوَاعِز . وَأَمْعَز الْقَوْم كَثُرَتْ مَعْزَاهُمْ . وَالْمَعَّاز صَاحِب الْمِعْزَى . قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْفَقْعَسِيّ يَصِف إِبِلًا بِكَثْرَةِ اللَّبَن وَيُفَضِّلهَا عَلَى الْغَنَم فِي شِدَّة الزَّمَان : يَكِلْنَ كَيْلًا لَيْسَ بِالْمَمْحُوقِ إِذْ رَضِيَ الْمَعَّاز بِاللَّعُوقِ وَالْمَعَز الصَّلَابَة مِنْ الْأَرْض . وَالْأَمْعَز : الْمَكَان الصُّلْب الْكَثِير الْحَصَى ; وَالْمَعْزَاء أَيْضًا . وَاسْتَمْعَزَ الرَّجُل فِي أَمْره : جَدّ . مَنْصُوب ب " حَرَّمَ " . عَطْف عَلَيْهِ . وَزِيدَتْ مَعَ أَلِف الْوَصْل مَدَّة لِلْفَرْقِ بَيْن الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر . وَيَجُوز حَذْف الْهَمْزَة لِأَنَّ " أَمْ " تَدُلّ عَلَى الِاسْتِفْهَام . كَمَا قَالَ : تَرُوح مِنْ الْحَيّ أَمْ تَبْتَكِر قَالَ الْعُلَمَاء : الْآيَة اِحْتِجَاج عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي أَمْر الْبَحِيرَة وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا . وَقَوْلهمْ : " مَا فِي بُطُون هَذِهِ الْأَنْعَام خَالِصَة لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّم عَلَى أَزْوَاجنَا " . فَدَلَّتْ عَلَى إِثْبَات الْمُنَاظَرَة فِي الْعِلْم ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام بِأَنْ يُنَاظِرهُمْ , وَيُبَيِّن لَهُمْ فَسَاد قَوْلهمْ . وَفِيهَا إِثْبَات الْقَوْل بِالنَّظَرِ وَالْقِيَاس . وَفِيهَا دَلِيل بِأَنَّ الْقِيَاس إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ النَّصّ بَطَلَ الْقَوْل بِهِ . وَيُرْوَى : " إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ النَّقْض " ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِالْمُقَايَسَةِ الصَّحِيحَة , وَأَمَرَهُمْ بِطَرْدِ عِلَّتهمْ . وَالْمَعْنَى : قُلْ لَهُمْ إِنْ كَانَ حَرَّمَ الذُّكُور فَكُلّ ذَكَر حَرَام . وَإِنْ كَانَ حَرَّمَ الْإِنَاث فَكُلّ أُنْثَى حَرَام . وَإِنْ كَانَ حَرَّمَ مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ , يَعْنِي مِنْ الضَّأْن وَالْمَعْز , فَكُلّ مَوْلُود حَرَام , ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى . وَكُلّهَا مَوْلُود فَكُلّهَا إِذًا حَرَام لِوُجُودِ الْعِلَّة فِيهَا , فَبَيَّنَ اِنْتِقَاض عِلَّتهمْ وَفَسَاد قَوْلهمْ ; فَأَعْلَمَ اللَّه سُبْحَانه أَنَّ مَا فَعَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ اِفْتِرَاء عَلَيْهِ أَيْ بِعِلْمٍ إِنْ كَانَ عِنْدكُمْ , مِنْ أَيْنَ هَذَا التَّحْرِيم الَّذِي اِفْتَعَلْتُمُوهُ ؟ وَلَا عِلْم عِنْدهمْ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ الْكُتُب .

غريب الآية
ثَمَـٰنِیَةَ أَزۡوَ ٰ⁠جࣲۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَیۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَیۡنِۗ قُلۡ ءَاۤلذَّكَرَیۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَیَیۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَیۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَیَیۡنِۖ نَبِّـُٔونِی بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ ﴿١٤٣﴾
إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَأي: في أنَّ آلهتَكُم تنفَعُ، أو تضرُّ.
ثَمَـٰنِیَةَ أَزۡوَ ٰ⁠جࣲۖهذه الأنعامُ ثمانيةُ أصنافٍ، أربعةٌ منها في الغنم، وهي: الضَّأْنُ ذُكوراً وإناثاً، والمَعْزُ ذكوراً وإناثاً، وأربعةٌ في الإبِلِ والبقَرِ، ذكوراً وإناثاً.
أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَیۡهِأي: هل حَرَّمَ ما اشتملت عليه؟ فإن كان التحريمُ منه فإن ذلك يَسْتَلْزِم ُ تحريمَ الجميعِ، فلماذا حَلَّلُوا بعضَها، وحَرَّمُوا بعضَها الآخر؟
الإعراب
(ثَمَانِيَةَ)
بَدَلٌ مِنْ (حَمُولَةً) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَزْوَاجٍ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الضَّأْنِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اثْنَيْنِ)
بَدَلٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمُثَنَّى.
(وَمِنَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الْمَعْزِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اثْنَيْنِ)
بَدَلٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمُثَنَّى.
(قُلْ)
فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(آلذَّكَرَيْنِ)
"الْهَمْزَةُ" حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الذَّكَرَيْنِ) : مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُثَنًّى.
(حَرَّمَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(أَمِ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الْأُنْثَيَيْنِ)
مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُثَنًّى.
(أَمَّا)
(أَمْ) : حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(مَا) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَعْطُوفٌ.
(اشْتَمَلَتْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(عَلَيْهِ)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(أَرْحَامُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(الْأُنْثَيَيْنِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُثَنًّى.
(نَبِّئُونِي)
فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"النُّونُ" لِلْوِقَايَةِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(بِعِلْمٍ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(عِلْمٍ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِنْ)
حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كُنْتُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ كَانَ.
(صَادِقِينَ)
خَبَرُ كَانَ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يُفَسِّرُهُ مَا قَبْلَهُ.